An-Nahl 16:41
The Bee · Juz 14 · Page 271
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 16:41–42
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
لَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَةُ البَعْثِ بِأنَّها تَبْيِينُ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ مِن هُدًى وضَلالَةٍ، ومِن ذَلِكَ أنْ يَتَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ بِتَبْيِينٍ بِالبَعْثِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا صادِقِينَ بِدَلالَةِ المُضادَّةِ، وأنَّهم مُثابُونَ ومُكَرَّمُونَ، فَلَمّا عُلِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ، وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وأُدْمِجَ مَعَ ذَلِكَ وعْدُهم بِحُسْنِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا مُقابَلَةَ وعِيدِ الكافِرِينَ بِسُوءِ العاقِبَةِ فِيها الواقِعِ بِالتَّعْرِيضِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] .
والمُهاجَرَةُ: مُتارَكَةُ الدِّيارِ لِغَرَضٍ ما. و(في) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ، تَقْدِيرُهُ: هاجَرُوا لِأجْلِ مَرْضاةِ اللَّهِ.
وإسْنادُ فِعْلِ ظَلَمُوا إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ الفاعِلِ مِنَ السِّياقِ، وهو المُشْرِكُونَ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ أصْنافَ الِاعْتِداءِ مِنَ الأذى والتَّعْذِيبِ.
صفحة ١٥٨
والتَّبْوِئَةُ: الإسْكانُ، وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الجَزاءِ بِالحُسْنى عَلى المُهاجَرَةِ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ لِلْمُهاجَرَةِ؛ لِأنَّ المُهاجَرَةَ الخُرُوجُ مِنَ الدِّيارِ فَيُضادُّها الإسْكانُ.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (هاجَرُوا) و(لَنُبَوِّئَنَّهم) مُحَسِّنُ الطِّباقِ، والمَعْنى: لَنُجازِيَنَّهم جَزاءً حَسَنًا، فَعَبَّرَ عَنِ الجَزاءِ بِالتَّبْوِئَةِ؛ لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَرْكِ المُباءَةِ.
و(حَسَنَةً) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ جارٍ عَلى (نُبَوِّئَنَّهم)، أيْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً.
وهَذا الجَزاءُ يَجْبُرُ كُلَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ المُهاجَرَةُ مِنَ الأضْرارِ الَّتِي لَقِيَها المُهاجِرُونَ مِن مُفارَقَةِ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وما لاقَوْهُ مِنَ الأذى الَّذِي ألْجَأهم إلى المُهاجَرَةِ مِن تَعْذِيبٍ واسْتِهْزاءٍ ومَذَلَّةٍ وفِتْنَةٍ، فالحَسَنَةُ تَشْتَمِلُ عَلى تَعْوِيضِهِمْ دِيارًا خَيْرًا مِن دِيارِهِمْ، ووَطَنًا خَيْرًا مِن وطَنِهِمْ، وهو المَدِينَةُ، وأمْوالًا خَيْرًا مِن أمْوالِهِمْ، وهي ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ ومِنَ الخَراجِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ: هَذا ما وعَدَكَ رَبُّكَ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ، وغَلَبَةً لِأعْدائِهِمْ في الفُتُوحِ، وأهَمُّها فَتْحُ مَكَّةَ، وأمْنًا في حَياتِهِمْ بِما نالُوهُ مِنَ السُّلْطانِ، قالَ تَعالى ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وسَبَبُ النُّزُولِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، أوِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ الهِجْرَةَ الأُولى قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ، وبَقِيَّةُ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ مِثْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وأصْحابِهِ إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى إلى المَدِينَةِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يُنافِي كَوْنَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ولا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ أُولَئِكَ بِهَذا الوَعْدِ.
ثُمَّ أعْقَبَ هَذا الوَعْدَ بِالوَعْدِ العَظِيمِ المَقْصُودِ وهو قَوْلُهُ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾، ومَعْنى (أكْبَرُ) أنَّهُ أهَمُّ وأنْفَعُ، وإضافَتُهُ إلى الآخِرَةِ عَلى مَعْنى (في)، أيِ الأمْرُ الَّذِي في الآخِرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ الوَعْدِ كُلِّها؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ العَظِيمَ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ يُثِيرُ في نُفُوسِ
صفحة ١٥٩
السّامِعِينَ أنْ يَسْألُوا كَيْفَ لَمْ يَقْتَدِ بِهِمْ مَن بَقُوا عَلى الكُفْرِ فَتَقَعُ جُمْلَةُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ بَيانًا لِما اسْتُبْهِمَ عَلى السّائِلِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لاقْتَدَوْا بِهِمْ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، فَضَمِيرُ يَعْلَمُونَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ المُثارُ هو: كَيْفَ يَحْزَنُ المُهاجِرُونَ عَلى ما تَرَكُوهُ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ، فَيَكُونُ: المَعْنى لَوْ كانَ المُهاجِرُونَ يَعْلَمُونَ ما أُعِدَّ لَهم عِلْمَ مُشاهَدَةٍ لَما حَزِنُوا عَلى مُفارَقَةِ دِيارِهِمْ، ولَكانَتْ هِجْرَتُهم عَنْ شَوْقٍ إلى ما يُلاقُونَهُ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ العِلْمِ الحِسِّيِّ عَلى المِزاجِ الإنْسانِيِّ أقْوى مِنَ العِلْمِ العَقْلِيِّ عَلى تَفاصِيلِ الكَيْفِيّاتِ الَّتِي تُحِبُّها النُّفُوسُ، وتَرْتَمِي إلَيْها الشَّهَواتُ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لَوْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ويُؤْمِنُونَ؛ لَأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لا يُناسِبُ مَوْقِعَ (لَوْ) الِامْتِناعِيَّةِ.
فَضَمِيرُ (يَعْلَمُونَ) عَلى هَذا ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠]، وفي هَذا الوَجْهِ تَتَناسَقُ الضَّمائِرُ.
و﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ صِفَةٌ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠]، والصَّبْرُ: تَحَمُّلُ المَشاقِّ، والتَّوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ.
وتَقَدَّمَ الصَّبْرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] أوائِلِ البَقَرَةِ، والتَّوَكُّلُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في آلِ عِمْرانَ.
والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الصَّبْرِ بِالمُضِيِّ، وفي جانِبِ التَّوَكُّلِ بِالمُضارِعِ إيماءً إلى أنَّ صَبْرَهم قَدْ آذَنَ بِالِانْقِضاءِ لِانْقِضاءِ أسْبابِهِ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهم فَرَجًا بِالهِجْرَةِ الواقِعَةِ والهِجْرَةِ المُتَرَقَّبَةِ، فَهَذا بِشارَةٌ لَهم.
صفحة ١٦٠
وأنَّ التَّوَكُّلَ دَيْدَنُهم؛ لِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ أعْمالًا جَلِيلَةً تَتِمُّ لَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في أُمُورِهِمْ فَهم يُكَرِّرُونَهُ، وفي هَذا بِشارَةٌ بِضَمانِ النَّجاحِ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] .
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لِلْقَصْرِ، أيْ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى رَبِّهِمْ دُونَ التَّوَكُّلِ عَلى سادَةِ المُشْرِكِينَ ووَلائِهِمْ.
Page 271
16:35
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥
And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?
16:36
وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦
And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.
1 translator’s note
- False objects of worship. ↩
16:37
إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧
[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.
1 translator’s note
- As a result of their choice to reject guidance. ↩
16:38
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨
And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.
16:39
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩
[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.
16:40
إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠
Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.
16:41
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.
16:42
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢
[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.