Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:71–77
20:71Page 316
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
صفحة 231
﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ أيْ لِمُوسى كَما هو الظّاهِرُ. والإيمانُ في الأصْلِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ثُمَّ شاعَ تَعَدِّيهِ بِالباءِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْدِيقِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً. وإنَّما عُدِّيَ هُنا بِاللّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِانْقِيادِ وهو يُعَدّى بِها يُقالُ: انْقادَ لَهُ لا الِاتِّباعَ كَما قِيلَ: لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ يُقالُ: اتَّبَعَهُ ولا يُقالُ: اتَّبَعَ لَهُ، وفي البَحْرِ إنَّ آمَنَ يُوصَلُ بِالباءِ إذا كانَ مُتَعَلِّقُهُ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ وبِاللّامِ إنْ كانَ مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَهُ تَعالى في الأكْثَرِ نَحْوَ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . فَما آمَنَ لِمُوسى إلَخْ.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ تَعْلِيلِيَّةً والتَّقْدِيرُ آمَنتُمْ بِاللَّهِ تَعالى لِأجْلِ مُوسى وما شاهَدَتْهم مِنهُ، واخْتارَهُ بَعْضُهم ولا تَفْكِيكَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( لَهُ ) لِلرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ تَفْكِيكٌ ظاهِرٌ.
وقَرَأ الأكْثَرُ ( أآمَنتُمْ ) عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ. والتَّوْبِيخُ هو المُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا لا فائِدَةُ الخَبَرِ أوْ لازِمُها ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ إذْنِي لَكم في الإيمانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لا إنَّ إذْنَهُ لَهم في ذَلِكَ واقِعٌ بَعْدُ أوْ مُتَوَقَّعٌ، وفَرَّقَ الطَّبَرَسِيُّ بَيْنَ الإذْنِ والأمْرِ بِأنَّ الأمْرَ يَدُلُّ عَلى إرادَةِ الآمِرِ الفِعْلَ المَأْمُورَ بِهِ ولَيْسَ في الإذْنِ ذَلِكَ (إنَّهُ) يَعْنِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ لَعَظِيمُكم في فَنِّكم وأعْلَمُكم بِهِ وأُسْتاذُكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ كَأنَّ اللَّعِينَ وبَّخَهم أوَّلًا عَلى إيمانِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ إذْنِهِ لَهم لِيَرى قَوْمُهُ أنَّ إيمانَهم غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ حَيْثُ كانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ثُمَّ اسْتَشْعَرَ أنْ يَقُولُوا: أيُّ حاجَةٍ إلى الإذْنِ بَعْدَ أنْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا وصَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما صَدَرَ فَأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (إنَّهُ) إلَخْ أيْ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ أيْضًا لِأنَّهُ أُسْتاذُكم في السِّحْرِ فَتَواطَأْتُمْ مَعَهُ عَلى ما وقَعَ أوْ عَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ فَلِذَلِكَ غَلَبَكم فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هي تَعْلِيلٌ لِلْمَذْكُورِ قَبْلُ. وبِالجُمْلَةِ قالَ ذَلِكَ لِما اعْتَراهُ مِنَ الخَوْفِ مِنِ اقْتِداءِ النّاسِ بِالسَّحَرَةِ في الإيمانِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ المُؤَكَّدِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأُقْسِمُ لَأُقَطِّعَنَّ ﴿أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ: اليَدُ اليُمْنى والرِّجْلُ اليُسْرى وعَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ وهو تَخْصِيصٌ مِن خارِجٍ وإلّا فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ غَيْرُ ذَلِكَ. (ومِن) ابْتِدائِيَّةٌ.
وقالَ الطَّبَرَسِيُّ: بِمَعْنى عَنْ أوْ عَلى ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والمُرادُ مِنَ الخِلافِ الجانِبُ المُخالِفُ أوِ الجِهَةُ المُخالِفَةُ.
والجارُّ والمَجْرُورُ حَسْبَما يَظْهَرُ مُتَعَلِّقٌ بِأُقَطِّعَنَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَقْطِيعَ مُبْتَدَأٍ مِن جانِبٍ مُخالِفٍ أوْ مِن جِهَةٍ مُخالِفَةٍ، وابْتِداءُ التَّقْطِيعِ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَبْقى الخِلافُ عَلى حَقِيقَتِهِ أعْنِي المُخالَفَةَ وجَعْلَهُ مُبْتَدَأً عَلى التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ عارِضٌ ما هو مَبْدَأُ حَقِيقَةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجارَّ والمَجْرُورَ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، والمُرادُ لَأُقَطِّعَنَّها مُخْتَلِفاتٍ فَتَأمَّلْ، وتَعْيِينُ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ قِيلَ لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الأمْرِ وإيقاعِهِ لا مَحالَةَ بِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ المَعْهُودَةِ في بابِ السِّياسَةِ. ولَعَلَّ اخْتِيارَها فِيها دُونَ القَطْعِ مِن وِفاقٍ لِأنَّ فِيهِ إهْلاكًا وتَفْوِيتًا لِلْمَنفَعَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها أفْظَعُ ﴿ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أيْ: عَلَيْها. وإيثارُ كَلِمَةِ في لِلدَّلالَةِ عَلى إبْقائِهِمْ عَلَيْها زَمانًا مَدِيدًا تَشْبِيهًا لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْها بِاسْتِقْرارِ الظَّرْفِ في المَظْرُوفِ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وهم صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلّا بِأجْدَعا
صفحة 232
وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، وقِيلَ: لا اسْتِعارَةَ أصْلًا لِأنَّ فِرْعَوْنَ نَقَرَ جُذُوعَ النَّخْلِ وصَلَبَهم في داخِلِها لِيَمُوتُوا جُوعًا وعَطَشًا ولا يَكادُ يَصِحُّ بَلْ في أصْلِ الصَّلْبِ كَلامٌ. فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمْ وعِيدَهُ وصَلَبَهم وهو أوَّلُ مَن صَلَبَ. ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ لِأنَّ المُرادَ الغَلَبَةُ بِالحُجَّةِ.
وقالَ الإمامُ: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في الأخْبارِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ السَّلامَةُ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما.
﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ يُرِيدُ مِن- نا- نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ بِناءً عَلى الظّاهِرِ فِيهِ. واخْتارَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ وهَذا إمّا لِقَصْدِ تَوْضِيعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والهَزْءُ بِهِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ، وإمّا لِأنَّ إيمانَهم لَمْ يَكُنْ بِزَعْمِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ المُعْجِزَةِ ومُعايَنَةِ البُرْهانِ بَلْ كانَ عَنْ خَوْفٍ مِن قِبَلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ رَأوُا ابْتِلاعَ عَصاهُ لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أيْضًا. واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ مِنَ الغَيْرِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ رَبُّ مُوسى عَزَّ وجَلَّ الَّذِي آمَنُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ .
﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾ هُنا مُعَلَّقٌ و﴿أيُّنا أشَدُّ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ سادَةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ إنْ كانَ العِلْمُ عَلى بابِهِ أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ لَهُ إنْ كانَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّنا﴾ مَفْعُولًا وهو مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ (وأشَدُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أشَدُّ. والجُمْلَةُ صِلَةُ (أيُّ) والعائِدُ الصَّدْرُ، ﴿وعَذابًا﴾ تَمْيِيزٌ. وقَدِ اسْتَغْنى بِذِكْرِهِ مَعَ ﴿أشَدُّ﴾ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ ﴿أبْقى﴾ وهو مُرادٌ أيْضًا. واشْتِقاقُ أبْقى مِنَ البَقاءِ بِمَعْنى الدَّوامِ.
وقِيلَ: لا يَبْعُدُ- واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- أنْ يَكُونَ مِنَ البَقاءِ بِمَعْنى العَطاءِ فَإنَّ اللَّعِينَ كانَ يُعْطِي لِمَن يَرْضاهُ العَطايا فَيَكُونُ لِلْآيَةِ شَبَهٌ بِقَوْلِ نُمْرُوذَ ( أنا أُحْيِي وأُمِيتُ ) وهو في غايَةِ البُعْدِ عِنْدَ مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ. ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ اللَّعِينَ في غايَةِ الوَقاحَةِ ونِهايَةِ الجَلادَةِ حَيْثُ أوْعَدَ وهَدَّدَ وأبْرَقَ وأرْعَدَ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِما شاهَدَ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وما لَها مِنَ الآثارِ الهائِلَةِ حَتّى إنَّها قَصَدَتِ ابْتِلاعَ قُبَّتِهِ فاسْتَغاثَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يَبْعُدُ نَحْوُ ذَلِكَ مِن فاجِرٍ طاغٍ مِثْلِهِ
20:72Page 316
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢
They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.
﴿قالُوا﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِوَعِيدِهِ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لَنْ نَخْتارَكَ بِالإيمانِ والِانْقِيادِ ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ العَصا. وإنَّما جَعَلُوا المَجِيءَ إلَيْهِمْ وإنَّ عَمَّ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ والعارِفُونَ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مِن غَيْرِ تَقْلِيدٍ. وما مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في جاءَ. وقِيلَ العائِدُ مَحْذُوفٌ وضَمِيرُ ﴿جاءَنا﴾ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ عَلى الَّذِينَ جاءَنا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ. وإنْ كانَ صَنِيعُ بَعْضِهِمُ اخْتِيارَهُ مَعَ أنَّ في صِحَّةِ حَذْفِ مِثْلِ هَذا المَجْرُورِ كَلامًا.
﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: أبْدَعَنا وأوْجَدَنا وسائِرَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ. وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ما جاءَنا﴾ وتَأْخِيرُهُ لِأنَّ ما في ضِمْنِهِ آيَةٌ عَقْلِيَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وما شاهَدُوهُ آيَةٌ حِسِّيَّةٌ ظاهِرَةٌ. وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الفاطِرِيَّةِ لَهم لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ إبْداعَهُ تَعالى لَهُمْ، وكَوْنَ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ مُبْدِعاتِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ إيثارِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ. وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْعَيْنِ في دَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ. وقِيلَ: الواوُ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ وحَقُّ الَّذِي فَطَرَنا لَنْ نُؤْثِرَكَ إلَخْ.
ولا مَساغَ لِكَوْنِ المَذْكُورِ جَوابًا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ
صفحة 233
الجَوابِ أيْضًا لِما أنَّ القَسَمَ لِإيجابٍ كَما قالَ أبُو حَيّانَ: بِلَنْ إلّا في شاذٍّ مِنَ الشِّعْرِ. وقَوْلُهم: هَذا جَوابٌ لِتَوْبِيخِ اللَّعِينِ بِقَوْلِهِ: آمَنتُمْ إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ جَوابٌ عَنْ تَهْدِيدِهِ بِقَوْلِهِ: لَأُقَطِّعَنَّ إلَخْ أيْ فاصْنَعْ ما أنْتَ بِصَدَدِ صُنْعِهِ أوْ فاحْكم بِما أنْتَ بِصَدَدِ الحُكْمِ بِهِ فالقَضاءُ إمّا بِمَعْنى الإيجادِ الإبْداعِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وإمّا بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ حَقِيقَتَهُ، وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ مِن جَوازِ وصْلِ المَصْدَرِيَّةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُسْتَفادِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالقَضاءِ، وما كافَّةٌ و﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ مَنصُوبٌ مَحَلًّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ ﴿تَقْضِي﴾ والقَضاءُ عَلى ما مَرَّ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما تَصْنَعُ ما تَهْواهُ أوْ تَحْكُمُ بِما تَراهُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا فَحَسْبُ، وما لَنا مِن رَغْبَةٍ في عَذْبِها ولا رَهْبَةٍ مِن عَذابِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَهي وما في حَيِّزِها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها ﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾ أيْ: إنَّ قَضاءَكَ كائِنٌ في هَذِهِ الحَياةِ، وجُوِّزَ أنْ يَنْزِلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا حَذْفَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( إنَّما تُقْضى ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ( هَذِهِ الحَياةُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فَجَعَلَ مَفْعُولًا بِهِ ثُمَّ بَنى الفِعْلَ لَهُ نَحْوَ صِيمَ يَوْمُ الخَمِيسِ
20:73Page 316
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣
Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1
﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ الَّتِي اقْتَرَفْناها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ولا يُؤاخِذُنا بِها في الدّارِ الآخِرَةِ لا لِيُمَتِّعُنا بِتِلْكَ الحَياةِ الفانِيَةِ حَتّى نَتَأثَّرَ بِما أوْعَدْتَنا بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى (خَطايانا) أيْ ويَغْفِرُ لَنا السِّحْرَ الَّذِي عُلِّمْناهُ في مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإكْراهِكَ وحَشْرِكَ إيّانا مِنَ المَدائِنِ القاصِيَةِ خَصُّوهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في خَطاياهم إظْهارًا لِغايَةِ نُفْرَتِهِمْ عَنْهُ ورَغْبَتِهم في مَغْفِرَتِهِ، وذِكْرِ الإكْراهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالِاسْتِغْفارِ مَعَ صُدُورِهِ عَنْهم بِالإكْراهِ، وفِيهِ نَوْعُ اعْتِذارٍ لِاسْتِجْلابِ المَغْفِرَةِ، وقِيلَ: إنَّ رُؤَساءَهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ اثْنانِ مِنهم مَنِ القِبْطِ والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ فِرْعَوْنُ أكْرَهَهم عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَذَ فِرْعَوْنُ أرْبَعِينَ غُلامًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرَ أنْ يَتَعَلَّمُوا السِّحْرَ وقالَ: عَلِّمُوهم تَعْلِيمًا لا يَغْلِبُهم أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ وهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾، وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَأْخُذُ وِلْدانِ النّاسِ ويَجْبُرُهم عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أكْرَهَهم عَلى المُعارَضَةِ حَيْثُ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرٍ فَإنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ أوْ تَجَلُّدًا كَما أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ قَبْلَهُ كَما قِيلَ: وزَعَمَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّ مُجَرَّدَ أمْرِ السُّلْطانِ شَخْصًا إكْراهٌ وإنْ لَمْ يَتَوَعَّدْهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ كَما في عامَّةِ كُتُبِهِمْ لِما في مُخالَفَةِ أمْرِهِ مِن تَوَقُّعِ المَكْرُوهِ لا سِيَّما إذا كانَ السُّلْطانُ جَبّارًا طاغِيَةً ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ تَعالى ﴿وأبْقى﴾ أيْ وأدُومُ جَزاءً ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا أوْ خَيْرٌ ثَوابًا
صفحة 234
وأبْقى عَذابًا.
20:74Page 316
إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤
Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ إلى آخِرِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ خَيْرٌ وأبْقى وتَحْقِيقٌ لَهُ وإبْطالٌ لِما ادَّعاهُ اللَّعِينُ، وتَصْدِيرُهُما بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِهِما ولِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ لَهُ أيْ إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ. هَذا أيْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ فَيَنْتَهِي عَذابُهُ وهَذا تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ عَذابِهِ تَعالى أبْقى ﴿ولا يَحْيا﴾ حَياةً يَنْتَفِعُ بِها
20:75Page 316
وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥
But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:
﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شاهَدْناهُ ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الأعْمالِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) والجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ أيْ فَأُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ لِلْأعْمالِ الصّالِحاتِ ﴿لَهُمُ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ ذَلِكَ ﴿الدَّرَجاتُ العُلا﴾ أيِ: المَنازِلُ الرَّفِيعَةُ
20:76Page 316
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦
Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى أوْ بَيانٌ وقَدْ تَقَدَّمَ في عَدْنٍ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ حالٌ مِنَ الجَنّاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ ثَوابِهِ تَعالى أبْقى وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهم، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ أوْ ما في أُولَئِكَ مِن مَعْنى أُشِيرُ والحالُ مُقَدَّرَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَنّاتُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي جَنّاتٌ لِخُلُوِّ الكَلامِ حِينَئِذٍ عَنْ عامِلٍ في الحالِ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ (وذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما أُتِيحَ لَهم مِنَ الفَوْزِ بِما ذُكِرَ ومَعْنى البُعْدِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن قُرْبٍ مِنَ التَّفْخِيمِ ﴿جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفادَتْهُ الشَّرْطِيَّةُ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ حالِ المُجْرِمِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أشَدِّيَّةِ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ودَوامِهِ رَدًّا عَلى ما ادَّعاهُ فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الشَّرْطِيَّتَيْنِ إلى هُنا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ جَلَّ وعَلا تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وحُسْنِ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ والأوَّلُ أوْلى خِلافًا لِما حَسِبَهُ النَّيْسابُورِيُّ.
هَذا واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالشَّرْطِيَّةِ الأُولى عَلى القَطْعِ بِعَذابِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ قالُوا: مُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ لِأنَّ أصْلَ الجُرْمِ قَطْعُ الثَّمَرَةِ عَنِ الشَّجَرَةِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِاكْتِسابِ المَكْرُوهِ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِلْآيَةِ، فَإنَّ مَنِ الشَّرْطِيَّةَ فِيها عامَّةٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ فَيَنْتِجُ مُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ أنَّ لَهُ جَهَنَّمَ وهو دالٌّ عَلى القَطْعِ بِالوَعِيدِ.
وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الصُّغْرى لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالمُجْرِمِ الكافِرُ فَكَثِيرًا ما جاءَ في القُرْآنِ بِذَلِكَ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ لا نُسَلِّمُ الكُبْرى عَلى إطْلاقِها وإنَّما هي كُلِّيَّةٌ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ مَعَ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مَنِ الشَّرْطِيَّةَ قَطْعِيَّةٌ في العُمُومِ كَما قالَ الإمامُ وحِينَئِذٍ لا يَحْصُلُ القَطْعُ بِالوَعِيدِ مُطْلَقًا، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ المُقَدَّمَتَيْنِ يُقالُ يُعارِضُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عُمُومُ الوَعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا إلَخْ ويَجْعَلُ الكَلامَ فِيمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ وارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ
صفحة 235
وهُوَ داخِلٌ في عُمُومِ (مَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ) ولا يُخْرِجُهُ عَنِ العُمُومِ ارْتِكابُهُ الكَبِيرَةَ ومَتى كانَتْ لَهُ الجَنَّةُ فَهي لِمَن آمَنَ وارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ ولَمْ يَعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ أيْضًا إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإذا قالُوا: مُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ لا يُقالُ لَهُ مُؤْمِنٌ كَما لا يُقالُ كافِرٌ لِإثْباتِهِمُ المُنَزَّلَةَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ فَلا يَدْخُلُ ذَلِكَ في العُمُومِ، أبْطَلْنا ذَلِكَ وبَرْهَنّا عَلى حَصْرِ المُكَلَّفِ في المُؤْمِنِ والكافِرِ ونَفْيِ المَنزِلَةِ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ بِما هو مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ. وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ (مَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا) إلَخْ لا يَعْمُّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى وجَنّاتِ عَدْنٍ لِمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الغَيْرِ العالِيَةِ والجَنّاتِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ وما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
ولَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( «إنَّ أهْلَ الدَّرَجاتِ العُلى لَيَراهم مَن تَحْتَهم كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في أُفُقِ السَّما، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مِنهم وأنْعَما» ).، واسْتُدِلَّ عَلى شُمُولِ (مَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا) صاحِبَ الكَبِيرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ المُرادَ بِمَن تَزَكّى مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَأنَّهُ أرادَ مَن تَطَهَّرَ عَنْ دَنَسِ الكُفْرِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّ العاصِيَ إذا دَخَلَ جَهَنَّمَ لا يَكُونُ حالُهُ كَحالِ المُجْرِمِ الكافِرِ إذا دَخَلَها بَلْ قِيلَ: إنَّهُ يَمُوتُ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ( أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ فَأتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ (إنَّهُ مَن يَأْتِ) إلَخْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أمّا أهْلُها- يَعْنِي جَهَنَّمَ- الَّذِينَ هم أهْلُها فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وأمّا الَّذِينَ لَيْسُوا بِأهْلِها فَإنَّ النّارَ تُمِيتُهم إماتَةً ثُمَّ يَقُومُ الشُّفَعاءُ فَيَشْفَعُونَ فَيُؤْتى بِهِمْ ضَبائِرَ عَلى نَهْرٍ يُقالُ لَهُ الحَياةُ أوِ الحَيَوانُ فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ القِثّاءُ بِحَمِيلِ السَّيْلِ ).
وحَمَلَ ذَلِكَ القائِلُ تُمِيتُهم فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ وجَعَلَ المَصْدَرَ تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾، وذَكَرَ أنَّ فائِدَةَ بَقائِهِمْ في النّارِ بَعْدَ إماتَتِهِمْ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى حِرْمانَهم مِنَ الجَنَّةِ تِلْكَ المُدَّةَ وذَلِكَ مُنْضَمٌّ إلى عَذابِهِمْ بِإحْراقِ النّارِ إيّاهم.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ تُمِيتُهم مَجازٌ والمُرادُ أنَّها تَجْعَلُ حالَهم قَرِيبَةً مِن حالِ المَوْتى بِأنْ لا يَكُونَ لَهم شُعُورٌ تامٌّ بِالعَذابِ، ولا يُسَلَّمُ أنَّ ذِكْرَ المَصْدَرِ يُنافِي التَّجَوُّزَ فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: قَتَلْتُ زَيْدًا بِالعَصا قَتْلًا والمُرادُ ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا شَدِيدًا ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: المَصْدَرُ لِبَيانِ النَّوْعِ أيْ تُمِيتُهم نَوْعًا مِنَ الإماتَةِ لِأنَّ الإماتَةَ لا أنْواعَ لَها بَلْ هي نَوْعٌ واحِدٌ وهو إزْهاقُ الرُّوحِ ولِهَذا قِيلَ:
ومَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدُ
واسْتَدَلَّ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ عَلى ثُبُوتِ مَكانٍ لَهُ تَعالى شَأْنُهُ.
وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ مِن إتْيانِهِ تَعالى إتْيانُ مَوْضِعِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ
20:77Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقَدْ طُوِيَ في البَيْنِ ذِكْرُ ما جَرى عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ غُلِبَتِ السَّحَرَةُ مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وكانَ فِرْعَوْنُ كُلَّما جاءَتْ آيَةُ وعْدٍ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ حَتّى إذا انْكَشَفَ نَكَثَ، فَلَمّا كَمُلَتِ الآياتُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها.
وأنْ إمّا مُفَسِّرَةٌ لِما في الوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ
صفحة 236
بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى لِإظْهارِ الرَّحْمَةِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ قُبْحِ صَنِيعِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ حَيْثُ اسْتَعْبَدَهم وهم عِبادُهُ عَزَّ وجَلَّ، وفَعَلَ بِهِمْ مِن فُنُونِ الظُّلْمِ ما فَعَلَ ولَمْ يُراقِبْ فِيهِمْ مَوْلاهُمُ الحَقِيقِيَّ جَلَّ جَلالُهُ، والظّاهِرُ أنَّ الإيحاءَ بِما ذُكِرَ وكَذا ما بَعْدَهُ كانَ بِمِصْرَ أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ أوْحَيْنا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ سِرْ بِعِبادِي الَّذِينَ أرْسَلْتُكَ لِإنْقاذِهِمْ مِن مُلْكَةِ فِرْعَوْنَ مِن مِصْرَ لَيْلًا ﴿فاضْرِبْ لَهُمْ﴾ بِعَصاكَ ﴿طَرِيقًا في البَحْرِ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لِاضْرِبْ عَلى الِاتِّساعِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والأصْلُ اضْرِبِ البَحْرَ لِيَصِيرَ لَهم طَرِيقًا ﴿يَبَسًا﴾ أيْ يابِسًا وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ وصْفًا لِطَرِيقًا مُبالَغَةً وهو يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( يَبْسًا ) بِسُكُونِ الباءِ وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا أيْضًا أوْ صِفَةً مُشَبَّهَةً كَصَعْبٍ أوْ جَمْعُ يابِسٍ كَصَحْبٍ وصاحِبٍ. ووَصْفُ الواحِدِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ الطَّرِيقَ لِفَرْطِ يُبْسِها كَأشْياءَ يابِسَةٍ كَما قِيلَ في قَوْلِ القُطامِيِّ:
كَأنَّ قُتُودَ رَحْلِي حِينَ ضَمَّتْ حَوالِبَ غُرَّزًا ومِعًى جِياعًا
أنَّهُ جَعَلَ المِعى لِفَرْطِ جُوعِهِ كَجَماعَةٍ جِياعٍ أوْ قَدَّرَ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الطَّرِيقِ طَرِيقًا يابِسًا كَما قِيلَ في ﴿نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ وثَوْبٍ أخْلاقٍ أوْ حَيْثُ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ الجِنْسُ وكانَ مُتَعَدِّدًا حَسَبَ تَعَدُّدِ الأسْباطِ لا طَرِيقٌ واحِدَةٌ عَلى الصَّحِيحِ جاءَ وصْفُهُ جَمْعًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ هُنا بَيْنَ اليَبَسِ بِالتَّحْرِيكِ واليُبْسِ بِالتَّسْكِينِ مَعْنًى لِأنَّ الأصْلَ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ وإنْ كانَتْ إحْداهُما شاذَّةً، وفي القامُوسِ اليُبْسُ بِالإسْكانِ ما كانَ أصْلُهُ رَطْبًا فَجَفَّ وما أصْلُهُ اليُبُوسَةُ ولَمْ يُعْهَدْ رَطْبًا يَبَسٌ بِالتَّحْرِيكِ، وأمّا طَرِيقُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ فَإنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ طَرِيقًا لا رَطْبًا ولا يابِسًا إنَّما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم حِينَئِذٍ مَخْلُوقًا عَلى ذَلِكَ ا هـ.
وهَذا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّ اليُبْسَ بِالتَّحْرِيكِ ما كانَ فِيهِ رُطُوبَةٌ فَذَهَبَتْ، والمَكانُ إذا كانَ فِيهِ ماءٌ فَذَهَبَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ضَرَبَ البَحْرَ وانْفَلَقَ حَتّى صارَتْ فِيهِ طُرُقٌ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحَ الصَّبا فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ حَتّى يَبِسَتْ. وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الضَّرْبَ بِمَعْنى الجَعْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ أوْ بِمَعْنى الِاتِّخاذِ فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما (طَرِيقًا) وثانِيهِما (لَهُمْ) .
واخْتارَ أبُو حَيّانَ بَقاءَهُ عَلى المَعْنى المَشْهُورِ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾، وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ (طَرِيقًا) عَلى هَذا الوَجْهِ مَفْعُولٌ فِيهِ، وقالَ: التَّقْدِيرُ (فاضْرِبْ لَهُمْ) مَوْضِعَ طَرِيقٍ ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (فاضْرِبْ) أوِ الصِّفَةِ الأُخْرى لَطَرِيقًا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيها أوْ هو اسْتِئْنافٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وقَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ أعْنِي ( أسْرِ )، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَهْيٌ مُسْتَأْنَفٌ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ( دَرْكًا ) بِسُكُونِ الرّاءِ وهو اسْمٌ مِنَ الإدْراكِ أيِ اللُّحُوقِ كالدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ، وقالَ الرّاغِبُ: الدَّرْكُ بِالتَّحْرِيكِ في الآيَةِ ما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن تَبِعَةٍ أيْ لا تَخافُ تَبِعَةً، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ مِن خَلْفِكم ﴿ولا تَخْشى﴾ أنْ يُغْرِقَكُمُ البَحْرُ مِن قُدّامِكم وهو عَطْفٌ عَلى ﴿لا تَخافُ﴾، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ في قِراءَةِ الرَّفْعِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ فَقِيلَ هو اسْتِئْنافٌ أيْ وأنْتَ لا تَخْشى، وقِيلَ:
صفحة 237
عَطْفٌ عَلى المَجْزُومِ والألِفُ جِيءَ بِها لِلْإطْلاقِ مُراعاةً لِأواخِرِ الآيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾، ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أوْ هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ كَما في قَوْلِهِ:
إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقِ
وهَذا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ وضَرُورَةٌ عِنْدِ آخَرِينَ فَلا يَجُوزُ تَخْرِيجُ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ عَلَيْهِ أوْ لا يَلِيقُ مَعَ وُجُودِ مِثْلِ الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ أوِ الأوَّلِ مِنهُما. والخَشْيَةُ أعْظَمُ الخَوْفِ وكَأنَّهُ إنَّما اخْتِيرَتْ هُنا لِأنَّ الغَرَقَ أعْظَمُ مِن إدْراكِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ لِما أنَّ ذاكَ مَظِنَّةُ السَّلامَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهم إنَّما ذَكَرُوا أوَّلًا ما يَدُلُّ عَلى خَوْفِهِمْ مِنهُ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ولِذا سُورِعَ في إزاحَتِهِ بِتَقْدِيمِ نَفْيِهِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences