Al-AlusiAl‑Isra · 17:1

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

الإسراء

Al-Isra

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

17:1Page 282

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١

Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4

صفحة 1

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ 17

وتُسَمّى الإسْراءَ وسُبْحانَ أيْضًا، وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَكِّيَّةٌ، وكَوْنُها كَذَلِكَ بِتَمامِها قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ صاحِبُ «الغَنِيّانِ» بِإجْماعٍ، وقِيلَ: الآيَتَيْنِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ وقِيلَ: إلّا أرْبَعًا هاتانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وزادَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ الآيَةَ.

وعَنِ الحَسَنِ إلّا خَمْسَ آياتٍ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ الآيَةَ.

﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ الآيَةَ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ.

﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ.

﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ، وقالَ قَتادَةُ: إلّا ثَمانِيَ آياتٍ؛ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخِرِهِنَّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهي مِائَةٌ وعَشْرُ آياتٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإحْدى عَشْرَةَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ.

«وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ يَقْرَؤُها والزُّمَرَ كُلَّ لَيْلَةٍ،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ والكَهْفِ ومَرْيَمَ وطه والأنْبِياءِ: هُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ، وهُنَّ مِن تِلادِي، وهَذا وجْهٌ في تَرْتِيبِها، ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِالنَّحْلِ - كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ - أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ في آخِرِها: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ شَرِيعَةَ أهْلِ السَّبْتِ الَّتِي شَرَعَها سُبْحانَهُ لَهم في التَّوْراةِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ كُلَّها في خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ تَعالى فِيها عِصْيانَهم وإفْسادَهم وتَخْرِيبَ مَسْجِدِهِمْ واسْتِفْزازَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ وإرادَتَهم إخْراجَهُ مِنَ المَدِينَةِ وسُؤالَهم إيّاهُ عَنِ الرُّوحِ، ثُمَّ خَتَمَها جَلَّ شَأْنُهُ بِآياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّسْعِ وخِطابِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأُهْلِكَ ووَرِثَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن بَعْدِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ أنَّهم سَيَنالُهم ما نالَ فِرْعَوْنَ حَيْثُ أرادُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ما أرادَ هو بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابِهِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُصَدَّرَةً بِقِصَّةِ تَخْرِيبِ المَسْجِدِ الأقْصى افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إسْراءِ المُصْطَفى ﷺ تَشْرِيفًا لَهُ بِحُلُولِ رِكابِهِ الشَّرِيفِ جَبْرًا لِما وقَعَ مِن تَخْرِيبِهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّبْرِ ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلى الكَفَرَةِ وضِيقِ الصَّدْرِ مِن مَكْرِهِمْ، وكانَ مِن مَكْرِهِمْ نِسْبَتُهُ ﷺ إلى الكَذِبِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَمَوْهُ وحاشاهُ بِهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ اشْتِمالُها عَلى ذِكْرِ نِعَمٍ مِنها خاصَّةٌ ومِنها عامَّةٌ، وقَدْ ذَكَرَ في سُورَةِ النَّحْلِ مِنَ النِّعَمِ ما سُمِّيَتْ لِأجْلِهِ سُورَةَ النِّعَمِ واشْتِمالِها عَلى ذِكْرِ شَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ كَما اشْتَمَلَتْ تِلْكَ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ في النَّحْلِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾

صفحة 3

وذَكَرَ هاهُنا في القُرْآنِ: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَكَرَ سُبْحانَهُ في تِلْكَ أمْرَهُ بِإيتاءِ ذِي القُرْبى وأمَرَ هُنا بِذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أمَرَ جَلَّ وعَلا بِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مَنشَأُ القَرابَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى فَلْيُتَأمَّلْ. واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ سُبْحانَ هُنا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَصْدَرُ سَبَّحَ تَسْبِيحًا، بِمَعْنى نَزَّهَ تَنْزِيهًا، لا بِمَعْنى قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ. نَعَمْ جاءَ التَّسْبِيحُ بِمَعْنى القَوْلِ المَذْكُورِ كَثِيرًا حَتّى ظَنَّ بَعْضُهم أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ القامُوسِ في شَرْحِ دِيباجَةِ الكَشّافِ، وجَعَلَ سُبْحانَ مَصْدَرَ سَبَحَ مُخَفَّفًا ولَيْسَ بِذاكَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَمًا لِلتَّنْزِيهِ فَيُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ لِأنَّ الأعْلامَ لا تُضافُ قِياسًا، ويُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والزِّيادَةِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الأعْشى:

قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ

وقالَ الرَّضِيُّ: لا دَلِيلَ عَلى عَلَمِيَّتِهِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ مُضافًا فَلا يَكُونُ عَلَمًا، وإذا قُطِعَ فَقَدْ جاءَ مُنَوَّنًا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:

سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ

وقَدْ جاءَ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ذُو السُّبْحانِ» ولا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ في البَيْتِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ: حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وهو مُرادٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وأُبْقِيَ المُضافُ عَلى حالِهِ مُراعاةً لِأغْلَبِ أحْوالِهِ أيِ التَّجَرُّدِ عَنِ التَّنْوِينِ كَقَوْلِهِ: «خالَطَ مِن سَلْمى خَياشِيمُ وفا». انْتَهى، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ دائِمًا وهو عَلَمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ عَلَمَ الجِنْسِ كَما يُوضَعُ لِلذَّواتِ يُوضَعُ لِلْمَعانِي فَلا تَفْصِيلَ عِنْدَهُ، وانْتَصَرَ لَهُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ هو الوَجْهُ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَتِ العَلَمِيَّةُ بِدَلِيلِها فالإضافَةُ لا تُنافِيها ولَيْسَتْ مِن بابِ - زَيْدُ المَعارِكِ - لِتَكُونَ شاذَّةً بَلْ مِن بابِ - حاتِمُ طَيِّئٍ وعَنْتَرَةُ عَبْسٍ - وذَكَرَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ وذَلِكَ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِنَ السَّبَحِ وهو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، ثُمَّ ما يُعْطِيهِ نَقْلُهُ إلى التَّفْعِيلِ ثُمَّ العُدُولُ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً لا سِيَّما وهو عَلَمٌ يُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ وما فِيهِ مِن قِيامِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ؛ فَإنَّ انْتِصابَهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكِ الإظْهارِ، ولِهَذا لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُهُ إلّا فِيهِ تَعالى أسْماؤُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ما أبْعَدَ الَّذِي لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ فَلا يَكُونُ اصْطِفاؤُهُ لِعَبْدِهِ الخِصِّيصِ بِهِ إلّا حِكْمَةً وصَوابًا. انْتَهى.

وأُورِدَ عَلى ما ذَكَرَهُ أوَّلًا أنَّ مَن مَنَعَ إضافَةَ العَلَمِ قِياسًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إضافَةٍ وإضافَةٍ، فَإنِ ادَّعى أنَّ بَعْضَ الأعْلامِ اشْتُهِرَتْ بِمَعْنًى كَحاتِمٍ بِالكَرَمِ فَيَجُوزُ في نَحْوِهِ الإضافَةُ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ ودَفْعِ العُمُومِ الطّارِئِ فَما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ كَما لا يَخْفى، وما ذُكِرَ مِن دَلالَتِهِ عَلى التَّنْزِيهِ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ هو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ المَأْثُورُ، فَفي العِقْدِ الفَرِيدِ «عَنْ طَلْحَةَ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ سُبْحانَ اللَّهِ فَقالَ: «تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ سُوءٍ»».

وقالَ الطِّيبِيُّ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ دَلَّ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ الَّتِي يُضِيفُها إلَيْهِ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى، إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَأْباهُ مَقامُ الإسْراءِ إباءَ العَيُوفِ الوُرُودَ، وهو مُزَيَّفٌ بَلْ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما قالَ في النُّورِ: الأصْلُ في ذَلِكَ أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ ولَيْسَ

صفحة 4

بِشَيْءٍ، فَفي الكَشْفِ أنَّ التَّنْزِيهَ لا يُنافِي التَّعَجُّبَ كَما تُوُهِّمَ واعْتُرِضَ، وجَعْلُهُ مَدارًا، والتَّعَجُّبُ تَبَعًا هاهُنا هو الوَجْهُ بِخِلافِ آيَةِ النُّورِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِ الكَشّافِ في مَواضِعَ أنَّهُ لا يَرْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ التَّنْزِيهِ والتَّعَجُّبِ لِلْمُنافاةِ بَيْنَهُما، بَلْ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ فالجَمْعُ بَيْنَهُما جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنى المُشْتَرَكِ، وعَلى الجَمْعِ فالوَجْهُ ما ذُكِرَ أنَّهُ الوَجْهُ فافْهَمْ، وقِيلَ: إنَّ سُبْحانَ لَيْسَ عَلَمًا أصْلًا بِلا تَفْصِيلٍ فَفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ في الآيَةِ عَلى مَعْنى الأمْرِ أيْ: نَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى وبَرِّئُوهُ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ، ويَدْخُلُ فِيها العَجْزُ عَمّا بَعُدَ أوْ مِنَ العَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، والمُتَبادَرُ اعْتِبارُ المُضارِعِ، والإسْراءُ السَّيْرُ بِاللَّيْلِ خاصَّةً كالسُّرى، فَأسْرى وسَرى بِمَعْنًى. ولَيْسَتْ هَمْزَةُ أسْرى لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أسْرى مَلائِكَتُهُ بِعَبْدِهِ، قالَ في البَحْرِ: وإنَّما احْتاجَ إلى هَذِهِ الدَّعْوى لِاعْتِقادِ أنَّهُ إذا كانَ أسْرى بِمَعْنى سَرى لَزِمَ مِن كَوْنِ الباءِ لِلتَّعْدِيَةِ مُشارَكَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ وهَذا شَيْءٌ، ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ فَإذا قُلْتَ: قُمْتُ بِزَيْدٍ يَلْزَمُ مِنهُ قِيامُكَ وقِيامُ زَيْدٍ عِنْدَهُ، وإذا جَعَلْتَ الباءَ كالهَمْزَةِ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وقالَ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أسْرى بِمَعْنى سَرى عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، والأصْلُ أسْرى مَلائِكَتُهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أيْضًا، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أسْرى لِأوَّلِ اللَّيْلِ وسَرى لِآخِرِهِ، وأمّا سارَ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عامٌّ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِلَيْلٍ أوْ نَهارٍ. وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّهارِ ولَيْسَ مَقْلُوبًا مِن سَرى، وإيثارُ لَفْظَةِ العَبْدِ لِلْإيذانِ بِتَمَحُّضِهِ ﷺ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وبُلُوغِهِ في ذَلِكَ غايَةَ الغاياتِ القاصِيَةِ ونِهايَةَ النِّهاياتِ النّائِيَةِ حَسْبَما يَلُوحُ بِهِ مَبْدَأُ الإسْراءِ ومُنْتَهاهُ، والعُبُودِيَّةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ العارِفُونَ أشْرَفُ الأوْصافِ وأعْلى المَراتِبِ وبِها يَفْتَخِرُ المُحِبُّونَ كَما قِيلَ:

لا تَدْعُنِي إلّا بَيا عَبْدَها ∗∗∗ فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي

وقالَ آخَرُ:

بِاللَّهِ إنْ سَألُوكَ عَنِّي قُلْ لَهم ∗∗∗ عَبْدِي ومِلْكُ يَدِي وما أعْتَقْتُهُ

وعَنْ أبِي القاسِمِ سُلَيْمانَ الأنْصارِيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا وصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ، بِمَ نُشَرِّفُكَ؟ قالَ: بِنِسْبَتِي إلَيْكَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ وجاءَ: «قُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»، وقِيلَ: إنَّ في التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا دُونَ حَبِيبِهِ مَثَلًا سَدًّا لِبابِ الغُلُوِّ فِيهِ ﷺ كَما وقَعَ لِلنَّصارى في نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَكَرُوا أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرِ اللَّهُ تَعالى عَنْ أحَدٍ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ المُشارِ بِهِ إلى الهُوِيَّةِ إلّا النَّبِيَّ ﷺ، وفي ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ ما فِيهِ، ومَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ ظَهَرَ لَهُ الفَرْقُ التّامُّ بَيْنَ مَقامِ الحَبِيبِ ومَقامِ الكَلِيمِ ﷺ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُفْهَمُ مِنهُ الفَرْقُ أيْضًا فَلا تَغْفُلْ، وإضافَةُ: ( سُبْحانَ ) إلى المَوْصُولِ المَذْكُورِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْمُضافِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أدِلَّةِ كَمالِ قُدْرَتِهِ وبالِغِ حَكَمْتِهِ وغايَةِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْلا﴾ ظَرْفٌ لِأسْرى، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ بِتَنْكِيرِهِ عَلى تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّها بَعْضٌ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ قَرَأعَبْدُ اللَّهِ، وحُذَيْفَةُ: (مِنَ اللَّيْلِ) أيْ: بَعْضِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ .

واعْتُرِضَ بِأنَّ البَعْضِيَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ في الأجْزاءِ، والبَعْضِيَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّنْكِيرِ البَعْضِيَّةُ

صفحة 5

فِي الأفْرادِ والجُزْئِيّاتِ فَكَيْفَ يُسْتَفادُ مِنَ التَّنْكِيرِ أنَّ الإسْراءَ كانَ في بَعْضٍ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ؟ فالصَّوابُ أنَّ تَنْكِيرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ الإسْراءَ كانَ في لَيالٍ أوْ لِإفادَةِ تَعْظِيمِهِ كَما هو المُناسِبُ لِلسِّياقِ والسِّباقِ؛ أيْ: لَيْلًا أيَّ لَيْلٍ، دَنا فِيهِ المُحِبُّ إلى المَحْبُوبِ وفازَ في مَقامِ الشُّهُودِ بِالمَطْلُوبِ.

وأجابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ الكامِلِينَ بِما لا يَخْفى نَقْصُهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلَ الإعْجازِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ ابْتِداءً.

وتَحْقِيقُهُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ نَقْلًا عَنْ سِيبَوَيْهِ وابْنِ مالِكٍ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذا عُرِفا كانا مِعْيارًا لِلتَّعْمِيمِ وظَرْفًا مَحْدُودًا، فَلا تَقُولُ: صَحِبْتُهُ اللَّيْلَةَ، وأنْتَ تُرِيدُ ساعَةً مِنها إلّا أنْ تَقْصِدَ المُبالَغَةَ كَما تَقُولُ: أتانِي أهْلُ الدُّنْيا لِناسٍ مِنهم بِخِلافِ المُنَكَّرِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، فَلَمّا عُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِ هَنا عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدِ اسْتِغْراقُ السُّرى لَهُ، وهَذا هو المُرادُ مِنَ البَعْضِيَّةِ المَذْكُورَةِ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ اللَّيْلِ مَجازًا عَنْ بَعْضِهِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: جَلَسْتُ في السُّوقِ وجُلُوسُكَ في بَعْضِ أماكِنِهِ لا يَكُونُ فِيهِ السُّوقُ مَجازًا كَما لا يَخْفى، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المُدَقِّقِ في الكَشْفِ، وقِيلَ:

المُرادُ بِتَنْكِيرِهِ أنَّهُ وقَعَ في وسَطِهِ ومُعْظَمِهِ كَما يُقالُ: جاءَنِي فُلانٌ بِلَيْلٍ؛ أيْ: في مُعْظَمِ ظُلْمَتِهِ فَيُفِيدُ البَعْضِيَّةَ أيْضًا، ويُنافِيهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحَدِيثِ، وزَعَمَ أنَّ ذِكْرَ ( لَيْلًا ) لِلتَّأْكِيدِ أوْ تَجْرِيدِ الإسْراءِ وإرادَةِ مُطْلَقِ السَّيْرِ مِنهُ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ البِضاعَةِ كَما لا يَخْفى. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ حِكْمَةِ كَوْنِ الإسْراءِ لَيْلًا ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ المَسْجِدُ المَشْهُورُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ بِعَيْنِهِ، وكانَ ﷺ إذْ ذاكَ في الحِجْرِ مِنهُ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنا أنا في الحِجْرِ - وفي رِوايَةٍ - في الحَطِيمِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذْ أتانِي آتٍ فَشَقَّ ما بَيْنَ هَذِهِ إلى هَذِهِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فَغَسَلَهُ ثُمَّ أُعِيدَ ثُمَّ أُتِيتُ بِدابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ، أبْيَضَ يُقالُ لَهُ البُراقُ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ»» الحَدِيثَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ جاءَهُ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مُضْطَجِعٌ في الحِجْرِ بَيْنَ عَمِّهِ حَمْزَةَ وابْنِ عَمِّهِ جَعْفَرٍ فاحْتَمَلَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجاءُوا بِهِ إلى زَمْزَمَ فَألْقَوْهُ عَلى ظَهْرِهِ وشَقَّ جِبْرِيلُ صَدْرَهُ مِن ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إلى أسْفَلِ بَطْنِهِ بِغَيْرِ آلَةٍ ولا سَيَلانِ دَمٍ ولا وُجُودِ ألَمٍ ثُمَّ قالَ لِمِيكائِيلَ: ائْتِنِي بِطَسْتٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ فَأتاهُ بِهِ فاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ وغَسَلَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ أعادَهُ إلى مَكانِهِ ومَلَأهُ إيمانًا وحِكْمَةً وخَتَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلى بابِ المَسْجِدِ فَإذا بِالبُراقِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا فَرَكِبَهُ. الخَبَرَ.

ويُعْلَمُ مِنهُ الجَمْعُ بَيْنَ ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ في الحِجْرِ وما قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ زَمْزَمَ والمَقامِ، وقِيلَ:

المُرادُ بِهِ الحَرَمُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِإحاطَتِهِ بِهِ؛ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ الحِسِّيَّةِ والإحاطَةِ أوْ لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَحَلٌّ لِلسُّجُودِ ومُحَرَّمٌ لَيْسَ يَحِلُّ فَهو حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، والنُّكْتَةُ في هَذا التَّعْبِيرِ مُطابَقَةُ المَبْدَأِ المُنْتَهِيَ.

وكانَ ﷺ إذْ ذاكَ في دارِ فاخِتَةَ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ.

فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي يَعْلى في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ مِن حَدِيثِها «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ نائِمًا في بَيْتِها بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ وقَصَّ القِصَّةَ عَلَيْها، وقالَ: «مُثِّلَ لِيَ النَّبِيُّونَ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ». ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ وأخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا فَمِن مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ أُناسٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ

صفحة 6

والسَّلامُ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قالُوا: تُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ؟ قالَ: إنِّي أُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّماءِ غُدْوَةً أوْ رَوْحَةً فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ، وكانَ في القَوْمِ مَن يَعْرِفُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فاسْتَنْعَتُوهُ إيّاهُ فَجُلِّيَ لَهُ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم فَقالُوا: أما النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ فِيهِ. فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا فَهي أهَمُّ إلَيْنا؛ هَلْ لَقِيتَ مِنها شَيْئًا؟ قالَ: نَعَمْ مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ، وهي بِالرَّوْحاءِ وقَدْ أضَلُّوا بَعِيرًا لَهم وهم في طَلَبِهِ وفي رِحالِهِمْ قَدَحٌ مِن ماءٍ فَعَطِشْتُ فَأخَذْتُهُ وشَرِبْتُهُ ووَضَعْتُهُ كَما كانَ؛ فاسْألُوا: هَلْ وجَدُوا الماءَ في القَدَحِ حِينَ رَجَعُوا؟ قالُوا: هَذِهِ آيَةٌ. قالَ: ومَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ وفُلانٍ راكِبانِ قَعُودًا فَنَفَرَ بِعِيرِهِما مِنِّي فانْكَسَرَ.

فاسْألُوهُما عَنْ ذَلِكَ قالُوا: هَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ العُدَّةِ والأحْمالِ والهَيْئاتِ فَمُثِّلَتْ لَهُ العِيرُ فَأخْبَرَهم عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وقالَ: تَقْدُمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وفِيها فُلانٌ وفُلانٌ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ عَلَيْهِ غِرارَتانِ مُخَيَّطَتانِ. قالُوا: وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنِيَّةِ فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ مَتى تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيُكَذِّبُوهُ إذْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ وقالَ آخَرُ: هَذِهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها بَعِيرٌ أوْرَقُ فِيها فُلانٌ وفُلانٌ كَما قالَ. فَلَمْ يُؤْمِنُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ». وفي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ أُمَّ هانِئٍ قالَتْ: فَقَدْتُهُ ﷺ وكانَ نائِمًا عِنْدِي فامْتَنَعَ مِنِّي النَّوْمُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ،» ويُقالُ: «إنَّهُ تَفَرَّقَتْ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ يَلْتَمِسُونَهُ ووَصَلَ العَبّاسُ إلى ذِي طُوًى وهو يُنادِي: يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ، فَأجابَهُ ﷺ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، أعْيَيْتَ قَوْمَكَ أيْنَ كُنْتَ؟ قالَ: ذَهَبْتُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ: مِن لَيْلَتِكَ قالَ: نَعَمْ. قالَ: هَلْ أصابَكَ الأخِيرُ؟ قالَ: ما أصابَنِي الأخِيرُ.» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وكَما اخْتُلِفَ في مَبْدَأِ الإسْراءِ اخْتُلِفَ في سَنَتِهِ، فَذَكَرَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ أنَّهُ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ وثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وفي الفَتاوى أنَّهُ كانَ سَنَةَ خَمْسٍ أوْ سِتٍّ مِنَ النُّبُوَّةِ، ونَقَلَ عَنْهُ الفاضِلُ المُلّا أمِينُ العُمَرِيِّ في شَرْحِ ذاتِ الشِّفاءِ الجَزْمَ بِأنَّهُ كانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ المَبْعَثِ. وعَنِ ابْنِ حَزْمٍ دَعْوى الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، وضُعِّفَ ما في الفَتاوى بِأنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ تَصِلِ الخَمْسَ وقَدْ ماتَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وقِيلَ: كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ووَقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ ﷺ وقَدْ خَطَّأهُ غَيْرُ واحِدٍ في ذَلِكَ، ونَقَلَ الحافِظُ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِهِ: (الجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) حَدِيثَ شَرِيكٍ الواقِعَ فِيهِ ذَلِكَ بِطُولِهِ، ثُمَّ قالَ: هَذا الحَدِيثُ بِهَذا اللَّفْظِ مِن رِوايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أنَسٍ قَدْ زادَ فِيهِ زِيادَةً مَجْهُولَةً وأتى بِألْفاظٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ.

وقَدْ رَوى حَدِيثَ الإسْراءِ عَنْ أنَسٍ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ المُتْقِنِينَ والأئِمَّةِ المَشْهُورِينَ كابْنِ شِهابٍ. وثابِتٍ البُنانِيِّ وقَتادَةَ فَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ مِنهم بِما أتى بِهِ شَرِيكٌ، وشَرِيكٌ لَيْسَ بِالحافِظِ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ.

وأجابَ عَنْ ذَلِكَ مُحْيِي السُّنَّةِ وغَيْرُهُ بِما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذا اخْتُلِفَ في شَهْرِهِ ولَيْلَتِهِ؛ فَقالَ النَّوَوِيُّ في الفَتاوى: كانَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وقالَ في شَرْحِ مُسْلِمٍ تَبَعًا لِلْقاضِي عِياضٍ: إنَّهُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، وجَزَمَ في الرَّوْضَةِ بِأنَّهُ في رَجَبٍ، وقِيلَ: في شَهْرِ رَمَضانَ، وقِيلَ: في شَوّالٍ، وكانَ عَلى ما قِيلَ اللَّيْلَةَ السّابِعَةَ والعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ وكانَتْ لَيْلَةَ السَّبْتِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ المُلَقِّنِ عَنْ رِوايَةِ الواقِدِيِّ، وقِيلَ: كانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِمَكانِ فَضْلِها وفَضْلِ الإسْراءِ، ورُدَّ بِأنَّ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ (صَلّى) بِالنَّبِيِّ ﷺ أوَّلَ يَوْمٍ بَعْدَ الإسْراءِ الظُّهْرَ، ولَوْ كانَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ فَرْضُها الظُّهْرَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السُّفَيْرِيُّ، وفِيهِ أنَّ العُمَرِيَّ ذَكَرَ في شَرْحِ ذاتِ الشِّفاءِ

صفحة 7

أنَّ الجُمُعَةَ والجِنازَةَ وجَبَتا بَعْدَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وفي شَرْحِ المِنهاجِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ: إنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ ولَمْ تُقَمْ بِها لِفَقْدِ العَدَدِ، أوْ لِأنَّ شِعارَها الإظْهارُ، وكانَ ﷺ بِها مُسْتَخْفِيًا، وأوَّلُ مَن أقامَها بِالمَدِينَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ بِقَرْيَةٍ عَلى مِيلٍ مِنَ المَدِينَةِ.

ونَقَلَ الدُّمَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ الأثِيرِ أنَّهُ قالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّها كانَتْ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ، وفي البَحْرِ: قِيلَ: إنَّ الإسْراءَ كانَ في سَبْعَ عَشْرَةَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ والرَّسُولُ ﷺ ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وحَكى أنَّها لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ عَنِ الجَرْمِيِّ، وهي عَلى ما نَقَلَ السُّفَيْرِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ أفْضَلُ اللَّيالِي حَتّى لَيْلَةِ القَدْرِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هي أفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ إلى أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

فَهِيَ أفْضَلُ مُطْلَقًا نَعَمْ لَمْ يُشْرَعِ التَّعَبُّدُ فِيها والتَّعَبُّدُ في لَيْلَةِ القَدْرِ مَشْرُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واخْتُلِفَ أيْضًا أنَّهُ في اليَقَظَةِ أوْ في المَنامِ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ في المَنامِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْها كَما في البَحْرِ، وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إذْ ذاكَ صَغِيرَةً، ولَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مُعاوِيَةُ كافِرًا يَوْمَئِذٍ، واحْتُجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لِأنَّ الرُّؤْيا تَخْتَصُّ بِالنَّوْمِ لُغَةً، ووَقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ المُتَقَدِّمِ ما يُؤَيِّدُهُ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ في اليَقَظَةِ بِبَدَنِهِ ورُوحِهِ ﷺ، والرُّؤْيا تَكُونُ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ في اليَقَظَةِ كَما في قَوْلِ الرّاعِي يَصِفُ صائِدًا:

وكَبَّرَ لِلرُّؤْيا وهَشَّ فُؤادُهُ ∗∗∗ وبَشَّرَ قَلْبًا كانَ جَمًّا بِلابِلُهْ

وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها رُؤْيَةُ اليَقَظَةِ لَيْلًا فَقَطْ، وخَبَرُ شَرِيكٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الحَقِّ، وقالَ النَّوَوِيُّ:

وأمّا ما وقَعَ في رِوايَةٍ عَنْ شَرِيكٍ وهو نائِمٌ وفي أُخْرى عَنْهُ: بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَجْعَلُها رُؤْيا نَوْمٍ ولا حَجَّةَ فِيهِ إذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أوَّلَ وُصُولِ المَلَكِ إلَيْهِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ﷺ نائِمًا في القِصَّةِ كُلِّها. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَنامًا ما تَعَجَّبَ مِنهُ قُرَيْشٌ ولا اسْتَحالُوهُ؛ لَأنَّ النّائِمَ قَدْ يَرى نَفْسَهُ في السَّماءِ ويَذْهَبُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ولا يَسْتَبْعِدُهُ أحَدٌ، وأيْضًا العَبْدُ ظاهِرٌ في الرُّوحِ والبَدَنِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ القاضِي أبُو بَكْرٍ والبَغَوِيُّ إلى تَصْدِيقِ القائِلِينَ بِأنَّهُ في المَنامِ والقائِلِينَ بِأنَّهُ في اليَقَظَةِ وتَصْحِيحِ الحَدِيثَيْنِ في ذَلِكَ (بِأنَّ) الإسْراءَ كانَ مَرَّتَيْنِ؛ إحْداهُما في نَوْمِهِ ﷺ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَأُسْرِيَ بِرُوحِهِ تَوْطِئَةً وتَيْسِيرًا لِما يَضْعُفُ عَنْهُ قُوى البَشَرِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا هو الحَقُّ وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ.

وحَكى المازِرِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلًا رابِعًا جَمَعَ بِهِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَقالَ: كانَ الإسْراءُ بِجَسَدِهِ ﷺ في اليَقَظَةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَكانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ إلى ما فَوْقَهُ فَكانَتْ رُؤْيا قَلْبٍ؛ ولِذا شَنَّعَ الكُفّارُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلَهُ: أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ في لَيْلَتِي هَذِهِ ولَمْ يُشَنِّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِيما سِوى ذَلِكَ ولَمْ يَتَعَجَّبُوا مِنهُ؛ لِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ مَحَلَّ التَّعَجُّبِ، ولَيْسَ مَعْنى الإسْراءِ

صفحة 8

بِالرُّوحِ الذَّهابَ يَقَظَةً كالِانْسِلاخِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ والحُكَماءُ فَإنَّهُ وإنْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ ومَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا إلّا أنَّهُ أمْرٌ لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ المِعْراجَ كالإسْراءِ بِالرُّوحِ والبَدَنِ ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ بِالهَنْدَسَةِ أنَّ مِساحَةَ قُطْرِ جِرْمِ الأرْضِ ألْفانِ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وأرْبَعُونَ فَرْسَخًا ونِصْفُ فَرْسَخٍ وأنَّ مِساحَةَ قُطْرِ كُرَةِ الشَّمْسِ خَمْسَةُ أمْثالِ ونِصْفُ مَثَلٍ لِقُطْرِ جِرْمِ الأرْضِ، وذَلِكَ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفَ فَرْسَخٍ وأنَّ طَرَفَ قُطْرِها المُتَأخِّرَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِهِ المُتَقَدِّمِ في ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ فَتَقْطَعُ الشَّمْسُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفَ فَرْسَخٍ في ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ.

وذَكَرَ الإمامُ في الأرْبَعِينَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الذَّواتِ والحَقائِقِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْراضِ؛ لِأنَّ قابِلِيَّةَ ذَلِكَ العَرَضِ إنْ كانَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ فَأيْنَما حَصَلَتْ حَصَلَ لَزِمَ حُصُولُ تِلْكَ القابِلِيَّةِ فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن لَوازِمِها كانَ مِن عَوارِضِها فَيَعُودُ الكَلامُ، فَإنْ سُلِّمَ وإلّا دارَ أوْ تَسَلْسَلَ وذَلِكَ مُحالٌ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِالصِّحَّةِ المَذْكُورَةِ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ فَيَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في بَدَنِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، وقالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ:

الِاسْتِحالَةُ مَدْفُوعَةٌ بِما ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِها الأعْلى في أقَلِّ مِن ثانِيَةٍ إلى آخِرِ ما قالَ، وما ذَكَرْناهُ هو الصَّوابُ في التَّعْبِيرِ؛ فَإنَّ المُقْدِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما مَمْنُوعَتانِ، أمّا الأُولى بِأنَّ النِّسْبَةَ الَّتِي ذَكَرَها إنَّما هي نِسْبَةُ جِرْمِ الشَّمْسِ إلى جِرْمِ الأرْضِ كَما بَرْهَنُوا عَلَيْهِ في بابِ مَقادِيرِ الأجْرامِ والأبْعادِ مِن كُتُبِ الهَيْئَةِ لَكِنَّهم قالُوا: جِرْمُ الشَّمْسِ مِثْلُ جِرْمِ الأرْضِ مِائَةً وسِتَّةً وسِتِّينَ مَرَّةً ورُبْعَ مَرَّةٍ وثُمُنَ مَرَّةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском