Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الزمر
Az-Zumar
The Troops · Meccan · 75 ayahs
39:1Page 458
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
سُورَةُ الزُّمَرِ
وتُسَمّى سُورَةَ الغُرَفِ كَما في الإتْقانِ والكَشّافِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾، أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ، ولَمْ يَسْتَثْنِ، وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ سِوى ثَلاثِ آياتٍ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيِّ قاتِلِ حَمْزَةَ، ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، إلى ثَلاثِ آياتٍ، وزادَ بَعْضُهُمْ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَهُ السَّخاوِيُّ في جَمالِ القُرّاءِ، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنْ مُقاتِلٍ، وزادَ بَعْضٌ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ، والمَذْكُورُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْتِثْناءُ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلَخْ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ إلى آخِرِ السَّبْعِ، وآيُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ في الكُوفِيِّ، وثَلاثٌ في الشّامِيِّ، واثْنَتانِ في الباقِي، وتَفْصِيلُ الِاخْتِلافِ في مَجْمَعِ البَيانِ وغَيْرِهِ، ووَجْهُ اتِّصالِ أوَّلِها بِآخِرِ صادَ، أنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ هُناكَ:”إن هو إلا ذكر للعالمين“، وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ﴾، وفي ذَلِكَ كَمالُ الِالتِئامِ بِحَيْثُ لَوْ أُسْقِطَتِ البَسْمَلَةُ لَمْ يَتَنافَرِ الكَلامُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ آخِرَ ص قِصَّةَ خَلْقِ آدَمَ وذَكَرَ في صَدْرِ هَذِهِ قِصَّةَ خَلْقِ زَوْجِهِ مِنهُ، وخَلْقِ النّاسِ كُلِّهِمْ مِنهُ، وذَكَرَ خَلْقَهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم مَيِّتُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ القِيامَةَ
صفحة 233
والحِسابَ، والجَنَّةَ، والنّارَ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، فَذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ أحْوالَ الخَلْقِ مِنَ المَبْدَإ إلى آخِرِ المَعادِ مُتَّصِلًا بِخَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَذْكُورِ في السُّورَةِ قَبْلَها، وبَيْنَ السُّورَتَيْنِ أوْجُهٌ أُخَرُ مِنَ الرَّبْطِ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، فَتَأمَّلْ.
﷽
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ خَبَرُهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا المَذْكُورُ تَنْزِيلٌ، ومن الله مُتَعَلِّقٌ بِتَنْزِيلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْجَهُ كَما في الكَشْفِ، والكِتابُ القُرْآنُ كُلُّهُ وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَلَيْهِ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ، أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي السُّورَةُ لِكَوْنِها عَلى شَرَفِ الذِّكْرِ، فَهي أقْرَبُ لِاعْتِبارِ الحُضُورِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْمُ الإشارَةِ فِيها، وتنزيل بِمَعْنى مُنَزَّلٍ، أوْ قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ، وقَدَّرَ أبُو حَيّانَ المُبْتَدَأ هُوَ، عائِدًا عَلى الذِّكْرِ في ”إن هو إلا ذكر“ وجَعَلَ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الذِّكْرُ ما هُوَ؟ فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، والكِتابُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وفِي: ﴿تَنْزِيلُ﴾ الِاحْتِمالانِ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِهِ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ كَوْنُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خَبَرًا ثانِيًا، وكَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ: هَذا أوْ هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا أوْ هو مِنَ اللَّهِ، وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الكتاب وجازَ الحالُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، لِأنَّ المُضافَ مِمّا يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ، وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في تنزيل عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بِمَعْنى مُنَزَّلٍ، وكَوْنِهِ حالًا مِن تنزيل نَفْسِهِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هي فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى المُبَرِّدِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ: وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرٌ، أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ، وعامِلَهُ الظَّرْفُ المُقَدَّرُ، أيْ ما في الوُجُودِ بَشَرٌ مُماثِلًا لَهُمْ، بِأنَّ الظَّرْفَ عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَعْمَلُ مَحْذُوفًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى ”تَنْزِيلَ“ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ نَحْوَ: اقْرَأْ، والزَمْ.
والتَّعَرُّضُ لِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أثَرَيْهِما في الكِتابِ بِجَرَيانِ أحْكامِهِ ونَفاذِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ مِن غَيْرِ مُدافِعٍ، ولا مُمانِعٍ، وبِابْتِناءِ جَمِيعِ ما فِيهِ عَلى أساسِ الحِكَمِ الباهِرَةِ.
39:2Page 458
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢
Indeed, We have sent down to you the Book, [O Muḥammad], in truth. So worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِهِ نازِلًا بِالحَقِّ، وتَوْطِئَةً لِما يُذْكَرُ بَعْدُ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ شُرُوعٌ في بَيانِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِ أثَرُ بَيانِ شَأْنِ المُنَزَّلِ، وكَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ لا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما تَقَدَّمَ، نَعَمْ كانَ الظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالكِتابِ هُناكَ القُرْآنَ الإتْيانَ بِضَمِيرِهِ ها هُنا، إلّا أنَّهُ أظْهَرُ قَصْدًا إلى تَعْظِيمِهِ ومَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الكِتابَ الأوَّلَ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والكِتابَ الثّانِيَ خاصٌّ بِالقُرْآنِ، فَكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وجَعَلَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ اهـ، وهو كَما تَرى، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ، وهي لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، أيْ إثْباتِهِ وإظْهارِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، وهي لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أنْزَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصَّوابِ، والمُرادُ أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، والقَبُولِ حَتْمًا، وجُوِّزَ كَوْنُ المَحْذُوفِ حالًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ أنْزَلْناهُ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ، أيْ مُحِقِّينَ في ذَلِكَ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالحَقِّ، أيْ فاعْبُدْهُ تَعالى مُمَحِّضًا لَهُ الدِّينَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ والرِّياءِ حَسْبَما
صفحة 234
بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، والعُدُولُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِمّا يُلائِمُ هَذا الأمْرِ أتَمَّ مُلاءَمَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”الدِّينُ“ بِالرَّفْعِ كَما رَواهُ الثِّقاتُ فَلا عِبْرَةَ بِإنْكارِ الزَّجّاجِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الفَرّاءُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ لِلِاخْتِصاصِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى:
39:3Page 458
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣
Unquestionably, for Allāh is the pure religion.1 And those who take protectors besides Him [say], "We only worship them that they may bring us nearer to Allāh in position." Indeed, Allāh will judge between them concerning that over which they differ. Indeed, Allāh does not guide he who is a liar and [confirmed] disbeliever.
﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِاخْتِصاصِ الدِّينِ بِهِ تَعالى، أيْ ألا هو سُبْحانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخَصَّ بِإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ تَعالى، لِأنَّ المُتَفَرِّدَ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاطِّلاعُ عَلى السَّرائِرِ والضَّمائِرِ، وهي عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ووُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، وفي الإتْيانِ بِألا، واسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ، وإظْهارِ الجَلالَةِ والدِّينِ، ووَصْفِهِ بِالخالِصِ، والتَّقْدِيمِ المُفِيدِ لِلِاخْتِصاصِ مَعَ اللّامِ المَوْضُوعَةِ لَهُ عِنْدَ بَعْضٍ ما لا يَخْفى مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِالدِّينِ الَّذِي هو أساسُ كُلِّ خَيْرٍ، قِيلَ: ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِجَعْلِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، وقالَ: بِتَغايُرِ دِلالَتَيِ الجُمْلَتَيْنِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا. ورَدَّ بِذَلِكَ زَعْمَ إباءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ صِحَّةَ تَخْرِيجِ الفَرّاءِ.
والحُقُّ أنَّهُ تَخْرِيجٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَفي الكَشْفِ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: فَلِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ، ثُمَّ تُرِكَ إلى: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ مُبالَغَةً لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ أقْوى الوَصْلَيْنِ، ثُمَّ صُدِّرَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ زِيادَةً عَلى زِيادَةٍ وتَحْقِيقًا بِأنَّ غَيْرَ الخالِصِ كالعَدَمِ، فَلَوْ قُدِّرَ الِاسْتِئْنافُ التَّعْلِيلِيُّ أوَّلًا مِن دُونِ الوَصْفِ المَطْلُوبِ الَّذِي هو الأصْلُ في العِلَّةِ، ومِن دُونِ حَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْفائِدَةِ المَذْكُورَةِ، كانَ كَلامًا مُتَنافِرًا، ويَلْزَمُ زِيادَةُ التَّنافُرِ مِن وصْفِ الدِّينِ بِالخُلُوصِ ثانِيًا لِدِلالَتِهِ عَلى العِيِّ في الأوَّلِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا الوَصْفِ حَتّى يُجْعَلَ مِن بابِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، وأمّا جَعْلُهُ تَأْكِيدًا فَلا وجْهَ لَهُ لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ، ولِأنَّ حَرْفَ التَّنْبِيهِ لا يَحْسُنُ مَوْقِعُها حِينَئِذٍ، فَإنَّها يُؤْتى بِها في ابْتِداءِ الِاسْتِئْنافِ المُضادِّ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ اهـ.
ونَصَّ العَلّامَةُ الثّانِي أيْضًا عَلى أنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا لِلْأُولى فاسِدٌ عِنْدَ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأسالِيبِ الكَلامِ وصِياغاتِ المَعانِي، فَفِيها ما يَنْبُو عَنْهُ مَقامُ التَّأْكِيدِ، ولا يَكادُ يَقْتَرِنُ بِهِ المُؤَكَّدُ، لَكِنَّ في قَوْلِ صاحِبِ الكَشْفِ: لَيْسَ في الأوَّلِ ما يُرْشِدُ إلى وصْفِ الخُلُوصِ حَتّى يُجْعَلَ مِن بابِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ بَحْثًا إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ عَلى مَعْنى الدِّينِ الكامِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَمالَ الدِّينِ بِكَوْنِهِ خالِصًا، فَيَكُونُ في الأوَّلِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا الوَصْفِ، نَعَمْ، وُهِّنَ ذَلِكَ التَّخْرِيجُ عَلى حالِهِ قَبْلَ هَذا البَحْثِ أمْ لَمْ يُقْبَلْ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الدِّينُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ (بِمُخْلِصًا) الواقِعِ حالًا، والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيِ الدِّينُ مِنكَ أوْ تَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ أيْ دِينُكَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ وصْفُ الدِّينِ بِالإخْلاصِ، وهو وصْفُ صاحِبِهِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ، وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى شَرَفِ الإخْلاصِ بِالعِبادَةِ، وكَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ، فَهَلْ لَنا مِن أجْرٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُعْطِي التِماسَ الذِّكْرِ، فَهَلْ لَنا أجْرٌ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ إلّا مَن أخْلَصَ لَهُ“، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -
صفحة 235
هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾»
ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ المُرادَ بِالدِّينِ في الآيَةِ الطّاعَةُ لا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن أنَّهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وعَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ الإسْلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ إلَخْ، تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ لِيُعْلَمَ مِنهُ حَقِّيَّةُ الإخْلاصِ وبُطْلانُ تَرْكِهِ، وفِيهِ مِن تَرْغِيبِ المُخْلِصِينَ وتَرْهِيبِ غَيْرِهِمْ ما لا يَخْفى، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ عامِرٍ، وكِنانَةَ، وبَنِي سَلِمَةَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، ويَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فالمَوْصُولُ إمّا عِبارَةٌ عَنْهُمْ، أوْ عِبارَةٌ عَمّا يَعُمُّهُمْ، وأضْرابَهم مِن عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ الأوْلِياءُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ باطِلٍ، كالمَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والأصْنامِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ المُصَدَّرَةُ بِأنْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ مِن واوِ ﴿اتَّخَذُوا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إشْراكِهِمْ وعَدَمِ خُلُوصِ دِينِهِمْ، أيِ اتَّخَذُوا قائِلِينَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُقَدَّرُ: قالُوا، ويَكُونَ بَدَلًا مِنَ ﴿اتَّخَذُوا﴾ وأنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ ذَلِكَ، ويَكُونَ هو الخَبَرَ لِلْمَوْصُولِ، والجُمْلَةُ الآتِيَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ حِكايَةِ ما ذُكِرَ: فَماذا يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ؟ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم إلَخْ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ، نَعَمْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ الآيَةَ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ البَدَلِيَّةُ أوِ الخَبَرِيَّةُ، وقَدِ اعْتَرَضَ البَدَلِيَّةَ صاحِبُ الكَشْفِ، بِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ الإبْدالِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إعادَةُ الحُكْمِ لِكَوْنِ الأوَّلِ غَيْرَ وافٍ بِالغَرَضِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، لا سِيَّما وحَذْفُ البَدَلِ ضَعِيفٌ، بَلْ يُنافِي في الغَرَضِ مِنَ الإتْيانِ بِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، ”وزلفى“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المَصْدَرِ، أيْ والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَعالى تَقْرِيبًا.
وقُرِئَ ”نُعْبِدُهُمْ“ بِضَمِّ النُّونِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ، ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ وبَيْنَ خُصَمائِهِمُ الَّذِينَ هُمُ المُخْلِصُونَ لِلدِّينِ، وقَدْ حُذِفَ لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾، عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، أيْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، وبَيْنَ غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلَ
أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ المُتَّخَذَيْنِ، وكَذا الكَلامُ في ضَمِيرَيِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ أنَّهُ تَعالى يَفْصِلُ الخُصُومَةَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُخْلِصِينَ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإشْراكِ، وادَّعى كُلٌّ صِحَّةَ ما اتَّصَفَ بِهِ، بِإدْخالِ المُخْلِصِينَ المُوَحِّدِينَ الجَنَّةَ وإدْخالِ المُشْرِكِينَ النّارَ أوْ يُمَيِّزُهم سُبْحانَهُ تَمْيِيزًا يُعْلَمُ مِنهُ حالُ ما تَنازَعُوا فِيهِ بِذَلِكَ، والمَعْنى عَلى الثّانِي أنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ بَيْنَ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ فِيما يَخْتَلِفُونَ حَيْثُ يَرْجُو العابِدُونَ شَفاعَتَهُمْ، وهم يَتَبَرَّؤُونَ مِنهُمْ، ويَلْعَنُونَهُمْ، قالًا أوْ حالًا بِإدْخالِ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ المَعْبُودِينَ الجَنَّةَ، وإدْخالِ العابِدِينَ، ومَن لَيْسَ لَهُ أهْلِيَّةُ دُخُولِ الجَنَّةِ مِمَّنْ عُبِدَ كالأصْنامِ النّارَ، وإدْخالِ الأصْنامِ النّارَ لَيْسَ لِتَعْذِيبِها بَلْ لِتَعْذِيبِ عَبَدَتِها بِها، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُضْعِفُهُ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ المَوْصُولِ السّابِقِ عِبارَةً عَنِ المَعْبُودِينَ عَلى حَذْفِ العائِدِ إلَيْهِ وإضْمارِ المُشْرِكِينَ مِن
صفحة 236
غَيْرِ ذِكْرٍ تَعْوِيلًا عَلى دِلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا عِنْدَ اللَّهِ زُلْفى، إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَبَدَتِهِمْ فِيما الفَرِيقانِ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، حَيْثُ يَرْجُو العَبَدَةُ شَفاعَتَهُمْ، وهم يَلْعَنُوهم بِإدْخالِ ما هو مِنهم أهْلٌ لِلْجَنَّةِ الجَنَّةَ وإدْخالُ العَبَدَةِ مَعَ أصْنامِهِمُ النّارَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفاتِ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، كَيْفَ لا، ولَيْسَ فِيما ذُكِرَ مِن طَلَبِ الشَّفاعَةِ واللَّعْنِ مادَّةٌ يَخْتَلِفُ فِيها الفَرِيقانِ اخْتِلافًا مُحْوِجًا إلى الحُكْمِ والفَصْلِ، فَإنَّما ذاكَ ما بَيْنَ فَرِيقَيِ المُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ في الدُّنْيا مِنَ الاخْتِلافِ في الدِّينِ الباقِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وقُرِئَ: ”ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا“ حِكايَةً لِما خاطَبُوا بِهِ آلِهَتَهم ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ أيْ لا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ الَّذِي هو طَرِيقُ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ ﴿مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ ومُوجِبٌ سَيِّئُ اسْتِعْدادِهِ، لِأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لِلِاهْتِداءِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَفِيضُ عَلى القَوابِلِ إلّا حَسَبَ القابِلِيّاتِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، وهَذا هو الَّذِي حَتَّمَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِسَيِّئِ اسْتِعْدادِهِ بِالمُوافاةِ عَلى الضَّلالِ، قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: لا يَهْدِي إلى الجَنَّةِ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ في الدُّنْيا.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ مِمَّنْ هو كاذِبٌ كَفّارٌ قِيلَ: مَن يَعُمُّ أُولَئِكَ المُحَدَّثَ عَنْهم وغَيْرَهُمْ، وقِيلَ: أُولَئِكَ المُحَدَّثُ عَنْهم وكَذِبَهم في دَعْواهُمُ اسْتِحْقاقَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ، أوْ قَوْلُهم في بَعْضِ مَنِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ أنَّ المُتَّخَذَ ابْنُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَمَن هو كاذِبٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ المُضْمَرِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ أيِ المُتَّخِذِينَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ والكُفْرِ، وجُعِلَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرَ ”كَذّابٌ كَفّارٌ“، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”كَذُوبٌ كَفُورٌ“، وحَمَلُوا الكاذِبَ هُنا عَلى الرّاسِخِ في الكَذِبِ لِهاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، وكَذا حَمَلُوا الكُفْرَ عَلى كُفْرِ النِّعَمِ دُونَ الكُفْرِ في الِاعْتِقادِ لِقِراءَةِ زَيْدٍ، وذَكَرَ الإمامُ فِيهِ احْتِمالَيْنِ.
39:4Page 458
لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤
If Allāh had intended to take a son, He could have chosen from what He creates whatever He willed. Exalted is He; He is Allāh, the One, the Prevailing.1
﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ القَوْلِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وعِيسى ابْنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِبَيانِ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ عَلى الإطْلاقِ لِيَنْدَرِجَ فِيهِ اسْتِحالَةُ ما قِيلَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وحاصِلُ المَعْنى: لَوْ أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَتْ تِلْكَ الإرادَةُ لِتَعَلُّقِها بِالمُمْتَنِعِ أعْنِي الِاتِّخاذَ، لَكِنْ لا يَجُوزُ لِلْبارِي إرادَةٌ مُمْتَنِعَةٌ، لِأنَّها تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ.
وأصْلُ الكَلامِ: لَوِ اتَّخَذَ الوَلَدَ لامْتَنَعَ لِاسْتِلْزامِهِ ما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، فَعَدَلَ إلى لَوْ أرادَ الِاتِّخاذَ لامْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ لِيَكُونَ أبْلَغَ وأبْلَغَ ثُمَّ حُذِفَ هَذا الجَوابُ وجِيءَ بَدَلَهُ لاصْطَفى، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُمْكِنَ هَذا لا الأوَّلُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ هَذا مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ في شَيْءٍ لَجازَ الوَلَدُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَأْنُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَحَقَّقَ التَّلازُمُ وحَقَّ نَفْيُ اللّازِمِ وإثْباتُ المَلْزُومِ، دُونَ صُعُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ عَلى إرادَةِ نَفْيِ الصِّحَّةِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِن تَقْدِيرَيِ الإرادَةِ وعَدَمِها مِن بابِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فَلا يُنْفى الثّانِي إذْ ذاكَ، ولا يَحْتاجُ إلى بَيانِ المُلازَمَةِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ فالمُمْكِنُ الِاصْطِفاءِ، وقَدِ اصْطَفى سُبْحانَهُ مِن
صفحة 237
مَخْلُوقاتِهِ مَن شاءَ كالمَلائِكَةِ، وعِيسى، وذَهَبَ عَلَيْكم أنَّ الِاصْطِفاءَ لَيْسَ بِاتِّخاذٍ، والجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما يُفِيدُ زِيادَةَ مُبالَغَةٍ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ (لاصْطَفى) هو الجَوابَ عَلَيْهِ لِصَيْرُورَةِ المَعْنى حِينَئِذٍ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لاصْطَفى، ولَوْ لَمْ يُرِدْ لاصْطَفى، مِن طَرِيقِ الأوْلى، وحِينَئِذٍ يَكُونُ إثْباتُ الِاصْطِفاءِ هو المَطْلُوبُ مِنَ الإيرادِ، كَما أنَّ التَّمَدُّحَ بِنَفْيِ العِصْيانِ في مِثالِ البابِ هو المَطْلُوبُ، ولَيْسَ الكَلامُ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ هو مِن أُسْلُوبِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: لَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَجَعَلَ المَخْلُوقَ ولَدًا، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، والتّالِي مُحالٌ لِلْمُبايَنَةِ التّامَّةِ بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، والوَلَدِيَّةُ تَأْبى تِلْكَ المُبايَنَةَ، فالمُقَدَّمُ مِثْلُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ عَلى مَعْنى: لاتَّخَذَهُ ابْنًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ وما تَقَدَّمَ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ الَّتِي نَبَّهْتُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ تَعالى، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُ، أيْ تَنَزُّهُهُ الخاصُّ بِهِ تَعالى عَلى أنَّ سُبْحانَهُ مَصْدَرٌ مِن سَبَحَ، إذا بَعُدَ أوْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِهِ، لِأنَّهُ عَلَمُ التَّسْبِيحِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ يَقْتَضِي تَبَعُّضًا، وانْفِصالَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وكَذا يَقْتَضِي المُماثَلَةَ بَيْنَ الوَلَدِ والوالِدِ، والوَحْدَةُ الذّاتِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي هي في أعْلى مَراتِبِ الوَحْدَةِ الواجِبَةِ لَهُ تَعالى بِالبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ تَأْبى التَّبَعُّضَ والِانْفِصالَ إباءً ظاهِرًا، لِأنَّهُما مِن خَواصِّ الكَمِّ، وقَدِ اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ سَلْبُهُ، فَتَأْبى الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ، وكَذا تَأْبى المُماثَلَةَ، سَواءٌ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ كالجُبّائِيُّ وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ، وهي المُشارَكَةُ في أخَصِّ صِفاتِ الذّاتِ كَمُشارَكَةِ زَيْدٍ لِعَمْرٍو في النّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ الماتُرِيدِيَّةِ، وهي المُشارَكَةُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ كَمُشارَكَتِهِ لَهُ في الحَيَوانِيَّةِ والنّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ، وهو التَّساوِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَعَلَّ مُرادَهُ نَحْوُ ما مَرَّ عَنِ الماتُرِيدِيِّ، وإلّا فَمَعَ التَّساوِي مِن كُلِّ وجْهٍ يَنْتَفِي التَّعَدُّدُ فَيَنْتَفِي التَّماثُلُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوا مِن أنَّ الوَحْدَةَ الذّاتِيَّةَ كَما تَقْتَضِي نَفْيَ الأبْعاضِ المِقْدارِيَّةِ تَقْتَضِي نَفْيَ الكَثْرَةِ العَقْلِيَّةِ، وأنَّ التَّماثُلَ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ، وهو يَقْتَضِي ثُبُوتَ الأجْزاءِ المَذْكُورَةِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ، وكَلامٌ غَيْرُ قَلِيلٍ، وسَنَذْكُرُ بَعْضًا مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإخْلاصِ، فالأوْلى أنْ يَقْتَصِرَ عَلى مُنافاةِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ لِلتَّبَعُّضِ والِانْفِصالِ لِاسْتِلْزامِهِما التَّرَكُّبَ الخارِجِيَّ، والحُكَماءُ والمُتَكَلِّمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى اسْتِحالَتِهِ في حَقِّهِ تَعالى، ودَلِيلُها أظَهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وكَذا وصْفُ القَهّارِيَّةِ يَأْبى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وقُرِّرَ ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ، فَقِيلَ: وجْهُ إبائِها ذَلِكَ أنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي الغِنى الذّاتِيَّ الَّذِي هو أعْلى مَراتِبِ الغِنى، وهو يَقْتَضِي التَّجَرُّدَ عَنِ المادَّةِ، وتَوَلُّدَ الوَلَدِ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِيها، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي كَمالَ الغِنى، وهو يَقْتَضِي كَمالَ التَّجَرُّدِ الَّذِي هو البَساطَةُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَلا يَكُونُ هُناكَ جِنْسٌ وفَصْلٌ ومادَّةٌ وصُورَةٌ وأعْراضٌ وأبْعاضٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِالبَساطَةِ الكامِلَةِ الحَقِيقِيَّةِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ لِما فِيهِ مِنَ الانْفِصالِ والمِثْلِيَّةِ مُخِلٌّ بِتِلْكَ البَساطَةِ، فَيُخِلُّ بِالغِنى، فَيُخِلُّ بِالقَهّارِيَّةِ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ الغِنى يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ولَدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ وقِيلَ: إنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ
صفحة 238
يَقْتَضِي انْفِصالَ شَيْءٍ عَنْهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُتَأثِّرًا مَقْهُورًا لا مُؤَثِّرًا قَهّارًا، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَحَيْثُ كانَ - جَلَّ وعَلا - قَهّارًا كَما هو مُقْتَضى الأُلُوهِيَّةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولَدٌ، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلزَّوالِ لِأنَّ القَهّارَ لَوْ قَبِلَهُ كانَ مَقْهُورًا، إذِ المُزِيلُ قاهِرٌ لَهُ، ولِذا قِيلَ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.
والوَلَدُ مِن أعْظَمِ فَوائِدِهِ عِنْدَهم قِيامُهُ مَقامَ الأبِ بَعْدَ زَوالِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الزَّوالُ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى الوَلَدِ، وهَذا مَعَ كَوْنِهِ إلْزامِيًّا لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ كَما لا يَخْفى.
والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ هو اللَّهُ﴾ إلَخْ، مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ مُقَرِّرُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى ولِيٌّ، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ولَعَلَّ بَيانَ ذَلِكَ لا يَخْفى، فَتَدَبَّرْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences