An-Nahl 16:4
The Bee · Juz 14 · Page 267
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤
He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.
1 translator’s note
- As soon as he becomes strong and independent. ↩
Tafsir · in Arabic
Ash-Shinqiti
Detailed
Change
Commentary on 16:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ، وهي مَنِيُّ الرَّجُلِ ومَنِيُّ المَرْأةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، أيْ: أخْلاطٍ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ.
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ الرِّواياتِ في تَفْسِيرِ الأمْشاجِ بِالأخْلاطِ: مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقَ، قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾، قالَ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ إذا وقَعَ في الرَّحِمِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. أمّا سَمِعْتَ أبا ذُؤَيْبٍ وهو يَقُولُ:
؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنهُ خِلالَ النَّصْلِ خالَطَهُ مَشِيجُ
وَنَسَبَ في اللِّسانِ هَذا البَيْتَ لِزُهَيْرِ بْنِ حَرامٍ الهُذَلِيِّ، وأنْشَدَهُ هَكَذا:
؎كَأنَّ النَّصْلَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ الرِّيشِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ
قالَ: ورَواهُ المُبَرِّدُ:
؎كَأنَّ المَتْنَ والشَّرْجَيْنِ مِنهُ ∗∗∗ خِلافَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ
قالَ: ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ المَشِيجُ
وَمَعْنى ”سِيطَ بِهِ المَشِيجُ“: خُلِطَ بِهِ الخَلْطَ.
إذا عَرَفْتَ مَعْنى ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الماءَ الَّذِي هو النُّطْفَةُ، مِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ، أيْ: وهو ماءُ الرَّجُلِ، ومِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ وهو: ماءُ المَرْأةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] (p-٣٣١)لِأنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ وهو ظَهْرُهُ، والمُرادَ بِالتَّرائِبِ: تَرائِبُ المَرْأةِ وهي مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
واسْتَشْهَدَ ابْنُ عَبّاسٍ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ: عَلى أنَّ التَّرائِبَ مَوْضِعُ القِلادَةِ بِقَوْلِ المُخَبَّلِ، أوِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرَقًا بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ
فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْشاجَ هي الأخْلاطُ المَذْكُورَةُ، وأمْرُ الإنْسانِ بِأنْ يَنْظُرَ مِمَّ خُلِقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ؛ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ، ويَتْرُكَ التَّكَبُّرَ والعُتُوَّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ [المرسلات: ٢٠] .
وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - حَقارَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٨]، والتَّعْبِيرُ عَنِ النُّطْفَةِ بِما المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩]، فِيهِ غايَةُ تَحْقِيرِ ذَلِكَ الأصْلِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ الإنْسانُ. وفي ذَلِكَ أعْظَمُ رَدْعٍ، وأبْلَغُ زَجْرٍ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّعاظُمِ.
* *
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، أظْهَرُ القَوْلَيْنِ فِيهِ: أنَّهُ ذَمٌّ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ. والمَعْنى: خَلَقْناهُ لِيَعْبُدَنا ويَخْضَعَ لَنا ويُطِيعَ، فَفاجَأ بِالخُصُومَةِ والتَّكْذِيبِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ: ”إذا“ الفُجائِيَّةُ. ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، مَعَ قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذا المَبْحَثِ في ”سُورَةِ الطّارِقِ“ .
(p-٣٣٢)تَنْبِيهٌ.
اخْتَلَفَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في: ”إذا“ الفُجائِيَّةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هي حَرْفٌ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ الأخْفَشُ. قالَ ابْنُ هِشامٍ في ”المُغْنِي“: ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم: خَرَجْتُ فَإذا إنَّ زَيْدًا بِالبابِ (بِكَسْرِ إنَّ)؛ لِأنَّ ”إنَّ“ - المَكْسُورَةَ - لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقالَ بَعْضُهم: هي ظَرْفُ مَكانٍ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ المُبَرِّدُ. وقالَ بَعْضُهم: هي ظَرْفُ زَمانٍ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ الزَّجّاجُ. والخَصِيمُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، أيْ: شَدِيدُ الخُصُومَةِ. وقِيلَ: الخَصِيمُ المُخاصِمُ. وإتْيانُ الفَعِيلِ بِمَعْنى المُفاعِلِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، كالقَعِيدِ بِمَعْنى المُقاعِدِ، والجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ، والأكِيلِ بِمَعْنى المُؤاكِلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ”مُبِينٌ“ [النحل: ٤] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ فاعِلِ أبانَ اللّازِمَةِ، بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ؛ أيْ بَيِّنَ الخُصُومَةِ. ومِن إطْلاقِ أبانَ بِمَعْنى بانَ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎إذا آباؤُنا وأبُوكَ عَدَوا أبانَ المُقْرِفاتُ مِنَ العِرابِ
أيْ: ظَهَرَ. وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:
؎لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضاحِي جِلْدِها ∗∗∗ لَأبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُورُ
يَعْنِي: لَظَهَرَ مِن آثارِهِنَّ ورَمٌ في الجِلْدِ. وقِيلَ: مِن أبانَ المُتَعَدِّيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مُبِينٌ خُصُومَتَهُ ومُظْهِرٌ لَها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Page 267
15:91
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١
Who have made the Qur’ān into portions.1
1 translator’s note
- Accepting part and rejecting part according to their own inclinations. ↩
15:92
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
15:93
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
About what they used to do.
15:94
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
15:95
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
15:96
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
Who make [equal] with Allāh another deity. But they are going to know.
15:97
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
And We already know that your breast is constrained by what they say.
15:98
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
So exalt [Allāh] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
15:99
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
سورة النحل
An-Nahl
The Bee · Meccan · 128 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
16:1
أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١
The command of Allāh is coming,1 so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.
1 translator’s note
- Literally, "has come," indicating the certainty and nearness of the Last Hour. ↩
16:2
يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢
He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."
16:3
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣
He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.
16:4
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤
He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.
1 translator’s note
- As soon as he becomes strong and independent. ↩
16:5
وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥
And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.
1 translator’s note
- i.e., in clothing, tents, furnishings, etc. ↩
16:6
وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦
And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].