Al-Isra 17:49
The Night Journey · Juz 15 · Page 286
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩
And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"
Tafsir · in Arabic
Ibn al-Qayyim
Detailed
Change
Commentary on 17:49–51
(فصل)
تَأمَّلْ تَضَمُّنَ هَذِهِ الكَلِماتِ - عَلى اخْتِصارِها وإيجازِها وبَلاغَتِها - لِلْأصْلِ والفَرْعِ والعِلَّةِ والحُكْمِ.
رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ رَدًّا يَتَضَمَّنُ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِهِمْ خَلْقًا جَدِيدًا فَقالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا (٥٠) أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
فَلَمّا اسْتَبْعَدُوا أنْ يُعِيدَهم اللَّهُ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ صارُوا عِظامًا ورُفاتًا قِيلَ لَهُمْ: كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ، سَواءٌ كانَ المَوْتَ أوْ السَّماءَ أوْ الأرْضَ أوْ أيَّ خَلْقٍ اسْتَعْظَمْتُمُوهُ وكَبُرَ في صُدُورِكُمْ، ومَضْمُونُ الدَّلِيلِ أنَّكم مَرْبُوبُونَ مَخْلُوقُونَ مَقْهُورُونَ عَلى ما يَشاءُ خالِقُكُمْ، وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَغْيِيرِ أحْوالِكم مِن خِلْقَةٍ إلى خِلْقَةٍ لا تَقْبَلُ الِاضْمِحْلالَ كالحِجارَةِ والحَدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَوْ كُنْتُمْ عَلى هَذِهِ الخِلْقَةِ مِن القُوَّةِ والشِّدَّةِ لَنَفَذَتْ أحْكامِي وقُدْرَتِي ومَشِيئَتِي، ولَمْ تَسْبِقُونِي ولَمْ تَفُوتُونِي، كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن هو في قَبْضَتِهِ: اصْعَدْ إلى السَّماءِ فَإنِّي لاحِقُك؛ أيْ لَوْ صَعِدْت إلى السَّماءِ لَحِقْتُك، وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ لَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً أوْ حَدِيدًا أوْ أعْظَمَ خَلْقًا مِن ذَلِكَ لَما أعْجَزْتُمُونِي ولَما فُتُّمُونِي.
وَقِيلَ: المَعْنى كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا عِنْدَ أنْفُسِكُمْ، أيْ صَوِّرُوا أنْفُسَكم وقَدِّرُوها خَلْقًا لا يَضْمَحِلُّ ولا يَنْحَلُ، فَإنّا سَنُمِيتُكم ثُمَّ نُحْيِيكم ونُعِيدُكم خَلْقًا جَدِيدًا، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فَرْقٌ لَطِيفٌ، فَإنَّ المَعْنى الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّكم لَوْ قَدَرْتُمْ عَلى نَقْلِ خِلْقَتِكم مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ هي أشَدَّ مِنها وأقْوى لَنَفَذَتْ مَشِيئَتُنا وقُدْرَتُنا فِيكم ولَمْ تُعْجِزُونا، فَكَيْفَ وأنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ؟ والمَعْنى الثّانِي يَقْتَضِي أنَّكم صَوِّرُوا أنْفُسَكم وأنْزِلُوها هَذِهِ المَنزِلَةَ، ثُمَّ انْظُرُوا أتَفُوتُونا وتُعْجِزُونا أمْ قُدْرَتُنا ومَشِيئَتُنا مُحِيطَةٌ بِكم ولَوْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ؟ وهَذا مِن أبْلَغِ البَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي لا تَعْرِضُ فِيها شُبْهَةٌ ألْبَتَّةَ، بَلْ لا تَجِدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَنْ الإذْعانِ والِانْقِيادِ لَها بُدًّا، فَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ صِحَّةَ هَذا البُرْهانِ وأنَّهُ ضَرُورِيٌّ انْتَقَلُوا إلى المُطالَبَةِ بِمَن يُعِيدُهم فَقالُوا: مَن يُعِيدُنا؟ وهَذا سَواءٌ كانَ سُؤالًا مِنهم عَنْ تَعْيِينِ المُعِيدِ أوْ إنْكارًا مِنهم لَهُ فَهو مِن أقْبَحِ التَّعَنُّتِ وأبْيَنِهِ، ولِهَذا كانَ جَوابُهُ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
وَلَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ هَذا جَوابٌ قاطِعٌ انْتَقَلُوا إلى بابٍ آخَرَ مِن التَّعَنُّتِ؛ وهو السُّؤالُ عَنْ وقْتِ هَذِهِ الإعادَةِ، فَأنْغَضُوا إلَيْهِ رُءُوسَهم وقالُوا: مَتى هُوَ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾
فَلْيَتَأمَّلْ اللَّبِيبُ لُطْفَ مَوْقِعِ هَذا الدَّلِيلِ، واسْتِلْزامَهُ لِمَدْلُولِهِ اسْتِلْزامًا لا مَحِيدَ عَنْهُ، وما تَضَمَّنَهُ مِن السُّؤالاتِ والجَوابِ عَنْها أبْلَغَ جَوابٍ وأصَحَّهُ وأوْضَحَهُ، فَلِلَّهِ ما يَفُوتُ المُعْرِضِينَ عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ المُتَعَوَّضِينَ عَنْهُ بِزُبالَةِ الأذْهانِ ونُخالَةِ الأفْكارِ.
(فصل آخر)
تأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا إذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب فهلا كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ولم يجعلنا حجارة ولا حديدا فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا.
وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال.
ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقلها من حال إلى حال فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال.
فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفنيت فأجابهم بقوله ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّة﴾
وهذا الجواب نظير جواب قول السائل ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم متى هو فأجيبوا بقوله:
﴿عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا﴾.
Page 286
17:39
ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩
That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.
17:40
أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا ٤٠
Then, has your Lord chosen you for [having] sons and taken [i.e., adopted] from among the angels daughters? Indeed, you say a grave saying.
17:41
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا ٤١
And We have certainly diversified [the contents] in this Qur’ān that they [i.e., mankind] may be reminded, but it does not increase them [i.e., the disbelievers] except in aversion.
17:42
قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢
Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1
1 translator’s note
- To please Him, recognizing His superiority. Another interpretation is "...they would seek a way" to depose Him (subḥānahu wa taʿālā) and take over His Throne. ↩
17:43
سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣
Exalted is He and high above what they say by great sublimity.
17:44
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤
The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.
1 translator’s note
- Refer to footnote in 2:225. ↩
17:45
وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥
And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1
1 translator’s note
- Preventing guidance from reaching them. ↩
17:46
وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦
And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.
17:47
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧
We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
17:48
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
1 translator’s note
- Describing the Prophet (ﷺ) as a poet, a madman or one under the influence of sorcery. ↩
17:49
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩
And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"