Al-Kahf 18:29
The Cave · Juz 15 · Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
Tafsir · in Arabic
Ash-Shinqiti
Detailed
Change
Commentary on 18:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: الحَقُّ مِن رَبِّكم، وفي إعْرابِهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ ”الحَقَّ“ مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ، أيِ: الحَقُّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، المُتَضَمِّنُ لِدِينِ الإسْلامِ كائِنٌ مَبْدَؤُهُ مِن رَبِّكم جَلَّ وعَلا، فَلَيْسَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ، ولا مِنِ افْتِراءِ الكَهَنَةِ، ولا مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، ولا غَيْرَ ذَلِكَ. بَلْ هو مِن خالِقِكم جَلَّ وعَلا، الَّذِي تَلْزَمُكم طاعَتُهُ وتَوْحِيدُهُ، ولا يَأْتِي مِن لَدُنْهُ إلّا الحَقُّ الشّامِلُ لِلصِّدْقِ في الأخْبارِ، والعَدْلُ في الأحْكامِ، فَلا حَقَّ إلّا مِنهُ جَلَّ وعَلا.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرُهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، وقَوْلِـهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِحَسَبَ الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ولَكِنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيْسَ هو التَّخْيِيرُ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ. والتَّهْدِيدُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي ظاهِرُها التَّخْيِيرُ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى أنَّ المُرادَ في الآيَةِ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ أنَّهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وهَذا أصْرَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ المُرادَ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ، إذْ لَوْ كانَ التَّخْيِيرُ عَلى بابِهِ لَما تَوَعَّدَ فاعِلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المُخَيَّرَ بَيْنَهُما بِهَذا العَذابِ الألِيمِ، وهَذا واضِحٌ كَما تَرى.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أعْتَدْنا [الكهف: ٢٩]، أصْلُهُ مِنَ الِاعْتادِ، والتّاءُ فِيهِ (p-٢٦٧)أصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِن دالٍ عَلى الأصَحِّ؛ ومِنهُ العَتادُ بِمَعْنى العُدَّةِ لِلشَّيْءِ، ومَعْنى ”أعْتَدْنا“: أرْصَدْنا وأعْدَدْنا، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ هُنا: الكُفّارُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿وَمَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقَدْ قَدَّمَنا كَثْرَةَ إطْلاقِ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في القُرْآنِ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الظُّلْمَ في لُغَةِ العَرَبِ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ وضْعُ العِبادَةِ في مَخْلُوقٍ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الظُّلْمِ عَلى النَّقْصِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وأصْلُ مَعْنى مادَّةِ الظُّلْمِ هو ما ذَكَرْنا مِن وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولِأجَلِ ذَلِكَ قِيلَ الَّذِي يَضْرِبُ اللَّبَنَ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ: ظالِمٌ لِوَضْعِهِ ضَرْبَ لَبَنِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّ ضَرْبَهُ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ يُضِيعُ زُبْدَهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَقائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكم سِقائِي وهَلْ يَخْفى عَلى العَكِدِ الظَّلِيمُ
فَقَوْلُهُ ”ظَلَمْتُ لَكم سِقائِي“، أيْ: ضَرَبْتُهُ لَكم قَبْلَ أنْ يَرُوبَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في سِقاءٍ لَهُ ظَلَمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ:
؎وَصاحِبُ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شِكاتُهُ ∗∗∗ ظَلَمْتُ وفي ظُلْمِي لَهُ عامِدًا أجْرُ
وَفِي لُغْزِ الحَرِيرِيِّ في مَقاماتِهِ في الَّذِي يَضْرِبُ لَبَنَهُ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ، قالَ: أيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ ظالِمًا ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كانَ عالِمًا. ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهم لِلْأرْضِ الَّتِي حُفِرَ فِيها ولَيْسَتْ مَحَلَّ حَفْرٍ في السّابِقِ: أرْضٌ مَظْلُومَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎إلّا الأوارِي لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤَيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
وَما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ ”المَظْلُومَةَ“ في البَيْتِ هي الَّتِي ظَلَمَها المَطَرُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْها وقْتَ إبّانِهِ المُعْتادَ غَيْرُ صَوابٍ. والصَّوابُ: هو ما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولِأجْلِ ما ذَكَرْنا قالُوا لِلتُّرابِ المُخْرَجِ مِنَ القَبْرِ عِنْدَ حَفْرِهِ ظَلِيمٌ بِمَعْنى مَظْلُومٌ؛ لِأنَّهُ حَفْرٌ في غَيْرِ مَحَلِّ الحَفْرِ المُعْتادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ رَجُلًا ماتَ ودُفِنَ:
؎فَأصْبَحَ في غَبْراءَ بَعْدَ إشاحَةٍ ∗∗∗ عَلى العَيْشِ مِرْوَدٌ عَلَيْها ظَلِيمُها
وَقَوْلُـهُ: ﴿أحاطَ بِهِمْ﴾ أيْ: أحْدَقَ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، وقَوْلُـهُ: سُرادِقُها [الكهف: ٢٩]، أصْلُ السُّرادِقِ واحِدُ السُّرادِقاتِ الَّتِي تُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدّارِ، وكُلُّ بَيْتٍ مِن (p-٢٦٨)كُرْسُفٍ فَهو سُرادِقٌ. والكُرْسُفُ: القُطْنُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ أوِ الكَذّابِ الحِرْمازِيِّ:
؎يا حَكَمُ بْنُ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودِ
وَبَيْتٌ مُسَرْدَقٌ: أيْ مَجْعُولٌ لَهُ سُرادِقٌ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ يَذْكُرُ أبريويز وقَتْلَهُ لِلنُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ تَحْتَ أرْجُلِ الفِيَلَةِ:
؎هُوَ المُدْخِلُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ
هَذا هو أصْلُ مَعْنى السُّرادِقِ في اللُّغَةِ. ويُطْلِقُ أيْضًا في اللُّغَةِ عَلى الحُجْرَةِ الَّتِي حَوْلَ الفُسْطاطِ.
وَأمّا المُرادُ بِالسُّرادِقِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَفِيهِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ مَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو إحْداقُ النّارِ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: أيْ: سُورُها، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وغَيْرُهُ. ومِنهم مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: سُورٌ مِن نارٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ. ومِنهم مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: عُنُقٌ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ كالحَظِيرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: ومِنهم مَن يَقُولُ: هو دُخانٌ يُحِيطُ بِهِمْ. وهو المَذْكُورُ في ”المُرْسَلاتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١]، و ”الواقِعَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤] .
وَمِنهم مَن يَقُولُ: هو البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا. ورَوى يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «البَحْرُ هو جَهَنَّمُ ثُمَّ تَلا ﴿نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ ثُمَّ قالَ واللَّهِ لا أدْخُلُها أبَدًا ما دُمْتُ حَيًّا ولا تُصِيبُنِي مِنها قَطْرَةٌ ”» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ورَوى ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“ «لِسُرادِقِ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كِثَفُ كُلِّ جِدارٍ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً» وأخْرَجَهُ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ وقالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. انْتَهى مِنَ القُرْطُبِيِّ. وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا. قالَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ وتَبِعَهُ الشَّوْكانِيُّ. وحَدِيثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ رَواهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الشَّوْكانِيُّ: ورَواهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَواهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورُ عَنِ البُخارِيِّ في تارِيخِهِ، وأحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ. وعَلى كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن كُلِّ (p-٢٦٩)جانِبٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾، يَعْنِي إنْ يَطْلُبُوا الغَوْثَ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الكَرْبِ يُغاثُوا، يُؤْتَوْا بِغَوْثٍ هو ماءٌ كالمُهْلِ. والمُهْلُ في اللُّغَةِ: يُطْلَقُ عَلى ما أُذِيبَ مِن جَواهِرِ الأرْضِ، كَذائِبِ الحَدِيدِ والنُّحاسِ، والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُطْلَقُ أيْضًا عَلى دُرْدِيِّ الزَّيْتِ وهو عَكَرُهُ. والمُرادُ بِالمُهْلِ في الآيَةِ: ما أُذِيبُ مِن جَواهِرِ الأرْضِ. وقِيلَ: دُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وقِيلَ: هو نَوْعٌ مِنَ القَطِرانِ. وقِيلَ السُّمُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ إغاثَةٍ في ماءٍ كالمُهْلِ مَعَ أنَّهُ مِن أشَدِّ العَذابِ، وكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
فالجَوابُ أنَّ هَذا مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ. ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:
؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ
فَمَعْنى قَوْلِهِ ”أُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ“: أيْ: أُرْضُوا بِالسَّيْفِ. يَعْنِي لَيْسَ لَهم مِنّا إرْضاءً إلّا بِالسَّيْفِ. وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
Page 297
18:28
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
1 translator’s note
- Or "in excess," exceeding the limits of Allāh. ↩
18:29
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
18:30
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
18:31
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
18:32
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.
18:33
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.
18:34
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."