Al-Isra 17:83
The Night Journey · Juz 15 · Page 290
وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣
And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 17:82–84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والحَشْرِ والمَعادِ والبَعْثِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ ونَبَّهَ عَلى ما فِيها مِنَ الأسْرارِ، وإنَّما ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ في القُرْآنِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ
صفحة ٢٩
شِفاءً ورَحْمَةً فَقالَ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ ولَفْظَةُ مَن هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هي لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) والمَعْنى: ونُنَزِّلُ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو قُرْآنٌ ما هو شِفاءٌ، فَجَمِيعُ القُرْآنِ شِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وشِفاءٌ أيْضًا مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ، أمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ فَظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْراضَ الرُّوحانِيَّةَ نَوْعانِ: الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ والأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، أمّا الِاعْتِقاداتُ الباطِلَةُ فَأشَدُّها فَسادًا الِاعْتِقاداتُ الفاسِدَةُ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ، والقُرْآنُ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ المَذْهَبِ الحَقِّ في هَذِهِ المَطالِبِ، وإبْطالِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ فِيها، ولَمّا كانَ أقْوى الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ هو الخَطَأ في هَذِهِ المَطالِبِ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدَّلائِلِ الكاشِفَةِ عَمّا في هَذِهِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ مِنَ العُيُوبِ الباطِنَةِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ الرُّوحانِيِّ، وأمّا الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفْصِيلِها وتَعْرِيفِ ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والإرْشادِ إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ الكامِلَةِ والأعْمالِ المَحْمُودَةِ فَكانَ القُرْآنُ شِفاءً مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ المَرَضِ فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ مِن جَمِيعِ الأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا كَوْنُهُ شِفاءً مِنَ الأمْراضِ الجُسْمانِيَّةِ فَلِأنَّ التَّبَرُّكَ بِقِراءَتِهِ يَدْفَعُ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ، ولَمّا اعْتَرَفَ الجُمْهُورُ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الطَّلْسَماتِ بِأنَّ لِقِراءَةِ الرُّقى المَجْهُولَةِ والعَزائِمِ الَّتِي لا يُفْهَمُ مِنها شَيْءٌ آثارًا عَظِيمَةً في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فَلِأنْ تَكُونَ قِراءَةُ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُشْتَمِلِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وتَحْقِيرِ المَرَدَةِ والشَّياطِينِ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّفْعِ في الدِّينِ والدُّنْيا كانَ أوْلى، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَن لَمْ يَسْتَشْفِ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اللَّهُ تَعالى» “ وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فاعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَرِيضَةٌ بِسَبَبِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الفاسِدَةِ، والقُرْآنُ قِسْمانِ بَعْضُهُما يُفِيدُ الخَلاصَ عَنْ شُبَهاتِ الضّالِّينَ وتَمْوِيهاتِ المُبْطِلِينَ وهو الشِّفاءُ، وبَعْضُهُما يُفِيدُ تَعْلِيمَ كَيْفِيَّةِ اكْتِسابِ العُلُومِ العالِيَةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي بِها يَصِلُ الإنْسانُ إلى جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِاخْتِلاطِ بِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وهو الرَّحْمَةُ، ولَمّا كانَ إزالَةُ المَرَضِ مُقَدَّمَةً عَلى السَّعْيِ في تَكْمِيلِ مُوجِباتِ الصِّحَّةِ لا جَرَمَ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الشِّفاءِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الرَّحْمَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ القُرْآنِ شِفاءً ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بَيَّنَ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلْخَسارِ والضَّلالِ في حَقِّ الظّالِمِينَ والمُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ سَماعَ القُرْآنِ يَزِيدُهم غَيْظًا وغَضَبًا وحِقْدًا وحَسَدًا وهَذِهِ الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ تَدْعُوهم إلى الأعْمالِ الباطِلَةِ وتَزِيدُ في تَقْوِيَةِ تِلْكَ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ في جَواهِرِ نُفُوسِهِمْ ثُمَّ لا يَزالُ الخُلُقُ الخَبِيثُ النَّفْسانِيُّ يَحْمِلُ عَلى الأعْمالِ الفاسِدَةِ، والإتْيانُ بِتِلْكَ الأعْمالِ يُقَوِّي تِلْكَ الأخْلاقَ فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَصِيرُ القُرْآنُ سَبَبًا لِتَزايُدِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الضّالِّينَ في دَرَجاتِ الخِزْيِ والضَّلالِ والفَسادِ والنَّكالِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّبَبَ الأصْلِيَّ في وُقُوعِ هَؤُلاءِ الجاهِلِينَ الضّالِّينَ في أوْدِيَةِ الضَّلالِ ومَقاماتِ الخِزْيِ والنَّكالِ وهو حُبُّ الدُّنْيا والرَّغْبَةُ في المالِ والجاهِ واعْتِقادُهم أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ جِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ الإنْسانَ هَهُنا هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وهَذا بَعِيدٌ، بَلِ المُرادُ أنَّ نَوْعَ الإنْسانِ مِن شَأْنِهِ أنَّهُ إذا فازَ بِمَقْصُودِهِ ووَصَلَ إلى مَطْلُوبِهِ اغْتَرَّ وصارَ غافِلًا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى مُتَمَرِّدًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ (العَلَقِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ أعَرَضَ أيْ ولّى ظَهْرَهُ أيْ عَرْضَهُ إلى ناحِيَةٍ ونَأى بِجانِبِهِ أيْ تَباعَدَ، ومَعْنى النَّأْيِ في
صفحة ٣٠
اللُّغَةِ: البُعْدُ والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ أنْ يُوَلِّيَهُ عَرْضَ وجْهِهِ، والنَّأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، وأرادَ الِاسْتِكْبارَ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتَكَبِّرِينَ، وفي قَوْلِهِ نَأى قِراءاتٌ:
إحْداها: وهي قِراءَةُ العامَّةِ بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ وفي حم السَّجْدَةِ مِثْلُهُ وهي اللُّغَةُ الغالِبَةُ، والنَّأْيُ البُعْدُ يُقالُ: نَأى أيْ بَعُدَ.
وثانِيها: قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ناءٍ ولَهُ وجْهانِ تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى العَيْنِ كَقَوْلِهِمْ راءٍ في رَأى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَأى بِمَعْنى نَهَضَ.
وثالِثُها: قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِإمالَةِ الفَتْحَتَيْنِ وذَلِكَ لِأنَّهم أمالُوا الهَمْزَةَ مِن نَأى ثُمَّ كَسَرُوا النُّونَ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ مِثْلُ رَأى.
Page 290
17:76
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1
1 translator’s note
- Only ten years after the Prophet's emigration, Makkah was completely cleared of his enemies. ↩
17:77
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.
17:78
أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨
Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.
17:79
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩
And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3
17:80
وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠
And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."
17:81
وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١
And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."
17:82
وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢
And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.
17:83
وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣
And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.
17:84
قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤
Say, "Each works according to his manner, but your Lord is most knowing of who is best guided in way."
17:85
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥
And they ask you, [O Muḥammad], about the soul. Say, "The soul is of the affair [i.e., concern] of my Lord. And you [i.e., mankind] have not been given of knowledge except a little."
17:86
وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦
And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.