An-Nahl 16:6
The Bee · Juz 14 · Page 267
وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦
And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 16:5–7
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ الأنْعامَ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ عَطْفًا عَلى الإنْسانَ، أيْ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ والأنْعامَ، وهي أيْضًا مَخْلُوقَةٌ مِن نُطْفَةٍ، فَيَحْصُلُ
صفحة ١٠٤
اعْتِبارٌ بِهَذا التَّكْوِينِ العَجِيبِ؛ لِشَبَهِهِ بِتَكْوِينِ الإنْسانِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (خَلَقَها) بِمُتَعَلِّقاتِها مُسْتَأْنَفَةٌ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الِامْتِنانُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَيَكُونُ نَصْبُ الأنْعامِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ، والتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ الأنْعامَ خَلَقَها، فَيَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الحُكْمِ اهْتِمامًا بِما في الأنْعامِ مِنَ الفَوائِدِ؛ فَيَكُونُ امْتِنانًا عَلى المُخاطَبِينَ، وتَعْرِيضًا بِهِمْ، فَإنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِخَلْقِها فَجَعَلُوا مِن نِتاجِها لِشُرَكائِهِمْ وجَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا، وأيُّ كُفْرانٍ أعْظَمُ مِن أنْ يُتَقَرَّبَ بِالمَخْلُوقاتِ إلى غَيْرِ مَن خَلَقَها، ولَيْسَ في الكَلامِ حَصْرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (خَلَقَها) عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ؛ إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ تَمامُ مُقابَلَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] مِن حَيْثُ حُصُولِ الِاعْتِبارِ ابْتِداءً ثُمَّ التَّعْرِيضِ بِالكُفْرانِ ثانِيًا، بِخِلافِ الوَجْهِ الثّانِي فَإنَّ صَرِيحَهُ الِامْتِنانُ ويَحْصُلُ الِاعْتِبارُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ مِن الِاهْتِمامِ.
والمَقْصُودُ مِن الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ وما بَعْدَهُ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ.
والأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، والمَعِزُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأشْهَرُ الأنْعامِ عِنْدَ العَرَبِ الإبِلُ؛ ولِذَلِكَ يَغْلِبُ أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الأنْعامِ عِنْدَهم عَلى الإبِلِ.
والخِطابُ صالِحٌ لِشُمُولِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً مِن الِاسْتِدْلالِ، وأنْ يَشْمَلَ جَمِيعَ النّاسِ، ولا سِيَّما فِيما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِن الِامْتِنانِ.
وفِيهِ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]) بِاعْتِبارِ بَعْضِ المُخاطَبِينَ.
والدِّفْءُ - بِكَسْرِ الدّالِ - اسْمٌ لِما يُتَدَفَّأُ بِهِ كالمِلْءِ والحِمْلِ، وهو الثِّيابُ المَنسُوجَةُ مِن أوْبارِ الأنْعامِ وأصْوافِها وأشْعارِها تُتَّخَذُ مِنها الخِيامُ والمَلابِسُ.
صفحة ١٠٥
فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ مادَّةَ النَّسْجِ جُعِلَ المَنسُوجُ كَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الأنْعامِ، وخُصَّ الدِّفْءُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عُمُومِ المَنافِعِ لِلْعِنايَةِ بِهِ.
عَطْفُ (ومَنافِعُ) عَلى (دِفْءٌ) مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ؛ لِأنَّ أمْرَ الدِّفْءِ قَلَّما تَسْتَحْضِرُهُ الخَواطِرُ.
ثُمَّ عُطِفَ الأكْلُ مِنها؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِها لا مِن ثَمَراتِها.
وجُمْلَةُ (﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾، وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ تَسْخِيرِها لِلْأكْلِ مِنها والتَّغَذِّي، واسْتِرْدادِ القُوَّةِ لِما يَحْصُلُ مِن تَغْذِيَتِها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ؛ لِأنَّهم شَدِيدُو الرَّغْبَةِ في أكْلِ اللُّحُومِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في (تَأْكُلُونَ)؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ المُتَكَرِّرَةِ.
والإراحَةُ: فِعْلُ الرَّواحِ، وهو الرُّجُوعُ إلى المَعاطِنِ، يُقالُ: أراحَ نِعَمَهُ إذا أعادَها بَعْدَ السُّرُوحِ.
والسُّرُوحُ: الإسامَةُ، أيِ الغُدُوُّ بِها إلى المَراعِي، يُقالُ: سَرَحَها بِتَخْفِيفِ الرّاءِ سَرَحًا وسُرُوحًا، وسَرَّحَها بِتَشْدِيدِ الرّاءِ تَسْرِيحًا.
وتَقْدِيمُ الإراحَةِ عَلى التَّسْرِيحِ؛ لِأنَّ الجَمالَ عِنْدَ الإراحَةِ أقْوى وأبْهَجُ؛ لِأنَّها تُقْبِلُ حِينَئِذٍ مَلْأى البُطُونِ حافِلَةَ الضُّرُوعِ مَرِحَةً بِمَسَرَّةِ الشِّبَعِ، ومَحَبَّةِ الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِها مِن مَعاطِنَ ومَرابِضَ.
والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في (تُرِيحُونَ) و(تَسْرَحُونَ)؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ المُتَكَرِّرَةِ، وفي تَكَرُّرِها تَكَرُّرُ النِّعْمَةِ بِمَناظِرِها.
وجُمْلَةُ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أشْهَرِ الأنْعامِ عِنْدَهم وهي الإبِلُ، كَقَوْلِها
صفحة ١٠٦
فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ «رَكِبَ شَرِيًّا، وأخَذَ خَطِيًّا فَأراحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا»، فَإنَّ النَّعَمَ الَّتِي تُؤْخَذُ بِالرُّمْحِ هي الإبِلُ؛ لِأنَّها تُؤْخَذُ بِالغارَةِ.
وضَمِيرُ (وتَحْمِلُ) عائِدٌ إلى بَعْضِ الأنْعامِ بِالقَرِينَةِ، واخْتِيارُ الفِعْلِ المُضارِعِ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ الفِعْلِ.
والأثْقالُ: جَمْعُ ثَقَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو ما يَثْقُلُ عَلى النّاسِ حَمْلُهُ بِأنْفُسِهِمْ.
والمُرادُ بِـ (بَلَدٍ) جِنْسُ الَّذِي يَرْتَحِلُونَ إلَيْهِ كالشّامِ واليَمَنِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الحِجازِ، ومِنهم أهْلُ مَكَّةَ في رِحْلَةِ الصَّيْفِ والشِّتاءِ والرِّحْلَةِ إلى الحَجِّ.
وقَدْ أفادَ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ مَعْنى تَحْمِلُكم وتُبَلِّغُكم، بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّصْرِيحِ؛ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ صِفَةٌ لِـ (بَلَدٍ)، وهي مُفِيدَةٌ مَعْنى البُعْدِ؛ لِأنَّ بُلُوغَ المُسافِرِ إلى بَلَدٍ بِمَشَقَّةٍ هو مِن شَأْنِ البَلَدِ البَعِيدِ، أيْ لا تَبْلُغُونَهُ بِدُونِ الأنْعامِ الحامِلَةِ أثْقالَكم.
والشِّقُّ - بِكَسْرِ الشِّينِ - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: المَشَقَّةُ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والمَشَقَّةُ: التَّعَبُ الشَّدِيدُ.
وما بَعْدَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ مُسْتَثْنًى مِن أحْوالٍ لِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (﴿إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾) بِفَتْحِ الشِّينِ وهو لُغَةٌ في الشِّقِّ المَكْسُورِ الشِّينِ.
وقَدْ نَفَتِ الجُمْلَةُ أنْ يَكُونُوا بالِغَيْهِ إلّا بِمَشَقَّةٍ، فَأفادَ ظاهِرُها أنَّهم كانُوا يَبْلُغُونَهُ بِدُونِ الرَّواحِلِ بِمَشَقَّةٍ، ولَيْسَ مَقْصُودًا، إذْ كانَ الحَمْلُ عَلى الأنْعامِ مُقارِنًا لِلْأسْفارِ بِالِانْتِقالِ إلى البِلادِ البَعِيدَةِ، بَلِ المُرادُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغَيْهِ لَوْلا الإبِلُ أوْ بِدُونِ الإبِلِ، فَحُذِفَ لِقَرِينَةِ السِّياقِ.
صفحة ١٠٧
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾، أيْ خَلَقَها لِهَذِهِ المَنافِعِ؛ لِأنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ بِكم.
Page 267
15:91
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١
Who have made the Qur’ān into portions.1
1 translator’s note
- Accepting part and rejecting part according to their own inclinations. ↩
15:92
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
15:93
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
About what they used to do.
15:94
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
15:95
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
15:96
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
Who make [equal] with Allāh another deity. But they are going to know.
15:97
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
And We already know that your breast is constrained by what they say.
15:98
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
So exalt [Allāh] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
15:99
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
سورة النحل
An-Nahl
The Bee · Meccan · 128 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
16:1
أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١
The command of Allāh is coming,1 so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.
1 translator’s note
- Literally, "has come," indicating the certainty and nearness of the Last Hour. ↩
16:2
يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢
He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."
16:3
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣
He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.
16:4
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤
He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.
1 translator’s note
- As soon as he becomes strong and independent. ↩
16:5
وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥
And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.
1 translator’s note
- i.e., in clothing, tents, furnishings, etc. ↩
16:6
وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦
And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].