Al-Baqarah 2:132
The Cow · Juz 1 · Page 20
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢
And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."
Tafsir · in Arabic
Al-Qasimi
Detailed
Change
Commentary on 2:132
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٢ ] ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
"ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ" شُرُوعٌ في بَيانِ تَكْمِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِغَيْرِهِ، إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في نَفْسِهِ. والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ في الشَّيْءِ النّافِعِ المَحْمُودِ عاقِبَتُهُ، والضَّمِيرُ في "بِها" إمّا عائِدٌ لِقَوْلِهِ "أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ" عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ والجُمْلَةِ. ونَحْوَهُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزخرف: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] (p-٢٦٤)﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] وقَوْلُهُ "كَلِمَةً" دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ. وإمّا عائِدٌ إلى المِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وأُيِّدَ الأوَّلُ بِكَوْنِ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ورَجَّحَ القاضِي الثّانِيَ لِكَوْنِ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، ورَدُّ الإضْمارِ إلى المُصَرَّحِ بِذِكْرِهِ، إذا أمْكَنَ، أوْلى مِن رَدِّهِ إلى المَدْلُولِ والمَفْهُومِ. ولِكَوْنِ المِلَّةِ أجْمَعَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ. والكُلُّ حَسَنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى "بَنِيهِ" تُفِيدُ صِيغَةَ الجَمْعِ أنَّ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَلَدِ غَيْرَ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ. وقَرَأْتُ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَزَوَّجَ، بَعْدَ وفاةِ سارَّةَ أُمِّ إسْحاقَ، امْرَأةً أُخْرى اسْمُها قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرانَ ويَقْشانَ ومَدانَ ومِدْيانَ ويِشْباقَ وشُوحًا، فَعَلى هَذا تَكُونُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيَةً "ويَعْقُوبُ" مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ. لِأنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بَنِيهِ أيْضًا كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ. ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] كَما سَيَأْتِي. وقُرِئَ "ويَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، ومَعْناهُ: ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ، ونافِلَتَهُ يَعْقُوبَ. وقَدْ وُلِدَ يَعْقُوبُ في حَياةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ، وأدْرَكَ مِن حَياتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَما يُسْتَفادُ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ، فَإنَّ فِيها أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ (p-٢٦٥)وهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وماتَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وخَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وكانَ لِإسْحاقَ، حِينَ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ وعِيسُو، سِتُّونَ سَنَةً، فاسْتُفِيدَ مِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ. ولِوُجُودِ يَعْقُوبَ في حَياةِ جَدِّهِ يُفْهَمُ سِرُّ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] "يا بَنِيَّ" أيْ قالَ كُلٌّ مِن إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، عَلى القِراءَةِ الأُولى. وعَلى الثّانِيَةِ: قالَ إبْراهِيمُ: ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أعْطاكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى "فَلا" أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكم: لا "تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ" وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيجازٌ بَلِيغٌ. والمُرادُ: الزَمُوا الإسْلامَ، ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ لا تَمُوتُوا عَلى حالَةٍ إلّا عَلى حالِ كَوْنِكم ثابِتِينَ عَلى الإسْلامِ. فالنَّهْيُ في الحَقِيقَةِ عَنْ كَوْنِهِمْ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ إذا ماتُوا، لِأنَّهُ هو المَقْدُورُ. فَلا يُقالُ: صِيغَةُ النَّهْيِ مَوْضُوعَةٌ لِطَلَبِ الكَفِّ عَمّا هو مَدْلُولُها، فَيَكُونُ المَفْهُومُ مِنهُ النَّهْيَ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، وذا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ. وإنَّما المَقْدُورُ فِيهِ هو الكَوْنُ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَيْهِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْ الِاتِّصافِ بِخِلافِ (p-٢٦٦)حالِ الإسْلامِ وقْتَ المَوْتِ، لِما أنَّ الِامْتِناعَ عَنْ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الحالِ يَتْبَعُ الِامْتِناعَ عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ الحالِ. فَإمّا أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْأوَّلِ في الثّانِي، فَيَكُونُ مَجازًا. أوْ يُقالُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ في مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى مَلْزُومِهِ، فَيَكُونُ كِنايَةً.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، فَلا تَنْهاهُ عَنِ الصَّلاةِ، ولَكِنْ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ في حالِ صَلاتِهِ، والنُّكْتَةُ في إدْخالِ حَرْفِ النَّهْيِ عَمّا لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ، هو إظْهارُ أنَّ مَوْتَهم لا عَلى حالِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتِ السُّعَداءِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذا المَوْتِ أنْ لا يَحِلَّ فِيهِمْ. كَما تَقُولُ في الأمْرِ: مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ، فَلَيْسَ مُرادُكَ الأمْرَ بِالمَوْتِ، ولَكِنْ بِالكَوْنِ عَلى صِفَةِ الشُّهَداءِ إذا ماتَ. وإنَّما أمَرْتَهُ بِالمَوْتِ اعْتِدادًا مِنكَ بِمِيتَتِهِ، وإظْهارًا لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها، وإنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُحَثَّ عَلَيْها. هَذا. وقَدْ قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ بُطْلانَ ما عَلَيْهِ المُتَعَنِّتُونَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وبَرَّأ خَلِيلَهُ والأنْبِياءَ مِن ذَلِكَ. ولَمّا حَكى عَنْإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بالَغَ في وصِيَّةِ بَنِيهِ بِالدِّينِ والإسْلامِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ يَعْقُوبَ وصّى بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ومُبالَغَةً في البَيانِ بِقَوْلِهِ:
Page 20
2:127
وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧
And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2
2:128
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨
Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.
2:129
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩
Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."
1 translator’s note
- Honored for absolute power associated with wisdom and justice. ↩
2:130
وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠
And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.
2:131
إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١
When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."
1 translator’s note
- The meaning of the word "Islām" is "submission to the will of Allāh." This is the way of life ordained by Allāh and taught by all of the prophets from Adam to Muḥammad (ﷺ). A Muslim is one who submits himself to Allāh. ↩
2:132
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢
And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."
2:133
أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣
Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."
1 translator’s note
- Allāh (subḥānahu wa taʿālā) alone. ↩
2:134
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤
That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.