Al-AlusiAl‑Qalam · 68:12–27

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qalam 68:12–27

68:12–13Page 564

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢

A preventer of good, transgressing and sinful,

عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣

Cruel, moreover, and an illegitimate pretender.1

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ بَخِيلٍ مُمْسِكٍ مِن مَنَعَ مَعْرُوفَهُ عَنْهُ إذا أمْسَكَهُ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ والخَيْرُ عَلى ما قِيلَ المالُ أوْ مَنّاعُ النّاسِ الخَيْرَ وهو الإسْلامُ مِن مَنَعْتَ زِيدا مِنَ الكُفْرِ إذا حَمَلَتْهُ عَلى الكَفِّ، فَذِكْرُ المَمْنُوعِ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ مَنّاعٌ مِنَ الخَيْرِ دُونَ المَمْنُوعِ وهو النّاسُ عَكْسُ وجْهِ الأوَّلِ والتَّعْمِيمُ هُنالِكَ وعَدَمُ ذِكْرِ المَمْنُوعِ مِنهُ أوْقَعُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُجاوِزٍ في الظُّلْمِ حَدَّهُ ﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرٍ الآثامِ وهي الأفْعالُ البَطِيئَةُ عَنِ الثَّوابِ والمُرادُ بِها المَعاصِي والذُّنُوبُ ﴿عُتُلٍّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ الشَّدِيدُ الفاتِكِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ. .

وقالَ مُعَمَّرٌ وقَتادَةُ: الفاحِشُ اللَّئِيمُ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَعْتَلُ النّاسَ أيْ يَجُرُّهم إلى حَبْسٍ أوْ عَذابٍ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ويُقالُ عَتَنَهُ بِالنُّونِ كَما يُقالُ عَتَلَهُ بِاللّامِ كَما قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وقَرَأ الحَسَنُ ( عُتُلٌّ) بِالرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِن مَثالِبِهِ وقَبائِحِهِ ( وبَعْدَ ) هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدُ أعْظَمُ في القَباحَةِ وفي الكَشْفِ أشْعَرَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِعُتُلٍّ فَلَزِمَ تَبايُنُهُ مِنَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ وتَبايُنُ ما بَعْدَهُ أيْضًا لِأنَّهُ في سِلْكِهِ ﴿زَنِيمٍ﴾ دَعِيٍّ مُلْحَقٍ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنهم كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والمُرادُ بِهِ ولَدُ الزِّنا كَما جاءَ بِهَذا اللَّفْظِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنْشَدَ الحَسّانُ:

زَنِيمٌ تَداعَتْهُ الرِّجالُ زِيادَةً كَمًّا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ

وكَذا جاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ وأنْشَدَ:

زَنِيمٌ لَيْسَ يَعْرِفُ مَن أبُوهُ ∗∗∗ ( بِغَيُّ ) الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمٌ

مِنَ الزَّنَمَةِ بِفَتَحاتٍ وهي ما يَتَدَلّى مِنَ الجِلْدِ في حَلْقِ المَعْزِ والفِلْقَةُ مِن أُذُنِهِ تُشَقُّ فَتُتْرَكُ مُعَلَّقَةً، وإنَّما كانَ هَذا أشَدَّ المَعايِبِ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ النّاشِئُ مِنها ومِن ثَمَّ قالَ ﷺ: ««فَرْخُ الزِّنا أيْ ولَدُهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةُ»» .

فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلى الغالِبِ فَإنَّهُ في الغالِبِ لِخَباثَةِ نُطْفَتِهِ يَكُونُ خَبِيثًا لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا فَلا يَعْمَلُ عَمَلًا يَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هَذا خارِجٌ مُخْرَجَ التَّهْدِيدِ والتَّعْرِيضِ بِالزّانِي، وحُمِلَ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَعَ السّابِقِينِ

لِحَدِيثِ الدّارِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا ولَدُ زَنْيَةٍ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»» .

فَإنَّهُ سُلِكَ في قَرْنِ العاقِّ والمَنّانِ ومُدْمِنِ الخَمْرِ ولا ارْتِيابَ أنَّهم عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لَيْسُوا مِن زُمْرَةِ مَن لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أبَدًا. وقِيلَ المُرادُ أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِ أبَوَيْهِ إذا ماتَ صَغِيرًا بَلْ يَدْخُلُها بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى

صفحة 28

ورَحِمَتِهِ سُبْحانَهُ كَأطْفالِ الكُفّارِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.

ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزَّنِيمَ هو الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِالزَّنَمَةِ. وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ هو الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلى القَوْمِ فَيَقُولُونَ رَجُلُ سُوءٍ والمالُ واحِدٌ وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ المَعْرُوفُ بِالأُبْنَةِ ولا يَخْفى أنَّ المَأْبُونَ مَعْدِنُ الشُّرُورِ بَلْ مَن لَمْ يَصِلْ في ذَلِكَ الأمْرِ الشَّنِيعِ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ كَذَلِكَ في الأغْلَبِ ولا حاجَةَ إلى كَثْرَةِ الِاسْتِشْهادِ في هَذا البابِ. وفي قَوْلِ الشّاعِرِ الِاكْتِفاءُ وهُوَ:

ولَكَمْ بَذَلْتُ لَكَ المَوَدَّةَ ناصِحًا ∗∗∗ فَغَدَرْتَ تَسْلُكُ في الطَّرِيقِ الأعْوَجِ

ولَكَمْ رَجَوْتُكَ لِلْجَمِيلِ وفِعْلِهِ ∗∗∗ يَوْمًا فَنادانِي النَّهْيُ لا تَرْتَجُّ

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَ عَلى ( النَّبِيِّ صَلّى ) اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ إلَخِ فَلَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿زَنِيمٍ﴾ فَعَرَفْناهُ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشّاةِ»، واسْتَشْكَلَ هَذا بِأنَّ الزَّنِيمَ عَلَيْهِ لَيْسَ صِفَةَ ذَمٍّ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أعْظَمَ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَ ذَلِكَ عَلى ما يُفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا يَكادُ يَحْسُنُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِهِ عَلى أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ شَخْصًا بِعَيْنِهِ لِمَكانِ ﴿كُلَّ﴾ ويُحْمَلُ ما جاءَ في الرِّواياتِ مِن أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ وكانَ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ لَيْسَ مِن سَنِخِهِمُ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ، أوِ الحَكَمُ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوِ الأخْنَسُ بْنُ سَرِيقٍ وكانَ أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعَدادُهُ في زَهْرَةَ أوِ الأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، أوْ أبُو جَهْلٍ عَلى بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ وقِيلَ في ذَلِكَ أنَّ المُرادَ ذَمُّهُ بِقُبْحِ الخَلْقِ بَعْدَ ذَمِّهِ بِما تَقَدَّمَ وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ فَلَعَلَّكَ تَظْفَرُ بِما يُرِيحُ البالَ ويُزِيحُ الإشْكالَ.

68:14–15Page 564

أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ ١٤

Because he is a possessor of wealth and children,

إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥

When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لا ﴿تُطِعْ﴾ أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ لِأنَّ كانَ مُتَمَوِّلًا مُتَقَوِّيًا بِالبَنِينَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِأنَّ مُتَعَلِّقًا بِنَحْوِ كَذَّبَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الحَصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ كَذَّبَ لِأنَّ كانَ إلَخِ والمُرادُ أنَّهُ بَطِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَعْرِفْ حَقَّها ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بَقالَ المَذْكُورِ بَعْدُ لِأنَّ ما بَعْدَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِاطِّرادِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ يُجَوِّزُ ذَلِكَ وكَذا مَن يَجْعَلُ إذا هُنا ظَرْفِيَّةً. .

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِعُتُلٍّ وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ قَوْلٌ كُوفِيٌّ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِزَنِيمٍ ويَحْسُنُ ذَلِكَ إذا فُسِّرَ بِقَبِيحِ الأفْعالِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ «أأنَّ كانَ» عَلى الِاسْتِفْهامِ وحَقَّقَ الهَمْزَتَيْنِ حَمْزَةُ وسَهَّلَ الثّانِيَةَ باقِيهم عَلى ما في البَحْرِ. وقالَ بَعْضٌ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةِ ومَدَّةٍ والمَعْنى أكَذَّبَ بِها لِأنْ كانَ ذا مالٍ أوْ أطَيَعَهُ لِأنْ كانَ إلَخْ. وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ عَنْهُ «إنْ كانَ» بِالكَسْرِ عَلى أنَّ شَرْطَ الغِنى في النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ كالتَّعْلِيلِ بِالفَقْرِ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ بِمَعْنى النَّهْيِ في غَيْرِ ذَلِكَ يُعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الأُولى فَيُثْبَتُ بِدَلالَةِ النَّصِّ والشَّرْطِ والعِلَّةِ في مِثْلِهِ مِمّا لا مَفْهُومَ لَهُ، أوْ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلْمُخاطَبِ.

وحاصِلُ المَعْنى لا ﴿تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ إلَخِ شارِطًا يَسارَهُ لِأنَّ إطاعَةَ الكافِرِ لِغِناهُ بِمَنزِلَةِ اشْتِراطِ غِناهُ في الطّاعَةِ. وفِيهِ تَنْزِيلُ المُخاطَبِ مَنزِلَةَ مَن شَرَطَ ذَلِكَ وحَقَّقَهُ زِيادَةً لِلْإلْهابِ والثَّباتِ، وتَعْرِيضًا بِمَن يَحْسَبُ الغِنى مَكَرَمَةً. والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ بَعْدَ اسْتِئْنافٍ وقِيلَ: هَذا مِمّا اجْتَمَعَ فِيهِ شَرْطانِ ولَيْسا مِنَ الشُّرُوطِ المُتَرَتِّبَةِ الوُقُوعَ فالمُتَأخِّرُ لَفْظًا هو المُتَقَدِّمُ، والمُتَقَدِّمُ لَفْظًا هو شَرْطٌ في الثّانِي فَهو كَقَوْلِهِ:

فَإنْ عَثَرْتُ بَعْدَها إنْ وألَتْ نَفْسِي مِن هاتا فَقُولا لا لَعا

وقَرَأ الحَسَنُ «أئِذا» عَلى الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ عَلى قَوْلِهِ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

68:16Page 565

سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ ١٦

We will brand him upon the snout.1

﴿سَنَسِمُهُ﴾ سَنَجْعَلُ لَهُ سِمَةً وعَلامَةً ﴿عَلى الخُرْطُومِ﴾ أيْ عَلى الأنْفِ وهو مِن بابِ إطْلاقِ مُشَفَّرٍ عَلى شَفَةٍ غَلِيظَةٍ لِإنْسانٍ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ

صفحة 29

إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شِينٌ حَتّى أنَّهُ ﷺ نَهى عَنْهُ في الحَيَواناتِ ولَعَنَ فاعِلَهُ فَكَيْفَ عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ وهو الأنْفُ لِتَقَدُّمِهِ، وقَدْ قِيلَ الجَمالُ في الأنْفِ وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ:

وحُسْنُ الفَتى في الأنْفِ والأنْفُ عاطِلُ فَكَيْفَ إذا ما الخالُ كانَ لَهُ حُلِيًّا

وجَعَلُوهُ مَكانَ العِزَّةِ والحَمِيَّةِ واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ وقالُوا: الأنْفُ في الأنْفِ وحَمى أنْفَهُ وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ وقالُوا في الذَّلِيلِ: جَدَعَ أنْفَهُ ورَغِمَ أنْفُهُ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗ وعَلى البَعِيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ

وفِي لَفْظٍ ﴿الخُرْطُومِ﴾ اسْتِهانَةً لِأنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الفِيلِ والخِنْزِيرِ، فَفي التَّعْبِيرِ عَنِ الأنْفِ بِهَذا الِاسْمِ تَرْشِيحٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الوَسْمُ عَلى العُضْوِ المَخْصُوصِ مِنَ الإذْلالِ والمُرادُ سَنُهِينُهُ في الدُّنْيا ونُذِلُّهُ غايَةَ الإذْلالِ، وكَوْنُ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في الدُّنْيا هو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ إلّا أنَّهم قالُوا: المَعْنى سَنَفْعَلُ بِهِ في الدُّنْيا مِنَ الذَّمِّ والمَقْتِ والِاشْتِهارِ بِالشَّرِّ ما يَبْقى فِيهِ ولا يَخْفى، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ ثابِتًا ( بَيِّنًا ) كَما تَقُولُ: سَأُطَوِّقُكَ طَوْقَ الحَمامَةِ أيْ أُثْبِتُ لَكَ الأمْرَ ( بَيِّنًا ) فِيكَ، وزادَ ذَلِكَ حُسْنًا ذِكْرُ ﴿الخُرْطُومِ﴾ انْتَهى. .

وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ فَرْقٌ لا يَخْفى وقالَ بَعْضٌ: هو في الآخِرَةِ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ هَذا وعِيدٌ بِأمْرٍ يَكُونُ فِيها مَن قالَ هو تَعْذِيبٌ بِنارٍ عَلى أنْفِهِ في جَهَنَّمَ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ المُبَرِّدِ وقالَ آخَرُونَ مِنهم يُوسَمُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنْفِهِ بَسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها كُفْرُهُ وانْحِطاطُ قَدْرِهِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُقاتِلٌ واخْتارَهُ الفَرّاءُ المُرادُ يُسَوَّدُ وجْهُهُ يَوْمَ القِيامَةِ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، وذِكْرُ ﴿الخُرْطُومِ﴾ والمُرادُ الوَجْهُ مَجازًا ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّهُ يَكُونُ في الدُّنْيا مَن قالَ هو وعِيدٌ بِما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ خَطَمَ فِيهِ بِالسَّيْفِ فَبَقِيَتْ سِمَةٌ عَلى خُرْطُومِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمَعْرُوفُ في كُتُبِ السِّيَرِ والأحادِيثِ أنَّ أبا جَهْلٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ والباقِينَ ما عَدا الحَكَمَ ماتُوا قَبْلَهُ فَلَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم بِذَلِكَ الوَسْمِ، وكَذا الحَكَمُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ وسِمَ بِذَلِكَ وإنْ كانَ لَمْ يَمُتْ قَبْلُ. وعَنِ النَّضِرِ بْنِ شُمَيْلٍ أنَّ الخُرْطُومَ الخَمْرُ وأنْشَدَ:

تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي لَعِبِ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ

وإنَّ المَعْنى سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِها وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَنْفِيهِ الرِّوايَةُ بِأنَّهُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ هَلَكُوا قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ما عَدا الحَكَمَ وهو لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ حُدَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُلْتَزِمِي الأحْكامِ والدِّرايَةِ أيْضًا لِتَعْقِيدِ اللَّفْظِ وفَواتِ فَخامَةِ المَعْنى.

68:17Page 565

إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧

Indeed, We have tried them as We tried the companions of the garden, when they swore to cut its fruit in the [early] morning

﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أيْ أصَبْنا أهْلَ مَكَّةَ بِبَلِيَّةٍ وهي القَحْطُ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَوْلُهُ: ««اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتْكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»» .

﴿كَما بَلَوْنا﴾ أيْ مِثْلَ ما بَلَوْنا، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةِ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ و(ما مَصْدَرِيَّةٌ وقِيلَ بِمَعْنى الَّذِي أيْ كالبَلاءِ الَّذِي بَلَوْناهُ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ المَعْرُوفِ خَيْرُها عِنْدَهم كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ بِالقُرْبِ مِنهم قَرِيبًا مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ كانَ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِنها فَماتَ فَصارَتْ إلى ولَدِهِ فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنها، فَكانَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وكانَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِأرْضٍ في اليَمَنِ يُقالُ لَها صَوْرانُ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ سِتَّةُ أمْيالٍ. .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ فَماتَ فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ حِينَ يُطْعِمُ المَساكِينَ فَأقْسَمُوا عَلى أنْ لا يُطْعِمُوا مِنها مِسْكِينًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ لِشَيْخٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ يُمْسِكُ قُوتَ سَنَتِهِ ويَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ، وكانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ فَلَمّا ماتَ أقْسَمُوا عَلى مَنعِ المَساكِينِ.

وفِي رِوايَةٍ أنَّها كانَتْ لِرَجُلٍ صالِحٍ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ وكانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما أخْطَأهُ المِنجَلُ وما في أسْفَلِ الأكْداسِ وما أخْطَأهُ القِطافُ مِنَ العِنَبِ وما بَقِيَ عَلى البِساطِ تَحْتَ النَّخْلَةِ إذا صَرُمَتْ فَكانَ يَجْتَمِعُ لَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ فَلَمّا ماتَ قالَ بَنُوهُ: إنْ فَعَلْنا ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ ونَحْنُ أُولُو عِيالٍ فَحَلَفُوا لِيَصْرِمُنَّها وقْتَ الصَّباحِ

صفحة 30

خُفْيَةً عَنِ المَساكِينِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿إذْ أقْسَمُوا﴾ مَعْمُولُ لَبَلَوْنا ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ لِيَقْطَعَنَّ مِن ثِمارِها بَعْدَ اسْتِوائِها ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ وهَذا حِكايَةٌ لِقَسَمِهِمْ لا عَلى مَنطُوقِهِمْ وإلّا لَقِيلَ لَنَصْرُمَنَّها بِنُونِ المُتَكَلِّمِينَ وكِلا الأمْرَيْنِ جائِزٌ في مِثْلِهِ.

68:18Page 565

وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ ١٨

Without making exception.1

﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ قِيلَ أيْ ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ وتَسْمِيَتُهُ اسْتِثْناءً مَعَ أنَّهُ شَرْطٌ مِن حَيْثُ إنَّ مُؤَدّاهُ مُؤَدّى الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ قَوْلَكَ لَأخْرُجَنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ولا أخْرُجُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى واحِدٍ. وقالَ الإمامُ أصْلُ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الثَّنْيِ وهو الكَفُّ والرَّدُّ وفي التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ رَدٌّ لِانْعِقادِ ذَلِكَ اليَمِينِ فَإطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وقِيلَ أيْ ولا يَنْثَنُونَ عَمّا هَمُّوا بِهِ مِن مَنعِ المَساكِينِ والظّاهِرُ عَلى القَوْلَيْنِ عَطْفُهُ عَلى ﴿أقْسَمُوا﴾ فَمُقْتَضى الظّاهِرِ وما اسْتَثْنَوْا وكَأنَّهُ إنَّما عَدَلَ عَنْهُ إلَيْهِ اسْتِحْضارٌ لِلصُّورَةِ لِما فِيها مِن نَوْعِ غَرابَةٍ لِأنَّ اللّائِقَ في الحَلِفِ عَلى ما يُلْزَمُ مِنهُ تُرْكُ طاعَةٍ الِاسْتِثْناءُ، وفي الكَشْفِ هو حالٌ أيْ غَيْرَ مُسْتَثْنِينَ وفي العُدُولِ إلى المُضارِعِ نَوْعُ تَعْبِيرٍ وتَنْبِيهٍ عَلى مَكانِ خَطَئِهِمْ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذَكَرْنا وقِيلَ: المَعْنى ولا يَسْتَثْنُونَ حِصَّةَ المَساكِينِ كَما كانَ يُخْرِجُ أبُوهم وعَلَيْهِ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ ومُقْسَمٌ عَلَيْهِ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ الحالِ وهو مَعْنى لا غُبارَ عَلَيْهِ.

68:19Page 565

فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩

So there came upon it [i.e., the garden] an affliction from your Lord while they were asleep.

﴿فَطافَ عَلَيْها﴾ أيْ أحاطَ نازِلًا عَلى الجَنَّةِ ﴿طائِفٌ﴾ أيْ بَلاءٌ مُحِيطٌ فَهو صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، وقَوْلُ قَتادَةَ ﴿طائِفٌ﴾ أيْ عَذابٌ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ أمْرٌ وعَنِ الفَرّاءِ تَخْصِيصُ الطّائِفِ بِالأمْرِ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عُنُقًا مِن نارٍ خَرَجَ مِن وادِي جَنَّتِهِمْ وقِيلَ: الطّائِفُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْتَلَعَها وطافَ بِها حَوْلَ البَلَدِ ثُمَّ وضَعَها قُرْبَ مَكَّةَ حَيْثُ مَدِينَةُ الطّائِفِ اليَوْمَ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالطّائِفِ ولَيْسَ في أرْضِ الحِجازِ بَلْدَةٌ فِيها الماءُ والشَّجَرُ والأعْنابُ غَيْرُها ولا يَصِحُّ هَذا عِنْدِي كالقَوْلِ بِأنَّ الطّائِفَ المَدِينَةَ المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالشّامِ فَنَقَلَها اللَّهُ تَعالى إلى الحِجازِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا القَوْلُ بِأنَّها طافَتْ عَلى الماءِ في الطُّوفانِ ولَوْ قِيلَ كُلُّ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ حَدِيثُ خُرافَةٍ لا يُعَدُّ حَدِيثَ خُرافَةٍ وقَرَأ النَّخْعِيُّ «طَيْفٌ» ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُبْتَدِئٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والمُرادُ أتاها لَيْلًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ. وقِيلَ المُرادُ وهم غافِلُونَ غَفْلَةً تامَّةً عَمّا جَرَتْ بِهِ المَقادِيرُ والأوَّلُ أظْهَرُ مِن جِهَةِ السِّباقِ واللَّحاقِ.

68:20Page 565

فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ ٢٠

And it became as though reaped.

﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالرَّمادِ الأسْوَدِ وهو بِهَذا المَعْنى لُغَةُ خُزَيْمَةَ، وعَنْهُ أيْضًا الصَّرِيمُ رَمَلَةٌ بِاليَمَنِ مَعْرُوفَةٌ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. .

وقالَ مُؤَرَّجٌ كالرَّمَلَةِ انْصَرَمَتْ مِن مُعْظَمِ الرَّمْلِ وهي لا تُنْبِتُ شَيْئًا يَنْفَعُ وقالَ مُنْذِرٌ والفِراءُ وجَماعَةٌ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والمُرادُ أصْبَحَتْ مُحْتَرِقَةً تُشْبِهُ اللَّيْلَ في السَّوادِ وقالَ الثَّوْرِيُّ: كالصُّبْحِ مِن حَيْثُ ابْيَضَّتْ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ وقالَ بَعْضُهم يُسَمّى كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ صَرِيمًا لِانْصِرامِ كُلٍّ عَنْ صاحِبِهِ وانْقِطاعِهِ عَنْهُ.

68:21–22Page 565

فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ ٢١

And they called one another at morning,

أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢

[Saying], "Go early to your crop if you would cut the fruit."

﴿فَتَنادَوْا﴾ نادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ لِقَسَمِهِمُ السّابِقِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ أيِ اخْرُجُوا عَلى أنَّ ( أنِ ) تَفْسِيرِيَّةٌ ( واغْدُوا ) بِمَعْنى اخْرُجُوا، أوْ بِأنِ اغْدُوا عَلى أنَّ ( أنِ ) مَصْدَرِيَّةٌ وقَبْلَهُما حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ وهي يَجُوزُ أنْ تُوصَلَ بِالأمْرِ عَلى الأصَحِّ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ أيْ بُسْتانِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أيْ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ وقَطْعِ الثِّمارِ فاغْدُوا، وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عَزْمٍ وإقْدامٍ عَلى رَأْيِكم مِن قَوْلِهِمْ سَيْفٌ صارِمٌ ولَيْسَ بِذاكَ. وظاهِرُ كَلامِ جارِ اللَّهِ أنَّ غَدًا بِمَعْنى بَكْرٍ يَتَعَدّى بِإلى وعُدِّيَ هاهُنا بِعَلى لِتَضْمِينِ الغَدِ، ومَعْنى الإقْبالِ كَما في قَوْلِهِمْ يُغَدّى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن غَدا عَلَيْهِ إذا غارَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ غُدُوَّهم لِقَطْعِ الثِّمارِ بِغُدُوِّ الجَيْشِ عَلى شَيْءٍ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ مَوْجُودٌ فِيهِ وهو الصَّرْمُ والقَطْعُ،

صفحة 31

ويَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً وجَوَّزَ أنْ تُعْتَبَرَ الِاسْتِعارَةُ تَمْثِيلِيَّةً وقالَ أبُو حَيّانٍ الَّذِي في حِفْظِي أنَّ غَدًا يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ:

وقَدْ نَغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرامِ نَشاوى واجِدِينَ لِما نَشاءُ

وكَذا بَكْرٌ مُرادِفُهُ كَما في قَوْلِهِ:

بَكَّرْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فَرَأيْتُهُ ∗∗∗ قُعُودًا لَدَيْهِ بِالصَّرِيمِ عَواذِلُهُ

68:23–24Page 565

فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ ٢٣

So they set out, while lowering their voices,

أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤

[Saying], "There will surely not enter it today upon you [any] poor person."

﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُخافَتَةِ، وخَفى بِفَتْحِ الفاءِ وخَفَّتْ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى الكَتْمِ ومِنهُ الخَفْدُودُ لِلْخُفّاشِ والخَفُودُ لِلنّاقَةِ الَّتِي تُلْقِي ولَدَها قَبْلَ أنْ يَسْتَبِينَ خَلْقُهُ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ﴾ أيِ الجَنَّةِ ﴿عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في التَّخافُتِ مِن مَعْنى القَوْلِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ بِأنْ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ بِإسْقاطِها، وعَلَيْهِ قِيلَ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ لِتَضْمُنِّهِ مَعْنى القَوْلِ وهو المَذْهَبُ الكُوفِيُّ فِيهِ وفي أمْثالِهِ، ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ لا أرَيْنَكَ هاهُنا.

68:25Page 565

وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥

And they went early in determination, [assuming themselves] able.1

﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أيْ مَنعٍ كَما قالَ أبُو عَبِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قَوْلِهِمْ حارَدَتِ الإبِلُ إذا ( قَلَّتْ ) ألْبانُها وحارَدَتِ السَّنَةُ قُلْ مَطَرُها وخَيْرُها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قادِرِينَ﴾ قُدِّمَ لِلْحَصْرِ ورِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ وغَدَوْا قادِرِينَ عَلى مَنعٍ لا غَيْرَ والمَعْنى أنَّهم عَزَمُوا عَلى مَنعِ المَساكِينِ وطَلَبُوا حِرْمانَهم ونَكَدَهم وهم قادِرُونَ عَلى نَفْعِهِمْ فَغَدَوْا بِحالٍ لا يَقْدِرُونَ فِيها إلّا عَلى المَنعِ والحِرْمانِ، وذَلِكَ أنَّهم طَلَبُوا حِرْمانَ المَساكِينِ فَتَعَجَّلُوا الحِرْمانَ أوْ غَدَوْا عَلى مُحارَدَةِ جَنَّتِهِمْ وذَهابِ خَيْرِها بَدَلَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى إصابَةِ خَيْرِها ومَنافِعِها أيْ غَدَوْا حاصِلِينَ عَلى حِرْمانِ أنْفُسِهِمْ مَكانَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ، والحَصْرُ عَلى الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى هَذا إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى انْتِفاعِهِمْ مِن جَنَّتِهِمْ والحَرَمانُ عَلَيْهِ خاصٌّ بِهِمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِغَدَوْا، والمُرادُ بِالحَرْدِ حَرْدُ الجَنَّةِ جِيءَ بِهِ مُشاكَلَةً لِلْحَرْثِ كَأنَّهُ لَمّا قالُوا ﴿اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ وقَدْ خَبُثَتْ نِيَّتُهم عاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ حارَدَتْ جَنَّتُهم وحُرِمُوا خَيْرَها فَلَمْ يَغْدُوا عَلى حَرْثٍ وإنَّما غَدَوْا عَلى حَرْدٍ ( وقادِرِينَ ) مِن عَكْسِ الكَلامِ لِلتَّهَكُّمِ أيْ قادِرِينَ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ. .

وقِيلَ الحَرْدُ بِفَتْحِ الرّاءِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وهو بِمَعْنى الغَيْظِ والغَضَبِ كَما قالَ أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ حاتِمٍ صاحِبُ الأصْمَعِيِّ وأنْشَدَ:

إذا جِيادُ الخَيْلِ جاءَتْ تَرَدِّي مَمْلُوءَةً مِن غَضَبٍ وحَرَدِ

أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى إغْضابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القَلَمِ: 30] ورُوِيَ هَذا عَنْ سُفْيانَ والسُّدِّيِّ والحَصْرُ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ أوْ إضافِيٌّ. وقِيلَ بِمَعْنى القَصْدِ والسُّرْعَةِ وأنْشَدَ:

أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرَدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ

أيْ غَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَ ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالٌ مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) و(قادِرِينَ ) حالٌ أيْضًا إلّا أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى ما قِيلَ وقِيلَ حالٌ حَقِيقِيَّةٌ بِناءً عَلى القَيْدِ بِعِنْدِ أنْفُسِهِمْ وإنَّما قُيِّدَ بِهِ لِأنَّ ثِمارَ جَنَّتِهِمْ هالِكَةٌ فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى صِرامِها وقَدْ فَنِيَتْ: وقالَ الأزْهَرِيُّ ( حَرْدٍ ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ وفي رِوايَةٍ عَنِ السُّدِّيِّ اسْمُ جَنَّتِهِمْ ولا أظُنُّ ذَلِكَ مُرادًا وقِيلَ الحَرْدُ الِانْفِرادُ يُقالُ: حَرَدَ عَنْ قَوْمِهِ إذا تَنَحّى عَنْهم ونَزَلَ مُنْفَرِدًا وكَوْكَبٌ حَرُودٌ مُعْتَزِلٌ عَنِ الكَواكِبِ والمَعْنى وغَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ المَساكِينِ لَيْسَ أحَدٌ مِنهم مَعَهم قادِرِينَ عَلى صِرامِها وهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ قادِرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ التَّقْدِيرِ بِمَعْنى التَّضْيِيقِ أيْ مُضَيِّقِينَ عَلى المَساكِينِ إذْ حَرَمُوهم ما

صفحة 32

كانَ أبُوهم يُنِيلُهم مِنها وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

68:26–27Page 565

فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦

But when they saw it, they said, "Indeed, we are lost;

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٢٧

Rather, we have been deprived."

﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أوَّلَ ما وقَعَ نَظَرُهم عَلَيْها ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ طَرِيقَ جَنَّتِنا وما هي بِها قالَهُ قَتادَةُ: وقِيلَ ﴿لَضالُّونَ﴾ عَنِ الصَّوابِ في غُدُوِّنا عَلى نِيَّةِ مَنعِ المَساكِينِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالُوهُ بَعْدَ ما تَأمَّلُوا ووَقَفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ مُضْرِبِينَ عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ أيْ لَسْنا ضالِّينَ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرَها بِجِنايَتِنا عَلى أنْفُسِنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском