Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الأنعام
Al-An'am
The Cattle · Meccan · 165 ayahs
6:1Page 128
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.
سُورَةُ الأنْعامِ
6 - كَما أخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ. والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً واحِدَةً. ورَوى خَبَرَ الجُمْلَةِ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ. وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وغَيْرِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ والَّتِي بَعْدَها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ أيْضًا عَنِ الكَلْبِيِّ وسُفْيانَ قالا: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ وهو الَّذِي قالَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ كُلُّها بِمَكَّةَ إلّا ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾
صفحة 76
فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ و ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ إلى آخِرِ الثَّلاثِ. وعِدَّةُ آياتِها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ. وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ والشّامِيِّينَ سِتٌّ وسِتُّونَ. وعِنْدَ الحِجازِيِّينَ سَبْعٌ وسِتُّونَ. وقَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ بِفَضْلِها فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ. والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ“» وخَبَرُ تَشْيِيعِ المَلائِكَةِ لَها رَواهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ إلّا أنَّ مِنهم مَن رَوى أنَّ المُشَيِّعِينَ سَبْعُونَ ألْفًا ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أقَلَّ ومِنهم مَن رَوى أنَّهم كانُوا أكْثَرَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى الفَجْرَ بِجَماعَةٍ وقَعَدَ في مُصَلّاهُ وقَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مَن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ مَلَكًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدٍ العابِدِ قالَ: مَن قَرَأ ثَلاثَ ءاياتٍ مِن أوَّلِ الأنْعامِ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكْسِبُونَ﴾ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ يَدْعُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَهُ مِثْلُ أعْمالِهِمْ فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ وسَقاهُ مِنَ السَّلْسَبِيلِ وغَسَّلَهُ مِنَ الكَوْثَرِ، وقالَ: أنا رَبُّكَ حَقًّا وأنْتَ عَبْدِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وغالِبُها في هَذا المَطْلَبِ ضَعِيفٌ وبَعْضُها مَوْضُوعٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَقَّرَ عَنْها. ولَعَلَّ الأخْبارَ بِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ جُمْلَةٌ أيْضًا كَذَلِكَ. وحَكى الإمامُ اتِّفاقَ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً ثُمَّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ حِينَئِذٍ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن آياتِها إنَّ سَبَبَ نُزُولِها الأمْرُ الفُلانِيُّ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَهُ. والقَوْلُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ بِذَلِكَ عَدَمُ تَخَلُّلِ نُزُولِ شَيْءٍ مِن آياتِ سُورَةٍ أُخْرى بَيْنَ أوْقاتِ نُزُولِ آياتِها مِمّا لا تُساعِدُهُ الظَّواهِرُ بَلْ في الأخْبارِ ما هو صَرِيحٌ فِيما يَأْباهُ. والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ دُفْعَةً وتَدْرِيجًا خِلافُ الظّاهِرِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ
ويُؤَيِّدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن ضَعْفِ الأخْبارِ بِالنُّزُولِ جُمْلَةُ ما قالَهُ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ - الحَدِيثَ الوارِدَ - في أنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً، رَوَيْناهُ مِن طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ولَمْ نَرَ لَهُ سَنَدًا صَحِيحًا، وقَدْ رُوِيَ ما يُخالِفُهُ انْتَهى. ومِن هَذا يُعْلَمُ - ما في دَعْوى الإمامِ - اتِّفاقُ النّاسِ عَلى القَوْلِ بِنُزُولِها جُمْلَةً فَتَدَبَّرْ. ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِآخِرِ المائِدَةِ عَلى ما قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّها افْتُتِحَتْ بِالحَمْدِ وتِلْكَ اخْتُتِمَتْ بِفَصْلِ القَضاءِ وهَما مُتَلازِمانِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ المُناسِبَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في آخِرِ المائِدَةِ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ افْتَتَحَ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِشَرْحِ ذَلِكَ وتَفْصِيلِهِ فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وضَمَّ تَعالى إلَيْهِ أنَّهُ جَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ وهو بَعْضُ ما تَضَمَّنَهُ ما فِيهِنَّ ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ اسْمُهُ أنَّهُ خَلَقَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ وقَضى لَهُ أجَلًا وجَعَلَ لَهُ أجَلًا آخَرَ لِلْبَعْثِ وأنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ مُنْشِئُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ فَأُثْبِتَ لَهُ مُلْكُ جَمِيعِ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ المَكانِ. ثُمَّ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ فَأثْبَتَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا مَلَكَ جَمِيعَ المَظْرُوفاتِ لِظَرْفِ الزَّمانِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ خَلْقَ سائِرِ الحَيْوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ ثُمَّ خَلْقَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ والمَوْتِ. ثُمَّ أكْثَرَ عَزَّ وجَلَّ في أثْناءِ السُّورَةِ مَنَ الإنْشاءِ والخَلْقِ لِما فِيهِنَّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ والنُّجُومِ وفَلْقِ الإصْباحِ وفَلْقِ الحَبِّ والنَّوى وإنْزالِ الماءِ وإخْراجِ النَّباتِ والثِّمارِ بِأنْواعِها وإنْشاءِ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَفْصِيلُ ما فِيهِنَّ، وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وجْهًا آخَرَ في المُناسَبَةِ أيْضًا وهو أنَّهُ
صفحة 77
سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلَخْ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَهُ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ إلَخْ فَأخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءً مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى افْتِراءً عَلى اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ وكانَ القَصْدُ بِذَلِكَ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ أنْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَيُشابِهُوا الكُفّارَ في صُنْعِهِمْ وكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإيجازِ ساقَ جَلَّ جَلالُهُ هَذِهِ السُّورَةَ لِبَيانِ حالِ الكُفّارِ في صُنْعِهِمْ فَأتى بِهِ عَلى الوَجْهِ الأبْيَنِ والنَّمَطِ الأكْمَلِ ثُمَّ جادَلَهم فِيهِ وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى بُطْلانِهِ وعارَضَهم وناقَضَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ القِصَّةُ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ السُّورَةُ مِن ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وتَفْصِيلًا وبَسْطًا وإتْمامًا وإطْنابًا، وافْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الخَلْقِ والمُلْكِ لِأنَّ الخالِقَ والمالِكَ هو الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ في مُلْكِهِ ومَخْلُوقاتِهِ إباحَةً ومَنعًا وتَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا فَيَجِبُ أنْ لا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، ولِهَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا اعْتِلاقٌ مِن جِهَةٍ بِالفاتِحَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ وبِالبَقَرَةِ لِشَرْحِها إجْمالَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وبِآلِ عِمْرانَ مِن جِهَةِ تَفْصِيلِها لِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ إلَخْ وبِالنِّساءِ مِن جِهَةِ ما فِيها مِن بَدْءِ الخَلْقِ والتَّقْبِيحِ لِما حَرَّمُوهُ عَلى أزْواجِهِمْ وقَتْلِ البَناتَ وبِالمائِدَةِ مِن حَيْثُ اشْتِمالِها عَلى الأطْعِمَةِ بِأنْواعِها. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ قُطْبُ هَذِهِ السُّورَةِ دائِرًا عَلى إثْباتِ الصّانِعِ ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ حَتّى قالَ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ: إنَّ في سُورَةِ الأنْعامِ كُلَّ قَواعِدِ التَّوْحِيدِ ناسَبَتْ تِلْكَ السُّورَةَ مِن حَيْثُ أنْ فِيها إبْطالَ أُلُوهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَلى اعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ وافْتِرائِهِمُ الباطِلَ هَذا. ثُمَّ أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِعَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا تَفُوتُ الحَصْرَ ولا يُحِيطُ بِها نِطاقُ العَدِّ إلّا أنَّها تَرْجِعُ إجْمالًا إلى إيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الأُولى وإيجادٍ وإبْقاءٍ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ وأُشِيرَ في الفاتِحَةِ الَّتِي هي أُمُّ الكِتابِ إلى الجَمِيعِ، وفي الأنْعامِ إلى الإيجادِ الأوَّلِ، وفي الكَهْفِ إلى الإبْقاءِ الأوَّلِ وفي سَبَإٍ إلى الإيجادِ الثّانِي وفي فاطِرٍ إلى الإبْقاءِ الثّانِي ابْتُدِئَتْ هَذِهِ الخَمْسُ بِالتَّحْمِيدِ. ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ في كُلِّ رُبْعٍ مِن كِتابِهِ الكَرِيمِ المَجِيدِ سُورَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّحْمِيدِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ أوْ إنْشائِيَّةٌ وعَيَّنَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِما في حَمْلِها عَلى الإنْشاءِ مِن إخْراجِ الكَلامِ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ بَلْ لِما يَلْزَمُ عَلى كَوْنِها إنْشائِيَّةً مِنِ انْتِفاءِ الِاتِّصافِ بِالجَمِيلِ قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِ ضَرُورَةُ أنَّ الإنْشاءَ يُقارِنُ مَعْناهُ لَفْظَهُ في الوُجُودِ، وآخَرُونَ الثّانِيَ لِأنَّهُ لَوْ كانَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ إخْبارًا يَلْزَمُ أنْ لا يُقالُ لِقائِلِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) حامِدٌ إذْ لا يُصاغُ لِلْمُخْبِرِ عَنْ غَيْرِهِ لُغَةً مِن مُتَعَلِّقِ إخْبارِهِ اسْمٌ قَطْعًا، فَلا يُقالُ لِقائِلِ - زَيْدٌ لَهُ القِيامُ - قائِمٌ، واللّازِمُ باطِلٌ فَيُبْطِلُ المَلْزُومَ، ولا يَلْزَمُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها إنْشائِيَّةً فَإنَّ الإنْشاءَ يُشْتَقُّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةً لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، فَيُقالُ لِمَن قالَ: بِعْتَ بائِعٌ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كُلِّ إنْشاءٍ في ذَلِكَ، وإلّا لَقِيلَ لِقائِلٍ: ضَرَبَ ضارِبٌ، واللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ القائِلُ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ مُرْضِعٌ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَ إنْشاءُ الحالِ مِن أحْوالِ المُتَكَلِّمِ كَما في صِيَغِ العُقُودِ، ولا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ فِيما ذُكِرَ والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ جَوازُ الِاعْتِبارَيْنِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وأجابُوا عَمّا يَلْزَمُ مِنَ المَحْذُورِ نَعَمْ رُجِّحَ هُنا اعْتِبارُ الخَبَرِيَّةِ لِما أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِبَيانِ التَّوْحِيدِ ورَدْعِ الكَفَرَةِ والإعْلامُ بِمَضْمُونِها عَلى وجْهِ الخَبَرِيَّةِ يُناسِبُ المَقامَ وجَعْلُها لِإنْشاءِ الثَّناءِ لا يُناسِبُهُ، وقِيلَ: إنَّ اعْتِبارَ خَبَرِيَّتِها هُنا
صفحة 78
لِيَصِحَّ عَطْفُ ما بَعْدُ ثُمَّ الآتِي عَلَيْها، ومَنِ اعْتَبَرَ الإنْشائِيَّةَ ولَمْ يُجَوِّزْ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جَعَلَ العَطْفَ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ أوْ عَلى الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ يَجْعَلُ المَعْطُوفَ لِإنْشاءِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ والخُرُوجِ عَنِ الظاهِرِ، وفي تَعْلِيقِ الحَمْدِ أوَّلًا بِاسْمِ الذّاتِ ووَصْفِهِ تَعالى ثانِيًا بِما وصَفَ بِهِ سُبْحانَهُ تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِ الِاسْتِحْقاقَيْنِ تَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ عَزَّ وجَلَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَحَقُّقِ اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ الإنْعامِ المُؤْذِنِ بِهِ ما في حَيِّزِ المَوْصُولِ الواقِعِ صِفَةً، ومَعْنى اسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الذّاتِيِّ عِنْدَ بَعْضٍ اسْتِحْقاقُهُ جَلَّ وعَلا الحَمْدَ بِجَمِيعِ أوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ إنَّهُ تَعالى يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ، وأنْكَرَ هَذا صِحَّةَ تَوَجُّهِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ إلى الذّاتِ مِن حَيْثُ هِيَ
وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ في شَرْحِ الإشارَةِ عِنْدَ ذِكْرِ مَقاماتِ العارِفِينَ أنَّ النّاسَ في العِبادَةِ ثَلاثُ طَبَقاتٍ، فالأُولى في الكَمالِ والشَّرَفِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، والثّانِيَةُ وهي الَّتِي تَلِي الأُولى في الكَمالِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ وهي كَوْنُهُ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، والثّالِثَةُ وهي آخِرُ دَرَجاتِ المُحَقِّقِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ لِتَكْمُلَ نُفُوسُهم في الِانْتِسابِ إلَيْهِ، ولا يُشَكِّلُ تَصَوُّرُ تَعْظِيمِ الذّاتِ مِن حَيْثُ هي لِأنَّهُ كَما قالَ الشِّهابُ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ ابْتِداءً قَبْلَ التَّعَقُّلِ بِوُجُوهِ الكَمالِ كانَ مُشْكِلًا أمّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَحْمُودِ جَلَّ جَلالُهُ بِسِماتِ الجَمالِ وتَصَوُّرِهِ بِأقْصى صِفاتِ الكَمالِ فَلا بِدَعَ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى تَمْجِيدِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَرَّةً أُخْرى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا سِوى الذّاتِ بَعْدَ الصُّعُودِ بِدَرَجاتِ المُشاهَداتِ ولِذا قالَ أهْلُ الظّاهِرِ: صِفاتُهُ لَمْ تَزِدْ مَعْرِفَةً لَكِنَّها لَذَّةٌ ذَكَرْناها فَما بالُكَ بِالعارِفِينَ الغارِقِينَ في بِحارِ العِرْفانِ وهُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ، والَّذِي حَقَّقَهُ السّالَكُوتِيُّ وجَرَيْنا عَلَيْهِ في الفاتِحَةِ أنَّ الِاسْتِحْقاقَ الذّاتِيَّ ما لا يُلاحَظُ مَعَهُ خُصُوصِيَّةُ صِفَةٍ حَتّى الجَمِيعِ لا ما يَكُونُ الذّاتُ البَحْتُ مُسْتَحَقًّا لَهُ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لَيْسَ إلّا عَلى الجَمِيلِ وسُمِّيَ ذاتِيًّا لِمُلاحَظَةِ الذّاتِ فِيهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ صِفَةٍ أوْ لِدَلالَةِ اسْمِ الذّاتِ عَلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُسْنَدًا إلى صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ المَخْصُوصَةِ كانَ مُسْنَدًا إلى الذّاتِ
وذَكَرَ بَعْضُ مُحَقِّقِي المُتَأخِّرِينَ كَلامًا في هَذا المَقامِ رَدَّ بِهِ فِيما عِنْدَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ
وحاصِلُهُ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ في (لِلَّهِ) لِمُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ دُونَ الِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ عَلى التَّعْيِينِ بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا في مِثْلِ لَهُ الحَمْدُ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاخْتِصاصِ القَصْرِيِّ فَلَوْ أنَّ اللّامَ الجارَّةَ تُفِيدُهُ أيْضًا لَما بَقِيَ فَرْقٌ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ ولَهُ الحَمْدُ غَيْرَ كَوْنِ الثّانِي أوْكَدَ مِنَ الأوَّلِ في إفادَةِ القَصْرِ، والمُصَرَّحُ بِهِ التَّفْرِقَةُ بِإفادَةِ أحَدِهِما القَصْرَ دُونَ الآخَرِ، وإنَّ الِاخْتِصاصاتِ عَلى أنْحاءٍ وتَعْيِينَ بَعْضِها مَوْكُولٌ إلى العِلَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الحُكْمُ، وتَجْعَلُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ غالِبًا وغَيْرِها مِنَ القَرائِنِ، فَإذا رَأيْتَ الحُكْمَ عَلى أوْصافِهِ تَعالى المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ تَعالى فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى القَصْرِ لِيُطابِقَ المَعْلُولُ عِلَّتَهُ ومَعَ ذَلِكَ إذا كانَتِ الأوْصافُ المُخْتَصَّةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مُنْعِمًا عَلى عِبادِهِ وجَبَ كَوْنُ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ سُبْحانَهُ فَيُحْمَلُ الحُكْمُ المُعَلَّلُ عَلى الِاسْتِيجابِ لِلتَّطابُقِ أيْضًا، وإذا لَمْ يُعَلَّلِ الحُكْمُ بِشَيْءٍ أوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ العِلَّةِ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْها الحُكْمُ فَإنَّما يَثْبُتُ في الحُكْمِ أدْنى مَراتِبِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي كَوْنُهُ تَعالى حَقِيقًا بِالحَمْدِ مُجَرَّدًا عَنِ القَصْرِ والِاسْتِيجابِ، ويُعَضِّدُ ما أُشِيرُ إلَيْهِ اخْتِلافُ عِباراتِ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في بَيانِ مَدْلُولاتِ جُمَلِ الحَمْدِ، وأنَّ المُرادَ في الِاسْتِيجابِ الَّذِي جَعَلَهُ بَعْضُ النُّحاةِ مِن مَعانِي اللّامِ ما هو بِمَنزِلَةِ مُطْلَقِ الِاخْتِصاصِ
صفحة 79
الَّذِي قَرَّرَهُ لا المَعْنى الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَفْهُومُ جُمْلَةِ الحَمْدِ لِلَّهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ ولا دَلالَةَ فِيها مِن حَيْثُ هي هي مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ الَّذِي هو عِلَّةُ الحُكْمِ عَلى قَصْرِ الحَقِيقَةِ بِالحَمْدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا عَلى بُلُوغِها حَدَّ الِاسْتِيجابِ نَعَمْ في تَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّفَةِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى واجِبًا عَلى عِبادِهِ مُخْتَصًّا بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ كَما قالُوا عَلى الوَصْفِ يُشْعَرُ بِمَنطُوقِهِ بِعَلِيَّةِ الوَصْفِ لِلْحَكَمِ وبِمَفْهُومِهِ بِانْتِفاءِ الحُكْمِ عَمَّنْ يَنْتَفِي عَنْهُ الوَصْفُ، ثُمَّ قالَ: وبِالجُمْلَةِ إنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) مُدَّعًى ومَدْلُولٌ
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (الَّذِي خَلَقَ) إلَخْ دَلِيلٌ وعِلَّةٌ ولَيْسَ هُناكَ إلّا حَمْدٌ واحِدٌ مُعَلَّلٌ لِما في حَيِّزِ الوَصْفِ لا حَمْدَ مُعَلَّلٌ بِالذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ أوْ بِالذّاتِ البَحْتِ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ وبِالوَصْفِ، ثانِيًا حَتّى يَكُونَ بِمَثابَةِ حَمْدَيْنِ بِاعْتِبارِ العِلَّتَيْنِ لِأنَّ لَفْظَ الجَلالَةِ عَلَمٌ شَخْصِيٌّ، ولا دَلالَةَ لَهُ عَلى الأوْصافِ بِإحْدى الدَّلالاتِ الثَّلاثِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ وعِلَّةً لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ إلّا مُعَلَّلًا بِالأُمُورِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الجَمِيلَةِ ولا يُكْتَفى بِاسْمِ الذّاتِ اللَّهُمَّ إلّا في تَسْبِيحاتِ المُؤْمِنِينَ وتَحْمِيداتِهِمْ لا في مُحاجَّةِ المُنْكِرِينَ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ بَيانِها وأيْضًا اقْتِضاءُ الذّاتِ البَحْتِ مِن حَيْثُ هو الذّاتُ ماذا يُفِيدُ في الِاحْتِجاجِ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ عامَّتُهم لا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ وأمّا ما يُقالُ: إنَّما قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِذِكْرِ اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ولَمْ يُقَلْ لِلْعالِمِ أوْ لِلْقادِرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الجَلالَةِ أوِ الإكْرامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ اخْتِصاصُ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ فَكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ظَهَرَ لَكَ فَسادُهُ مِن كَوْنِ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ
وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَ اسْمِ الذّاتِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ المُشْرِكِينَ المَحْجُوجِينَ الجُهّالَ لا يَعْرِفُونَهُ تَعالى ولا يَذْكُرُونَهُ فِيما بَيْنَهم ولا عِنْدَ المُحاجَّةِ إلّا بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ العَلِيمِ لا بِالصِّفاتِ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تُحْكى أجْوِبَتُهم بِذِكْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ في عامَّةِ السُّؤالاتِ إلّا ما قَلَّ، حَيْثُ كانَ جَوابُهم فِيهِ بِغَيْرِ اسْمِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ عَلى أنَّ البَعْضَ جَعَلَ هَذا لازِمَ مَقُولِهِمْ، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمالًا أُقِيمَ مَقامُهُ فَكَأنَّهم قالُوا: اللَّهُ، كَما حَكى عَنْهم في مَواضِعَ وحِينَئِذٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإلَهُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ ويَذْكُرُونَهُ بِهَذا الِاسْمِ هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ لِكَوْنِهِ خالِقَ السَّمَواتِ والأرْضِ، ولِكَوْنِهِ كَذا وكَذا وإذا عَرَفْتَ أنَّ الذّاتَ لا يُلائِمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وإنَّما الحَقِيقُ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ هو الصِّفاتُ، وأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الحَمْدُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بَعْضُ الصِّفاتِ بِحَسْبَ اقْتِضاءُ المَقامِ لا جَمِيعَ الصِّفاتِ عَرَفْتَ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ تَرْتِيبَ الحَمْدِ عَلى بَعْضِ الصِّفاتِ دُونَ بَعْضٍ يُوهِمُ اخْتِصاصَ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ بِوَصْفٍ دُونَ وصْفٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَقَعَ في الوَرْطَةِ الَّتِي فَرَّ مِنها كَما لا يَخْفى
فالحُقُّ أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ هو الوَصْفُ الَّذِي رُتِّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ، وأنَّ تَخْصِيصَ بَعْضَ الأوْصافِ لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقُ الحَمْدِ في بَعْضِ المَواقِعِ إنَّما هو بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ المَقامِ إيّاهُ، فَإنْ قُلْتَ فَما الرَّأْيُ في الحَمْدِ بِاعْتِبارِ الذّاتِ البَحْتِ أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ عَلى ما قِيلَ: هَلْ لَهُ وجْهٌ أمْ لا قُلْتُ: إمّا كَوْنُ الذّاتِ الصَّرْفِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وكَذا كَوْنُ الذّاتِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ بِاسْتِجْماعِهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ الَّتِي نَحْنُ فِيها فَلا وجْهَ لَهُ
صفحة 80
وأمّا ما ذَكَرُوهُ في شَرْحِ خُطَبِ بَعْضِ الكُتُبِ مِن أنَّ الحَمْدَ بِاعْتِبارِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ فَلَعَلَّ مَنشَأهُ هو أنَّ الحَمْدَ لِما اقْتَضى وصْفًا جَمِيلًا صالِحًا لِأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ ويَكُونُ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، فَحَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ وصْفٌ كَذَلِكَ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ بَلِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الذّاتِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ ثَبَتَ اعْتِبارُ الوَصْفِ الجَمِيلِ هُناكَ اقْتِضاءٌ ثُمَّ مِن أجْلِ تَعْيِينِ البَعْضِ بِالِاعْتِبارِ دُونَ البَعْضِ الآخَرِ لا يَخْلُو عَنْ لُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجَّحٍ يَلْزَمُ اعْتِبارُ بَعْضِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ بِرُمَّتِها فَيَكُونُ الحَمْدُ بِاعْتِبارِ جَمِيعِها، وحَيْثُ ذُكِرَ مَعَهُ وصْفٌ جَمِيلٌ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ ودُلَّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِبارِ لِأنَّ المَصِيرَ إلَيْهِ كانَ عَنْ ضَرُورَةٍ ولا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ كَما لا يَخْفى، ومَن لَمْ يَهْتَدِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما وقَعَ في القُرْآنِ المَجِيدِ لِمَقاصِدَ وما وقَعَ في خُطَبِ الكُتُبِ لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما ذُكِرَ فِيهِ المَحْمُودُ عَلَيْهِ صَرِيحًا أوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قَرِينَةٌ وبَيْنَ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ، وخَبَطَ خَبْطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ عَشْواءَ فَخَلَطَ مُقْتَضَياتِ بَعْضِ المَقاماتِ بِبَعْضٍ ولَمْ يَدْرِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى أيِّ شَرَفٍ، وكَلامُ غَيْرِهِ في أيِّ وادٍ
وقُصارى الكَلامِ أنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ الحَمْدِ لِلَّهِ هُنا عَلى الوَصْفِ المُخْتَصِّ بِهِ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ القَصْرِيَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ إلّا أنَّ ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أوَّلِ سَبَإٍ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَمْدِ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ وبَيْنَ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ مِمّا مُحَصِّلُهُ أنَّ جُمْلَةَ (لَهُ الحَمْدُ) جِيءَ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِيُفِيدَ القَصْرَ لِكَوْنِ الإنْعامِ بِنِعَمِ الآخِرَةِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ﴾ إلَخْ فَإنَّها لَمْ يُجَأْ بِها بِتَقْدِيمِ الصِّلَةِ حَتّى لا يُفِيدَ القَصْرَ لِعَدَمِ كَوْنِ الإنْعامِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى مُطْلَقًا بِحَيْثُ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْغَيْرِ إذْ يَكُونُ بِتَوَسُّطِ الغَيْرِ فَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِغَيْرِ الحَمْدِ بِنَوْعِ اسْتِحْقاقٍ بِسَبَبِ وساطَتِهِ آبَ عَنْهُ، إذْ حاصِلُ ما ذَكَرَهُ في تِلْكَ السُّورَةِ هو أنَّهُ لا قَصْرَ في جُمْلَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ﴾ إلَخْ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ وحاصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ وكَذا الفاتِحَةُ هو أنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إذا رَتَّبَ عَلى الأوْصافِ المُخْتَصَّةِ كالخَلْقِ والجَعْلِ المَذْكُورَيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا غايَةُ ما في البالِ أنَّ طَرِيقَ.إفادَةِ القَصْرِ في البابَيْنِ مُتَغايِرٌ فَفي إحْداهُنَّ تَقْدِيمُ الصِّلَةِ وفي الأُخْرى مَفْهُومُ العِلَّةِ فَتَدَبَّرْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وجَمَعَ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ وأفْرَدَ الأرْضَ مَعَ أنَّها عَلى ما تَقْتَضِيهِ النُّصُوصُ المُتَعَدِّدَةُ مُتَعَدِّدَةٌ أيْضًا، والمُؤاخاةُ بَيْنَ الألْفاظِ مِن مُحَسِّناتِ الكَلامِ فَإذا جَمَعَ أحَدٌ المُتَقابِلَيْنِ أوْ نَحْوَهُما يَنْبَغِي أنْ يَجْمَعَ الآخَرَ عِنْدَهم ولِذا عِيبَ عَلى أبِي نُواسٍ قَوْلُهُ:
وما لَكَ فاعْلَمَن فِينا مَقالًا إذا اسْتَكْمَلْتَ آجالًا ورِزْقًا
حَيْثُ جَمَعَ وأفْرَدَ إذْ جَمَعَ لِنُكْتَةٍ سَوَّغَتِ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ الأصْلِ وهي الإشارَةُ إلى تَفاوُتِهِما في الشَّرَفِ، فَجَمَعَ الأشْرَفَ اعْتِناءً بِسائِرِ أفْرادِهِ وأفْرَدَ غَيْرَ الأشْرَفِ، وأشْرَفِيَّةُ السَّماءِ لِأنَّها مَحِلُّ المَلائِكَةِ المُقَدِّسِينَ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ وقِبْلَةُ الدُّعاءِ ومِعْراجُ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ ولِعِظَمِها وإحاطَتِها بِالأرْضِ عَلى القَوْلِ بِكُرَيَّتِها الذّاهِبُ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنّا وعِظَمِ آياتِ اللَّهِ فِيها، ولِأنَّها لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها أصْلًا، وفِيها الجَنَّةُ الَّتِي هي مَقَرُّ الأحْبابِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ، والأرْضُ وإنْ كانَتْ دارَ تَكْلِيفٍ ومَحِلَّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلتَّبْلِيغِ وكَسْبِ ما يَجْعَلُهم مُتَأهِّلِينَ لِلْقامَةِ في حَضِيرَةِ القُدْسِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِدارِ قَرارٍ وخَلْقُ أبْدانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنها ودَفْنُهم فِيها مَعَ كَوْنِ أرْواحِهِمُ الَّتِي هي مَنشَأ الشَّرَفِ لَيْسَتْ مِنها ولا تُدْفَنُ فِيها لا يَدُلُّ
صفحة 81
عَلى أكْثَرَ مِن شَرَفِها وأمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أشَرَفِيَّتِها فَلا يَكادُ يَسْلَمُ لِأحَدٍ، وكَذا كَوْنُ اللَّهِ تَعالى وصَفَ بِقاعًا مِنها بِالبَرَكَةِ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِمّا ذَكَرْنا، ولِهَذا الشَّرَفِ أيْضًا قُدِّمَتْ عَلى الأرْضِ في الذِّكْرِ، وقِيلَ: إنَّ جَمَعَ السَّمَواتِ وإفْرادَ الأرْضِ لِأنَّ السَّماءَ جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ جارِيَةٌ مَجْرى القابِلِ فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ واحِدَةً لِتَشابُهِ الأثَرِ، وهو يُخِلُّ بِمَصالِحِ هَذا العالَمِ، وأمّا الأرْضُ فَهي قابِلَةٌ والقابِلُ الواحِدُ كافٍ في القَبُولِ
وحاصِلُهُ أنَّ اخْتِلافَ الآثارِ دَلَّ عَلى تَعَدُّدِ السَّماءِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً، والأرْضُ وإنْ كانَتْ مُتَعَدِّدَةً لَكِنْ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ فَلِذَلِكَ جَمَعَها دُونَ الأرْضِ
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ رُبَّما يَقْتَضِي العَكْسَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا تَعَدُّدَ حَقِيقِيًّا في الأرْضِ، ولِهَذا لَمْ تُجْمَعْ، وأمّا التَّعَدُّدُ الوارِدُ في بَعْضِ الأخْبارِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن غَصَبَ قَيْدَ شِبْرٍ مِن أرْضٍ طُوِّقَهُ إلى سَبْعِ أرَضِينَ» فَمَحْمُولٌ عَلى التَّعَدُّدِ بِاعْتِبارِ الأقالِيمِ السَّبْعَةِ، وكَذا يُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ؟ هَذِهِ أرْضٌ هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَها؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: أرْضٌ أُخْرى وبَيْنَهُما مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ»، والتَّحْتِيَّةُ لا تَأْبى ذَلِكَ فَإنَّ الأرْضَ كالسَّماءِ كُرَوِيَّةٌ، وقَدْ يُقالُ لِلشَّيْءِ إذا كانَ بَعْدَ آخِرٍ هو تَحْتَهُ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «بَيْنَهُما خَمْسُمِائَةِ عامٍ أنَّ القَوْسَ مِن إحْدى السَّمَواتِ المَسامِتِ لِأوَّلِ إقْلِيمٍ وأوَّلُ الآخِرِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ» ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَزِيدُ عَلى هَذا المِقْدارِ، وكَثِيرًا ما يُقْصَدُ مِنَ العَدَدِ التَّكْثِيرُ لا الكَمُّ المُعِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُماثَلَةِ في السَّبْعَةِ المَوْجُودَةِ في الأقالِيمِ لا عَلى التَّعَدُّدِ الحَقِيقِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ سِوى اتِّهامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَجْزِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أنْ يَخْلُقَ سَبْعَ أرْضِينَ طِبْقَ ما نَطَقَ بِهِ ظاهِرُ النَّصِّ الوارِدِ عَنْ حَضْرَةِ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ وأزالَ بِزُلالِ كَلامِهِ الكَرِيمِ أُوامَ كُلِّ صادٍّ، وحَمْلُ المُماثَلَةِ في الآيَةِ أيْضًا عَلى المُماثَلَةِ الَّتِي زَعَمَها صاحِبُ القِيلِ خِلافٌ الظّاهِرِ
ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى تَتِمَّةِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في وجْهِ تَقْدِيمِ السَّمَواتِ عَلى الأرْضِ تَقَدُّمِ خَلْقِها عَلى خَلْقِ الأرْضِ ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ
وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ خَلْقَ المُحَدَّدَ سابِقٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقُ باقِي الأفْلاكِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِها بِالذِّكْرِ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وعامَّةِ الآلاءِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي أجَلُّها نِعْمَةُ الوُجُودِ الكافِيَةِ في إيجابِ حَمْدِهِ تَعالى عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ فَكَيْفَ بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن صُنُوفِ النِّعَمِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ المَنُوطِ بِها مَصالِحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences