Al-AlusiAl‑Hashr · 59:1–4

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

الحشر

Al-Hashr

The Exile · Medinan · 24 ayahs

59:1Page 545

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

صفحة 38

سُورَةُ الحَشْرِ

قالَ البِقاعِيُّ: وتُسَمّى سُورَةَ - بَنِي النَّضِيرِ - وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ سُورَةُ الحَشْرِ، قالَ: قُلْ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَأنَّهُ كَرِهَ تَسْمِيَتَها بِالحَشْرِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ وإنَّما المُرادُ ها هُنا إخْراجُ بَنِي النَّضِيرِ.

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ بِلا خِلافٍ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّ في آخِرِ تِلْكَ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المُجادَلَةَ: 21] وفي أوَّلِ هَذِهِ ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحَشْرَ: 2] وفي آخِرِ تِلْكَ ذَكَرَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وفي أوَّلِ هَذِهِ ذَكَرَ مَنشاقّاللَّهَ ورَسُولَهُ، وأنَّ في الأُولى ذَكَرَ حال المُنافِقِينَ واليَهُودِ وتَوَلِّيَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وفي هَذِهِ ذَكَرَ ما حَلَّ بِاليَهُودِ وعَدَمَ إغْناءِ تَوَلِّي المُنافِقِينَ إيّاهم شَيْئًا، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانُوا قَدْ صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنْ لا يَكُونُوا عَلَيْهِ ولا لَهُ فَلَمّا ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ قالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نُعِتَ في التَّوْراةِ لاتُرَدُّلَهُ رايَةٌ فَلَمّا هُزِمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ارْتابُوا ونَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ فَحالَفُوا عَلَيْهِ قُرَيْشًا عِنْدَ الكَعْبَةِ فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ فَأمَرَ بِقَتْلِ كَعْبٍ فَقَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ غِيلَةً وهو عَرُوسٌ بَعْدَ أنْ أخَذَ بِفَوْدِ رَأْسِهِ أخُوهُ رِضاعًا أبُو نائِلَةَ سِلْكانُ بْنُ سَلامَةَ أحَدُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ اطَّلَعَ مِنهم عَلى خِيانَةٍ حِينَ أتاهم يَسْتَعِينُهم في دِيَةِ المُسْلِمِينَ مِن بَنِي عامِرٍ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِن بِئْرِ مَعُونَةَ فَهَمُّوا بِطَرْحِ الحَجَرِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وبَعْدَ أنْ قُتِلَ كَعْبٌ بِأشْهُرٍ عَلى الصَّحِيحِ لا عَلى الأثَرِ كَما قِيلَ: أمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ والسَّيْرِ إلَيْهِمْ وكانَ ذَلِكَ سَنَةَ أرْبَعٍ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وكانُوا بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها: الزَّهْرَةُ فَسارَ المُسْلِمُونَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِلِيفٍ. وقِيلَ: عَلى جَمَلٍ واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ حَتّى إذا نَزَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِمْ وجَدَهم يَنُوحُونَ عَلى كَعْبٍ، وقالُوا: ذَرْنا نَبْكِي شُجُونًا ثُمَّ ائْتَمِرْ أمْرَكَ فَقالَ: اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ فَقالُوا: المَوْتُ أقْرَبُ لَنا مِن ذَلِكَ فَتَنادَوْا بِالحَرْبِ، وقِيلَ: اسْتَمْهَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَشَرَةَ أيّامٍ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ ودَسَّ المُنافِقُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأضْرابُهُ إلَيْهِمْ أنْ لا يَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ فَإنْ قاتَلُوكم فَنَحْنُ مَعَكم ولْنَنْصُرَنَّكم وإنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم فَدُرِّبُوا عَلى الأزِقَّةِ وحَصَّنُوها ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: اخْرُجْ في ثَلاثِينَ مِن أصْحابِكَ ويَخْرُجُ مِنّا ثَلاثُونَ لِيَسْمَعُوا مِنكَ فَإنْ صَدَّقُوكَ آمَنّا كُلُّنا فَفَعَلَ فَقالُوا: كَيْفَ نَفْهَمُ ونَحْنُ سِتُّونَ اخْرُجْ في ثَلاثَةٍ ويَخْرُجُ إلَيْكَ ثَلاثَةٌ مِن عُلَمائِنا فَفَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاشْتَمَلُوا عَلى الخَناجِرَ وأرادُوا الفَتْكَ فَأرْسَلَتِ امْرَأةٌ مِنهم ناصِحَةً إلى أخِيها وكانَ مُسْلِمًا فَأخْبَرَتْهُ بِما أرادُوا فَأسْرَعَ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسارَّهُ بِخَبَرِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ غَدا عَلَيْهِمْ بِالكَتائِبِ فَحاصَرَهم - عَلى ما قالَ ابْنُ هِشامٍ في سِيرَتِهِ - سِتَّ لَيالٍ، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وأيِسُوا مِن نَصْرِ المُنافِقِينَ فَطَلَبُوا الصُّلْحَ فَأبى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ إلّا الجَلاءَ عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرِ ما شاؤُوا مِنَ المَتاعِ فَجُلُوا إلى الشّامِ إلى أرِيحا وأذْرِعاتٍ إلّا أهْلَ بَيْتَيْنِ مِنهم آلُ سَلامِ

صفحة 39

بْنِ أبِي الحَقِيقِ وآلُ كِنانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ وآلُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ فَلَحِقُوا بِخَيْبَرَ ولَحِقَتْ طائِفَةٌ بِالحِيرَةِ وقَبَضَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمْوالَهم وسِلاحَهم فَوَجَدَ خَمْسِينَ دِرْعًا وخَمْسِينَ بَيْضَةً وثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَيْفًا وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ قَدْ قالَ لَهم: مَعِي ألْفانِ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ أُمِدُّكم بِها وتَمُدُّكم قُرَيْظَةُ وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ فَلَمّا نازَلَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اعْتَزَلَتْهم قُرَيْظَةُ وخَذَلَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ وحُلَفاؤُهم مِن غَطَفانَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحَشْرَ: 6] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في صَدْرِ سُورَةِ الحَدِيدِ، وكَرَّرَ المَوْصُولَها هُنا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالتَّسْبِيحِ،

59:2Page 545

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢

It is He who expelled the ones who disbelieved among the People of the Scripture1 from their homes at the first gathering.2 You did not think they would leave, and they thought that their fortresses would protect them from Allāh; but [the decree of] Allāh came upon them from where they had not expected, and He cast terror into their hearts [so] they destroyed their houses by their [own] hands and the hands of the believers. So take warning, O people of vision.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ آثارِ عِزَّتِهِ تَعالى وأحْكامِ حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ وصْفِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ عَلى الإطْلاقِ، والمُرادُ - بِالَّذِينَ كَفَرُوا - بَنُو النَّضِيرِ - بِوَزْنِ الأمِيرِ - وهم قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ كَبَنِي قُرَيْظَةَ، ويُقالُ لِلْحَيَّيْنِ: الكاهِنانِ لِأنَّهُما مِن ولَدِ الكاهِنِ بْنِ هارُونَ كَما في البَحْرِ، ويُقالُ: إنَّهم نَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ في فِئَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ انْتِظارًا لِخُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ فَكانَ مِن أمْرِهِمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أرْسَلَهم إلى قَتْلِ العَمالِيقِ، وقالَ لَهم: لا تَسْتَحْيُوا مِنهم أحَدًا فَذَهَبُوا ولَمْ يَفْعَلُوا وعَصَوْا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا رَجَعُوا إلى الشّامِ وجَدُوهُ قَدْ ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهم بَنُو إسْرائِيلَ: أنْتُمْ عُصاةُ اللَّهِ تَعالى واللَّهِ لا دَخَلْتُمْ عَلَيْنا بِلادَنا فانْصَرَفُوا إلى الحِجازِ إلى أنْ كانَ ما كانَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ وهو وهْمٌ كَما لا يَخْفى، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ كائِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ - بِأخْرَجَ - وصَحَّتْ إضافَةُ الدِّيارِ إلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا نَزَلُوا بَرِّيَّةَ لا عُمْرانَ فِيها فَبَنَوْا فِيها وسَكَنُوا، وضَمِيرُ ”هو“ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ إمّا بِناءً عَلى كَمالِ ظُهُورِ اتِّصافِهِ تَعالى بِهِما مَعَ مُساعَدَةٍ تامَّةٍ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى جَعْلِهِ مُسْتَعارًا لِاسْمِ الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهُ يَأْتِيكم بِهِ﴾ [الأنْعامَ: 46] أيْ بِذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ المَنعُوتُ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ الَّذِي أخْرَجَ إلَخْ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ في الإخْراجِ حِكْمَةً باهِرَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِأخْرَجَ - واللّامُ لامُ التَّوْقِيتِ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ. ومَآلُها إلى مَعْنى - في -الظَّرْفِيَّةِ، ولِذا قالُوا هُنا أيْ في أوَّلِ الحَشْرِ لَكِنَّهم لَمْ يَقُولُوا: إنَّها بِمَعْنى - في - إشارَةً إلى أنَّها لَمْ تَخْرُجْ عَنْ أصْلِ مَعْناها وأنَّها لِلِاخْتِصاصِ لِأنَّ ما وقَعَ في وقْتٍ اخْتَصَّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأوْقاتِ، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، ومَعْنى أوَّلِالحَشْرِ أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ إلى الشّامِ أيْ أوَّلُ ما حُشِرُوا وأُخْرِجُوا، ونَبَّهَ بِالأوَّلِيَّةِ عَلى أنَّهم لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ قَبْلُوَلَمْ يُجْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ أجْلى اليَهُودَ بِناءً عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَعَهم إذْ ذاكَ وإنَّ نَقْلَهم مِن بِلادِ الشّامِ إلى أرْضِ العَرَبِ كانَ بِاخْتِيارِهِمْ، أوْ لَمْ يُصِبْهم ذَلِكَ في الإسْلامِ، أوْ عَلى أنَّهم أوَّلُ مَحْشُورِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى الشّامِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ إلى مُقابَلَةِ الأوَّلِ بِالآخَرِ، وبَعْضُهم يَعْتَبِرُها فَمَعْنى أوَّل ِالحَشْرِ أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ، وقِيلَ: آخِرُ حَشْرِهِمْ حَشْرِهِمْ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّ المَحْشَرَ يَكُونُ بِالشّامِ.

وعَنْ عِكْرِمَةَ مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ ها هُنا يَعْنِي الشّامَ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، وكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِن أنَّ المَعْنى الأوَّلَ حَشْرُهم

صفحة 40

إلى الشّامِ فَيَكُونُ لَهم آخِرَ حَشْرٍ إلَيْهِ أيْضًا لِيَتِمَّ التَّقابُلُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ مِنَ القُبُورِ، ولا يَخْفى أنَّهُ ضَعِيفُ الدَّلالَةِ وفي البَحْرِ عَنْ عِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ أنَّهُما قالا: المَعْنى لِأوَّلِ مَوْضُوعِ الحَشْرِ وهو الشّامُ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ لَهم: ««اخْرُجُوا قالُوا: إلى أيْنَ ؟ قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ»» ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا المَعْنى أيْضًا، وقِيلَ: آخِرُ حَشْرِهِمْ أنَّ نارًا تَخْرُجُ قَبْلَ السّاعَةِ فَتَحْشُرُهم كَسائِرِ النّاسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ حَشْرُ القِيامَةِ أيْ هَذا أوَّلُهُ والقِيامُ مِنَ القُبُورِ آخِرُهُ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: المَعْنى أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ جَمْعٍ حَشَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أوْ حَشَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِقِتالِهِمْ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ قَصْدِ قِتالِهِمْ، وفِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِوَصْفِ العِزَّةِ ما لا يَخْفى، ولِذا قِيلَ: إنَّهُ الظّاهِرُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ جَمَعَ المُسْلِمِينَ لِقِتالِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ أيْضًا ولِذا رَكِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِمارًا مَخْطُومًا بِلِيفٍ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: لِأوَّلِ جَمْعِهِمْ لِلْمُقاتَلَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم لَمْ يَجْتَمِعُوا لَها قَبْلُ، والحَشْرُ إخْراجُ جَمْعٍ سَواءً كانَ مِنَ النّاسِ لِحَرْبٍ أوْ لا، نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ المَحْشُورِ جَمْعًا مِن ذَوِي الأرْواحِ لا غَيْرَ، ومَشْرُوعِيَّةُ الإجْلاءِ كانَتْ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، وأمّا الآنَ فَقَدْ نُسِخَتْ، ولا يَجُوزُ إلّا القَتْلُ أوِ السَّبْيُ أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ ووِثاقَةِ حُصُونِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعِدَّتِهِمْ.

﴿وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم مانِعَتُهم أوْ تَمْنَعُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى - فَحُصُونُهم - مُبْتَدَأٌ و”مانِعَتُهم“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ”أنَّ“ وكانَ الظّاهِرُ لِمُقابَلَةِ ﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾ وظَنُّوا أنْ لا يَخْرُجُوا والعُدُولُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِتَفاوُتِ الظَّنِينِ، وأنَّ ظَنَّهم قارَبَ اليَقِينَ فَناسَبَ أنْ يُؤْتى بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِما هم فِيهِ فَجِيءَ - بِمانِعَتِهِمْ. وحُصُونُهم - مُقَدِّمًا فِيهِ الخَبَرَ عَلى المُبْتَدَأِ ومَدارُ الدَّلالَةِ التَّقْدِيمُ لِما فِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ لا حِصْنَ أمْنَعُ مِن حُصُونِهِمْ، وبِما يَدُلُّ عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ لا يُبالِي مَعَهُما بِأحَدٍ يَتَعَرَّضُ لَهم أوْ يَطْمَعُ في مَعازَتِهِمْ، فَجِيءَ بِضَمِيرِ - هُمْ- وصُيِّرَ اسْمًا - لِأنَّ- وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّقْوى عَلى ما في الكَشْفِ وشَرْحِالطَّيِّبِيِّ، وفي كَوْنِ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْوى بَحْثٌ، ومَنَعَ بَعْضُهم جَوازَ الإعْرابِ السّابِقِ بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ المُشْتَقِّ عَلى المُبْتَدَأِ المُحْتَمَلِ لِلْفاعِلِيَّةِ لا يَجُوزُ كَتَقْدِيمِ الخَبَرِ إذا كانَ فِعْلًا، وصَحَّحَ الجَوازَ في المُشْتَقِّ دُونَ الفِعْلِ، نَعَمِ اخْتارَ صاحِبُ الفَرائِدِأنْ يَكُونَ «حُصُونُهم» فاعِلًا - لِمانِعَتِهِمْ - لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿مانِعَتُهُمْ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿حُصُونُهُمْ﴾، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ الإخْبارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ إنْ كانَتْ إضافَةً مانِعَةً لَفْظِيَّةً، وعَدَمُ كَوْنِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إنْ كانَتْ مَعْنَوِيَّةً بِأنْ قَصَدَ اسْتِمْرارَ المَنعِ فَتَأمَّلْ، وكانَتْ ﴿حُصُونُهُمْ﴾ عَلى ما قِيلَ أرْبَعَةً: الكَتِيبَةُ والوَطِيحُ والسَّلالِمُ والنَّطاةُ، وزادَ بَعْضُهُمُ الوَخْدَةُ وبَعْضُهم شِقًّا، والَّذِي في القامُوسِ أنَّهُ مَوْضِعٌ بِخَيْبَرَ أوْ وادٍ بِهِ ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أمْرُهُ سُبْحانَهُ، وقَدَرُهُ عَزَّ وجَلَّ المُتاحُ لَهم ﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وأبِي صالِحٍ وابْنِ جُرَيْجٍ

صفحة 41

قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَإنَّهُ مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم وقَلَّ شَوْكَتَهم وسَلَبَ قُلُوبَهُمُ الأمْنَ والطُّمَأْنِينَةَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿فَأتاهُمُ﴾ و﴿لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وفِيهِ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ.

وقُرِئَ فَآتاهُمُ اللَّهُ، وهو حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ. أيْ فَآتاهُمُ اللَّهُ العَذابَأوِ النَّصْرَ ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيِ الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِن رَعَبْتُ الحَوْضَ إذْ مَلَأْتُهُ لِأنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهِ أنَّهُ مَلَأ القَلْبَ، وأصْلُ القَذْفِ الرَّمْيُ بِقُوَّةٍ أوْ مِن بَعِيدٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا لِلْعُرْفِ إثْباتُ ذَلِكَ ورَكْزُهُ في قُلُوبِهِمْ.

﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ﴾ لِيَسُدُّوا بِما نَقَضُوا مِنها مِنَ الخَشَبِ والحِجارَةِ أفْواهالأزِقَّةِ، ولِئَلّا تَبْقى صالِحَةً لِسُكْنى المُسْلِمِينَ بَعْدَ جَلائِهِمْ ولِيَنْقُلُوا بَعْضَ آلاتِها المَرْغُوبِ فِيها مِمّا يَقْبَلُ النَّقْلَ كالخَشَبِ والعُمُدِ والأبْوابِ ﴿وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ حَيْثُ كانُوا يُخَرِّبُونَها مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوها عَلَيْهِمْ ولِيُزِيلُوا تَحَصُّنَهم بِها ولِيَتَّسِعَ مَجالُ القِتالِ ولِتَزْدادَ نِكايَتُهم، ولَمّا كانَ تَخْرِيبُ أيْدِي المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ أمْرِ أُولَئِكَ اليَهُودِ كانَ التَّخْرِيبُ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ صادِرٌ عَنْهم، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ ”أيْدِي المُؤْمِنِينَ“ عَلى - أيْدِيهِمْ - وجُعِلَتْ آلَةً لِتَخْرِيبِهِمْ مَعَ أنَّ الآلَةَ هي أيْدِيهِمْ أنْفُسُهم - فَيُخْرِبُونَ - عَلى هَذا إمّا مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ أوْ مِن عُمُومِ المَجازِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿قُلُوبِهِمُ﴾ أوْ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وهي إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ فَما حالُهم بَعْدَ الرُّعْبِ ؟ أوْ مَعَهُ أوْ تَفْسِيرٌ لِلرُّعْبِ بِادِّعاءِ الِاتِّحادِ لِأنَّ ما فَعَلُوهُ يَدُلُّ عَلى رُعْبِهِمْ إذْ لَوْلاهُ ما خَرَّبُوها.

وقَرَأ قَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ ومُجاهِدٌ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو «يُخَرِّبُونَ» بِالتَّشْدِيدِ وهو لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ أوْ في المَفْعُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الفاعِلِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: خَرَّبَ بِمَعْنى هَدَّمَ وأفْسَدَ، وأخْرَبَ تَرَكَ المَوْضُوعَ خَرابًا وذَهَبَ عَنْهُ، فالإخْرابُ يَكُونُ أثَرَ التَّخْرِيبِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى عُدِّيَ خَرِبَ اللّازِمُ بِالتَّضْعِيفِ تارَةً وبِالهَمْزَةِ أُخْرى ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ فاتَّعَظُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ عَلى وجْهٍ لا تَكادُ تَهْتَدِي إلَيْهِ الأفْكارُ، واتَّقُوا مُباشَرَةَ ما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، واعْبُرُوا مِن حالِهِمْ في غَدْرِهِمْ واعْتِمادِهِمْ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى -الصّائِرَةِ سَبَبًا لِتَخْرِيبِ بُيُوتِهِمْ بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي أعْدائِهِمْ ومُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ مُكْرَهِينَ - إلى حالِ أنْفُسِكم فَلا تُعَوِّلُوا عَلى تَعاضُدِ الأسْبابِ وتَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ بَلْ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

واشْتَهَرَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ العَمَلِ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أمَرَ فِيها بِالِاعْتِبارِ وهو العُبُورُ والِانْتِقالُ مِنَ الشَّيْءِ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في القِياسِ إذا فِيهِ نُقِلَ الحُكْمُ مِنَ الأصْلِ إلى الفَرْعِ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الأسْنانِ: اعْتَبَرَ حُكْمَها بِالأصابِعِ في أنَّ دِيَتَها مُتَساوِيَةٌ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ وإذْ ثَبَتَ الأمْرُ - وهو ظاهِرٌ في الطَّلَبِ الغَيْرِ الخارِجِ عَنِ اقْتِضاءِ الوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ العَمَلِ بِالقِياسِ، واعْتُرِضَ بَعْدَ تَسْلِيمِ ظُهُورِ الأمْرِ في الطَّلَبِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الِاعْتِبارَ ما ذُكِرَ بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّعاظِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ حَيْثُ أُطْلِقَ، ويَقْتَضِيهِ في الآيَةِ تَرْتِيبُهُ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾“ [آلَ عِمْرانَ: 13، النُّورَ: 44] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النَّحْلَ: 66] ولِأنَّ القائِسَ في الفَرْعِ إذا قَدِمَ عَلى المَعاصِي ولَمْ يَتَفَكَّرْ في أمْرِ آخِرَتِهِ يُقالُ: إنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبِرٍ، ولَوْ كانَ القِياسُ هو الِاعْتِبارُ - لَمْ يَصِحَّ هَذا السَّلْبُ - سَلَّمْنا لَكِنْ لَيْسَ في الآيَةِ صِيغَةُ عُمُومٍ تَقْتَضِي العَمَلَ بِكُلِّ قِياسٍ بَلْ هي مُطْلَقَةٌ - فَيَكْفِي في العَمَلِ بِها العَمَلُ بِالقِياسِ العَقْلِيِّ - سَلَّمْنا لَكِنَّ العامَّ مُخَصَّصٌ بِالِاتِّفاقِ إذْ قُلْتُمْ: إنَّهُ إذا قالَ لِوَكِيلِهِ: أعْتِقْ غانِمًا لِسَوادِهِ لا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ ذَلِكَ إلى سالِمٍ، وإنْ كانَ أسْوَدَ،

صفحة 42

وهُوَ بَعْدالتَّخْصِيصِ لا يَبْقى حُجَّةً فِيما عَدا مَحَلّالتَّخْصِيصِ سَلَّمْنا غَيْرَ أنَّ الخِطابَ مَعَ المَوْجُودِينَ وقْتَهُ فَيَخْتَصُّ بِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الِاعْتِبارُ بِمَعْنى الِاتِّعاظِ حَيْثُ أُطْلِقَ لَما حَسُنَ قَوْلُهُمُ: اعْتَبَرَ فاتَّعَظَ لِما يَلْزَمُ فِيهِ حِينَئِذٍ مِن تَرَتُّبِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وتَرْتِيبُهُ في الآيَةِ عَلى ما قَبْلَهُ لا يَمْنَعُ كَوْنُهُ بِمَعْنى الِانْتِقالِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في الِاتِّعاظِ إذِ المُتَّعِظُ بِغَيْرِهِ مُنْتَقِلٌ مِنَ العِلْمِ بِحالِ ذَلِكَ الغَيْرِ إلى العِلْمِ بِحالِ نَفْسِهِ فَكانَ مَأْمُورًا بِهِ مِن جِهَةِ ما فِيهِ مِنَ الِانْتِقالِ - وهو القِياسُ. والآيَتانِ عَلى ذَلِكَ - ولا يَصِحَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في القائِسِ العاصِي نَظَرًا إلى كَوْنِهِ قائِسًا، وإنَّما صَحَّ ذَلِكَ نَظَرا إلى أمْرِ الآخِرَةِ، وأطْلَقَ النَّفْيَ نَظَرًا إلى أنَّهُ أعْظَمُ المَقاصِدِ وقَدْ أخَلَّ بِهِ، والآيَةُ إنْ دَلَّتْ عَلى العُمُومِ فَذاكَ وإنْ دَلَّتْ عَلى الإطْلاقِ وجَبَ الحَمْلُ عَلى القِياسِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الغالِبَ مِنَ الشّارِعِ مُخاطَبَتُنا بِالأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ غَيْرِها، وقَدْ بَرْهَنَ عَلى أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ، وشُمُولُ حُكْمِ خِطابِ المَوْجُودِينَ لِغَيْرِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلَيْهِ، ولا يَضُرُّ الخِلافُ في شُمُول ِاللَّفْظِ وعَدَمِهِ عَلى أنَّهُ إنْ عَمَّ أوْ لَمْ يَعُمَّ هو حُجَّةٌ عَلى الخُصُومِ في بَعْضِ مَحَلِّ النِّزاعِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الحُكْمِ في الباقِي ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَقُولُ بِالفَرْقِ.

هَذا وقالَ الخَفاجِيُّ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ: قالُوا: إنّا أُمِرْنا في هَذِهِ الآيَةِ بِالِاعْتِبارِ وهُوَرَدُّ الشَّيْءِ إلى نَظِيرِهِ بِأنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ، وهَذا يَشْمَلُ الِاتِّعاظَ والقِياسَ العَقْلِيَّ والشَّرْعِيَّ، وسَوْقُ الآيَةِ الِاتِّعاظَ فَتَدُلُّ عَلَيْهِ عِبارَةٌ وعَلى القِياسِ إشارَةٌ، وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في الكُتُبِ الأُصُولِيَّةِ

59:3Page 545

وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣

And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.

﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ أيِ الإخْراجَ أوِ الخُرُوجَ عَنْ أوْطانِهِمْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الفَظِيعِ ﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ كَأهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ أوْ كَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِبَنِي قُرَيْظَةَ في سَنَةِ خَمْسٍ إذِ الحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ لَوْ لَمْ يُكْتَبِ الجَلاءُ عَلَيْهِمْ، وجاءَ أجْلَيْتُ القَوْمَ عَنْ مَنازِلِهِمْ أيْ أخْرَجْتُهم عَنْها وأبْرَزْتُهم، وجَلَوْا عَنْها خَرَجُوا أوْ بَرَزُوا، ويُقالُ أيْضًا: جَلاهم وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الجَلاءِ والإخْراجِ بِأنَّ الجَلاءَ ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجَ قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.

وقالَ الماوَرْدِيُّ: الجَلاءُ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ، والإخْراجُ قَدْ يَكُونُ لِواحِدٍ ولِجَماعَةٍ، ويُقالُ فِيهِ: الجَلَأُ مَهْمُوزًا مِن غَيْرِ ألِفٍ كالنَّبَأِ، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وأخُوهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ وطَلْحَةُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ لا مُخَفَّفَةٌ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ كَما تَوَهَّمَهُ عِبارَةُ الكَشّافِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّضِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ اسْتِئْنافٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِجَوابِ لَوْلا أيْ إنَّهم إنْ نَجَوْا مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو القَتْلُ لِأمْرٍ أشَقَّ عَلَيْهِمْ وهو الجَلاءُ لَمْ يَنْجُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَلَيْسَ تَمَتُّعُهم أيّامًا قَلائِلُ بِالحَياةِ وتَهْوِينُ أمْرِ الجَلاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِنافِعٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القَتْلَأشَدُّ مِنَ الجَلاءِ لا لِذاتِهِ بَلْ لِأنَّهم يَصِلُونَ عِنْدَهُ إلى عَذابِ النّارِ، وإنَّما أُوثِرَ الجَلاءُ لِأنَّهُ أشَقُّ عِنْدَهم وأنَّهم غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ لِما أمامَهم مِن عَذابِ النّارِ أوْ مُعْتَقِدُونَ ولَكِنْ لا يُبالُونَ بِهِ بالَةً ولَمْ تُجْعَلْ حالِيَّةً لِاحْتِياجِها لِلتَّأْوِيلِ لِعَدَمِ المُقارَنَةِ.

59:4Page 546

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh - then indeed, Allāh is severe in penalty.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما نَزَلَ بِهِمْ وما سَيَنْزِلُ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ يُشاقِقْ بِالفَكِّ كَما في الأنْفالِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ مُشاقَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَضَمُّنِها مُشاقَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ أمْرِها ما فِيهِ، ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾

صفحة 43

وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا نَفْسُ الجَزاءِ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ إلى مَن عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ أيْ شَدِيدُ العِقابِ لَهُ أوْ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أيْ يُعاقِبُهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَها وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ وتَحْقِيقٌ لِلسَّبَبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ وسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكُلُّ مَن يُشاقِّ اللَّهَ تَعالى كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ فَإذا لَهم عِقابٌ شَدِيدٌ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском