Al-AlusiAl‑Qalam · 68:1–11

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

القلم

Al-Qalam

The Pen · Meccan · 52 ayahs

68:1Page 564

نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١

Nūn.1 By the pen and what they inscribe,

سُورَةُ القَلَمِ

هِيَ مِن أوائِلِ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ فَقَدْ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العَلَقِ: 1] ثُمَّ هَذِهِ ثُمَّ المُزَّمِّلُ ثُمَّ المُدَّثِّرُ. وفي البَحْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ فِيها بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ وفي الإتْقانِ اسْتُثْنِيَ مِنها ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ - إلى- ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [القَلَمِ: 17- 33] ومِن ﴿فاصْبِرْ﴾ - إلى- ﴿الصّالِحِينَ﴾ [القَلَمِ: 48- 50] فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ حَكاهُ السَّخاوِيُّ.

وفِي جَمالِ القُرّاءِ وآيُها ثَنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً بِالإجْماعِ ومُناسَبَتُها لِسُورَةِ المُلْكِ عَلى ما قِيلَ مِن جِهَةِ خَتْمِ تِلْكَ بِالوَعِيدِ وافْتِتاحِ هَذِهِ بِهِ. وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ في آخِرِ المُلْكِ التَّهْدِيدَ بِتَغْوِيرِ الماءِ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ في هَذِهِ بِإذْهابِ ثَمَرِ أصْحابِ البُسْتانِ في لَيْلَةٍ بِطائِفٍ طافَ عَلَيْهِمْ وهم نائِمُونَ فَأصْبَحُوا ولَمْ يَجِدُوا لَهُ أثَرًا حَتّى ظَنُّوا أنَّهم ضَلُّوا الطَّرِيقَ، وإذا كانَ هَذا في الثِّمارِ وهي أجْرامٌ كَثِيفَةٌ فالماءُ الَّذِي هو لَطِيفٌ أقْرَبُ إلى الإذْهابِ ولِهَذا قالَ

صفحة 23

سُبْحانَهُ هُنا ﴿وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القَلَمِ: 19، 20] وقالَ جَلَّ وعَلا هُنا ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ [المُلْكِ: 30] إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُسْرى عَلَيْهِ في لَيْلَةٍ كَما أسْرى عَلى الثَّمَرِ في لَيْلَةٍ انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

وقالَ أبُو حَيّانٍ فِيهِ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ أشْياءَ مِن أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ وذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وعِلْمَهُ تَعالى الواسِعَ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَوْ شاءَ لَخَسَفَ بِهِمُ الأرْضَ أوْ لَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ حاصِبًا وكانَ ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ هو ما أوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ فَتَلاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ الكُفّارُ يَنْسُبُونَهُ في ذَلِكَ مَرَّةً إلى الشِّعْرِ ومَرَّةً إلى السِّحْرِ ومَرَّةً إلى الجُنُونِ فَبَدَأ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ بِبَراءَتِهِ ﷺ مِمّا كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الجُنُونِ وتَعْظِيمِ أجْرِهِ عَلى صَبْرِهِ عَلى أذاهُمْ، وبِالثَّناءِ عَلى خُلُقِهِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ وقَرَأ الأكْثَرُونَ بِسُكُونِ النُّونِ وإدْغامِها في واوِ ﴿والقَلَمِ﴾ بِغُنَّةٍ عِنْدَ بَعْضٍ وبِدُونِها عِنْدَ آخَرِينَ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ بِفَتْحِها وكَلٌّ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ في مَوْضِعِ الجَرِّ كَقَوْلِهِمُ اللَّهُ لِأفْعَلُنَّ بِالجَرِّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا بِإضْمارٍ اذَّكَّرَ ونَحْوِهِ لا فَتْحًا وامْتِناعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ ثُمَّ إنْ جَعَلَ اسْمًا لِلْحَرْفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِلتَّحَدِّي عَلى ما اشْتُهِرَ وبُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ مَنصُوبًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ أوْ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قالُوا وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿والقَلَمِ﴾ لِلْقَسَمِ وإنْ جَعَلَ مُقْسَمًا بِهِ فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ عَلى الشّائِعِ واخْتارَ السَّلَفُ أنْ ن مِنَ المُتَشابِهِ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الخَلْفِ أنَّهُ هُنا مِن أسْماءِ الحُرُوفِ.

وقالُوا: يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ أوْ عَلَمًا لَأُعْرِبَ مُنَوَّنًا أوْ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ ولَكُتِبَ كَما يُتَلَفَّظُ بِهِ، وكَوْنُ كِتابَتِهِ كَما تَرى لِنِيَّةِ الوَقْفِ وإجْراءِ الوَصْلِ مَجْراهُ خِلافَ الأصْلِ وكَوْنُ خَطِّ المُصْحَفِ لا يُقاسُ مُسَلَّمٌ إلّا أنَّ الأصْلَ إجْراؤُهُ عَلى القِياسِ ما أمْكَنَ وقِيلَ هو اسْمٌ لِحُوتٍ عَلَيْهِ الأرْضُ يُقالُ لَهُ اليَهْمُوتُ بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الهاءِ فَفي حَدِيثٍ رَواهُ الضِّياءُ في المُخْتارِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. .

وجَمَعَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى النُّونَ فَبُسِطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ فاضْطَرَبَ النُّونُ فَمادَتِ الأرْضُ فَأُثْبِتَتْ بِالجِبالِ ثُمَّ قَرَأ ﴿ن والقَلَمِ﴾ إلَخْ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحاكِ أنَّهُ اسْمٌ لِلدَّواةِ وأنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وُرُودَ النُّونِ بِمَعْنى الدَّواةِ في اللُّغَةِ أوْ في الِاسْتِعْمالِ المُعْتَدِّ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أوْ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً عَرَبِيَّةً وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

إذا ما الشَّوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ ألْقَتِ النُّونُ بِالدَّمْعِ السُّجُومِ

والأوَّلُونَ مِنهم مَن فَسَّرَ القَلَمَ بِالَّذِي خَطَّ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِقَلَمِ المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ، وألْ فِيهِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ لِلْعَهْدِ والآخَرُونَ مِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالجِنْسِ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ جِنْسِيٌّ، ومِنهم وهم قَلِيلٌ مِن فَسَّرَهُ بِما تَقَدِّمَ أيْضًا لَكِنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِهِمْ أنَّ الدَّواةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ الدَّواةِ المَعْرُوفَةِ بَلْ هي دَواةٌ خُلِقَتْ يَوْمَ خُلِقَ ذَلِكَ القَلَمُ

وعَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ يَرْفَعُهُ: ««إنَّ ن لَوْحٌ مِن نُورِ والقَلَمَ قَلَمٌ مِن نُورٍ يَجْرِي بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمٍ القِيامَةِ»» .

وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: إنَّهُ نَهْرٌ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ. وفي البَحْرِ لَعَلَّهُ لا يَصْحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أيْ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ في ن ما عَدا كَوْنَهُ اسْمًا مِن أسْماءِ الحُرُوفِ وكَأنَّهُ إنْ كانَ مُطَّلِعًا عَلى الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها لَمْ يَعْتَبِرْ تَصْحِيحَ الحاكِمِ فِيما رُوِيَ أوَّلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا كَوْنَ أحَدِ رُواتِهِ الضِّياءَ في المُخْتارَةِ الَّتِي هي في الِاعْتِبارِ قَرِينَةٌ مِنَ الصِّحاحِ ولا كَثْرَةَ راوِيَةٍ عَنْهُ وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ لِكَثْرَةِ الِاخْتِلافِ فِيما رُوِيَ عَنْهُ في تَعْيِينِ المُرادِ بِهِ حَتّى أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ آخِرُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، وأنَّ هَذا الِاسْمَ الجَلِيلَ فُرِّقَ في الر وحَم ون ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ أُرِيدَ الحُوتُ أوْ نَهْرٌ في الجَنَّةِ يَصِيرُ الكَلامُ مِن بابِ كَمِ الخَلِيفَةُ وألْفُ باذِنْجانَةٍ وأمّا إنْ أُرِيدَ الدَّواةُ فالتَّنْكِيرُ آبَ عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ الإباءِ عَلى أنَّهُ كَما سَمِعْتَ

صفحة 24

عَنِ الزَّمَخْشَرِيَّ لُغَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، والرَّدُّ عَلَيْهِ إنَّما يَتَأتّى بِإثْباتِ ذَلِكَ عَنِ الثِّقاتِ.

( وأنّى ) بِهِ، وذِكْرُ صاحِبِ القامُوسِ لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وفي صِحَّةِ الرِّواياتِ كَلامٌ والبَيْتُ الَّذِي أنْشَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لَمْ يَثْبُتْ عَرَبِيًّا وكَوْنُهُ بِمَعْنى الحُوتِ أُطْلِقَ عَلى الدَّواةِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ فَإنَّ بَعْضَ الحِيتانِ يُسْتَخْرَجُ مِنهُ شَيْءٌ أشَدُّ سَوادًا مِنَ النَّقْسِ يُكْتَبُ بِهِ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ السَّماجَةِ فَإنَّ ذَلِكَ البَعْضَ لَمْ يَشْتَهِرْ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُهُ مُشَبَّهًا بِهِ مَعَ أنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْمُنْكِرِ عَلى ذَلِكَ الصِّنْفِ بِعَيْنِهِ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى الحَرْفِ مَجازًا عَنْها أدْهى وأمَرُّ كَذا قِيلَ، ولِلْبَحْثِ في البَعْضِ مَجالٌ ولِلْقُصّاصِ هَذا الفَصْلُ رِواياتٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها ولا يَنْبَغِي الإصْغاءُ إلَيْها ثُمَّ إنَّ اسْتِحْقاقَ القَلَمِ لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ إذا أُرِيدَ بِهِ قَلَمُ اللَّوْحِ الَّذِي جاءَ في الأخْبارِ أنَّهُ أوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ قَلَمُ الكِرامِ الكاتِبِينَ ظاهِرٌ.

وأمّا اسْتِحْقاقُ ما في أيْدِي النّاسِ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ لِذَلِكَ فَلِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةً سِوى كَوْنِهِ آلَةً لِتَحْرِيرٍ كُتِبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُوجِبًا لِتَعْظِيمِهِ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ يَكْتُبُونَ إمّا لِلْقَلَمِ مُرادًا بِهِ قَلَّمُ اللَّوْحِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ أوْ لَهُ مُرادًا بِهِ جِنْسُ ما بِهِ الخَطُّ، فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِتَعَدُّدِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكاتِبٍ حَقِيقَةً بَلْ هو آلَةٌ لِلْكاتِبِ فالإسْنادُ إلَيْهِ إسْنادٌ إلى الآلَةِ مَجازًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِضَمِيرِ العُقَلاءِ لِقِيامِهِ مَقامَهم وجَعْلِهِ فاعِلًا أوْ لِلْكَتَبَةِ أوِ الحَفَظَةِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ القَلَمِ أوَّلَهم بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالقَلَمِ أصْحابُهُ تَجَوُّزًا أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَعَهُ، ولا يَخْفى ما هو الأوْجَهُ مِن ذَلِكَ، وأمّا كَوْنُهُ لِما وهي بِمَعْنى مَن فَتَكَلُّفٌ بارِدٌ والظّاهِرُ فِيها أنَّها إمّا مَوْصُولَةٌ أيْ والَّذِي يَسْطُرُونَهُ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ وسَطْرُهم.

68:2Page 564

مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢

You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.

﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جَوابُ القَسَمِ والباءُ الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، ومَجْنُونٌ خَبَرُ ما والباءُ الأُولى لِلْمُلابَسَةِ في مَوْضِعِ الحالِ والعامِلُ مَجْنُونٌ وباؤُهُ لا تَمْنَعُ العَمَلَ لِأنَّها مَزِيدَةٌ، وتَعَقَّبَهُ ناصِرُ الدِّينِ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا مِن حَيْثُ المَعْنى ووَجَّهَ بِأنَّ مُحَصِّلَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّهُ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ وقْتَ التِباسِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، ولا يُفْهَمُ مِنهُ انْتِفاءُ مُطْلَقِ الجُنُونِ عَنْهُ ﷺ وهَلِ المُرادُ إلّا هَذا وقِيلَ عَلَيْهِ لا يَخْفى أنَّهُ وارِدٌ عَلى ما اخْتارَهُ هو أيْضًا أيْ وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ انْتَفى عَنْكَ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الجُنُونُ ولا يُفْهَمُ مِنهُ انْتِفاؤُهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ وهو المُرادُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ لازِمَةٌ لَهُ ﷺ غَيْرُ مُنْفَكَّةٍ عَنْهُ فَنَفْيُهُ عَنْهُ فِيها مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِهِ عَنْهُ دائِمًا وسائِرُ الحالاتِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مُتَأتٍّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما إذْ يَصِيرُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ العامِلِ ”مَجْنُونٌ“ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أنَّهُ انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ الواقِعُ عَلَيْكَ حالَةَ الِالتِباسِ المَذْكُورِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى إمْكانِ وُقُوعِهِ في تِلْكَ الحالَةِ بَلْ عَلى تَحَقُّقِهِ أيْضًا وهو مَعْنًى لاغٍ إذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الجُنُونِ ووُقُوعُهُ وقْتَ التِباسِهِ ﷺ بِالنِّعْمَةِ، ومِن جُمْلَتِها الحَصافَةُ ولا يَرِدُ هَذا عَلى التَّقْدِيرِ المُخْتارِ إذِ الِانْتِفاءُ المَفْهُومُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ وارِدًا عَلى الجُنُونِ المُقَيَّدِ بِما ذَكَرَ وهو وإنْ كانَ مُقَيَّدًا فِيهِ أيْضًا لا ضَيْرَ بِهِ لِكَوْنِ قَيْدِهِ لازِمًا لَذّاتِ المَنفِيِّ عَنْهُ كَما عَرَفْتَ هَذا، وقِيلَ: إذا حَمَلَ الباءَ عَلى السَّبَبِيَّةِ واعْتَبَرَ الظَّرْفَ لَغْوًا يَظْهَرُ عَدَمُ جَوازِ تَعَلُّقِهِ بِما بَعْدَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى:

ظُهُورُ نارِ القِرى لَيْلًا عَلى عِلْمٍ ولَهم في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ والحالِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ النَّفْيِ كَلامٌ ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ وحَقَّقَ أنَّهُ حِينَئِذٍ إنَّما يَلْزَمُ انْتِفاءُ مُقارَنَةِ الحالِ لِذِي الحالِ لا نَفْيُها نَفْسُها فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ. وجَوَّزَ كَوْنَ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قِسْمًا مُتَوَسِّطًا في الكَلامِ لِتَأْكِيدِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ جَوابٍ،

صفحة 25

أوْ يُقَدَّرُ لَهُ جَوابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ المَذْكُورُ، واسْتَظْهَرَ هَذا الوَجْهَ أبُو حَيّانٍ والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ والإيذانِ بِأنَّهُ تَعالى يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ ويُبَلِّغُهُ في العُلُوِّ إلى غايَةٍ لا غايَةَ وراءَها، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ ﷺ عَمّا كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ ﷺ مِنَ الجُنُونِ حَسَدًا وعَداوَةً ومُكابَرَةً، فَحاصِلُ الكَلامِ أنْتَ مُنَزَّهٌ عَمّا يَقُولُونَ.

68:3Page 564

وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣

And indeed, for you is a reward uninterrupted.

﴿وإنَّ لَكَ﴾ بِمُقابَلَةِ مُقاساتِكَ ألْوانَ الشَّدائِدِ مِن جِهَتِهِمْ وتَحَمُّلِكَ أعْباءَ الرِّسالَةِ ﴿لأجْرًا﴾ لَثَوابًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ مَعَ عِظَمِهِ أوْ غَيْرَ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ فَإنَّهُ عَطاؤُهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ أوْ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِأنَّكَ حَبِيبُ اللَّهِ تَعالى وهو عَزَّ وجَلَّ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ، ومِن شِيمَةِ الأكارِمِ أنْ لا تَمُنُّوا بِإنْعامِهِمْ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى أحْبابِهِمْ كَما قالَ:

سَأشْكُرُ عُمُرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ

68:4Page 564

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤

And indeed, you are of a great moral character.

﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُدْرِكُ شَأْوَهُ أحَدٌ مِنَ الخِلْقِ ولِذَلِكَ تَحْتَمِلُ مِن جِهَتِهِمْ ما لا يَحْتَمِلُهُ أمْثالُكَ مِن أُولِي العَزْمِ.

وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والإمامِ أحْمَدَ والدّارِمِيِّ وابْنِ ماجَّةَ والنِّسائِيِّ «عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشامٍ قالَ قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلى قالَتْ: فَإنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ كانَ القُرْآنَ» .

وأرادَتْ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إنَّ ما فِيهِ مِنَ المَكارِمِ كُلَّهُ كانَ فِيهِ ﷺ، وما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنْ سَفْسافِ الأخْلاقِ كانَ مُنْزَجِرًا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالخِطابِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفَرْقانِ: 32] ورُبَّما يَرْجِعُ إلى هَذا قَوْلُها كَما

فِي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ وغَيْرِهِ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ سَألَها عَنْ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ يَرْضى لِرِضاهُ ويَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» .

وقالَ العارِفُ بِاللَّهِ تَعالى المَرْصَفِيُّ أرادَتْ بِقَوْلِها: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ تَخَلُّقَهُ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى لَكِنَّها لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ تَأدُّبًا مِنها. وفي الكَشْفِ أنَّهُ أُدْمِجَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ ﷺ مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿عَظِيمٍ﴾ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ رَمَزًا إلى أنَّ الأخْلاقَ الحَسَنَةَ مِمّا لا تُجامِعُ الجُنُونَ، وأنَّ كُلَّما كانَ الإنْسانُ أحْسَنَ أخْلاقًا كانَ أبْعَدَ عَنِ الجُنُونِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ سُوءَ الأخْلاقِ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ.

68:5–6Page 564

فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥

So you will see and they will see

بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦

Which of you is the afflicted [by a devil].

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ أيِ المَجْنُونُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وأُطْلِقَ عَلى المَجْنُونِ لِأنَّهُ فُتِنَ أيْ مُحِنَ بِالجُنُونِ، وقِيلَ لِأنَّ العَرَبَ يَزْعُمُونَ أنَّ الجُنُونَ مِن تَخْبِيلِ الجِنِّ وهُمُ الفَتّانُ لِلْفَتّاكِ مِنهم والباءُ مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَأِ وجَوَّزَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ أوِ الفِتْنَةِ فالمَفْتُونُ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ أيُ الجُنُونِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ وأبِي الجَوْزاءِ وهو بِناءٌ عَلى أنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ عَلى وزْنِ المَفْعُولِ كَما جَوَّزَهُ بَعْضُهم والباءُ عَلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ أوْ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ الجُنُونُ أبِفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أمْ بِفَرِيقِ الكافِرِينَ أيْ في أيِّهِما يُوجَدُ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ وهو تَعْرِيضٌ بِأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِما. .

والباءُ عَلى هَذا بِمَعْنى في وقَدَّرَ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكم دَفْعًا لِما قِيلَ مِن أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَماعَةِ قُرَيْشٍ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ وواحِدٍ في أيِّكم زَيْدٌ، وأيَّدَ الِاعْتِراضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً وجَوابُ التَّأْيِيدِ أنَّ الخِطابَ بِظاهِرِهِ خُصَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَجْرِيَ الكَلامُ عَلى نَهْجِ السَّوابِقِ ولا يَتَنافَرُ لَكِنَّهُ لَيْسَ كالسَّوابِقِ في الِاخْتِصاصِ حَقِيقَةً لِدُخُولِ الأُمَّةِ فِيهِ أيْضًا فَيَصِحُّ تَقْدِيرُ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْجَهُ الأوْجُهِ لِإفادَتِهِ التَّعْرِيضَ وسَلامَتِهِ عَنِ اسْتِعْمالِ النّادِرِ يَعْنِي زِيادَةَ الباءِ في المُبْتَدَأِ، وكَوْنَ المَصْدَرِ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ في «أيُّكُمُ» وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ مَعْمُولٌ لِما قَبْلَهُ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، والمُرادُ فَسَتَعْلَمُ

صفحة 26

ويَعْلَمُونَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ في الدُّنْيا بِظُهُورِ عاقِبَةِ الأمْرِ بِغَلَبَةِ الإسْلامِ واسْتِيلائِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ وصَيْرُورَتِكَ مَهِيبًا مُعَظَّمًا في قُلُوبِ العالَمِينَ، وكَوْنِهِمْ أذِلَّةً صاغِرِينَ ويَشْمَلُ هَذا ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ. .

وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ وقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُبْصِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّرْدادُ بَيْنَ أمْرَيْنِ مَعْلُومُ نَفْيِ الحُكْمِ عَنْ أحَدِهِمْ وتَعْيِينُ وجُودِهِ لِلْآخَرِ وهو كَما تَرى.

68:7Page 564

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧

Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما قَبْلَهُ وتَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ هو سُبْحانَهُ ﴿أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ المُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ وهامَ في تِيهِ الضَّلالِ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الشَّقاوَةِ الأبَدِيَّةِ ومَزِيدِ النَّكالِ، وهَذا هو المَجْنُونُ الَّذِي لا يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بَلْ يَحْسَبُ الضَّرَرَ نَفْعًا فَيُؤْثِرُهُ والنَّفْعَ ضَرَرًا فَيَهْجُرُهُ ( وهو ) عَزَّ وجَلَّ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ، الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، النّاجِينَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورٍ، وهُمُ العُقَلاءُ المَراجِيحُ فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العِقابِ والثَّوابِ. .

وفِي الكَشّافِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وهو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ وهُمُ المُهْتَدُونَ أوْ يَكُونُ وعِيدًا ووَعْدًا، وأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِجَزاءِ الفَرِيقَيْنِ. قالَ في الكَشْفِ هو عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما رَمَزَ إلَيْهِ في السّابِقِ مِن أنَّ المَفْتُونَ مَن قَرَفَكَ بِهِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ المُؤَكَّدِ في عَدَمِ التَّصْرِيحِ ولَكِنْ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ لا تَعْيِينَ فِيهِ بِوَجْهٍ وهَذا بَدَلٌ ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ بِالمَجْنُونِ. .

وبِالعاقِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجُنُونَ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِما تَوَهَّمُوهُ وثَبَتَ لَهم صَرْفُ الضَّلالِ في عَيْنِ هَذا الزَّعْمِ، وعَلى الثّانِي هو تَذْيِيلٌ أيْضًا ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ لِأنَّ ﴿بِمَن ضَلَّ﴾ أُقِيمَ مَقامَ (بِهِمْ ( وبِالمُهْتَدِينَ ) أُقِيمَ مَقامَ (بِكم ولَعَلَّ ما اعْتَبَرْناهُ أمَلًا بِالفائِدَةِ، وكَأنَّ تَقْدِيمَ الوَعِيدِ لِيَتَّصِلَ بِما أشْعَرَ بِهِ أوَّلًا والتَّعْبِيرَ في جانِبِ الضَّلالِ بِالفِعْلِ لِلْإيماءِ بِأنَّهُ خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ وزِيادَةُ هو أعْلَمُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ مَعَ الإيذانِ بِاخْتِلافِ الجَزاءِ.

68:8–9Page 564

فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٨

Then do not obey the deniers.

وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩

They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اهْتِدائِهِ ﷺ وضَلالِهِمْ أوْ عَلى جَمِيعِ ما فَضَّلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وهَذا تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لِلتَّصْمِيمِ عَلى مَعاصاتِهِمْ أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَتِهِمْ وتَصَلَّبْ في ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ مُداهَنَتِهِمْ ومُداراتِهِمْ بِإظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ ﷺ اسْتِجْلابًا لِقُلُوبِهِمْ لا عَنْ طاعَتِهِمْ حَقِيقَةً، ويُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لِأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِلِانْتِهاءِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالطّاعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ أيْ أحَبُّوا لَوْ تُلايِنُهم وتُسامِحُهم في بَعْضِ الأُمُورِ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ أوْ فَهُمُ الآنَ يُدْهِنُونَ طَمَعًا في ادِّهانِكَ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُسَبَّبَةٍ عَمّا قَبْلَها، وقَدَّرَ المُبْتَدَأ لِمَكانِ رَفْعٍ بِالفِعْلِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ المَعْنى عَلى أنَّهم تَمَنَّوْا لَوْ تُدْهِنُ فَتَتَرَتَّبُ مُداهَنَتُهم عَلى مُداهَنَتِكَ، فَفِيهِ تُرَتَّبُ إحْدى المُداهَنَتَيْنِ عَلى الأُخْرى في الخارِجِ ( ولَوْ ) فِيهِ غَيْرُ مَصْدَرِيَّةٍ، وعَلى الثّانِي هي مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّرَتُّبُ ذِهْنِيٌّ عَلى وِدادَتِهِمْ وتَمَنِّيهِمْ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِعَطْفِ يُدْهِنُونَ عَلى ﴿تُدْهِنُ﴾ عَلى أنَّهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ لَوْ مُتَمَنًّى مِثْلُهُ، والمَعْنى ودُّوا لَوْ يُدْهِنُونَ عَقِيبَ إدْهانِكَ وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ، ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُعْتَبَرُ في جانِبِهِمْ حَقِيقَةُ الإدْهانِ الَّذِي هو لِإظْهارِ المُلايَنَةِ وإضْمارِ خِلافِها، وأمّا في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى وِدادَتِهِمْ هو إظْهارُ المُلايَنَةِ فَقَطْ، وأمّا إضْمارُ خِلافِها فَلَيْسَ في حَيِّزِ الِاعْتِبارِ بَلْ هم في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، وإنَّما اعْتِبارُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ كَما قالَ هارُونُ «فَيُدْهِنُوا» بِدُونِ نُونِ الرَّفْعِ، فَقِيلَ: هو مَنصُوبٌ في جَوابِ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مِن ﴿ودُّوا﴾ وقِيلَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿تُدْهِنُ﴾ بِناءً عَلى أنَّ ( لَوْ ) بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لَوَدُّوا

صفحة 27

كَأنَّهُ قِيلَ ودُّوا أنَّ تُدْهِنَ فَيُدْهِنُوا، ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ، وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى أنَّ ( لَوْ ) عَلى حَقِيقَتِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ. وكَذا مَفْعُولُ ﴿ودُّوا﴾ أيْ ودُّوا إدْهانَكَ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ لَسُرُّوا بِذَلِكَ.

68:10–11Page 564

وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠

And do not obey every worthless habitual swearer

هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ ١١

[And] scorner, going about with malicious gossip -

﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ وكَفى بِهَذا مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ لِأنَّهُ جَعَلَ فاتِحَةَ المَثالِبِ وأساسَ الباقِي، وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اسْتِشْعارِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو أُمُّ كُلِّ شَرٍّ عَقْدًا وعَمَلًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ مَذْمُومَةٌ ولَوْ في الحَقِّ لِما فِيها مِنَ الجُرْأةِ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا النَّهْيُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ أيْضًا أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَةِ كُلِّ حَلّافٍ ﴿مَهِينٍ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.

وقالَ الرُّمّانِيُّ: المَهِينُ الوَضِيعُ لِإكْثارِهِ مِنَ القَبِيحِ مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو المِكْثارُ في الشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكَذّابُ ﴿هَمّازٍ﴾ عَيّابٍ طَعّانٍ قالَ أبُو حَيّانٍ: هو مِنَ الهَمْزِ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الضَّرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أوْ بِالعَصا ونَحْوِها، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ ( مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ نَقّالٍ ) لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ عَلى وجْهِ الإفْسادِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ النَّمِيمَ والنَّمِيمَةَ مَصْدَرانِ بِمَعْنى السِّعايَةِ والإفْسادِ. وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةٍ يُرِيدُونَ بِهِ الجِنْسَ وأصْلُ النَّمِيمَةِ الهَمْسُ والحَرَكَةُ الخَفِيفَةُ، ومِنهُ أسْكَتَ اللَّهُ تَعالى نامَّتَهُ أيْ ما يَنِمُّ عَلَيْهِ مِن حَرَكَتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском