Al-Baqarah 2:143
The Cow · Juz 2 · Page 22
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣
And thus We have made you a median [i.e., just] community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels.1 And indeed, it is difficult except for those whom Allāh has guided. And never would Allāh have caused you to lose your faith [i.e., your previous prayers]. Indeed Allāh is, to the people, Kind and Merciful.
1 translator’s note
- i.e., refuse. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 2:143
﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ إلَخْ، الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وهي مِن قَبِيلِ الواوِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ، فالآيَةُ السّابِقَةُ لَمّا أشارَتْ إلى أنَّ الَّذِينَ هُدُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هُمُ المُسْلِمُونَ، وأنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ لَهم ناسَبَ أنْ يَسْتَطْرِدَ لِذِكْرِ فَضِيلَةٍ أُخْرى لَهم هي خَيْرٌ مِمّا تَقَدَّمَ وهي فَضِيلَةُ كَوْنِ المُسْلِمِينَ عُدُولًا خِيارًا
صفحة ١٥
لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ لِأنَّ الآياتِ الواقِعَةَ بَعْدَها هي في ذِكْرِ أمْرِ القِبْلَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِأمْرِ القِبْلَةُ.
وقَوْلُهُ كَذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ واسْمِ الإشارَةِ فَيَتَعَيَّنُ تَعَرُّفُ المُشارِ إلَيْهِ وما هو المُشَبَّهُ بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. فاخْتَلَفَ شارِحُوهُ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ وتَبْيِينِ مُرادِهِ: فَقالَ البَيْضاوِيُّ: الإشارَةُ إلى المَفْهُومِ، أيْ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] أيْ كَما جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا أوْ كَما جَعَلَنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ قِبْلَةٍ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. اهـ، أيْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يُومِئُ إلى أنَّ المَهْدِيَّ هُمُ المُسْلِمُونَ وإلى أنَّ المَهْدِيَّ إلَيْهِ هو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ وقْتَ قَوْلِ السُّفَهاءِ ما ولّاهم، عَلى ما قَدَّمْناهُ، وهَذا يَجْعَلُ الكافَ باقِيَةً عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى وصْفِ الكَشّافِ الجَعْلِ بِالعَجِيبِ كَأنَّهُ رَأى أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَتَعَيَّنُ لِلْحَمْلِ عَلى أكْثَرَ مِنَ الإشارَةِ وإنْ كانَ إشارَةَ البَعِيدِ فَهو يُسْتَعْمَلُ غالِبًا مِن دُونِ إرادَةِ بُعْدٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُشارُ إلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْنًى تَقَدَّمَ في الكَلامِ السّابِقِ، فالإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى مَذْكُورٍ مُتَقَرِّرٍ في العِلْمِ فَهي جارِيَةٌ عَلى سَنَنِ الإشاراتِ. وحَمَلَ شُرّاحُ الكَشّافِ الكافَ عَلى غَيْرِ ظاهِرِ التَّشْبِيهِ، فَأمّا الطِّيبِيُّ والقُطْبُ فَقالا: الكافُ فِيهِ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلِ مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِجَعَلْناكم؛ أيْ مِثْلُ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم فَلَيْسَ تَشْبِيهًا ولَكِنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالَةٍ والمُشارُ إلَيْهِ ما يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ يَهْدِي وهو الأمْرُ العَجِيبُ الشَّأْنِ أيِ الهُدى التّامُّ، ووَجْهُ الإتْيانِ بِإشارَةِ البَعِيدِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ وهو الَّذِي عَناهُ في الكَشّافِ بِالجَعْلِ العَجِيبِ، فالتَّعْظِيمُ هُنا لِبَداعَةِ الأمْرِ وعَجابَتِهِ، ثُمَّ إنَّ القُطْبَ ساقَ كَلامًا نَقَضَ بِهِ صَدْرَ كَلامِهِ.
وأمّا القَزْوِينِيُّ صاحِبُ الكَشْفِ والتَّفْتَزانِيُّ فَبَيَّناهُ بِأنَّ الكافَ مُقْحَمَةٌ كالزّائِدَةِ لا تَدُلُّ عَلى تَمْثِيلٍ ولا تَشْبِيهٍ فَيَصِيرُ اسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذا نائِبًا مَنابَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِجَعَلْناكم، كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ الجَعْلَ جَعَلْناكم أيْ فَعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ إشارَتِهِ النّائِبِ عَنْهُ لِإفادَةِ عَجابَةِ هَذا الجَعْلِ بِما مَعَ اسْمِ الإشارَةِ مِن عَلامَةِ البُعْدِ المُتَعَيِّنِ فِيها لِبُعْدِ المَرْتَبَةِ. والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ مِنهُ المُبالَغَةُ بِإيهامِ أنَّهُ لَوْ أرادَ المُشَبِّهُ أنْ يُشَبِّهَ هَذا في غَرابَتِهِ لَما وجَدَ لَهُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ النّابِغَةِ: ”والسَّفاهَةُ كاسْمِها“
صفحة ١٦
فَلَيْسَتِ الكافُ بِزائِدَةٍ ولا هي لِلتَّشْبِيهِ ولَكِنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الزّائِدَةِ والإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى ما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، وكَلامُ الكَشّافِ أظْهَرُ في هَذا المَحْمَلِ فَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِتَصْرِيحِهِ في نَظائِرِهِ إذْ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى مِثْلِ أيْ مِثْلِ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم وأوْرَثْناها.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي حَدا صاحِبَ الكَشّافِ إلى هَذا المَحْمَلِ أنَّ اسْتِعْمالَ اسْمِ الإشارَةِ في هَذا وأمْثالِهِ لا يَطَّرِدُ فِيهِ اعْتِبارُ مُشارٍ إلَيْهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكَلامِ ألا تَرى أنَّهُ لا يَتَّجِهُ اعْتِبارُ مُشارٍ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ ولَكِنَّ صاحِبَ الكَشّافِ قَدْ خالَفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] فَقالَ: كَما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ أعْدائِكَ كَذَلِكَ فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ وأعْدائِهِمْ. اهـ وما قالَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَنزَعٌ حَسَنٌ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَضْرِبِ النّاظِرُونَ فِيهِ بِعَطَنٍ. والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ أصْلَ ”كَذَلِكَ“ أنْ يَدُلَّ عَلى تَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ والمُشَبَّهُ بِهِ ظاهِرٌ مُشارٌ إلَيْهِ أوْ كالظّاهِرِ ادِّعاءً، فَقَدْ يَكُونُ المُشَبَّهُ بِهِ المُشارُ إلَيْهِ مَذْكُورًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهُمُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١] الآيَةَ. وكَقَوْلِ النّابِغَةِ:
فَألْفَيْتُ الأمانَةَ لَمْ تَخُنْها كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ
وقَدْ يَكُونُ المُشَبَّهُ بِهِ المُشارُ إلَيْهِ مَفْهُومًا مِنَ السِّياقِ فَيُحْتَمَلُ اعْتِبارُ التَّشْبِيهِ ويُحْتَمَلُ اعْتِبارُ المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ كَقَوْلِ أبِي تَمامٍ:
كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ ولْيَفْدَحِ الأمْرُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِعَيْنٍ لَمْ يَفِضْ دَمْعُها عُذْرُ
قالَ التِّبْرِيزِيُّ في شَرْحِهِ: الإشارَةُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وهو في صَدْرِ القَصِيدَةِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ فَقُطِعَ النَّظَرُ فِيهِ عَنِ التَّشْبِيهِ واسْتُعْمِلَ في لازِمِ مَعْنى التَّشْبِيهِ اهـ، يَعْنِي أنَّ الشّاعِرَ أشارَ إلى الحادِثِ العَظِيمِ وهو مَوْتُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الطُّوسِيِّ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسَدِيِّ في شُعَراءِ الحَماسَةِ يَرْثِي أخاهُ.
فَهَكَذا يَذْهَبُ الزَّمانُ ويَفْ ∗∗∗ نى العِلْمُ فِيهِ ويَدْرُسُ الأثَرُ
صفحة ١٧
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ البَيْضاوِيُّ مِن هَذا القَبِيلِ.
وقَدْ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالخَيْرِ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ مِمّا يَرُومُ المُتَكَلِّمُ تَشْبِيهَهُ ثُمَّ لا يَجِدُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ وفي هَذا قَطْعٌ لِلنَّظَرِ عَنِ التَّشْبِيهِ في الواقِعِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ أحَدِ شُعَراءِ فَزارَةَ في الأدَبِ مِنَ الحَماسَةِ:
كَذاكَ أُدِّبْتُ حَتّى صارَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ أنِّي رَأيْتُ مِلاكَ الشِّيمَةِ الأدَبا
أيْ أُدِّبْتُ هَذا الأدَبَ الكامِنَ العَجِيبَ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
كَذَلِكَ خِيمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ ∗∗∗ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خِيمُ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ مِن هَذا القَبِيلِ عِنْدَ شُرّاحِ الكَشّافِ وهو الحَقُّ، وأوْضَحُ مِنهُ في هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] فَإنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ شَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى فِتْنَةً أخْذًا مِن فِعْلِ فَتَنّا.
والإشارَةُ عَلى هَذا المَحْمَلِ المُشارِ إلَيْهِ مَأْخُوذٌ مِن كَلامٍ مُتَأخِّرٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا لِجَعْلِ المَأْخُوذِ مِن ﴿جَعَلْناكُمْ﴾، وتَأْخِيرُ المُشارِ إلَيْهِ عَنِ الإشارَةِ اسْتِعْمالٌ بَلِيغٌ في مَقامِ التَّشْوِيقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أوْ مِن كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ كَما لِلْبَيْضاوِيِّ إذْ جَعَلَ المُشارَ إلَيْهِ هو الهَدْيَ المَأْخُوذَةَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ولَعَلَّهُ رَأى لُزُومَ تَقَدُّمِ المُشارِ إلَيْهِ.
والوَسَطُ: اسْمٌ لِلْمَكانِ الواقِعِ بَيْنَ أمْكِنَةٍ تُحِيطُ بِهِ أوْ لِلشَّيْءِ الواقِعِ بَيْنَ أشْياءَ مُحِيطَةٍ بِهِ ولَيْسَ هو إلى بَعْضِها أقْرَبَ مِنهُ إلى بَعْضٍ عُرْفًا ولَمّا كانَ الوُصُولُ إلَيْهِ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ اخْتِراقِ ما يُحِيطُ بِهِ أخَذَ فِيهِ مَعْنى الصِّيانَةِ والعِزَّةِ: طَبْعًا، كَوَسَطِ الوادِي لا تَصِلُ إلَيْهِ الرُّعاةُ والدَّوابُّ إلّا بَعْدَ أكْلِ ما في الجَوانِبِ فَيَبْقى كَثِيرُ العُشْبِ والكَلَأِ، ووَضْعًا، كَوَسَطِ المَمْلَكَةِ يُجْعَلُ مَحَلَّ قاعِدَتِها ووَسَطُ المَدِينَةِ يُجْعَلُ مَوْضِعَ قَصَبَتِها لِأنَّ المَكانَ الوَسَطَ لا يَصِلُ إلَيْهِ العَدُوَّ بِسُهُولَةٍ، وكَواسِطَةِ العِقْدِ لِأنْفَسِ لُؤْلُؤَةٍ فِيهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ صارَ مَعْنى النَّفاسَةِ والعِزَّةِ والخِيارِ مِن لَوازِمِ مَعْنى الوَسَطِ عُرْفًا فَأطْلَقُوهُ عَلى الخِيارِ النَّفِيسِ كِنايَةً قالَ زُهَيْرٌ:
هُمُ وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْضِلِ
وقالَ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] .
ويُقالُ أوْسَطُ القَبِيلَةِ لِصَمِيمِها. وأمّا إطْلاقُ الوَسَطِ عَلى الصِّفَةِ الواقِعَةِ عَدْلًا بَيْنَ خُلُقَيْنِ
صفحة ١٨
ذَمِيمَيْنِ فِيهِما إفْراطٌ وتَفْرِيطٌ كالشَّجاعَةِ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ، والكَرَمِ بَيْنَ الشُّحِّ والسَّرَفِ، والعَدالَةِ بَيْنَ الرَّحْمَةِ والقَساوَةِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِتَشْبِيهِ الشَّيْءِ المَوْهُومِ بِالشَّيْءِ المَحْسُوسِ فَلِذَلِكَ رُوِيَ حَدِيثُ «خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها» وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وقَدْ شاعَ هَذانِ الإطْلاقانِ حَتّى صارَ حَقِيقَتَيْنِ عُرْفِيَّتَيْنِ.
Page 22
2:142
۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢
The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."
2:143
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣
And thus We have made you a median [i.e., just] community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels.1 And indeed, it is difficult except for those whom Allāh has guided. And never would Allāh have caused you to lose your faith [i.e., your previous prayers]. Indeed Allāh is, to the people, Kind and Merciful.
1 translator’s note
- i.e., refuse. ↩
2:144
قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤
We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.1 And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.
1 translator’s note
- The Sacred Mosque in Makkah containing the Kaʿbah. ↩
2:145
وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥
And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.