An-Nahl 16:53
The Bee · Juz 14 · Page 272
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 16:53–54
﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ عَطْفُ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ، وهو انْتِقالٌ مِن الِاسْتِدْلالِ بِمَصْنُوعاتِ اللَّهِ الكائِنَةِ في ذاتِ الإنْسانِ وفِيما يُحِيطُ بِهِ مِنَ المَوْجُوداتِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما ساقَ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، فَمِنَ النّاسِ مُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيها، وعَنْ شُكْرِها وهُمُ الكافِرُونَ، فَكانَ في الأدِلَّةِ الماضِيَةِ القَصْدُ إلى الِاسْتِدْلالِ ابْتِداءً مَتْبُوعًا بِالِامْتِنانِ.
صفحة ١٧٧
وتَغَيَّرَ الأُسْلُوبُ هُنا فَصارَ المَقْصُودُ الأوَّلُ هو الِامْتِنانُ بِالنِّعَمِ مُدْمَجًا فِيهِ الِاعْتِبارُ بِالخَلْقِ، فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى الأُمَّةِ كُلِّها، ولِذَلِكَ جاءَ عَقِبَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ .
وابْتُدِئَ بِالنِّعَمِ عَلى وجْهِ العُمُومِ إجْمالًا، ثُمَّ ذُكِرَتْ مُهِمّاتٌ مِنها.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ؛ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ هو المُنْعِمُ.
ومَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هُنا أنَّهُ لَمّا أبْطَلَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وُجُودَ إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ أحَدُهُما فِعْلُهُ الخَيْرُ والآخَرُ فِعْلُهُ الشَّرُّ أعْقَبَهُ هُنا بِأنَّ الخَيْرَ والضُّرَّ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى، وهو يُعْطِي النِّعْمَةَ وهو كاشِفُ الضُّرِّ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ ما لابَسَكم واسْتَقَرَّ عِنْدَكم، و﴿مِن نِعْمَةٍ﴾ لِبَيانِ إبْهامِ (ما) المَوْصُولَةِ.
و (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ واصِلَةٌ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عَطاءِ اللَّهِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا تَصْدُرُ عَنْ ذاتِ اللَّهِ، ولَكِنْ عَنْ صِفَةِ قُدْرَتِهِ أوْ عَنْ صِفَةِ فِعْلِهِ عِنْدَ مُثْبِتِي صِفاتِ الأفْعالِ، ولَمّا كانَ ما ﴿بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ كانَ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُغْنِيًا عَنِ الإتْيانِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ.
و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ لِلتَّراخِي الرُّتَبِي كَما هو شَأْنُها الغالِبُ في عَطْفِها الجُمَلَ؛ لِأنَّ اللَّجَأ إلى اللَّهِ عِنْدَ حُصُولِ الضُّرِّ أعْجَبُ إخْبارًا مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أبْعَدُ في النَّظَرِ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَقْصُودُ: تَقْرِيرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو مُدَبِّرُ أسْبابِ ما بِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وأنَّهُ لا إلَهَ يَخْلُقُ إلّا هو، وإنَّهم لا يَلْتَجِئُونَ إلّا إلَيْهِ إذا أصابَهم ضُرٌّ، وهو ضِدُّ النِّعْمَةِ.
صفحة ١٧٨
ومَسُّ الضُّرِّ: حُلُولُهُ، اسْتُعِيرَ المَسُّ لِلْحُصُولِ الخَفِيفِ؛ لِلْإشارَةِ إلى ضِيقِ صَبْرِ الإنْسانِ بِحَيْثُ إنَّهُ يَجْأرُ إلى اللَّهِ بِحُصُولِ أدْنى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ لَهُ، وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ المَسِّ في الإصابَةِ الخَفِيفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(تَجْأرُونَ) تَصْرُخُونَ بِالتَّضَرُّعِ، والمَصْدَرُ: الجُؤارُ، بِصِيغَةِ أسْماءِ الأصْواتِ.
وأتْبَعَ هَذِهِ بِنِعْمَةٍ أُخْرى، وهي نِعْمَةُ كاشِفِ الضُّرِّ عَنِ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، وجِيءَ بِحَرْفِ (ثُمَّ)؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أبْعَدُ في النَّظَرِ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَإنَّ الإعْراضَ عَنِ المُنْعِمِ بِكَشْفِ الضُّرِّ وإشْراكِ غَيْرِهِ بِهِ في العِبادَةِ أعْجَبُ حالًا، وأبْعَدُ حُصُولًا مِنَ اللَّجَأِ إلَيْهِ عِنْدَ الشِّدَّةِ.
والمَقْصُودُ تَسْجِيلُ كُفْرانِ المُشْرِكِينَ، وإظْهارُ رَأْفَةِ اللَّهِ بِالخَلْقِ بِكَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم عِنْدَ التِجائِهِمْ إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ مِن أُولَئِكَ مَن يُشْرِكُ بِهِ، ويَسْتَمِرُّ عَلى شِرْكِهِ بَعْدَ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ.
و(إذا) الأُولى مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وهي ظَرْفٌ. و(إذا) الثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ، والإتْيانُ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِ هَذا الفَرِيقِ بِالرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ، وأنَّهُ لا يَتَرَيَّثُ إلى أنْ يَبْعُدَ العَهْدُ بِنِعْمَةِ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُ بِحَيْثُ يُفْجَأُونَ بِالكُفْرِ دُفْعَةً دُونَ أنْ يَتَرَقَّبَهُ مِنهم مُتَرَقِّبٌ، فَكانَ الفَرِيقُ المَعْنِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكُمْ﴾ فَرِيقُ المُشْرِكِينَ.
Page 272
16:43
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣
And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
16:44
بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤
[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.
16:45
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥
Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?
16:46
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦
Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?
16:47
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧
Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2
16:48
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨
Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.
16:49
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩
And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.
16:50
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠
They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.
16:51
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
1 translator’s note
- Meaning more than one. ↩
16:52
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
16:53
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
16:54
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord