Taha 20:77
Ta-Ha · Juz 16 · Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
Tafsir · in Arabic
Al-Alusi
Detailed
Change
Commentary on 20:77
﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقَدْ طُوِيَ في البَيْنِ ذِكْرُ ما جَرى عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ غُلِبَتِ السَّحَرَةُ مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ فِرْعَوْنُ كُلَّما جاءَتْ آيَةُ وعْدٍ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ حَتّى إذا انْكَشَفَ نَكَثَ، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها.
وأنْ إمّا مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ
صفحة 236
بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى لِإظْهارِ الرَّحْمَةِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ قُبْحِ صَنِيعِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم وهم عِبادُهُ عَزَّ وجَلَّ، وفَعَلَ بِهِمْ مِن فُنُونِ الظُّلْمِ ما فَعَلَ ولَمْ يُراقِبْ فِيهِمْ مَوْلاهُمُ الحَقِيقِيَّ جَلَّ جَلالُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ بِما ذُكِرَ وكَذا ما بَعْدَهُ كانَ بِمِصْرَ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ أوْحَيْنا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ سِرْ بِعِبادِي الَّذِينَ أرْسَلْتُكَ لِإنْقاذِهِمْ مِن مُلْكَةِ فِرْعَوْنَ مِن مِصْرَ لَيْلًا ﴿فاضْرِبْ لَهُمْ﴾ بِعَصاكَ ﴿طَرِيقًا في البَحْرِ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لِاضْرِبْ عَلى الِاتِّساعِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والأصْلُ اضْرِبِ البَحْرَ لِيَصِيرَ لَهم طَرِيقًا ﴿يَبَسًا﴾ أيْ يابِسًا وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ وصْفًا لِطَرِيقًا مُبالَغَةً وهو يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( يَبْسًا ) بِسُكُونِ الباءِ وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا أيْضًا أوْ صِفَةً مُشَبَّهَةً كَصَعْبٍ أوْ جَمْعُ يابِسٍ كَصَحْبٍ وصاحِبٍ. ووَصْفُ الواحِدِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ الطَّرِيقَ لِفَرْطِ يُبْسِها كَأشْياءَ يابِسَةٍ كَما قِيلَ في قَوْلِ القُطامِيِّ:
كَأنَّ قُتُودَ رَحْلِي حِينَ ضَمَّتْ حَوالِبَ غُرَّزًا ومِعًى جِياعًا
أنَّهُ جَعَلَ المِعى لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةٍ جِياعٍ أوْ قَدَّرَ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الطَّرِيقِ طَرِيقًا يابِسًا كَما قِيلَ في ﴿نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ وثَوْبٍ أخْلاقٍ أوْ حَيْثُ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ الجِنْسُ وكانَ مُتَعَدِّدًا حَسَبَ تَعَدُّدِ الأسْباطِ لا طَرِيقٌ واحِدَةٌ عَلى الصَّحِيحِ جاءَ وصْفُهُ جَمْعًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ هُنا بَيْنَ اليَبَسِ بِالتَّحْرِيكِ واليُبْسِ بِالتَّسْكِينِ مَعْنًى لِأنَّ الأصْلَ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ وإنْ كانَتْ إحْداهُما شاذَّةً، وفي القامُوسِ اليُبْسُ بِالإسْكانِ ما كانَ أصْلُهُ رَطْبًا فَجَفَّ وما أصْلُهُ اليُبُوسَةُ ولَمْ يُعْهَدْ رَطْبًا يَبَسٌ بِالتَّحْرِيكِ، وأمّا طَرِيقُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ فَإنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ طَرِيقًا لا رَطْبًا ولا يابِسًا إنَّما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم حِينَئِذٍ مَخْلُوقًا عَلى ذَلِكَ ا هـ.
وهَذا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّ اليُبْسَ بِالتَّحْرِيكِ ما كانَ فِيهِ رُطُوبَةٌ فَذَهَبَتْ، والمَكانُ إذا كانَ فِيهِ ماءٌ فَذَهَبَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ضَرَبَ البَحْرَ وانْفَلَقَ حَتّى صارَتْ فِيهِ طُرُقٌ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحَ الصَّبا فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ. وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الضَّرْبَ بِمَعْنى الجَعْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ أوْ بِمَعْنى الِاتِّخاذِ فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما (طَرِيقًا) وثانِيهِما (لَهُمْ) .
واخْتارَ أبُو حَيّانَ بَقاءَهُ عَلى المَعْنى المَشْهُورِ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾، وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ (طَرِيقًا) عَلى هَذا الوَجْهِ مَفْعُولٌ فِيهِ، وقالَ: التَّقْدِيرُ (فاضْرِبْ لَهُمْ) مَوْضِعَ طَرِيقٍ ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (فاضْرِبْ) أوِ الصِّفَةِ الأُخْرى لَطَرِيقًا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيها أوْ هو اسْتِئْنافٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وقَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أعْنِي ( أسْرِ )، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَهْيٌ مُسْتَأْنَفٌ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ( دَرْكًا ) بِسُكُونِ الرّاءِ وهو اسْمٌ مِنَ الإدْراكِ أيِ اللُّحُوقِ كالدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ، وقالَ الرّاغِبُ: الدَّرْكُ بِالتَّحْرِيكِ في الآيَةِ ما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن تَبِعَةٍ أيْ لا تَخافُ تَبِعَةً، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ مِن خَلْفِكم ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْ يُغْرِقَكُمُ البَحْرُ مِن قُدّامِكم وهو عَطْفٌ عَلى ﴿لا تَخافُ﴾، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ في قِراءَةِ الرَّفْعِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَقِيلَ هو اسْتِئْنافٌ أيْ وأنْتَ لا تَخْشى، وقِيلَ:
صفحة 237
عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ والألِفُ جِيءَ بِها لِلْإطْلاقِ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾، ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أوْ هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ كَما في قَوْلِهِ:
إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقِ
وهَذا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ وضَرُورَةٌ عِنْدِ آخَرِينَ فَلا يَجُوزُ تَخْرِيجُ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ عَلَيْهِ أوْ لا يَلِيقُ مَعَ وُجُودِ مِثْلِ الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ أوِ الأوَّلِ مِنهُما. والخَشْيَةُ أعْظَمُ الخَوْفِ وكَأنَّهُ إنَّما اخْتِيرَتْ هُنا لِأنَّ الغَرَقَ أعْظَمُ مِن إدْراكِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ لِما أنَّ ذاكَ مَظِنَّةُ السَّلامَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهم إنَّما ذَكَرُوا أوَّلًا ما يَدُلُّ عَلى خَوْفِهِمْ مِنهُ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ولِذا سُورِعَ في إزاحَتِهِ بِتَقْدِيمِ نَفْيِهِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.
Page 317
20:77
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
20:78
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨
So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1
1 translator’s note
- i.e., not only the water but that which only Allāh knows - terror, pain, regret, etc. ↩
20:79
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩
And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].
20:80
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠
O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,
1 translator’s note
- i.e., with your prophet, to receive the scripture for you. ↩
20:81
كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١
[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."
20:82
وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢
But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.
20:83
۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣
[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"
20:84
قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤
He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."
20:85
قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥
[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."
1 translator’s note
- Translated as "the Samaritan" (from Samaria), a hypocrite among them who led the Children of Israel into idol-worship. ↩
20:86
فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦
So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"
20:87
قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧
They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."