Al-Baqarah 2:252
The Cow · Juz 2 · Page 41
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢
These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.
Tafsir · in Arabic
Al-Biqa'i
Detailed
Change
Commentary on 2:252
ولَمّا عَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَنْ أقْصى ما يَعْرِفُهُ البُصَراءُ البُلَغاءُ مِنَ الغاياتِ، وتَجاوَزَتْ إلى حَدٍّ تَعْجِزُ العُقُولُ عَنْ مَنالِهِ، وتَضاءَلَ نَوافِذُ الأفْهامِ عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثالِهِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الآياتُ المُعْجِزاتُ لِمَن شَمَخَتْ أُنُوفُهُمْ، وتَعالَتْ في مَراتِبِ الكِبْرِ هِمَمُهم ونُفُوسُهُمْ؛ والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ولا سِيَّما هَذِهِ القِصَّةَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ والعِبارَةَ عَنْ ذَلِكَ في هَذِهِ الأسالِيبِ الباهِرَةِ والأفانِينِ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عَلَتْ عَظَمَتُهُ وتَمَّتْ قُدْرَتُهُ وقُوَّتُهُ، ولَمّا كانَتِ الجَلالَةُ مِن حَيْثُ إنَّها اسْمٌ لِلَذّاتٍ جامِعَةً لِصِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ ونُعُوتِ الجَلال (p-٤٤٥)لَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى إعْجازِهِمْ عَنْ هَذا النَّظْمِ بِنُعُوتِ الكِبْرِ والتَّعالِي فَقالَ: ﴿نَتْلُوها﴾ أيْ نُنَزِّلُها شَيْئًا في إثْرِ شَيْءٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ تَثْبِيتًا لِدَعائِمِ الكِتابِ الَّذِي هو الهُدى، وتَشْيِيدًا لِقَواعِدِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ قالَ الإمامُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ العَقائِدِ: الحَقُّ الحُكْمُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ، يُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ والعَقائِدِ والأدْيانِ والمَذاهِبِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ ويُقابِلُهُ الباطِلُ، وأمّا الصِّدْقُ فَقَدْ شاعَ في الأقْوالِ خاصَّةً ويُقابِلُهُ الكَذِبُ، وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المُطابَقَةَ تُعْتَبَرُ في الحَقِّ مِن جانِبِ الواقِعِ. وفي الصِّدْقِ مِن جانِبِ الحُكْمِ؛ فَمَعْنى صِدْقِ الحُكْمِ مُطابَقَتُهُ الواقِعَ. ومَعْنى حَقِّيَّتِهِ مُطابَقَةُ الواقِعِ إيّاهُ - انْتَهى.
فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: إنّا عالِمُونَ بِالواقِعِ مِن هَذِهِ الآياتِ فَأتَيْنا بِعِبارَةٍ يُطابِقُها ذَلِكَ الواقِعُ لا يَزِيدُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، فَتِلْكَ العِبارَةُ ثابِتَةٌ ثَباتَ الواقِعِ لا يَتَمَكَّنُ مُنْصِفٌ عالِمٌ مِن إنْكارِها ولا إنْكارِ شَيْءٍ مِنها، كَما لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْكارِ الواقِعِ المَعْلُومِ وُقُوعُهُ، ويَكُونُ الخَبَرُ عَنْها صِدْقًا لِأنَّهُ مُطابِقٌ لِذَلِكَ الواقِعِ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ؛ والحاصِلُ أنَّ الحَقَّ يُعْتَبَرُ مِن جانِبِ المُخْبِرِ، فَإنَّهُ يَأْتِي بِعِبارَةٍ يُساوِيها الواقِعُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأنَّ الصِّدْقَ يُعْتَبَرُ مِن جانِبِ السّامِعِ، فَإنَّهُ (p-٤٤٦)يَنْظُرُ إلى الخَبَرِ، فَإنْ وجَدَهُ مُطابِقًا لِلْواقِعِ قالَ: هَذا صِدْقٌ، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] وقَوْلُهُ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] و﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: ٣١] وكَذا ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ أنَّ هَذا الفِعْلَ وهو خَلْقُنا لَها لَسْنا مُتَعَدِّينَ فِيهِ، وهَذا الواقِعُ يُطابِقُ خَلْقَها لا يَزِيدُ عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلَيْنا أنْ نَزِيدَ فِيها شَيْئًا ولَيْسَ لَنا الِاقْتِصارُ عَلى ما وجَدَ ولا نَنْقُصُ عَنْهُ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلَيْنا أنْ نَجْعَلَها ناقِصَةً عَمّا هي عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَنا إتْمامُها هَكَذا؛ أوْ بِالحَقِّ الَّذِي هو قُدْرَتُنا واخْتِيارُنا لا كَما يَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ مِنَ الفِعْلِ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ: أوْ بِسَبَبِ الحَقِّ أيْ إقامَتِهِ وإثْباتِهِ وإبْطالِ الباطِلِ ونَفْيِهِ، وقَوْلُهُ
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] أيْ أتَيْناكَ بِالخَبَرِ بِعَذابِهِمْ وهو ثابِتٌ، لِأنَّ مَضْمُونَهُ إذا وقَعَ فَنِسْبَتُهُ إلى الخَبَرِ (p-٤٤٧)عُلِمَتْ مُطابَقَتُهُ لَهُ أيْ مُطابَقَةُ الواقِعِ إيّاهُ وإخْبارِنا عَنْهُ عَلى ما هو بِهِ فَنَحْنُ صادِقُونَ فِيهِ، أيْ نَسَبُنا وُقُوعَ العَذابِ إلَيْهِمْ نِسْبَةُ تَطابُقِ الواقِعَ فَإذا وقَعَ نَظَرَتْ إلى إخْبارِنا فَرَأيْتُهُ مُطابِقًا لَهُ فَعَلِمَتْ صِدْقَنا فِيهِ؛ والَّذِي لا يَدَعُ في ذَلِكَ لَبْسًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] أتى بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِتَأْوِيلِها، وأمّا صِدْقُهُ ﷺ فَهو بِنِسْبَةِ الخَبَرِ إلى الواقِعِ وهو أنَّهُ رَأى ما أخْبَرَ بِهِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ مِن حِينِ إخْبارِهِ ﷺ فَإنَّ خَبَرَهُ كانَ حِينَ إخْبارِهِ بِهِ مُطابِقًا لِلْواقِعِ، وأمّا صِدْقُ الرُّؤْيا فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ كانَ لَها واقِعٌ طابَقَهُ تَأْوِيلُها؛ فَإنْ قِيلَ: تَأْسِيسُ المُفاعَلَةِ أنْ تَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا يَفْعَلُ أحَدُهُما بِالآخَرِ ما يَفْعَلُ الآخَرُ بِهِ، فَهَبْ أنّا اعْتَبَرْنا المُطابَقَةَ مِن جانِبٍ واحِدٍ فَذَلِكَ لا يَنْفِي اعْتِبارَها مِنَ الجانِبِ الآخَرِ فَماذا يُغْنِي ما ادَّعَيْتَهُ، قِيلَ إنَّها وإنْ كانَ لا بُدَّ فِيها مِن مُراعاةِ الجانِبَيْنِ لَكِنَّها تُفْهِمُ أنَّ الَّذِي أسْنَدَ إلَيْهِ الفِعْلَ هو الطّالِبُ، بِخِلافِ بابِ التَّفاعُلِ فَإنَّهُ لا دَلالَةَ لِفِعْلِهِ عَلى ذَلِكَ، وجُمْلَةُ الأمْرِ أنَّ الواقِعَ أحَقُّ بِاسْمِ الحَقِّ لِأنَّهُ الثّابِتُ والخَبَرَ أحَقُّ بِاسْمِ الصِّدْقِ، والواقِعَ (p-٤٤٨)طالِبٌ لِخَبَرٍ يُطابِقُهُ لِيُعْرَفَ عَلى ما هو عَلَيْهِ والخَبَرَ طالِبٌ لِمُطابَقَةِ الواقِعِ لَهُ فَيَكْتَسِبُ الشَّرَفَ بِتَسْمِيَتِهِ صِدْقًا.
وأوَّلُ ثابِتٍ في نَفْسِ الأمْرِ هو الواقِعُ فَإنَّهُ قَبْلَ الخَبَرِ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ، فَإذا كانَ مَبْدَأُ الطَّلَبِ مِنَ الواقِعِ سُمِّيَ الخَبَرُ بِاسْمِهِ، إذا كانَ مَبْدَأُ الطَّلَبِ مِنَ الخَبَرِ سُمِّيَ بِاسْمِهِ الحَقِيقِ بِهِ، ولَعَلَّكَ إذا اعْتَبَرْتَ آياتِ الكِتابِ النّاطِقِ بِالصَّوابِ وجَدْتَها كُلَّها عَلى هَذا الأُسْلُوبِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ التِّلاوَةَ عَلَيْهِ ﷺ حَقٌّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بِما دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلَيْهِ مِن عِلْمِكَ بِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ بِإعْجازِها الباقِي عَلى مَدى الدَّهْرِ.
Page 41
2:249
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩
And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."
2:250
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠
And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
2:251
فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١
So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.
2:252
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢
These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.