Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
نوح
Nuh
Noah · Meccan · 28 ayahs
71:1Page 570
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١
Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."
سُورَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وهي ثَمانٌ وعِشْرُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ وتِسْعٌ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وثَلاثُونَ فِيما عَدا ذَلِكَ ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبِلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وأشارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ في سُورَةِ المَعارِجِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ [المَعارِجِ: 40، 41] عَقَّبَهُ تَعالى بِقِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ المُشْتَمِلَةِ عَلى إغْراقِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم في الأرْضِ دَيّارٌ وبَدَّلَ خَيْرًا مِنهم فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِظْهارِ لِتِلْكَ الدَّعْوى كَما وقَعَتْ قِصَّةُ أصْحابِ الجَنَّةِ في سُورَةِ ن مَوْقِعَ الِاسْتِظْهارِ لِما خَتَمَ بِهِ تَبارَكَ هَذا مَعَ تَواخِي مَطْلَعِ السُّورَتَيْنِ في ذَلِكَ العَذابِ المَوْعَدِ بِهِ الكافِرُونَ ووَجْهُ الِاتِّصالِ عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ السّائِلَ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ظاهِرٌ وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَؤُها عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ
أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو نُوحًا وقَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أوَّلَ النّاسِ فَيَقُولُ: ماذا أجَبْتُمْ نُوحًا ؟ فَيَقُولُونَ: ما دَعانا وما بَلَّغَنا ولا نَصَحَنا ولا أمَرَنا ولا نَهانا، فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: دَعَوْتُهم يا رَبِّ دُعاءً فاشِيًا في الأوَّلِينَ والآخِرِينَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ حَتّى انْتَهى إلى خاتَمِ النَّبِيِّينَأحْمَدَ ﷺ فانْتَسَخَهُ وقَرَأهُ وآمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ: ادْعُوا أحْمَدَ وأُمَّتَهُ فَيَدْعُونَهم فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتُهُ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أنِّي بَلَّغْتُ قَوْمِيَ الرِّسالَةَ واجْتَهَدْتُ لَهم بِالنَّصِيحَةِ وجَهَدْتُ أنْ أسْتَنْقِذَهم مِنَ النّارِ سِرًّا وجِهارًا فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا؟ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتُهُ: ( فَإنّا ) نَشْهَدُ بِما أنْشَدْتَنا أنَّكَ في جَمِيعِ ما قُلْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأنّى عَلِمْتَ هَذا أنْتَ وأُمَّتُكَ ونَحْنُ أوَّلُ الأُمَمِ وأنْتَ آخِرُ الأُمَمِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [نُوحٍ: 1] حَتّى يَخْتِمَ السُّورَةَ، فَإذا خَتَمَها قالَتْ أُمَّتُهُ نَشْهَدُ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ: امْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ»» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ زادَ الجَوالِيقِيُّ مُعَرَّبٌ والكِرْمانِيُّ مَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ وصُرِفَ لِعَدَمِ زِيادَتِهِ عَلى الثَّلاثَةِ مَعَ سُكُونِ وسَطِهِ ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ أصْلًا. وقَوْلُ الحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ نَوْحِهِ وبُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ، واسْمُهُ عَبْدُ الغَفّارِ لا أظُنُّهُ يَصِحُّ وكَذا ما يُنْقَلُ في سَبَبِ بُكائِهِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى كَلْبًا أجْرَبَ قَذِرًا فَبَصَقَ عَلَيْهِ فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ أتَعِيبُنِي أمْ تَعِيبُ خالِقِي فَنَدِمَ وناحَ لِذَلِكَ.
والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ لَمْكٍ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المِيمِ بَعْدَها كافٌ ابْنِ مَتُّوشَلَخَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ والخاءِ المُعْجَمَةِ
صفحة 68
ابْنِ خَنُوخٍ بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وضَمِّ النُّونِ الخَفِيفَةِ وبَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ ثُمَّ خاءٌ مُعْجَمَةٌ وشاعَ أخَنُوخٍ بِهَمْزَةٍ أوَّلِهِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ بْنُ يَرْدُ بِمُثَنّاةٍ مِن تَحْتُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ راءٍ ساكِنَةٍ مُهْمَلَةٍ ابْنِ مُهَلايِيلِ بْنِ قَيْنانِ بْنِ أنْوَشَ بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ ابْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفِي المُسْتَدْرَكِ أنَّ أكْثَرَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ قَبْلَ إدْرِيسَ وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ عَشَرَةُ قُرُونٍ وفِيهِ أيْضًا مَرْفُوعًا «بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا لِأرْبَعِينَ سَنَةً فَلَبِثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً حَتّى كَثُرَ النّاسُ وفَشَوْا» .
وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَوْلِدَهُ كانَ بَعْدَ وفاةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةٍ وسِتَّةٍ وعِشْرِينَ عامًا وفي التَّهْذِيبِ لِلنَّوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عُمْرًا وقِيلَ إنَّهُ أطْوَلُ النّاسِ مُطْلَقًا عُمْرًا فَقَدْ عاشَ عَلى ما قالَ شَدّادٌ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ وثَمانِينَ سَنَةً ولَمْ يُسْمَعْ عَنْ أحَدٍ أنَّهُ عاشَ كَذَلِكَ يَعْنِي بِالِاتِّفاقِ لِئَلّا يَرْدَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ يُجابُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وهو عَلى ما قِيلَ أوَّلُ مَن شُرِعَتْ لَهُ الشَّرائِعُ وسُنَّتْ لَهُ السُّنَنُ وأوَّلُ رَسُولٍ أنْذَرَ عَلى الشِّرْكِ وأُهْلِكَتْ أُمَّتُهُ، والحَقُّ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا قَبْلَهُ أُرْسِلَ إلى زَوْجَتِهِ حَوّاءَ ثُمَّ إلى بَنِيهِ وكانَ في شَرِيعَتِهِ وما نُسِخَ بِشَرِيعَةِ نُوحٍ في قَوْلٍ وفي آخَرَ لَمْ يَكُنْ في شَرِيعَتِهِ إلّا الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ ويُقالُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْخُ المُرْسَلِينَ وآدَمُ الثّانِي وكانَ دَقِيقَ الوَجْهِ في رَأْسِهِ طُولٌ عَظِيمَ العَيْنَيْنِ غَلِيظَ العَضُدَيْنِ كَثِيرَ لَحْمِ الفَخِذَيْنِ ضَخْمَ السُّرَّةِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ والقامَةِ جَسِيمًا.
واخْتُلِفَ في مَكانِ قَبْرِهِ فَقِيلَ بِمَسْجِدِ الكُوفَةِ وقِيلَ بِالجَبَلِ الأحْمَرِ وقِيلَ بِذَيْلِ جَبَلِ لُبْنانَ بِمَدِينَةِ الكَرْكِ. وفي إسْنادِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ العَظَمَةُ مَعَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ قِيلَ هم سُكّانُ جَزِيرَةِ العَرَبِ ومَن قَرُبَ مِنهم لا أهْلَ الأرْضِ كافَّةً لِاخْتِصاصِ نَبِيِّنا ﷺ بِعُمُومِ البِعْثَةِ مِن بَيْنِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما كانَ لِنُوحٍ بَعْدَ قِصَّةِ الغَرَقِ عَلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ أمْرٌ اتِّفاقِيٌّ واشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْكُنُ أرْضَ الكُوفَةِ وهُناكَ أُرْسِلَ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أيْ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ
عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ أوْ بِأنْ أنْذِرَهم أيْ بِإنْذارِهِمْ أوْ لِإنْذارِهِمْ عَلى أنَّ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةٌ وقَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ هو الباءُ أوِ اللّامُ وفي المَحَلِّ بَعْدَ الحَذْفِ مِنَ الجَرِّ والنَّصْبِ قَوْلانِ مَشْهُورانِ. ونَصَّ أبُو حَيّانٍ عَلى جَوازِ هَذا الوَجْهِ في بَحْرِهِ هُنا ومَنعِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ. وحَكى المَنعَ عَنْهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وقالَ: زَعَمَ أبُو حَيّانٍ أنَّها لا تُوصَلُ بِالأمْرِ وإنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِعَ مِن ذَلِكَ فَأنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ واسْتَدَلَّ بِدَلِيلَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُما إذا قُدِّرا بِالمَصْدَرِ فاتَ مَعْنى الأمْرِ الثّانِي أنَّهُما لَمْ يَقَعا فاعِلًا ولا مَفْعُولًا لا يَصِحُّ أعْجَبَنِي أنْ قُمْ ولا كَرِهْتُ أنْ قُمْ كَما يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ الماضِي والمُضارِعِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ في المَوْصُولَةِ بِالمُضارِعِ والماضِي عِنْدَ التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ ثُمَّ إنَّهُ يُسَلِّمُ مَصْدَرِيَّةَ المُخَفَّفَةِ مَعَ لُزُومِ نَحْوِ ذَلِكَ فِيها في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [النُّورِ: 9] إذْ لا يُفْهَمُ الدُّعاءُ مِنَ المَصْدَرِ إلّا إذا كانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا نَحْوَ سَقْيًا ورَعْيًا. .
وعَنِ الثّانِي أنَّهُ إنَّما مَنَعَ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَعْلِيقِ الإعْجابِ والكَراهِيَةِ بِالإنْشاءِ لا لِما ذَكَرَهُ ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أنْ لا يُسَلِّمَ مَصْدَرِيَّةَ كَيْ لِأنَّها لا تَقَعُ فاعِلًا ولا مَفْعُولًا وإنَّما تَقَعُ مَخْفُوضَةً بِلامِ التَّعْلِيلِ، ثُمَّ مِمّا يَقْطَعُ بِهِ عَلى قَوْلِهِ بِالبُطْلانِ حِكايَةُ سِيبَوَيْهِ كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ واحْتِمالُ زِيادَةِ الباءِ كَما يَقُولُ وهْمٌ فاحِشٌ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ مُطْلَقًا لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ أوْ ما في تَأْوِيلِهِ انْتَهى. .
وأجابَ بَعْضُهم عَنِ الأوَّلِ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ التَّقْدِيرِ يُقَدَّرُ الأمْرُ فَيُقالُ فِيما نَحْنُ فِيهِ مَثَلًا ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ فِعْلُ يَكُونُ الأمْرُ مَصْدَرَهُ كَأمْرِنا أوْ نَأْمُرُ ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ المَعْنى في
صفحة 69
نَحْوِ أمَرْتُهُ بِأنْ قُمْ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ. وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى جَوابِ ذَلِكَ هو أنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقْ لَفْظُ الأمْرِ أوْ ما في مَعْناهُ مِن نَحْوِ رَسَمْتُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ لِئَلّا يَبْطُلَ الطَّلَبُ فَيُقالُ هُنا: أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ أنْذِرْ أيْ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وإذا سَبَقَهُ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ لِأنَّ مَآلَ العِباراتِ أعْنِي أمَرْتُهُ بِالقِيامِ وأمَرْتُهُ بِأنَّهُ قُمْ وأنْ قُمْ بِدُونِ الباءِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ إلى واحِدٍ وفي الكَشْفِ لَوْ قِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ وأرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ مِن دُونِ إضْمارِ القَوْلِ لَأنَّ الأمْرِيَّةَ لَيْسَتْ مَدْلُولَ جَوْهَرِ الكَلِمَةِ بَلْ مِن مُتَعَلِّقِ الأداةِ فَيُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ تَبَعًا وفي أمْرِ المُخاطَبِ اكْتَفى بِالصِّيغَةِ تَحْقِيقًا لَكانَ حَسَنًا وهَذا كَما أنَّ التَّقْدِيرَ في أنْ لا يَزْنِي خَيْرٌ لَهُ عَدَمُ الزِّنا فَيُقَدَّرُ النَّفْيُ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ.
وأمّا إذا صَرَّحَ بِالأمْرِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ لِلطَّلَبِ أيْضًا هَذا ولَوْ قَدَّرَ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ أيْ بِأنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ بِهِ مُبالَغَةً في الطَّلَبِ لَمْ يَبْعُدْ عَنِ الصَّوابِ ولِما فُهِمَ مِنهُ ما فُهِمْ مِنَ الأوَّلِ وأبْلَغُ =اسْتَعْمَلَ اسْتِعْمالَهُ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ الأصْلِ وأوْعى بَعْضُهم أنَّ تَقْدِيرَ القَوْلِ هُنا لَيْسَ لِئَلّا يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَلْ لِأنَّ الباءَ المَحْذُوفَةَ لِلْمُلابَسَةِ وإرْسالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُلْتَبِسًا بِإنْذارِهِ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ وإنَّما هو مُلْتَبِسٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنْذِرْ﴾ ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى لِطَلَبِ الإنْذارِ قِيلَ: المَعْنى أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وكانَ هَذا القائِلُ لا يُبالِي بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ المُتَقَدِّمُ آنِفًا. .
وبَحَثَ الخَفاجِيُّ فِيما ذَكَرُوهُ مِنَ الفَواتِ فَقالَ: كَيْفَ يَفُوتُ مَعْنى الطَّلَبِ وهو مَذْكُورٌ صَرِيحًا في ﴿أنْذِرْ﴾ ونَحْوِهِ، وتَأْوِيلُهُ بِالمَصْدَرِ المَسْبُوكِ تَأْوِيلٌ لا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ أخَذُوهُ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ فَكَيْفَ يُبْطِلُ صَرِيحَ مَنطُوقِهِ فَما ذَكَرُوهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وإنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فاعْرِفْهُ انْتَهى.
وأقُولُ: لَعَلَّهم أرادُوا بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ فَواتَهُ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ الحاصِلِ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى أنَّهُ إذا ذُكِرَ بِالفِعْلِ لا يَتَحَقَّقُ مَعْنى الطَّلَبِ ولا يَتَحَدُّ الكَلامانِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ يَفُوتُ مُطْلَقًا كَيْفَ وتَحَقُّقُهُ في المَنطُوقِ الصَّرِيحِ كَنارٍ عَلى عِلْمٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا مَنعُهم بُطْلانَ اللّازِمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ هِشامٍ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ إلَخِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الفَواتَ باطِلٌ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ وفَواتِ مَعْنى الدُّعاءِ في نَحْوِ أنَّ غَضَبَ [النُّورِ: 9] وقَدْ أجْمَعُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِباطِلٍ لِأنَّهُ فَواتٌ عِنْدَ الذِّكْرِ بِالفِعْلِ ولَيْسَ بِلازِمٍ، ولَيْسَ بِفَواتٍ مُطْلَقًا لِظُهُورِ أنَّ المَنطُوقَ الصَّرِيحَ مُتَكَفِّلٌ بِهِ فَتَدَبَّرْ. .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «أنْذِرْ» بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قائِلِينَ أنْذِرْ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عاجِلٌ وهو ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ كَما قالَ الكَلْبِيُّ أوْ آجِلٌ وهو عَذابُ النّارِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. والمُرادُ أنْذِرْهم مِن قَبْلِ ذَلِكَ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ ما أصْلًا.
71:2–3Page 570
قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢
He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -
أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣
To worship Allāh, fear Him and obey me.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ هَذا الإرْسالِ فَقِيلَ قالَ لَهم ﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُنْذِرٌ مُوَضِّحٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ واللّامُ في ( لَكم ) لِلتَّقْوِيَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ نَفْعِكم مِن غَيْرِ أنْ أسْألَكم أجْرًا وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَذِيرٍ عَلى مَصْدَرِيَّةِ ( أنِ ) وتَفْسِيرِيَّتِها ومَرَّ نَظِيرُهُ في الشُّعَراءِ.
71:4Page 570
يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤
He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ واخْتُلِفَ في ( مِن ) فَقِيلَ ابْتِدائِيَّةٌ وإنْ لَمْ تَصْلُحْ هُنا لِمُقارَنَةِ إلى وابْتِداءُ الفِعْلِ مِن جانِبِهِ تَعالى عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْتَدِئُهم بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ إحْسانًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَفَضُّلًا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن جانِبِهِمْ عَلى مَعْنى أوَّلُ ما يَحْصُلُ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ مَغْفِرَةُ ذُنُوبِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ وقِيلَ بَيانِيَّةٌ ورُجُوعُها إلى مَعْنى الِابْتِدائِيَّةِ اسْتَبْعَدَهُ الرَّضِيُّ ويُقَدَّرُ قَبْلَها مُبْهَمٌ يُفَسَّرُ بِمَدْخُولِها أيْ يَغْفِرْ لَكم أفْعالَكم الَّتِي هي الذُّنُوبُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ المُجَوِّزِ لِزِيادَتِها مُطْلَقًا وجَزَمَ بِذَلِكَ هُنا وقِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ أيْ يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم واخْتارَهُ بَعْضٌ. واخْتُلِفَ في البَعْضِ المَغْفُورِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى فَقَطِ السّابِقَةُ عَلى الإيمانِ وآخَرُونَ إلى أنَّهُ ما اقْتَرَفُوهُ قَبْلَ
صفحة 70
الإيمانِ مُطْلَقًا الظّاهِرُ ما ورَدَ مِن أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في الفَوائِدِ المُنْتَشِرَةِ وأجابَ عَنْهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي لا يَرى كالأخْفَشِ زِيادَتَها في المُوجَبِ بَلْ يَقُولُ إنَّها لِلتَّبْعِيضِ مَعَ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ والجَوابُ أنَّ إضافَةَ الذُّنُوبِ إلَيْهِمْ إنَّما تُصَدَّقُ حَقِيقَةً فِيما وقَعَ إذْ ما لَمْ يَقَعْ لا يَكُونُ ذَنْبًا لَهم وإضافَةُ ما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ كَما في ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: 89] إذا المُرادُ بِها الأيْمانُ المُسْتَقْبِلَةُ وإذا كانَتِ الإضافَةُ تارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وتارَةً تَكُونُ مَجازًا، فَسِيبَوَيْهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيها وهو جائِزٌ.
يَعْنِي عِنْدَ أصْحابِهِ الشّافِعِيَّةِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن بَعْضِ ذُنُوبِكم البَعْضَ الَّذِي وقَعَ انْتَهى ولا يَحْتاجُ إلى حَدِيثِ الجَمْعِ مِن خَصِّ الذُّنُوبِ المَغْفُورَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّبْعِيضِ يَأْباهُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ و﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ) [الزُّمَرِ: 53] وقَدْ نَصَّ البَعْلِيُّ في شَرْحِ الجُمَلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي دَعا الأخْفَشَ لِلْجَزْمِ بِالزِّيادَةِ هُنا وجَعَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ حُجَّةً لَهُ ورَدَّهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِأنَّ المُوجِبَةَ الجُزْئِيَّةَ مِن لَوازِمِ المُوجِبَةِ الكُلِّيَّةِ ولا تَناقُضَ بَيْنَ اللّازِمِ والمَلْزُومِ ومَبْناهُ الغَفْلَةُ عَنْ كَوْنِ مَدْلُولٍ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ عَنِ الكُلِّيَّةِ المُنافِيَةِ لَها لا الشّامِلَةِ لِما في ضِمْنِها المُجْتَمِعَةِ مَعَها وإلّا لَما تَحَقَّقَ الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ مِنِ البَيانِيَّةِ مِن جِهَةِ الحُكْمِ ولَما تَيَسَّرَ تَمْشِيَةُ الخِلافِ بَيْنَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ فِيما إذا قالَ:
طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ بِناءً عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ عِنْدَهُ ولِلْبَيانِ عِنْدَهُما قالَ في الهِدايَةِ وإنْ قالَ لَها طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ فَلَها أنْ تُطَلِّقَ نَفْسَها واحِدَةً وثِنْتَيْنِ ولا تُطَلِّقُ ثَلاثًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وقالا تُطَلِّقُ ثَلاثًا إنْ شاءَتْ لِأنَّ كَلِمَةَ ما مُحْكَمَةٌ في التَّعْمِيمِ وكَلِمَةُ مِن قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ فَتَحْمِلُ عَلى تَمْيِيزِ الجِنْسِ ولِأبِي حَنِيفَةَ أنَّ كَلِمَةَ مِن حَقِيقَةٌ في التَّبْعِيضِ وما لِلتَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِما انْتَهى.
ولا خَفاءَ في أنَّ بِناءَ الجَوابِ المَذْكُورِ عَلى كَوْنِ مِن لِلتَّبْعِيضِ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ مَدْلُولُها حِينَئِذٍ البَعْضِيَّةَ المُجَرَّدَةَ المُنافِيَةَ لِلْكُلِّيَّةِ ومِن هُنا تُعْجِبُ مِن صاحِبِ التَّوْضِيحِ في تَقْرِيرِ الخِلافِ المَذْكُورِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلى أوْلَوِيَّةِ التَّبْعِيضِ بِتَيَقُّنِهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ البَعْضَ المُرادَ قَطْعًا عَلى تَقْدِيرِ البَيانِ البَعْضُ العامُّ الشّامِلُ لِما في ضِمْنِ الكُلِّ لا البَعْضُ المُجَرَّدُ المُرادُ هاهُنا.
فَبِالتَّعْلِيلِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ بَلْ لا انْطِباقَ بَيْنَ التَّعْلِيلِ والمُعَلِّلِ عَلى ما قِيلَ. وصَوَّبَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ حَيْثُ قالَ: عَلَّقَهُ عَلى التَّلْوِيحِ مُسْتَدِلًّا عَلى أنَّ البَعْضِيَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ المُنافِيَةُ لِلْكُلِّيَّةِ لا البَعْضِيَّةُ الَّتِي هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في ضِمْنِ الكُلِّ أوْ بِدُونِهِ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ احْتاجُوا إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فَقالُوا لا يَبْعُدُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ الذُّنُوبَ لِقَوْمٍ وبَعْضَها لِآخَرِينَ أوْ خِطابُ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابُ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّ التَّبْعِيضَ لا يُنافِي الكُلِّيَّةَ ولَمْ يُصَوِّبِ الشَّرِيفُ في رَدِّهِ عَلَيْهِ قائِلًا وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الرَّضِيُّ صَرَّحَ بِعَدَمِ المُنافاةِ بَيْنَهُما حَيْثُ قالَ: ولَوْ كانَ أيْضًا خِطابًا لِأُمَّةٍ واحِدَةٍ فَغُفْرانُ بَعْضِ الذُّنُوبِ لا يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها بَلْ عَدَمُ غُفْرانِ بَعْضِها يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها لِأنَّ قَوْلَ الرَّضِيِّ غَيْرُ مُرْتَضًى لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ. .
واعْتَرَضَ قَوْلَ النُّحاةِ أوْ خِطابَ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابَ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَغْفِرَةِ البَعْضِ ورَدَ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: 10] ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ومِنها في سُورَةِ [الأحْقافِ: 31] يا ﴿قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ومِنها ما هُنا وهو الَّذِي ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا ما ذَكَرَ في الأحْقافِ فَقَدْ ورَدَ في الجِنِّ، وما ورَدَ في إبْراهِيمَ فَقَدْ ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ عَلى ما أفْصَحَ بِهِ السِّياقُ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ. وقِيلَ جِيءَ بِمَن في خِطابِ الكَفَرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ
صفحة 71
القُرْآنِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الخِطابَيْنِ.
وُوجِهَ بِأنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكُفّارِ مُرَتَبَةٌ عَلى الإيمانِ وحَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةٌ بِالطّاعَةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي ونَحْوُ ذَلِكَ، فَيَتَناوَلُ الخُرُوجَ عَنِ المَظالِمِ واعْتَرَضَ بِأنَّ التَّفْرِقَةَ المَذْكُورَةَ إنَّما تَتِمُّ لَوْ لَمْ يَجِئِ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ عَلى العُمُومِ وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ كَما في سُورَةِ [الأنْفالِ: 38] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ وقَدْ أسْلَفْنا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ أيْضًا فَتَذْكَّرْ وتَأمَّلْ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الأمَدُ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ وراءَ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَإنَّ وصْفَ الأجَلِ بِالمُسَمّى وتَعْلِيقَ تَأْخِيرِهِمْ إلَيْهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ صَرِيحٌ في أنَّ لَهم أجَلًا آخَرَ لا يُجاوِزُونَهُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ أيْ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ﴾ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ ﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ فَبادَرُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ قَبْلَ مَجِيئِهِ حَتّى لا يَتَحَقَّقَ شَرْطُهُ الَّذِي هو بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَلا يَجِيءُ ويَتَحَقَّقُ شَرْطُ التَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَتُؤَخَّرُوا إلَيْهِ.
وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ إتْيانِ العَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَإنَّهُ أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لَهُ حَتْمًا وأيًّا ما كانَ لا تَناقُضَ بَيْنَ يُؤَخِّرْكم وإنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ كَما يُتَوَهَّمُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأجَلَ أجَلانِ وأجَلُ اللَّهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْهُودِ والمُرادُ مِنهُ الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ، والجُمْلَةُ عِنْدَهُ تَعْلِيلٌ لِما فُهِمَ مِن تَعْلِيقِهِ سُبْحانَهُ التَّأْخِيرَ بِالأجَلِ المُسَمّى وهو عَدَمُ تَجاوُزِ التَّأْخِيرِ عَنْهُ، والأوَّلُ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْمَغْفِرَةِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ هو التَّأْخِيرَ المَوْعُودَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ ما فُرِضَ مَجِيئُهُ هو الأجَلَ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَسارَعْتُمْ لِما آمُرُكم بِهِ لَكِنَّكم لَسْتُمْ مِن أهْلِهِ في شَيْءٍ فَلِذا لَمْ تُسارِعُوا.
فَجَوابُ ( لَوْ ) مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأوَّلِ الكَلامِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ أيْ عَدَمَ تَأْخِيرِ الأجَلِ إذا جاءَ وقْتُهُ المُقَدَّرُ لَهُ، والفِعْلُ في الوَجْهَيْنِ مُنَزَلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ورَجَّحَ الأوَّلَ بِعَدَمِ احْتِياجِهِ لِلتَّقْدِيرِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ المَفْهُومِ مِن ( لَوْ ) وجَعْلُ العِلْمِ المَنفِيِّ هو العِلْمَ النَّظَرِيَّ لا الضَّرُورِيَّ ولا ما يَعُمُّهُ فَإنَّهُ مِمّا لا يَنْفِي اللَّهُمَّ إلّا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
71:5Page 570
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥
He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.
﴿قالَ﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجِيًا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وحاكِيًا لَهُ سُبْحانَهُ بِقَصْدِ الشَّكْوى وهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِحالِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ القِيلِ والقالِ في تِلْكَ المُدَدِ الأطْوالِ بَعْدَ ما بَذَلَ في الدَّعْوَةِ غايَةَ المَجْهُودِ وجازَ في الإنْذارِ كُلُّ حَدٍّ مَعْهُودٍ وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿لَيْلا ونَهارًا﴾ أيْ دائِمًا مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ.
71:6Page 570
فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦
But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].
﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا﴾ مِمّا دَعَوْتُهم إلَيْهِ وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ عَلى حَدِّ الإسْنادِ في سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ ( وفِرارًا ) قِيلَ تَمْيِيزٌ وقِيلَ مَفْعُولٌ ثانٍ بِناءً عَلى تَعَدِّي الزِّيادَةِ والنَّقْصِ إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وإنْ ذَكَرَهُ بَعْضُهم وفي الآيَةِ مُبالَغاتٌ بَلِيغَةٌ وكانَ الأصْلُ فَلَمْ يُجِيبُونِي ونَحْوَهُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِزِيادَةِ الفِرارِ المُسْنَدَةِ لِلدُّعاءِ وأُوقِعَتْ عَلَيْهِمْ مَعَ الإتْيانِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ.
71:7Page 570
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧
And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.
﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ أيْ إلى الإيمانِ فَمُتَعَلِّقُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ وجَوَّزَ جَعْلَهُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها ولَيْسَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ المُفَصَّلِ عَلى المُجْمَلِ كَما تَوَهَّمَ حَتّى يُقالَ إنَّ الواوَ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ الإيمانِ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾
صفحة 72
أيْ سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ اسْتِماعِ الدَّعْوَةِ فَهو كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ ولا مَنعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وفي نِسْبَةِ الجَعْلِ إلى الأصابِعِ وهو مَنسُوبٌ إلى بَعْضِها وإيثارِ الجَعْلِ عَلى الإدْخالِ ما لا يَخْفى ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ بالَغُوا في التَّغَطِّي بِها كَأنَّهم طَلَبُوا مِن ثِيابِهِمْ أنْ تَغْشاهم لِئَلّا يَرَوْهُ كَراهَةَ النَّظَرِ إلَيْهِ مِن فَرْطِ كَراهَةِ الدَّعْوَةِ فَفي التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وكَذا في تَعْمِيمِ آلَةِ الإبْصارِ وغَيْرِها مِنَ البَدَنِ بِالسَّتْرِ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ الكَراهَةِ، فَفي الآيَةِ مُبالَغَةٌ بِحَسْبِ الكَيْفِ والكُمِّ. وقِيلَ: بالَغُوا في ذَلِكَ لِئَلّا يَعْرِفَهم عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَدْعُوهم وفِيهِ ضَعْفٌ فَإنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُجْعَلَ مَجازًا عَنْ إرادَةِ الدَّعْوَةِ وهو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ وتَخْرِيبٌ لِلنَّظْمِ ﴿وأصَرُّوا﴾ أيْ أكَبُّوا عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي وانْهَمَكُوا وجَدُّوا فِيها مُسْتَعارٌ مِن أصَرَّ الحِمارُ عَلى العانَةِ إذا صَرَّ أُذُنَيْهِ أيْ رَفَعَهُما ونَصَبَهُما مُسْتَوَيَيْنِ وأقْبَلَ عَلَيْها يَكْدُمُها ويَطْرُدُها وفي ذَلِكَ غايَةُ الذَّمِّ لَهم. .
وعَنْ جارِ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في ارْتِكابِ المَعاصِي إلّا التَّشْبِيهُ بِالحِمارِ لَكَفى بِهِ مَجْزَرَةً كَيْفَ والتَّشْبِيهُ في أسْوَأِ أحْوالِهِ وهو حالُ الكَدْمِ والسِّفادِ وما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ قِيلَ في أصْلِ اللُّغَةِ وقَدْ صارَ الإصْرارُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في اللّازِمَةِ والِانْهِماكِ في الأمْرِ. وقالَ الرّاغِبُ: الإصْرارُ التَّعَقُّدُ في الذَّنْبِ والتَّشْدِيدُ فِيهِ والِامْتِناعُ مِنَ الإقْلاعِ عَنْهُ وأصْلُهُ مِنَ الصَّرِّ أيِ الشَّدِّ ولَعَلَّهُ لا يَأْبى ما تَقَدَّمَ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ الأوَّلَ الشَّدُّ والأصْلَ الثّانِيَ ما سَمِعْتَ أوَّلًا ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ مِنَ اتِّباعِي وطاعَتِي ﴿اسْتِكْبارًا﴾ عَظِيمًا وقِيلَ نَوْعًا مِنَ الِاسْتِكْبارِ غَيْرَ مَعْهُودٍ والِاسْتِكْبارُ طَلَبُ الكِبْرِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences