Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
سُورَةُ ( الطَّوْرِ ) «مَكِّيَّةٌ» كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولَمْ نَقِفْ عَلى اسْتِثْناءِ شَيْءٍ مِنها، وهي تِسْعٌ وأرْبَعُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وثَمانٌ وأرْبَعُونَ في البَصَرِيِّ، وسَبْعٌ وأرْبَعُونَ في الحِجازِيِّ، ومُناسِبَةُ أوَّلِها لِآخَرَ ما قَبْلَها اشْتِمالُ كُلٍّ عَلى الوَعِيدِ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: وجْهُ وضْعِها بَعْدَ الذّارِياتِ تَشابُهُهُما في المَطْلَعِ والمَقْطَعِ فَإنَّ في مَطْلَعِ كُلٍّ مِنهُما صِفَةَ حالِ المُتَّقِينَ، وفي مَقْطَعِ كُلٍّ مِنهُما صِفَةُ حالِ الكُفّارِ، ولا يَخْفى ما بَيْنَ السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ مِنَ الِاشْتِراكِ في غَيْرِ ذَلِكَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والطُّورِ﴾ الطَّوْرُ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ عَلى ما قِيلَ: في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وفي اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ عِنْدَ بَعْضٍ، ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ والمُرادُ بِهِ هُنا ( طُورِ سِينِينَ ) [التِّينُ: 2] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ، ويُقالُ لَهُ: طُورُ سَيْناءَ أيْضًا، والمَعْرُوفُ اليَوْمَ بِذَلِكَ ما هو بِقُرْبِ التِّيهِ بَيْنَ مِصْرَ والعَقَبَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ «التِّينِ»: لَمْ يَخْتَلِفْ في طَوْرِ سَيْناءَ أنَّهُ جَبَلٌ بِالشّامِ وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ في تَفْسِيرِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ في الشّامِ جَبَلٌ يُسَمّى الطَّوْرَ وهو طُورُ سَيْناءَ فَقالَ نُوفِ البِكالِيِّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، قِيلَ: وهو الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَهى فَلا تَغْفُلْ، وحَكى الرّاغِبُ أنَّهُ جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالأرْضِ ولا يُصَحُّ عِنْدِي، وقِيلَ: جَبَلٌ مِن جِبالِ الجَنَّةِ،
صفحة 27
ورَوى فِيهِ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ لا جَبَلٌ مُعَيَّنٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ والَّذِي أُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْتُهُ.
﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ عَلى وجْهِ الِانْتِظامِ فَإنَّ السَّطْرَ تَرْتِيبُ الحُرُوفِ المَكْتُوبَةِ، والمُرادُ بِهِ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ الكِتابُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الأعْمالُ ويُعْطاهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِيَمِينِهِ أوْ بِشَمالِهِ وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءُ: 13]، وقالَ الكَلْبِيُّ هو التَّوْراةُ، وقِيلَ: هي. والإنْجِيلُ. والزَّبُورُ وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وفي البَحْرِ لا يَنْبَغِي أنَّ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّعْيِينِ وإنَّما تُورَدُ عَلى الِّاحْتِمالِ، والتَّنْكِيرِ قِيلَ: لِلْإفْرادِ نَوْعًا، وذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِهِ، أوْ لِلْإفْرادِ شَخْصًا، وذَلِكَ عَلى القَوْلِ المُقابِلِ، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى اخْتِصاصِهِ مِن جِنْسِ الكُتُبِ بِأمْرٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ سائِرِها، والأوْلى عَلى وجْهِي التَّنْكِيرِ إذا حُمِلَ عَلى أحَدِ الكِتابَيْنِ أعْنِي القُرْآنَ والتَّوْراةَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ [الجاثِيَةُ: 14] فَفي التَّنْكِيرِ كَمالُ التَّعْرِيفِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكِتابَ لا يَخْفى ( نَكَّرَ ) أوْ عُرِّفَ.
ومِن هَذا القَبِيلِ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ والرِّقِّ بِالفَتْحِ ويَكْسِرُ، وبِهِ قَرَأ أبُو السَّمّالِ جِلْدٌ رَقِيقٌ يُكْتَبُ فِيهِ وجَمْعُهُ رُقُوقٌ وأصْلُهُ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ مِنَ اللَّمَعانِ يُقالُ: تَرَقْرَقَ الشَّيْءُ إذا لَمَعَ. أوْ مِنَ الرِّقَّةِ ضِدَّ الصَّفاقَةِ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ تُجُوِّزَ فِيهِ عَمّا يَكْتُبُ فِيهِ الكُتّابُ مِنَ ألْواحٍ وغَيْرِها. والمَنشُورُ المَبْسُوطُ والوَصْفُ بِهِ قِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى صِحَّةِ الكِتابِ وسَلامَتِهِ مِنَ الخَطَأِ حَيْثُ جُعِلَ مُعَرَّضًا لِنَظَرِ كُلِّ ناظِرٍ آمِنًا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِراضِ لِسَلامَتِهِ عَمّا يُوجِبُهُ، وقِيلَ: هو لِبَيانِ حالِهِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ صَحائِفُ الأعْمالِ ولِبَيانٍ أنَّهُ ظَهَرَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بِسُهُولَةٍ في أُمُورِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهُ اللَّوْحُ، أوْ لِلنّاسِ لا يَمْنَعُهم مانِعٌ عَنْ مُطالَعَتِهِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ بِناءً عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ، وفي البَحْرِ ﴿مَنشُورٍ﴾ مَنسُوخٍ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ «هُوَ بَيْتٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيِّ في الشَّعْبِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: ذَلِكَ الضُّراحُ «بَيْتٌ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ تَحْتَ العَرْشِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ» إلَخْ.
وجاءَ في رِوايَةِ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّهُ حِيالُ الكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ سَقَطَ سَقَطَ عَلَيْها» .
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ أنَّ في كُلِّ سَماءٍ بِحِيالِ الكَعْبَةِ بَيْتًا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِها وعِمارَتُهُ بِكَثْرَةِ الوارِدِينَ عَلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما سَمِعْتَ، وقالَ الحَسَنُ: هو الكَعْبَةُ يُعَمِّرُهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ بِسِتِّمِائَةِ ألْفٍ مِنَ النّاسِ فَإنْ نَقَصُوا أتَمَّ سُبْحانَهُ العَدَدَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنَ المَجازِ المَشْهُورِ - مَكانٌ مَعْمُورٌ - بِمَعْنى مَأْهُولٌ مَسْكُونٌ يَحِلُّ النّاسُ في مَحَلٍّ هو فِيهِ، فَعِمارَةُ الكَعْبَةِ بِالمُجاوِرِينَ عِنْدَها وبِحُجّاجِها صُحَّ خَبَرُ الحَسَنِ المَذْكُورِ أمْ لا
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ أيِ السَّماءِ كَما رَواهُ جَماعَةٌ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو العَرْشُ وهو سَقْفُ الجَنَّةِ، وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وعَلَيْهِ لا بَأْسَ في تَفْسِيرِ البَيْتِ المَعْمُورِ بِالسَّماءِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِمارَتُها بِالمَلائِكَةِ أيْضًا فَما فِيها مَوْضِعُ إهابٍ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ
صفحة 28
أوْ قائِمٌ
﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ أيِ المَوْقِدِ نارًا. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: قالَ عَلِيُّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ: أيْنَ مَوْضِعُ النّارِ في كِتابِكم ؟ قالَ: البَحْرُ فَقالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما أراهُ إلّا صادَقا، وقَرَأ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرُ: 6] وبِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ وشَمِرُ بْنُ عَطِيَّةَ والضَّحّاكُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعَّبٍ والأخْفَشُ، وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ المَمْلُوءُ يُقالُ: سَجَرَهُ أيْ مَلَأهُ، والمُرادُ بِهِ عِنْدَ جَمْعِ البَحْرِ المُحِيطُ، وقِيلَ: بَحْرٌ في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي البَحْرِ أنَّهُما قالا فِيهِ ماءٌ غَلِيظٌ، ويُقالُ لَهُ: بَحْرُ الحَياةِ يَمْطِرُ العِبادَ مِنهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى أرْبَعِينَ صَباحًا فَيَنْبُتُونَ في قُبُورِهِمْ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ المَلَأُ الأعْلى الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ وكَأنَّهُ أرادَ بِهِ القَضاءَ الواسِعَ المَمْلُوءَ مَلائِكَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «المَسْجُورُ» الَّذِي ذَهَبَ ماؤُهُ، ورَوى ذُو الرُّمَّةِ الشّاعِرُ، ولَيْسَ لَهُ كَما قِيلَ حَدِيثٌ غَيْرُ هَذا عَنِ الحَبْرِ قالَ: خَرَجَتْ أُمَّةٌ لِتَسْتَقِيَ فَقالَتْ: إنَّ الحَوْضَ مَسْجُورٌ أيْ فارِغٌ فَيَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، وحُمِلَ كَلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى إرادَةِ البَحْرِ المَعْرُوفِ، وأنَّ ذَهابَ مائِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَحْبُوسِ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ وهي القِلادَةُ الَّتِي تُمْسِكُهُ وكَأنَّهُ عَنى المَحْبُوسَ مِن أنْ يَفِيضَ فَيُغْرِقُ جَمِيعَ الأرْضِ، أوْ يَغِيضَ فَتَبْقى الأرْضُ خالِيَةً مِنهُ، وقِيلَ ﴿المَسْجُورِ﴾ المُخْتَلِطِ، وهو نَحْوَ قَوْلِهِمْ لِلْخَلِيلِ المُخالِطِ: سَجِيرٍ، وجَعَلَهُ الرّاغِبُ مِن سُجِرَتِ التَّنُّورُ لِأنَّهُ سَجِيرٌ في مَوَدَّةِ صاحِبِهِ، والمُرادُ بِهَذا الِاخْتِلاطِ تَلاقِي البِحارِ بِمِياهِها واخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وعَنِ الرَّبِيعِ اخْتِلاطُ عَذْبِها بِمِلْحِها، وقِيلَ: اخْتِلاطُها بِحَيَواناتِ الماءِ، وقِيلَ: المَفْجُورُ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الِانْفِطارُ: 3] ويَحْتَمِلُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِالمُرْسَلِ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ عَنْهُ آنِفًا مِن تَفْسِيرِهِ بِالمَحْبُوسِ يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ أيْضًا، وقالَ مُنَبِّهُ بْنُ سَعِيدٍ، هو جَهَنَّمُ سُمِّيَتْ بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّئِها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ بَحْرُ الدُّنْيا - وبِهِ أقُولُ - وبِأنَّ المَسْجُورَ بِمَعْنى المَوْقَدِ، ووَجْهُ التَّناسُبِ بَيْنَ القَرائِنِ بَعْدَ تَعَيُّنِ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ لائِحٌ، وهو ها هُنا إثْباتُ تَأْكِيدِ عَذابِ الآخِرَةِ وتَحْقِيقُ كَيْنُونَتِهِ ووُقُوعِهِ، فَأقْسَمَ سُبْحانَهُ لَهُ بِأُمُورٍ كُلِّها دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ كَوْنِها مُتَعَلِّقَةً بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، فالطَّوْرُ لِأنَّهُ مَحَلُّ مُكالَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَهْبِطَ آياتِ البَدْءِ والمَعادِ يُناسِبُ حَدِيثَ إثْباتِ المَعادِ وكِتابَ الأعْمالِ كَذَلِكَ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ إيقاعَ العَذابِ عَدْلٌ مِنهُ تَعالى فَقَدْ تَحَقَّقَ، ودُونَ في الكِتابِ ما يُجَرُّ إلَيْهِ قَبْلُ، ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ لِأنَّهُ مَطافُ الرُّسُلِ السَّماوِيَّةِ، ومَظْهَرٌ لِعَظْمَتِهِ تَعالى، ومَحَلٌّ لِتَقْدِيسِهِمْ وتَسْبِيحِهِمْ إيّاهُ جَلَّ وعَلا، ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَقَرُّهم ومِنهُ تُنَزَّلُ الآياتُ، وفِيهِ الجَنَّةُ: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ لِأنَّهُ مَحَلُّ النّارِ، وإذا حُمِلَ الكِتابُ عَلى التَّوْراةِ كانَ التَّناسُبُ مَعَ ما قَبْلَهُ حَسْبَ النَّظَرِ الجَلِيلِ أظْهَرَ ولَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْها كَثِيرٌ لِزَعْمٍ أنَّ - الرِّقَّ المَنشُورَ - لا يُناسِبُها لِأنَّها كانَتْ في الألْواحِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ شُيُوعَ الرِّقِّ فِيما يَكْتُبُ فِيهِ الكُتّابُ مُطْلَقًا يَضْعُفُ هَذا الزَّعْمَ في الجُمْلَةِ، ثُمَّ إنَّ المَعْرُوفَ أنَّ التَّوْراةَ لا يَكْتُبُها اليَهُودُ اليَوْمَ إلّا في - رِقٍّ - وكَأنَّهم أخَذُوا ذَلِكَ مِن أسْلافِهِمْ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ في القَسَمِ - بِالطَّوْرِ والبَيْتِ المَعْمُورِ والبَحْرِ المَسْجُورِ - أنَّها أماكِنُ خَلْوَةٍ لِثَلاثَةِ أنْبِياءَ مَعَ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، أمّا الطَّوْرُ فَلِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ خاطَبَ عِنْدَهُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِما خاطَبَ، وأمّا البَيْتُ المَعْمُورُ فَلِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
وقَدْ قالَ عِنْدَهُ: ««سَلامٌ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ لا أُحْصِي
صفحة 29
ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ»» وأُمًّا البَحْرُ فَلِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فِيهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنْبِياءُ: 87] فَلِشَرَفِها بِذَلِكَ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها، وأمّا ذِكْرُ الكِتابِ فَلِأنَّ الأنْبِياءَ كانَ لَهم في هَذِهِ الأماكِنِ كَلامٌ والكَلامُ في الكِتابِ، وأمّا ذِكْرُ السَّقْفِ المَرْفُوعِ فَلِبَيانِ رَفْعَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ لِيُعْلَمَ عَظَمَةَ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ، ولَعَمْرِي إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ فِيهِما، والواوُ الأُولى لِلْقَسَمِ وما بَعْدَها عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ المُقْسِمُ عَلَيْها.
52:7–8Page 523
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧
Indeed, the punishment of your Lord will occur.
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨
Of it there is no preventer.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ أيْ لَكائِنٌ عَلى ( شِدَّةٍ ) كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَقَعُ عَلى مَن يَحِلُّ بِهِ مِنَ الكُفّارِ وفي إضافَتِهِ إلى الرَّبِّ مَعَ إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمانٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإشارَةٌ إلى أنَّ العَذابَ واقِعٌ بِمَن كَذَّبَهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - واقِعٌ - بِدُونِ لامٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ - لِأنَّ - أوْ صِفَةُ ( لَواقِعٌ ) أوْ هو جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ( ومِن دافِعٍ ) إمّا مُبْتَدَأٌ لِلظَّرْفِ أمْ مُرْتَفَعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِن تَأْكِيدِ الحُكْمِ وتَقْرِيرِهِ وقَدْ رُوِيَ أنْ عَمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَرَأ مَن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا فَبَكى ثُمَّ بَكى حَتّى عَيَّدَ مِن وجَعِهِ وكانَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وأخْرَجَأحْمَدُ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمْ قالَ: «قَدِمْتُ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُكَلِّمَهُ في أسارى بَدْرٍ فَدَفَعْتُ إلَيْهِ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ المَغْرِبِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ فَكَأنَّما صَدُعَ قَلْبِي، وفي رِوايَةٍ فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقْوَمَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ»، وهو لا يَأْتِي أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُقُوعِ يَوْمَ القِيامَةِ «ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى» أنَّ شَخْصًا رَأى مَكْتُوبًا في كَفِّهِ خَمْسَ واواتٍ فَعُبِّرَتْ لَهُ بِخَيْرٍ فَسَألَ ابْنَ سَيْرَيْنَ فَقالَ: تَهَيَّأْ لِما لا يُسِرُّ فَقالَ لَهُ: مَن أيْنَ أخَذَتْ هَذا ؟ فَقالَ: مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والطُّورِ﴾ إلى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ فَما مَضى يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةُ حَتّى أُحِيطَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ،
52:9–10Page 523
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠
And the mountains will pass on, departing1 -
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ مَنصُوبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وناصِبُهُ (واقِعٌ أوْ ( دافِعٌ ) أوْ مَعْنى النَّفْيِ وإيهامِ أنَّهُ لا يَنْتَفِي دَفْعُهُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِناءً عَلى اعْتِبارِ المَفْهُومِ لا ضَيْرَ فِيهِ لِعَدَمِ مُخالَفَتِهِ لِلْواقِعِ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم في الدُّنْيا وما أهْمَلَهم، ومَنَعَ مَكِّيُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ - واقِعٌ - ولَمْ يُذْكَرْ دَلِيلُ المَنعِ ولا دَلِيلٌ لَهُ فِيما يُظْهَرُ، ومَعْنى ( تَمُورُ ) تَضْطَرِبُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْ تَرْتَجُّ وهي في مَكانِها، وفي رِوايَةِ عَنْهُ تُشَقَّقُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وأصْلُ المَوْرِ التَّرَدُّدُ في المَجِيءِ والذَّهابِ، وقِيلَ: التَّحَرُّكُ في تَمَوُّجٍ، وقِيلَ: الجَرَيانُ السَّرِيعُ، ويُقالُ لِلْجَرْيِ مُطْلَقًا وأنْشَدُوا لِلْأعْشى:
كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ
﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَتَكُونُ هَباءً ( مُنْبَثًّا )، والإتْيانُ بِالمَصْدَرَيْنِ الإيذانُ بِغَرابَتِهِما وخُرُوجِهِما عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ أيْ مَوْرًا عَجِيبًا وسَيْرًا بَدِيعًا لا يُدْرَكُ كُنْهُهُما
52:11–12Page 523
فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Then woe, that Day, to the deniers,
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا وقَعَ ذَلِكَ أوْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَوَيْلٌ يَوْمَ إذْ يَقَعُ ذَلِكَ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ في انْدِفاعٍ عَجِيبٍ في الأباطِيلِ والأكاذِيبِ يَلْهُونَ، وأصْلُ الخَوْضِ المَشْيُ في الماءِ ثُمَّ تُجَوَّزُ فِيهِ عَنِ الشُّرُوعِ
صفحة 30
فِي كُلِّ شَيْءٍ وغُلِبَ في الخَوْضِ في الباطِرِ كالإحْضارِ عامٌ في كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ غُلِبَ اسْتِعْمالُهُ في الإحْضارِ لِلْعَذابِ.
52:13–14Page 523
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أيْ يَدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا بِأنْ تَغُلَّ أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ وتُجْمَعَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ فَيُدْفَعُونَ إلى النّارِ ويُطْرَحُونَ فِيها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والسَّيْلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ «يُدْعَوْنَ» بِسُكُونِ الدّالِ وفَتَحِ العَيْنِ مِنَ الدُّعاءِ فَيَكُونُ ( دَعًّا ) حالًا أيْ يُنادَوْنَ إلَيْها مَدْعُوعِينَ ( ويَوْمَ ) إمّا بَدَلٌ مِن يَوْمٍ ﴿تَمُورُ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَحْكِيٍّ بِهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ ( يَوْمَ ) إلَخْ، ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِها تَكْذِيبُهم بِالوَحْيِ النّاطِقِ بِها،
52:15Page 524
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَسِحْرٌ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَهُ سِحْرًا كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُنْذِرُكم بِهَذا سِحْرًا أفَهَذا المُصَدِّقُ لَهُ سِحْرٌ أيْضًا وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ والمَدارُ لِلتَّوْبِيخِ.
﴿أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ أمْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ بِهِ كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ والفاءُ مُؤْذِنَةٌ بِما ذُكِرَ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا كانَتْ تَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ يُصَحُّ تَرَتُّبُ الجُمْلَةِ أعْنِي سِحْرَ هَذا عَلَيْهِ وكانَتْ هَذِهِ جُمْلَةً وارِدَةً تَقْرِيعًا مِثْلَ هَذِهِ النّارِ إلَخْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُصَحُّ التَّرَتُّبُ ويَكُونُ مَدْلُولًا عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ ﴿فَقَدَرَ﴾ كُنْتُمْ تَقُولُونَ إلى آخِرِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وفي الكَشْفِ إنَّ هَذا نَظِيرُ ما تَسْتَدِلُّ بِحُجَّةٍ فَيَقُولُ الخَصْمُ: هَذا باطِلٌ فَتَأْتِي بِحُجَّةٍ أوْضَحِ مِنَ الأوَّلِ مُسْكِتَةٍ وتَقُولُ:
أفَباطِلٌ هَذا ؟! تُعَيِّرُهُ بِالإلْزامِ بِأنَّ مَقالَتَهُ الأُولى كانَتْ باطِلَةً، وفي مِثْلِهِ جازَ أنَّ يُقَدَّرُ القَوْلُ عَلى مَعْنى أفَتَقُولَ باطِلٌ هَذا وأنْ لا يُقَدَّرَ لِابْتِنائِهِ عَلى كَلامِ الخَصْمِ وهَذا أبْلَغُ، ( وأمْ ) كَما هو الظّاهِرُ مُنْقَطِعَةٌ، وفي البَحْرِ لِما قِيلَ لَهم: هَذِهِ النّارُ وقَفُوا عَلى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمَكَّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَّكِّ في أنَّها النّارُ وهي إمّا أنْ يَكُونَ ( ثُمَّ ) سِحْرٌ يَلْبَسُ ذاتَ المَرْأى، وإمّا أنْ يَكُونَ في ناظِرِ النّاظِرِ اخْتِلالٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ ( أمْ ) مُعادَلَةً والأوَّلُ أبْعَدُ مَغْزى.
52:16Page 524
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ أيِ ادْخُلُوها وقاسُوا شَدائِدَها فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ مِنَ الصَّبْرِ وعَدَمِهِ.
﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ الأمْرانِ سَواءٌ عَلَيْكم في عَدَمِ النَّفْعِ إذْ كُلٌّ لا يَدْفَعُ العَذابَ ولا يُخَفِّفُهُ - فَسَواءٌ - خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وصُحَّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ المُثَنّى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِواءِ فَإنَّ الجَزاءَ حَيْثُ كانَ مُتَحَتَّمَ الوُقُوعِ لِسَبْقِ الوَعِيدِ بِهِ وقَضائِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ بِمُقْتَضى عَدْلِهِ كانَ الصَّبْرُ وعَدَمُهُ مُسْتَوَيَيْنِ في عَدَمِ النَّفْعِ.
52:17Page 524
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ كَما هو عادَةُ القُرْآنِ الجَلِيلِ في التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَقْبُولِ لِلْكُفّارِ إذْ ذاكَ زِيادَةٌ في غَمِّهِمْ وتَنْكِيدِهِمْ والأوَّلُ أظْهَرُ، والتَّنْوِينُ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ في جَنّاتٍ عَظِيمَةٍ ونَعِيمِ عَظِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ نَوْعٍ مِنَ الجَنّاتِ ونَوْعٍ مِنَ النَّعِيمِ مَخْصُوصِينَ بِهِمْ وكَوْنُهُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ جَنّاتِهِمْ ونَعِيمِهِمْ لَيْسَ بِالقَوِيِّ كَما لا يَخْفى.
52:18Page 524
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
﴿فاكِهِينَ﴾ مُتَلَذِّذِينَ ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ مِنَ الإحْسانِ، وقُرِئَ - فَكِهِينَ - بِلا ألِفٍ، ونَصْبُهُ في القِراءَتَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ أعْنِي مِن جَنّاتٍ الواقِعِ خَبَرًا لِأنَّ، وقَرَأ خالِدُ - فاكِهُونَ - بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ
صفحة 31
الخَبَرُ، وفي جَنّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لَكِنَّهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، ومَن أجازَ بِعَدَدِ الخَبَرِ أجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ﴿ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ عَطْفٌ عَلى «فِي جَنّاتٍ» عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقَرُّوا ( في جَنّاتٍ ووَقاهم رَبُّهم ) إلَخْ، أوْ عَلى ( آتاهم ) إنْ جُعِلَتْ (ما مَصْدَرِيَّةً أيْ فاكِهِينَ بِإيتائِهِمْ رَبَّهِمْ ووِقايَتِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ، ولَمْ يُجَوَّزْ كَثِيرُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فاكِهِينَ بِالَّذِي وقاهم رَبُّهم فَلا يَكُونُ راجِعًا إلى المَوْصُولِ، وجَوَّزُهُ بَعْضٌ بِتَقْدِيرِ الرّاجِعِ أيْ وقاهم بِهِ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، وفي الكَشْفِ لَمْ يُحْمَلْ عَلى حَذْفِ الرّاجِعِ لِكَثْرَةِ الحَذْفِ ولَوْ دُرِجَ نَصًّا. والفِعْلُ مِنَ المُتَعَدِّي إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ وهو مَسْمُوعٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ سَدِيدٌ أيْضًا، والمَعْنى عَلَيْهِ أسَدُّ لِأنَّ الفُكاهَةَ تَلَذُّذٌ يَشْتَغِلُ بِهِ صاحِبُهُ والتَّلَذُّذُ بِالإيتاءِ يُحْتَمَلُ التَّجَدُّدَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُؤْتى إمّا بِالوِقايَةِ أيْ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ فَلا، وأقُولُ لَعَلَّهُ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ إمّا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ أوْ في الحالِ. وإمّا مِن فاعِلٍ آتى أوْ مِن مَفْعُولِهِ. أوْ مِنهُما، وإظْهارُ الرَّبُّ في مَوْقِعِ الإضْمارِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْلِيلِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «وقّاهم» بِتَشْدِيدِ القافِ
52:19Page 524
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ أيْ يُقالُ لَهم ( كُلُوا واشْرَبُوا ) أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ طَعامًا وشَرابًا هَنِيئًا، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: وهَنِيئًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ. أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ تَنازَعَهُ الفِعْلانِ، والهَنِيءُ كُلُّ ما لا يُلْحَقُ فِيهِ مَشَقَّةٌ ولا يُعْقَبُ وخامُهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ والباءُ عَلَيْهِما مُتَعَلِّقٌ - بِكُلُوا واشْرَبُوا، عَلى التَّنازُعِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها زائِدَةً وما بَعْدَها فاعِلُ هَنِيئًا كَما في قَوْلِ كَثِيرٍ:
هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ داءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتْ
فَإنَّ ما فِيهِ فاعِلَ هَنِيئًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ في الأصْلِ بِمَعْنى المَصْدَرِ المَحْذُوفِ فِعْلُهُ وُجُوبًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَنُؤَ لِعِزَّةِ المُسْتَحِلِّ مِن أعْراضِنا، وحِينَئِذٍ كَما يُجَوَّزُ أنْ يَجْعَلَ ما هُنا فاعِلًا عَلى زِيادَةِ الباءِ عَلى مَعْنى هَنَّأكم ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يُجَوَّزُ أنْ يُجْعَلَ الفاعِلَ مُضْمَرًا راجِعًا إلى الأكْلِ أوِ الشُّرْبِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ، وفِيهِ أنَّ الزِّيادَةَ في الفاعِلِ لَمْ تَثْبُتْ سَماعًا في السِّعَةِ في غَيْرِ فاعِلٍ كَفى عَلى خِلافٍ ولا هي قِياسِيَّةٌ في مِثْلِ هَذا ومَعَ ذَلِكَ يَحْتاجُ الكَلامُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَزاءِ ما كُنْتُمْ إلَخْ، وفِيهِ نَوْعُ تَكَلُّفِ
52:20Page 524
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ الضَّمِيرِ في ( كُلُوا ) أوْ في ( وقاهم ) أوْ في ( آتاهم ) أوْ في ( فاكِهِينَ ) أوْ في الظَّرْفِ يَعْنِي في جَنّاتٍ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الأخِيرُ ( عَلى سُرُرٍ ) جَمْعُ سَرِيرٍ مَعْرُوفٍ، ويُجْمَعُ عَلى ( أسِرَّةٍ ) وهو مِنَ السُّرُورِ إذْ كانَ لِأُولِي النِّعْمَةِ، وتَسْمِيَةُ سَرِيرِ المَيِّتِ بِهِ لِلتَّفاؤُلِ بِالسُّرُورِ الَّذِي يَلْحَقُ المَيِّتَ بِرُجُوعِهِ إلى جِوارِ اللَّهِ تَعالى وخَلاصِهِ مِن سِجْنِ الدُّنْيا، وقَرَأأبُو السَّمّالِ سُرَرٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ لِكَلْبٍ في المُضَعَّفِ فِرارًا مِن تَوالِي ضَمَّتَيْنِ مَعَ التَّضْعِيفِ.
صفحة 32
﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ مَجْعُولَةٍ عَلى صَفٍّ وخَطٍّ مُسْتَوٍ ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أيْ قَرْناهم بِهِنَّ - قالَهُ الرّاغِبُ - ثُمَّ قالَ: ولَمَّ يَجِئْ في القُرْآنِ زَوَّجْناهم حُورًا كَما يُقالُ زَوَّجَتُهُ امْرَأةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى حَسَبِ المُتَعارَفِ فِيما بَيْنَنا مِنَ المُناكَحَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: تَزَوَّجْتُ بِامْرَأةٍ لُغَةُ أزْدِشَنُوءَةَ، والمَشْهُورُ أنَّ التَّزَوُّجَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ والتَّزْوِيجُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: فِيما هُنا أنَّ الباءَ لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى القَرَآنِ أوِ الإلْصاقِ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي مَعْنى التَّزْوِيجِ بِالعَقْدِ وهو لا يُناسِبُ المَقامَ إذِ العَقْدُ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ لِأنَّها لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ أوْ أنَّها لِلسَّبَبِيَّةِ والتَّزْوِيجُ لَيْسَ بِمَعْنى الإنْكاحِ بَلْ بِمَعْنى تَصْيِيرِهِمْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ أيْ صَيَّرْناهم كَذَلِكَ بِسَبَبِ حُورِ عَيْنٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِحُورِ عَيْنٍ عَلى إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences