Al-AlusiAl‑Isra · 17:1

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:1, continued

والعَلامَةُ جَعْلُ ذَلِكَ نِسْبَةَ القُطْرِ إلى القُطْرِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِمّا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وإرادَةُ الجِرْمِ مِنهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وكانَ يَكْفِيهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: قُرْصُ الشَّمْسِ ضِعْفُ كُرَةِ الأرْضِ فَأيُّ مَعْنًى لِما زادَهُ، وأمّا الثّانِيَةُ فَإنْ أرادَ بِالثّانِيَةِ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي هي سِتُّونَ دَقِيقَةً فَمَنَعَها بِما حَرَّرَهُ العَلّامَةُ القُطْبُ الشِّيرازِيُّ في نِهايَةِ الإدْراكِ حَيْثُ قالَ: مِقْدارُ الدَّرَجَةِ الواحِدَةِ مِن مُقَعَّرِ الفَلَكِ الأطْلَسِ بِالأمْيالِ 9343593 مِيلًا فالفَلَكُ الأعْلى يَقْطَعُ فِيما مِقْدارُهُ مِنَ الزَّمانِ جُزْءٌ واحِدٌ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ وهو ثُلْثُ خُمْسِها، هَذا المِقْدارُ مِنَ الأمْيالِ فَإذا تَحَرَّكَ مِقْدارَ دَقِيقَةٍ وهي جُزْءٌ مِن تِسْعِمِائَةِ جُزْءٍ مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ كانَ قَدْرُ قَطْعِهِ مِنَ المَسافَةِ 155718 مِيلًا وسُدْسَ مِيلٍ وخُمْسَ رُبْعٍ أوْ رُبْعَ خُمْسِ مِيلٍ، ولِأنَّ حِينَ ما يَبْدُو قَرْنُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَطْلُعَ بِالتَّمامِ يَكُونُ بِقَدْرِ ما يَعُدُّ واحِدٌ مِن واحِدٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ فَبِمِقْدارِ ما يَعُدُّ ثَلاثِينَ يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ 155718 مِيلًا وهو ألْفٌ وسَبْعُمِائَةٍ واثْنانِ وثَلاثُونَ فَرْسَخًا مِن مُقَعَّرِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَتَحَرَّكُ مُحَدَّبُهُ حِينَئِذٍ، فَسُبْحانَ اللَّهِ تَعالى ما أعْظَمَ شَأْنَهُ اه.

وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِنَ ابْتِداءِ طُلُوعِ جِرْمِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ بِتَمامِهِ سُدْسَ دَرَجَةٍ وهو عَشْرُ دَقائِقَ مِن سِتِّينَ دَقِيقَةً مِن دَرَجَةٍ فَلَكِيَّةٍ ومِقْدارُ مِساحَةِ هَذِهِ الدَّقائِقِ 519600 أيْ خَمْسُمِائَةِ ألْفٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا وسِتُّمِائَةِ فَرْسَخٍ، وإذا جَعَلْنا هَذِهِ الدَّقائِقَ ثَوانِيَ كانَتْ سِتَّمِائَةِ ثانِيَةٍ. فَأيْنَ الأقَلُّ مِن ثانِيَةٍ.

وإنْ أرادَ بِالثّانِيَةِ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ السّاعَةِ الَّتِي هي رُبْعُ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ فَسُدْسُ الدَّرَجَةِ هاهُنا يَكُونُ ثُلُثَيْ دَقِيقَةٍ، وإذا جَعَلْنا ثُلُثَيِ الدَّقِيقَةِ ثَوانِيَ كانا أرْبَعِينَ ثانِيَةً، وهَذِهِ الثَّوانِي السِّتُّمِائَةِ بِعَيْنِها إلّا أنَّ المُنَجِّمِينَ لَمّا

صفحة 9

جَعَلُوا السّاعَةَ سِتِّينَ دَقِيقَةً تَسْهِيلًا لِلْحِسابِ، والسّاعَةُ عِبارَةٌ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ دَرَجَةً فَلَكِيَّةً اقْتَضى أنْ تَكُونَ الدَّرَجَةُ الفَلَكِيَّةُ وكُلُّ ثانِيَةٍ مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثانِيَةً مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ، فالخِلافُ بَيْنَ ثَوانِي دَقائِقِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ وثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ اعْتِبارٌ لَفْظِيٌّ، وأجابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الكُرْدِيُّ الشَّهِيرُ بِالفاضِلِ بِأنَّ الثّانِيَةَ جُزْءٌ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن دَقِيقَةٍ، والدَّقِيقَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن دَرَجَةٍ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ، ومُرادُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ مِنَ الثّانِيَةِ الثّانِيَةَ الثّالِثَةَ لا الثّانِيَةَ الأُولى، وهو ظاهِرٌ، ولا الثّانِيَةَ الثّانِيَةَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سَعْدِي جَلَبِي وتَبِعَهُ ابْنُ صَدْرِ الدِّينِ، وفِيهِ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الفَلَكِيِّينَ قَدْ يُقَسِّمُونَ اليَوْمَ بِلَيْلَتِهِ إلى سِتِّينَ دَقِيقَةً كَما يُقَسِّمُونَها إلى السّاعاتِ والدَّرَجاتِ والدَّقائِقِ قِسْمَةً يَتَمَيَّزُ بِها أجْزاءُ الزَّمانِ، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ مِنهُمْ، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهم تَسْهِيلًا لِمَعْرِفَةِ الكَسْرِ الزّائِدِ عَلى الأيّامِ التّامَّةِ مِنَ السَّنَةِ لِتُعْرَفَ مِنهُ السَّنَةُ الكَبِيسَةُ في ثَلاثِ سِنِينَ أوْ أرْبَعِ سِنِينَ وهو بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ مِن قَطْعِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ بِالزَّمانِ القَلِيلِ، ولَوْ سَلَّمْنا ما زَعَمَهُ كانَ ناقِصًا مِن مُدَّةِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِنَ ابْتِداءِ طُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ إلى انْتِهائِهِ وهو ثُلُثا دَقِيقَةٍ هُما أرْبَعُونَ ثانِيَةً، وذَلِكَ جُزْءٌ مِن تِسْعِينَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ كَما حَرَّرَهُ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ، وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ عِبارَةٌ عَنْ أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ ثانِيَةً مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ، وهي أقَلُّ مِن ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ ثانِيَةً خَطَأٌ عَلى خَطَأٍ، تِلْكَ إذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزى، نَعَمْ قَدْ أصابَ في الرَّدِّ عَلى الفاضِلَيْنِ وقَدْ أخْطَأ الفاضِلُ الأوَّلُ في غَيْرِ ذَلِكَ في هَذا المَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كَلامِهِ وكانَ لَهُ أدْنى اطِّلاعٍ عَلى كُتُبِ القَوْمِ، ولِتَداوُلِ هَذا المَبْحَثِ بَيْنَ الطَّلَبَةِ وعَدَمِ وِجْدانِهِمْ مَن يَبُلُّ غَلِيلَهم تَعَرَّضْنا لَهُ بِما نَرْجُو أنَّ يَبُلَّ بِهِ الغَلِيلَ، هَذا والعُلَماءُ دَرَجاتٌ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِفَهْمِ الدَّقائِقِ فَتَأمَّلْ مَرَّةً وثانِيَةً وثالِثَةً، فَلَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ.

وما ذُكِرَ مِن تَساوِي الأجْسامِ مَبْنِيٌّ عَلى ما قِيلَ عَلى تَرَكُّبِها مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ وفِيهِ خِلافُ النِّظامِ والفَلاسِفَةِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى الِاسْتِحالَةِ بِلُزُومِ الخَرْقِ والِالتِئامِ، وقَدْ بَرْهَنُوا عَلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ بُرْهانَهم عَلى ذَلِكَ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ في الإسْراءِ بِهِ مَحْمُولًا عَلى شَيْءٍ لَكِنْ صَحَّتِ الأخْبارُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُسْرِيَ بِهِ عَلى البُراقِ ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ وهو بَيْتُ المَقْدِسِ، ووَصَفَهُ بِالأقْصى أيِ الأبْعَدِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بِالحِجازِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ أبْعَدُ المَساجِدِ الَّتِي تُزارُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ وراءَهُ مَوْضِعُ عِبادَةٍ فَهو أبْعَدُ مَواضِعِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأقْصى البَعِيدُ دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سِواهُ وهو بَعِيدٌ في نَفْسِهِ لِلزّائِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بُعْدُهُ عَنِ الأقْذارِ والخَبائِثِ.

واخْتُلِفَ في رُكُوبِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ فَقِيلَ: رَكِبَ خَلْفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ بَلْ أخَذَ بِرِكابِهِ ومِيكائِيلُ يَقُودُ البُراقَ. واخْتُلِفَ أيْضًا في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عُرُوجِهِ إلى السَّماءِ فَقِيلَ: عَرَجَ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نُصِبَ لَهُ مِعْراجٌ فَعَرَجَ عَلَيْهِ، وجاءَ في وصْفِهِ وعِظَمِهِ ما جاءَ، ووَهَّمَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ كَما قالَ الحَلَبِيُّ القائِلِينَ ومِنهم صاحِبُ الهَمْزِيَّةِ إنَّ عُرُوجَهُ ﷺ عَلى البُراقِ، ومِنَ الأكاذِيبِ المَشْهُورَةِ أنَّهُ ﷺ لَمّا أرادَ العُرُوجَ صَعِدَ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ ورَكِبَ البُراقَ فَمالَتِ الصَّخْرَةُ وارْتَفَعَتْ لِتَلْحَقَهُ فَأمْسَكَتْها المَلائِكَةُ فَفي طَرَفٍ مِنها أثَرُ قَدَمِهِ الشَّرِيفِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ أثَرُ أصابِعِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَهي واقِفَةٌ في الهَواءِ

صفحة 10

قَدِ انْقَطَعَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا يُمْسِكُها إلّا الَّذِي يُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَكَرَ العَلائِيُّ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ كانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلَةَ الإسْراءِ خَمْسَةُ مَراكِبَ، الأوَّلُ البُراقُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، الثّانِي المِعْراجُ مِنهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، الثّالِثُ أجْنِحَةُ المَلائِكَةِ مِنها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، الرّابِعُ جَناحُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، الخامِسُ الرَّفْرَفُ مِنها إلى قابِ قَوْسَيْنِ، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في الرُّكُوبِ إظْهارُ الكَرامَةِ وإلّا فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُوصِلَهُ إلى أيِّ مَوْضِعٍ أرادَ في أقَلَّ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ إلّا البُراقُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، والمِعْراجُ مِنهُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ كانَ لَهُ عَشْرُ مَراقٍ، سَبْعَةٌ إلى السَّمَواتِ والثّامِنُ إلى السِّدْرَةِ، والتّاسِعُ إلى المُسْتَوى الَّذِي سَمِعَ فِيهِ صَرِيفَ الأقْلامِ، والعاشِرُ إلى العَرْشِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ومِنَ العَجائِبِ ما سَمِعْتُهُ عَنِ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي أنَّ لِلرُّوحِ جَسَدَيْنِ، جَسَدٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ لَطِيفٌ لا دَخْلَ لِلْعَناصِرِ فِيهِ، وجَسَدٌ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ كَثِيفٌ مُرَكَّبٌ مِنَ العَناصِرِ، والنَّبِيُّ ﷺ حِينَ عُرِجَ بِهِ ألْقى كُلَّ عُنْصُرٍ مِن عَناصِرِ الجَسَدِ العُنْصُرِيِّ في كُرَتِهِ فَما وصَلَ إلى تِلْكَ القُمُرِ حَتّى ألْقى جَمِيعَ العَناصِرِ ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا الجَسَدُ اللَّطِيفُ، فَرَقى بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا رَجَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ إلَيْهِ ما ألْقاهُ واجْتَمَعَ فِيهِ ما تَفَرَّقَ مِنهُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ حَدِيثُ خُرافَةٍ لا مُسْتَنَدَ لَهُ شَرْعًا ولا عَقْلًا.

وذَكَرَ مَوْلانا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّشْتِيُّ ثُمَّ الجامِيُّ أنَّ المِعْراجَ إلى العَرْشِ بِالرُّوحِ والجَسَدِ وإلى ما وراءَ ذَلِكَ بِالرُّوحِ فَقَطْ، وأنْشَدَ بِالفارِسِيَّةِ:

جو رفرف شد مشرف از وجودش ∗∗∗ كرفت از دست رفرف عرش زودش

بدست عرش تن جون خرقه ب ذاشت ∗∗∗ علم بر لا مكان بي خرقه افراشت

كلى برد ندا زين دهليزه يست ∗∗∗ بدان دركاه والا دست بر دست

جهت را مهره از ششدر رهانيد ∗∗∗ مكانرا مركب از

تنكي جهانيد

مكاني يافت خالي از مكان نيز ∗∗∗ كه تن محرم نبود آنجا وجان نيز

ولَمْ أقِفْ عَلى مُسْتَنَدٍ لَهُ مِنَ الآثارِ وكَأنَّهُ لاحَظَ أنَّ العُرُوجَ فَوْقَ العَرْشِ بِالجَسَدِ يَسْتَدْعِي مَكانًا، وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ ما وراءَ العَرْشِ لا خَلا ولا مَلا وبِهِ تَنْتَهِي الأمْكِنَةُ وتَنْقَطِعُ الجِهاتُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أمْرُ المِعْراجِ أجَلُّ مَن أنْ يُكَيَّفَ، وماذا عَسى يُقالُ سِوى أنَّ المُحِبَّ القادِرَ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ دَعا حَبِيبَهُ الَّذِي خَلَقَهُ مِن نُورِهِ إلى زِيارَتِهِ وأرْسَلَ إلَيْهِ مَن أرْسَلَ مِن خَواصِّ مَلائِكَتِهِ فَكانَ جِبْرِيلُ هو الآخِذُ بِرِكابِهِ ومِيكائِيلُ الآخِذُ بِزِمامِ دابَّتِهِ إلى أنْ وصَلَ إلى ما وصَلَ ثُمَّ تَوَلّى أمْرَهُ سُبْحانَهُ بِما شاءَ حَتّى حَصَلَ، فَأيُّ مَسافَةٍ تَطُولُ عَلى ذَلِكَ الحَبِيبِ الرَّبّانِيِّ، وأيُّ جِسْمٍ يَمْتَنِعُ عَنِ الخَرْقِ لِذَلِكَ الجَسَدِ النُّورانِيِّ:

جُزْ بِحَزْوى فَثَمَّ عالَمُ لُطْفٍ ∗∗∗ مِن بَقايا أجْسادِهِ الأرْواحُ

ومَن تَأمَّلَ في العَيْنِ وإحْساسِها بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ ولَوْ كانَ فاقِدَها وذُكِرَ لَهُ حالُها لَأنْكَرَ ذَلِكَ إنْكارًا ما عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وكَذا في غَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ والواقِعِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِها الِاتِّفاقُ لَمْ يَسَعْهُ إلّا تَسْلِيمُ ما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ وصَحَّتْ بِهِ الرِّواياتُ، ويُشْبِهُ كَلامُ هَذا البَعْضِ ما قالَهُ بَعْضُ شُعَراءِ الفُرْسِ إلّا أنَّ فِيهِ مَيْلًا إلى مَذْهَبِ أهْلِ الوَحْدَةِ وهو قَوْلُهُ:

صفحة 11

قصه بيرن معراج از من بيدل م رس ∗∗∗ قطره دريا كشت وبيغمر نميدانم ه شد

والظّاهِرُ أنَّ المَسافَةَ الَّتِي قَطَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَسِيرِهِ كانَتْ باقِيَةً عَلى امْتِدادِها. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في وصْفِ البُراقِ أنَّهُ إذا أتى وادِيًا طالَتْ يَداهُ وقَصُرَتْ رِجْلاهُ، وإذا أتى عَقَبَةً طالَتْ رِجْلاهُ وقَصُرَتْ يَداهُ، وكانَتِ المَسافَةُ في غايَةِ الطُّولِ، فَفي حَقائِقِ الحَقائِقِ كانَتِ المَسافَةُ مِن مَكَّةَ إلى المَقامِ الَّذِي أوْحى اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أوْحى قَدْرَ ثَلاثِمِائَةِ ألْفِ سَنَةٍ، وقِيلَ: خَمْسِينَ ألْفًا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ طَيُّ مَسافَةٍ عَلى نَحْوِ ما يُثْبِتُهُ الصُّوفِيَّةُ وبَعْضُ الفُقَهاءِ لِلْأوْلِياءِ كَرامَةً، وجَهَّلَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ مُثْبِتِيهِ لَهُمْ، وكَفَّرَهم آخَرُونَ، ولَيْسَ لَهُ وجْهٌ ظاهِرٌ، ورُبَّما يَلْزَمُ مُثْبِتِيهِ القَوْلُ بِتَداخُلِ الجَواهِرِ والفَلاسِفَةُ والمُتَكَلِّمُونَ سِوى النَّظّامِ يُحِيلُونَهُ ويُبَرْهِنُونَ عَلى اسْتِحالَتِهِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الضَّرُورَةَ في ذَلِكَ وقالُوا: المَنعُ مُكابَرَةٌ، وقَدْ أثْبَتَ الصُّوفِيَّةُ لِلْأوْلِياءِ نَشْرَ الزَّمانِ، ولَهم في ذَلِكَ حِكاياتٌ عَجِيبَةٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها، ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مَنِ المُتَشَرِّعِينَ وهو أمْرٌ وراءَ عُقُولِنا المَشُوبَةِ بِالأوْهامِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: الأزَلُ والأبَدُ نُقْطَةٌ واحِدَةٌ الفَرْقُ بَيْنَهُما بِالِاعْتِبارِ، ولَيْسَ لِفَهْمِ ذَلِكَ عِنْدِي إلّا المُتَجَرِّدُونَ مِن جَلابِيبِ أبْدانِهِمْ وقَلِيلٌ ما هُمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ حِكايَةُ إنْكارِ طَيِّ المَسافَةِ أيْضًا، وذِكْرُ ما فِيهِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ ﷺ لَيْلًا لِمَزِيدِ الِاحْتِفالِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ وقْتُ الخَلْوَةِ والِاخْتِصاصِ ومُجالَسَةِ المُلُوكِ، ولا يَكادُ يَدْعُو المَلِكُ لِحَضْرَتِهِ لَيْلًا إلّا مَن هو خاصٌّ عِنْدَهُ، وقَدْ أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ قَوْمًا مِن أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنْواعِ الكَراماتِ وهو كالأصْلِ لِلنَّهارِ، وأيْضًا الِاهْتِداءُ فِيهِ لِلْمَقْصِدِ أبْلَغُ مِنَ الِاهْتِداءِ في النَّهارِ، وأيْضًا قالُوا: إنَّ المُسافِرَ يَقْطَعُ في اللَّيْلِ ما لا يَقْطَعُ في النَّهارِ ومِن هُنا جاءَ: ««عَلَيْكم بِالدُّلْجَةِ؛ فَإنَّ الأرْضَ تُطْوى بِاللَّيْلِ ما لا تُطْوى بِالنَّهارِ»» وأيْضًا أُسْرِيَ بِهِ لَيْلًا لِيَكُونَ ما يَعْرُجُ إلَيْهِ مِن عالَمِ النُّورِ المَحْضِ أبْعَدَ عَنِ الشَّبَهِ بِما يَعْرُجُ مِنهُ مِن عالَمِ الظُّلْمَةِ؛ وذَلِكَ أبْلَغُ في الإعْجابِ.

وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في ذَلِكَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ سِراجٌ، والسِّراجُ لا يُوقَدُ إلّا لَيْلًا، وبَدْرٌ وكَذا مَسِيرُ البَدْرِ في الظُّلَمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في دُخُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَسْجِدَ الأقْصى إلّا أنَّ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ نَصٌّ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ وفِيها إزالَةُ اشْتِراكٍ عارِضٍ، وبَرَكَتُهُ بِما خُصَّ بِهِ مِن كَوْنِهِ مُتَعَبَّدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِبْلَةً لَهم وكَثْرَةَ الأنْهارِ والأشْجارِ حَوْلَهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى بارَكَ فِيما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَّقْدِيسِ. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ أنْ جَعَلَ سُبْحانَهُ مِياهَ الأرْضِ كُلِّها تَنْفَجِرُ مِن تَحْتِ صَخْرَتِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وهو أحَدُ المَساجِدِ الثَّلاثِ الَّتِي تُشَدُّ إلَيْها الرَّحّالُ، والأرْبَعُ الَّتِي يُمْنَعُ مِن دُخُولِها الدَّجّالُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ «أنَّ الدَّجّالَ يَطُوفُ الأرْضَ إلّا أرْبَعَةَ مَساجِدَ: مَسْجِدِ المَدِينَةِ، ومَسْجِدِ مَكَّةَ، والأقْصى والطُّورِ، والصَّلاةُ فِيهِ مُضاعَفَةٌ،» فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّها قالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ: «أرْضُ المَحْشَرِ والمَنشَرِ، ائْتُوهُ وصَلُّوا فِيهِ؛ فَإنَّ صَلاةً فِيهِ بِألْفِ صَلاةٍ»».

وفِي رِوايَةٍ لِأحْمَدَ «عَنْ بَعْضِ نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ إحْدانا أنْ تَأْتِيَهُ قالَ: «إذا لَمْ تَسْتَطِعْ إحْداكُنَّ أنْ تَأْتِيَهُ فَلْتَبْعَثْ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ؛ فَإنَّ مَن بَعَثَ إلَيْهِ بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِيهِ

صفحة 12

كانَ كَمَن صَلّى فِيهِ،» ورَوى بَعْضَهُ أبُو داوُدَ، وهو ثانِي مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ لِخَبَرِ أبِي ذَرٍّ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلًا؟ قالَ: «المَسْجِدُ الحَرامُ». قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: «المَسْجِدُ الأقْصى». قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ: «أرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ؛ فَإنَّ الفَضْلَ فِيهِ»».

وقَدْ أسَّسَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الكَعْبَةَ بِما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، وجَدَّدَهُ سُلَيْمانُ أوْ أتَمَّ تَجْدِيدَ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، والكَلامُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مُفَصَّلٌ في مَحَلِّهِ ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ أيْ: لِنَرْفَعَهُ إلى السَّماءِ حَتّى يَرى ما يَرى مِنَ العَجائِبِ العَظِيمَةِ. فَقَدْ صَحَّ «أنَّهُ ﷺ عُرِجَ بِهِ مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ» كَما تَقَدَّمَ، واجْتَمَعَ في كُلِّ سَماءٍ مَعَ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، واطَّلَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِ الجَنَّةِ والنّارِ ورَأى مِنَ المَلائِكَةِ ما لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.

ونُقِلَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى لَيْلَةَ المِعْراجِ في مَمْلَكَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًا كَهَيْئَةِ الرِّجالِ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ شاكِّينَ السِّلاحَ طُولُ الواحِدِ مِنهم ألْفُ عامٍ، والفَرَسُ كَذَلِكَ، يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، لا يُرى أوَّلُهم ولا آخِرُهُمْ، فَقالَ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَؤُلاءِ؟ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ فَأنا أهْبِطُ وأصْعَدُ أراهم هَكَذا يَمُرُّونَ لا أدْرِي مِن أيْنَ يَجِيئُونَ ولا إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ.» وقَدْ صَلّى ﷺ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ في العَقائِقِ: وكانَتْ صَلاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، قَرَأ في الأُولى: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّانِيَةِ الإخْلاصَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ دُعاءً، وذُكِرَ أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا سَبْعَةَ صُفُوفٍ، ثَلاثَةٌ مِنهم مُرْسَلُونَ، وأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَلَّتْ مَعَهُمْ، وهَذا مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ القاضِي زَكَرِيّا في شَرْحِ الرَّوْضِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ يَظْهَرَ أنَّهُ إمامُ الكُلِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَلْ صَلّى بِأرْواحِهِمْ خاصَّةً أوْ بِها مَعَ الأجْسادِ؟ فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتُلِفَ في أنَّهُ ﷺ صَلّى بِهِمْ قَبْلَ العُرُوجِ أوْ بَعْدَهُ، فَصَحَّحَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّهُ بَعْدَهُ، وصَحَّحَ القاضِي عِياضٌ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَبْلَهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى في كُلِّ سَماءٍ رَكْعَتَيْنِ يَؤُمُّ أمْلاكَها،» وكانَ الإسْراءُ والعُرُوجُ في بَعْضِ لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وكانَ رُجُوعُهُ ﷺ عَلى ما كانَ ذَهابُهُ عَلَيْهِ، ولَمْ يُعَيَّنْ مِقْدارُ ذَلِكَ البَعْضِ، وكَيْفَما كانَ فَوُقُوعُ ما وقَعَ فِيهِ مِن أعْجَبِ الآياتِ وأغْرَبِ الكائِناتِ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ ﷺ لَمّا رَجَعَ وجَدَ فِراشَهُ لَمْ يَبْرُدْ مِن أثَرِ النَّوْمِ،» وقِيلَ: إنَّ غُصْنَ شَجَرَةٍ أصابَهُ بِعِمامَتِهِ في ذَهابِهِ فَلَمّا رَجَعَ وجَدَهُ بَعْدُ يَتَحَرَّكُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ غَيْرُ لَيْلَةِ المِعْراجِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ يَقْتَضِي أنَّهُما في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ ﷺ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِهِ ثانِيًا مِنهُ لِيَكُونَ وُصُولُهُ إلى الأماكِنِ الشَّرِيفَةِ عَلى التَّدْرِيجِ، فَإنَّ شَرَفَ بَيْتِ المَقْدِسِ دُونَ شَرَفِ الحَضْرَةِ الَّتِي عَرَجَ إلَيْها عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: تَوْطِينًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما في المِعْراجِ مِنَ الغَرابَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ في الإسْراءِ، وإنْ كانَ غَرِيبًا أيْضًا، وقِيلَ: لِتَتَشَرَّفَ بِهِ أرْضُ المَحْشَرِ ذَهابًا وإيابًا، وقِيلَ: لِأنَّ بابَ السَّماءِ الَّذِي يُقالُ: مِصْعَدُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى مُقابَلَةِ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى بابًا مَفْتُوحًا مِن سَماءِ الدُّنْيا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، يَنْزِلُ مِنهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن أتى بَيْتَ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ، فَأُسْرِيَ بِهِ ﷺ إلى هُناكَ أوَّلًا، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ لِيَكُونَ صُعُودُهُ عَلى الِاسْتِواءِ، وقِيلَ: إنَّ أُسْطُواناتِ المَسْجِدِ قالَتْ: رَبَّنا، حَصَلَ لَنا مِن كُلِّ نَبِيٍّ حَظٌّ، وقَدِ اشْتَقْنا إلى

صفحة 13

مُحَمَّدٍ ﷺ فارْزُقْنا لِقاءَهُ فَبُدِئَ بِالإسْراءِ بِهِ إلى المَسْجِدِ تَعْجِيلًا لِلْإجابَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وعُبِّرَ بِمَنِ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ، لِأنَّ إراءَةَ جَمِيعِ آياتِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ تَناهِيها مِمّا لا تَكادُ تَقَعُ، ولَوْ قِيلَ: آياتِنا لَتَبادَرَ الكُلُّ، ورُبَّما يُسْتَعانُ بِالمَقامِ عَلى إرادَتِهِ واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَرى نَبِيُّنا ﷺ بَعْضَ الآياتِ ويَرى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفَرْقٌ بَيْنَ الحَبِيبِ والخَلِيلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ بَعْضَ الآياتِ المُضافَةِ إلَيْهِ تَعالى أشْرَفُ وأعْظَمُ مِن مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾، وقالَ الخَفاجِيُّ: السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّ ما رَآهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ ولَيْسَ ذَلِكَ مُقاوِمًا لِلْمِعْراجِ فَتَأمَّلْ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: لِنَرى مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ آيَةً مِن آياتِنا؛ أيْ لِيَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آيَةً في أنَّهُ يَصْنَعُ اللَّهُ تَعالى بِبَشَرٍ هَذا الصُّنْعَ، ويَنْدَفِعُ بِهَذا السُّؤالُ المَذْكُورُ، إلّا أنَّهُ احْتِمالٌ في غايَةِ البُعْدِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ رَأى رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ؛ إذْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعالى أنَّهُ مِن آياتِهِ، بَلْ لا يَصْدُقُ سُبْحانَهُ أنَّهُ آيَةٌ، نَعَمْ مُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ يَحْتَجُّونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذا لَيْسَتِ الآيَةُ نَصًّا في المِعْراجِ بَلْ هي نَصٌّ في الإسْراءِ دُونَهُ؛ إذْ يَجُوزُ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ عَلى ما حَصَلَ لَهُ ﷺ في الإسْراءِ فَقَطْ، بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ في الآياتِ مُطْلَقًا ما هو نَصٌّ في ذَلِكَ، مِن هُنا قالُوا: الإسْراءُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَطْعِيٌّ ثَبَتَ بِالكِتابِ، فَمَن أنْكَرَهُ فَهو كافِرٌ، والمِعْراجُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَمَن أنْكَرَهُ فَلَيْسَ بِكافِرٍ بَلْ مُبْتَدَعٌ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ كَما صَرَّحَ بِالإسْراءِ رَحْمَةً بِالقاصِرِينَ عَلى ما قِيلَ، وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ المَسْجِدِ الأقْصى فَقَطْ دُونَ السَّماءِ أنَّهُ لَوْ ذُكِرَ صُعُودُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لاشْتَدَّ إنْكارُهم لِذَلِكَ، فَلَمّا أخْبَرَ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وبِأنَّ لَهم صَدَقَةً فِيما أخْبَرَ بِهِ مِنَ العَلاماتِ الَّتِي فِيهِ وصَدَّقُوهُ عَلَيْها أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِعْراجِهِ إلى السَّماءِ فَكانَ الإسْراءُ كالتَّوْطِئَةِ لِلْمِعْراجِ اه. وهَذا ظاهِرٌ في الخَبَرِ الوارِدِ في هَذا البابِ لا في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ فِيها بِالمِعْراجِ كَما أخْبَرَ فِيها بِالإسْراءِ دَلالَةً، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصْرِيحِ كافِيَةٌ فَتَدَبَّرْ، وصَرْفُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ إلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ فِي: ﴿بارَكْنا﴾ «ونُرِيَهُ آياتِنا» لِتَعْظِيمِ البَرَكاتِ والآياتِ لِأنَّها كَما تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ وصَدَرَ عَنْهُ كَما قِيلَ: إنَّما يَفْعَلُ العَظِيمُ العَظِيمَ، وقَدْ ذَكَرُوا لِهَذا التَّلْوِينِ نُكْتَةً خاصَّةً وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ يَدُلُّ عَلى مَسِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ إلى عالَمِ الغَيْبِ، فَهو بِالغَيْبَةِ أنْسَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ دَلَّ عَلى إنْزالِ البَرَكاتِ فَيُناسِبُ تَعْظِيمَ المُنْزِلِ، والتَّعْبِيرُ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِنُرِيَهُ﴾ عَلى مَعْنى بُعْدِ الِاتِّصالِ وعِزِّ الحُضُورِ، فَيُناسِبُ التَّكَلُّمُ مَعَهُ، وأمّا الغَيْبَةُ فَلِكَوْنِهِ ﷺ إذْ ذاكَ لَيْسَ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ فِيهِ إعادَةً إلى مَقامِ السِّرِّ والغَيْبُوبَةِ مِن هَذا العالَمِ، والغَيْبَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن آياتِنا﴾ عَوْدٌ إلى التَّعْظِيمِ كَما سَبَقَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وأمّا الغَيْبَةُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لَهُ تَعالى كَما هو الأظْهَرُ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ فَلِيُطابِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ ويُرَشِّحُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ بِما يُوقِعُ هَذا الِالتِفاتَ أحْسَنَ مَواقِعِهِ ويَنْطَبِقُ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ أتَمَّ انْطِباقٍ، إذِ المَعْنى قَرَّبَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ الكَرامَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِ عالِمٌ بِاسْتِحْقاقِهِ لِهَذا المَقامِ، قالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ هو السَّمِيعُ

صفحة 14

لِأقْوالِ ذَلِكَ العَبْدِ، البَصِيرُ بِأفْعالِهِ بِكَوْنِها مُهَذَّبَةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الهَوى مَقْرُونَةً بِالصِّدْقِ والصَّفا، مُسْتَأْهِلَةً لِلْقُرْبِ والزُّلْفى، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَما نَقَلَهُ أبُو البَقاءِ عَنْ بَعْضِهِمْ وقالَ: أيِ السَّمِيعُ لِكَلامِنا البَصِيرُ لِذاتِنا، وقالَ الجَلَبِيُّ: إنَّهُ لا يَبْعُدُ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إنَّ عَبْدَيِ الَّذِي شَرَّفْتُهُ بِهَذا التَّشْرِيفِ هو المُسْتَأْهِلُ لَهُ فَإنَّهُ السَّمِيعُ لِأوامِرِي ونَواهِيَّ، العامِلُ بِهِما، البَصِيرُ الَّذِي يَنْظُرُ بِنَظْرَةِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِي فَيَعْتَبِرُ، أوِ البَصِيرُ بِالآياتِ الَّتِي أرَيْناهُ إيّاها؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ فَقِيلَ: لِمُطابَقَةِ الضَّمائِرِ العائِدَةِ عَلَيْهِ.

وكَذا لَمّا عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: «عَبْدِهِ»، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى اخْتِصاصِهِ ﷺ بِالمِنَحِ والزُّلْفى وغَيْبُوبَةِ شُهُودِهِ في عَيْنٍ، بِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، ولا يَمْتَنِعُ إطْلاقُ السَّمِيعِ والبَصِيرِ عَلى غَيْرِهِ تَعالى كَما تُوُهِّمَ لا مُطْلَقًا ولا هُنا، قالَ الطِّيبِيُّ: ولَعَلَّ السِّرَّ في مَجِيءِ الضَّمِيرِ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ ﷺ إنَّما رَأى رَبَّ العِزَّةِ وسَمِعَ كَلامَهُ بِهِ سُبْحانَهُ كَما في الحَدِيثِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا فافْهَمْ تَسْمَعْ وتُبْصِرْ، وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ إمّا لِأنَّ سَماعَهُ تَعالى بِلا أُذُنٍ، وبَصَرَهُ بِلا عَيْنٍ، عَلى نَحْوٍ لا يُشارِكُهُ فِيهِ تَعالى أحَدٌ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِهِ ﷺ بِتِلْكَ الكَرامَةِ.

وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ الإسْراءِ أيْ: إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُونَ أيُّها المُكَذِّبُونَ، البَصِيرُ بِما تَفْعَلُونَ فَيُعاقِبُكم عَلى ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: «لِيُرِيَهُ» بِياءِ الغَيْبَةِ فَفي الآيَةِ حِينَئِذٍ أرْبَعُ التِفاتاتٍ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском