Al-AlusiSad · 38:1–4

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

ص

Sad

The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs

38:1Page 453

صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١

Ṣād.1 By the Qur’ān containing reminder...2

سُورَةُ ص

مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ كَما قالَ الدّانِيُّ، وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ، وسِتٌّ وثَمانُونَ في الحِجازِيِّ، والبَصْرِيِّ، والشّامِيِّ، وخَمْسٌ وثَمانُونَ في عَدِّ أيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ وحْدَهُ، قِيلَ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ (ص) وحْدَها آيَةٌ، كَما قِيلَ في غَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وهي كالمُتَمِّمَةِ لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ ذُكِرَ فِيها، ما لَمْ يُذْكَرْ في تِلْكَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَداوُدَ وسُلَيْمانَ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾، وأنَّهم كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، بَدَأ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ السُّورَةِ بِالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وفَصَّلَ ما أجْمَلَ هُناكَ مِن كُفْرِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُناسَبَةِ ما فِيهِ، ومَن دَقَّقَ النَّظَرَ لاحَ لَهُ مُناسَباتٌ أُخَرُ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

صفحة 161

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ص﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو السِّمالِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ نَحْوُ (ق) و(ن).

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أمْرٌ مِن صادى أيْ عارَضَ، ومِنهُ الصَّدى، وهو ما يُعارِضُ الصَّوْتَ الأوَّلَ ويُقابِلُهُ بِمِثْلِهِ في الأماكِنِ الخالِيَةِ والأجْسامِ الصُّلْبَةِ العالِيَةِ، والمَعْنى عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيِ اعْمَلْ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقالَ عَبْدُ الوَهّابِ: أيِ اعْرِضْهُ عَلى عَمَلِكَ، فانْظُرْ أيْنَ عَمَلُكَ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ مِن صادى أيْ حادِثْ، والمَعْنى حادِثِ القُرْآنَ، وهو رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، ولَهُ قُرْبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقَرَأ عِيسى ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وفِرْقَةٍ ”صادَ“ بِفَتْحِ الدّالِ، وكَذا قَرَؤُوا قافَ ونُونَ بِالفَتْحِ فِيهِما، فَقِيلَ: هو لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، وقِيلَ: هو حَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى أنَّ ”صادَ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيِ اذْكُرْ، أوِ اقْرَأْ صادَ، أوْ بِفِعْلِ القَسَمِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ، نَحْوَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَمُ السُّورَةِ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّرِيفُ أنَّهُ إذا اشْتُهِرَ مُسَمًّى بِإطْلاقِ لَفْظٍ عَلَيْهِ يُلاحَظُ المُسَمّى في ضِمْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وأنَّهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ في الِاسْمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في رِوايَةِ ”صادِ“ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ، وذَلِكَ إمّا لِأنَّ الثُّلاثِيَّ السّاكِنَ الوَسَطِ يَجُوزُ صَرْفُهُ بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأرْجَحُ، وإمّا لِاعْتِبارِ ذَلِكَ اسْمًا لِلْقُرْآنِ، كَما هو أحَدُ الِاحْتِمالاتِ فِيهِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ العِلَّتانِ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ، والقَوْلُ بِأنَّ ذاكَ لِكَوْنِهِ عَلَمًا لِمَعْنى السُّورَةِ لا لِلَفْظِها، فَلا تَأْنِيثَ فِيهِ مَعَ العَلَمِيَّةِ، لِيَكُونَ هُناكَ عِلَّتانِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ وهارُونُ، الأعْوَرُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ ”صادُ“ بِضَمِّ الدّالِ، وكَأنَّهُ اعْتُبِرَ اسْمًا لِلسُّورَةِ، وجُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذِهِ صادُ، ولَهم في مَعْناهُ غَيْرُ مُتَقَيِّدِينَ بِقِراءَةِ الجُمْهُورِ اخْتِلافٌ، كَأضْرابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، فَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ”ص“ فَقالا: ما نَدْرِي ما هُوَ، وهو مَذْهَبُ كَثِيرٍ في نَظائِرِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ عَنْ ”ص“ فَقالَ: ص كانَ بَحْرًا بِمَكَّةَ، وكانَ عَلَيْهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، إذْ لا لَيْلَ، ولا نَهارَ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ تَعالى بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ص صَدَقَ اللَّهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ص، يَقُولُ: إنِّي أنا اللَّهُ الصّادِقُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هو مِفْتاحُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، صَمَدٌ وصانِعُ المَصْنُوعاتِ، وصادِقُ الوَعْدِ.

وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى صُدُودِ الكُفّارِ عَنِ القُرْآنِ. وقِيلَ: حَرْفٌ مَسْرُودٌ عَلى مِنهاجِ التَّحَدِّي، وجَنَحَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِن أرْبابِ التَّحْقِيقِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، والأكْثَرُونَ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ بَعْضِ القِراءاتِ كَما سَمِعْتَ عَنْ قَرِيبٍ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ المَعْنى صادَ مُحَمَّدٌ ﷺ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِهِ اعْتَبَرَهُ فِعْلًا ماضِيًا مَفْتُوحَ الآخِرِ أوْ ساكِنَهُ لِلْوَقْفِ، وأنا لا أقُولُ بِهِ، ولا أرْتَضِيهِ وجْهًا، وهو عَلى بَعْضِ هَذِهِ الأوْجُهِ لا حَظَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى بَعْضِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُقْسَمًا بِهِ، ومَفْعُولًا لِمُضْمَرٍ، وخَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى بَعْضِها يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مُقْسَمًا بِهِ، وعَلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ في القِراءاتِ يَتَأتّى ما يَتَأتّى مِمّا لا يَخْفى عَلَيْكَ، وبِالجُمْلَةِ، إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ مُقْسَمًا بِهِ، فالواوُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ لِلْقَسَمِ، وإنِ اعْتُبِرَ

صفحة 162

162 مُقْسَمًا بِهِ، فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، لَكِنْ إذا كانَ قَسَمًا مَنصُوبًا عَلى الحَذْفِ، والإيصالِ يَكُونُ العَطْفُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ المَعْنى والأصْلِ، ثُمَّ المُغايَرَةُ بَيْنَهُما قَدْ تَكُونُ حَقِيقِيَّةً، كَما إذا أُرِيدَ بِالقُرْآنِ كُلُّهُ وبِـ (ص) السُّورَةُ، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ أُرِيدَ بِـ(ص) البَحْرُ الَّذِي قِيلَ بِهِ فِيما مَرَّ، وبِالقُرْآنِ كُلُّهُ، أوْ بِالسُّورَةِ، وقَدْ تَكُونُ اعْتِبارِيَّةً كَما إذا أُرِيدَ بِكُلِّ السُّورَةِ أوِ القُرْآنِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما تَقْتَضِيهِ الجَزالَةُ الخالِيَةُ عَنِ التَّكَلُّفِ.

وضُعِّفَ جَعْلُ الواوِ لِلْقَسَمِ أيْضًا بِناءً عَلى قَوْلِ جَمْعٍ: أنَّ تَوارُدَ قَسَمَيْنِ عَلى مُقْسَمٍ عَلَيْهِ واحِدٍ ضَعِيفٌ، والذِّكْرُ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الشَّرَفُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾، أوِ الذِّكْرى والمَوْعِظَةُ لِلنّاسِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ، أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وغَيْرِها مِن أقاصِيصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأخْبارِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ، والوَعْدِ والوَعِيدِ عَلى ما قِيلَ، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَذْكُورٌ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ والزَّجّاجُ هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، وتَعَقَّبَهُ الفَرّاءُ بِقَوْلِهِ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِ ذَلِكَ جِدًّا عَنِ القَسَمِ، وقالَ الأخْفَشُ: هُوَ: ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾، وقالَ قَوْمٌ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾، وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ لَكم لَمّا طالَ الكَلامُ كَما حُذِفَتْ مِن ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”والشمس“، حَكاهُ الفَرّاءُ وثَعْلَبٌ، وتَعَقَّبَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّهُ غَلَطٌ، لِأنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ عَلى المَفْعُولِ، ”وكم“ مَفْعُولٌ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَذِهِ الأقْوالَ يَجِبُ اطِّراحُها، ونَقَلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ، فَإنَّ ﴿بَلِ﴾ لِنَفْيِ ما قَبْلَهُ، وإثْباتِ ما بَعْدَهُ، فَمَعْناهُ لَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلّا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ.

وجُوِّزَ أنْ يُرِيدَ هَذا القائِلُ أنَّ ﴿بَلِ﴾ زائِدَةٌ في الجَوابِ، أوْ رُبِطَ بِها الجَوابُ لِتَجْرِيدِها لِمَعْنى الإثْباتِ، وقِيلَ: هو صادَ إذْ مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ تَعالى أوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الفَرّاءِ وثَعْلَبٍ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ جَوابِ القَسَمِ واعْتِقادِ أنَّ (ص) تَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ، ومَعَ هَذا في كَوْنِ (ص) نَفْسِهِ هو الجَوابُ خَفاءٌ، وقِيلَ: هو جُمْلَةُ هَذِهِ صادُ، عَلى مَعْنى السُّورَةِ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، فَكَأنَّهُ: قِيلَ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، تُرِيدُ هَذا هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ واللَّهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ التَّقَدُّمِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحُوفِيُّ: لَقَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ، ونَحْوَهُ، وابْنُ عَطِيَّةَ: ما الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، ونَحْوَهُ، وقَدَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما كَفَرَ مَن كَفَرَ لِخَلَلٍ وجَدَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ﴾ إلَخْ، وآخَرُ: إنَّهُ لَمُعْجِزٌ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما في (ص) مِنَ الدِّلالَةِ عَلى التَّحَدِّي بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي، والتَّنْبِيهِ عَلى الإعْجازِ، أوْ ما فِي: أُقْسِمُ بِـ(ص)، أوْ هَذِهِ (ص)، مِنَ الدِّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ أنَّهُ لِواجِبِ العَمَلِ بِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ (ص) بِناءً عَلى كَوْنِهِ أمْرًا مِنَ المُصاداةِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم غَيْرَ ذَلِكَ، وفي البَحْرِ: يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ هُنا ما أُثْبِتَ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِالقُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ .

ويُقَوِّي هَذا التَّقْدِيرَ ذِكْرُ النِّذارَةِ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وهُناكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”لتنذر قوما“، فالرِّسالَةُ تَتَضَمَّنُ النِّذارَةَ والبِشارَةَ.

38:2Page 453

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢

But those who disbelieve are in pride and dissension.

وجُعِلَ بَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ لِلِانْتِقالِ مِن هَذا القَسَمِ، والمُقْسَمِ عَلَيْهِ إلى ذِكْرِ حالِ تَعَزُّزِ الكُفّارِ ومُشاقَّتِهِمْ في قَبُولِهِمْ رِسالَتَهُ ﷺ وامْتِثالِ ما جاءَ بِهِ، وهي كَذَلِكَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، وقَدْ تُجْعَلُ عَلى بَعْضِها لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: إنَّهُ لَمُعْجِزٌ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في اسْتِكْبارٍ مِنَ الإذْعانِ لِإعْجازِهِ، أوْ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي

صفحة 163

أعْجَزَتِ العَرَبَ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُذْعِنُونَ، وجَعَلَها بَعْضُهم لِلْإضْرابِ عَمّا يُفْهَمُ مِمّا ذُكِرَ، ونَحْوِهِ مِن أنَّ مَن كَفَرَ لَمْ يَكْفُرْ لِخَلَلٍ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن كَفَرَ لَمْ يَكْفُرْ لِخَلَلٍ فِيهِ، بَلْ كَفَرَ تَكَبُّرًا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وعِنادًا، وهو أظْهَرُ مِن جَعْلِ ذَلِكَ إضْرابًا عَنْ صَرِيحِهِ، وإنْ قُدِّرَ نَحْوُ هَذا المَفْهُومِ جَوابًا، فالإضْرابُ عَنْهُ قَطْعًا، وفي الكَشْفِ: عُدَّ هَذا الإضْرابُ مِن قَبِيلِ الإضْرابِ المَعْنَوِيِّ عَلى نَحْوِ: زَيْدٌ عَفِيفٌ عالِمٌ بَلْ قَوْمُهُ اسْتَخَفُّوا بِهِ، عَلى الإضْرابِ عَمّا يَلْزَمُ الأوْصافَ مِنَ التَّعْظِيمِ، كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ الَّذِي عَنْهُ الإضْرابُ: ما أنْتَ بِمُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وإظْهارِ الحَقِّ لَهُمْ، ويُشْعِرُ بِهِ الآياتُ بَعْدُ، وسَبَبُ النُّزُولِ الآتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (ص) والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ما أنْتَ بِمُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِ الَّذِينَ كَفَرُوا وإظْهارِ الحَقِّ لَهُمْ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقَصِّرُونَ في اتِّباعِكَ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، ووَجْهُ دِلالَةِ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى قَوْلِنا بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقَصِّرُونَ إلَخْ، ظاهِرٌ، وهَذِهِ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ بَيْنَ يَدَيْكَ، وإلَيْكَ أمْرُ الِاخْتِيارِ، والسَّلامُ عَلَيْكَ.

والمُرادُ بِالعِزَّةِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الاسْتِكْبارِ عَنِ الحَقِّ لا العِزَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، فَإنَّها لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وأصْلُ الشِّقاقِ المُخالَفَةُ، وكَوْنُكَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ صاحِبِكَ أوْ مِن شَقِّ العَصا بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، والمُرادُ مُخالَفَةُ اللَّهِ تَعالى، ورَسُولِهِ ﷺ، والتَّنْكِيرُ لِلدِّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِما، والتَّعْبِيرُ بِفي عَلى اسْتِغْراقِهِمْ فِيهِما.

وقَرَأ حَمّادُ بْنُ الزِّبْرِقانِ وسَوْرَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، ومَيْمُونَةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ مِن طَرِيقِ العُقَيْلِيِّ في ”غِرَّةٍ“ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ المَكْسُورَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ في غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ الرَّدِّ عَلى مَن خالَفَ الإمامَ: إنَّهُ قَرَأ بِها رَجُلٌ، وقالَ: إنَّها أنْسَبُ بِالشِّقاقِ وهو القِتالُ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وهَذِهِ القِراءَةُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى اهـ، وفِيهِ ما فِيهِ.

38:3Page 453

كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣

How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.

﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، واسْتِكْبارِهِمْ بِبَيانِ ما أصابَ إضْرابَهُمْ، وكم مَفْعُولٌ، ﴿أهْلَكْنا﴾ (ومِن قَرْنٍ) تَمْيِيزٌ، والمَعْنى: قَرْنًا كَثِيرًا أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ، ﴿فَنادَوْا﴾ عِنْدَ نُزُولِ بَأْسِنا وحُلُولِ نِقْمَتِنا اسْتِغاثَةً لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّوْبَةِ، حِينَ عايَنُوا العَذابَ لِيَنْجُوا مِنهُ، ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ: (نادَوْا)، والعائِدُ مُقَدَّرٌ، وإنْ لَمْ يَلْزَمْ أيْ مَناصَهُمْ، ولاتَ هي لا المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْكِيدِ مَعْناها، وهو النَّفْيُ، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أوْ لِأنَّ التّاءَ تَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَما في عَلّامَةٍ، أوْ لِتَأْكِيدِ شَبَهِها بِلَيْسَ بِجَعْلِها عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ ساكِنَةِ الوَسَطِ، وقالَ الرَّضِيُّ: إنَّها لِتَأْنِيثِ الكَلِمَةِ فَتَكُونُ لِتَأْكِيدِ التَّأْنِيثِ، واخْتَصَّتْ بِلُزُومِ الأحْيانِ، ولا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الحِينِ إلّا عِنْدَ بَعْضٍ، وهو مَحْجُوجٌ بِسَماعِ دُخُولِها عَلى مُرادِفِهِ، وقَوْلِ المُتَنَبِّي:

لَقَدْ تَصَبَّرْتُ حَتّى لاتَ مُصْطَبَرٍ والآنَ أُقْحِمُ حَتّى لاتَ مُقْتَحَمِ

وإنْ لَمْ يُهِمَّنا أمْرُهُ مُخَرَّجٌ عَلى ذَلِكَ بِجَعْلِ المُصْطَبَرِ والمُقْتَحَمِ اسْمَيْ زَمانٍ، أوِ القَوْلُ بِأنَّها داخِلَةٌ فِيهِ عَلى لَفْظِ حِينٍ مُقَدَّرٌ بَعْدَها، والتَزَمُوا حَذْفَ أحَدِ الجُزْأيْنِ، والغالِبُ حَذْفُ المَرْفُوعِ كَما هُنا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أيْ لَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ: أنَّها لا النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ العامِلَةُ عَمَلَ إنَّ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، (فَحِينَ مَناصٍ) اسْمُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّها لا النّافِيَةُ لِلْفِعْلِ، زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، ولا عَمَلَ لَها أصْلًا، فَإنْ ولِيَها مَرْفُوعٌ فَمُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أوْ مَنصُوبٌ، كَما هُنا، فَبَعْدَها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ عامِلٌ فِيهِ، أيْ ولا تَرى حِينَ مَناصٍ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ ”ولاتُ حِينُ“ بِضَمِّ التّاءِ ورَفْعِ النُّونِ، فَعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ حِينَ اسْمُ لاتَ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ لَيْسَ حِينُ مَناصٍ حاصِلًا

صفحة 164

لَهُمْ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وكَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّ مِن مَذْهَبِهِ كَما في البَحْرِ: أنَّهُ إذا ارْتَفَعَ ما بَعْدَها فَعَلى الِابْتِداءِ، أيْ فَلا حِينَ مَناصٍ كائِنٌ لَهم. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ”ولاتِ حِينِ“ بِكَسْرِ التّاءِ مَعَ النُّونِ كَما في قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ حَرْمَلَةَ الطّائِيِّ النَّصْرانِيِّ:

طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتِ أوانِ ∗∗∗ فَأجَبْنا أنْ لاتِ حِينِ بَقاءِ

وخُرِّجَ ذَلِكَ إمّا عَلى أنَّ لاتَ تَجُرُّ الأحْيانَ كَما أنَّ لَوْلا تَجُرُّ الضَّمائِرَ، كَلَوْلاكَ، ولَوْلاهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وإمّا عَلى إضْمارِ (مِن) كَأنَّهُ قِيلَ: لاتَ مِن حِينِ مَناصٍ، ولاتَ مِن أوانِ صُلْحٍ، كَما جَرُّوا بِها مُضْمَرَةً في قَوْلِهِمْ عَلى كَمْ جِذْعٍ بَيْتُكَ، أيْ مِن جِذْعٍ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وقَوْلِهِمْ: ألا رَجُلٍ جَزاهُ اللَّهُ خَيْرًا. يُرِيدُونَ ألا مِن رَجُلٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُ (مِن حِينِ مَناصٍ) رَفْعًا عَلى أنَّهُ اسْمُ لاتَ بِمَعْنى لَيْسَ، كَما تَقُولُ: لَيْسَ مِن رَجُلٍ قائِمًا، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عَلى قَوْلِ غَيْرِهِ، وخَرَّجَ الأخْفَشُ ولاتَ، أوْ أنَّ عَلى إضْمارِ حِينَ، أيْ ولاتَ حِينَ أوانِ صُلْحٍ، فَحُذِفَتْ حِينَ، وأُبْقِيَ أوانِ عَلى جَرِّهِ، وقِيلَ: إنَّ (أوانِ) في البَيْتِ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، وهو مُشَبَّهٌ بِإذْ في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ:

نَهَيْتُكِ عَنْ طُلّابِكِ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ بِعاقِبَةٍ وأنْتِ إذْ صَحِيحُ

ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ زَمانٌ قُطِعَ عَنْهُ المُضافُ إلَيْهِ، لِأنَّ الوَصْلَ أوانُ صُلْحٍ، وعَوَّضَ التَّنْوِينُ، فَكُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا مِثْلَهُ، فَهُما شَبَهانِ في أنَّهُما مَبْنِيّانِ مَعَ وُجُودِ تَنْوِينٍ في آخِرِهِما لِلْعِوَضِ يُوجِبُ تَحْرِيكَ الآخَرِ بِالكَسْرِ، وإنْ كانَ سَبَبُ البِناءِ في أوانِ دُونَ إذْ شَبَهَ الغاياتِ، حَيْثُ جُعِلَ زَمانًا قُطِعَ عَنْهُ المُضافُ إلَيْهِ، وهو مُرادٌ، ولَيْسَ تَنْوِينُ العِوَضِ مانِعًا عَنِ الإلْحاقِ بِها، فَإنَّها تُبْنى إذا لَمْ يَكُنْ تَنْوِينٌ، لِأنَّ عِلَّتَهُ الِاحْتِياجُ إلى المَحْذُوفِ، كاحْتِياجِ الحَرْفِ إلى ما يَتِمُّ بِهِ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ نُوِّنَ أوْ لَمْ يُنَوَّنْ، فَإنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ لَفْظِيٌّ لا مَعْنَوِيٌّ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ التَّعْوِيضِ والبِناءِ، لَكِنِ اتُّفِقَ أنَّهم لَمْ يُعَوِّضُوا التَّنْوِينَ إلّا في حالِ إعْرابِها، وكَأنَّ ذَلِكَ لِئَلّا يَتَمَحَّضَ لِلتَّعْوِيضِ، بَلْ يَكُونُ فِيها مَعْنى التَّمَكُّنِ أيْضًا، فَلا مُنافاةَ، وثَبَتَ البِناءُ فِيما نَحْنُ فِيهِ بِدَلِيلِ الكَسْرِ، وكانَتِ العِلَّةُ الَّتِي في الغاياتِ قائِمَةً، فَأُحِيلَ البِناءُ عَلَيْها، واتُّفِقَ أنَّهم عَوَّضُوا التَّنْوِينَ ها هُنا تَشْبِيهًا بِإذْ في أنَّها لَمّا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ نُوِّنَتْ، أوْ تَوْفِيَةً لِحَقِّ اللَّفْظِ لَمّا فاتَ حَقُّ المَعْنى، وخُرِّجَتِ القِراءَةُ عَلى حَمْلِ ﴿مَناصٍ﴾ عَلى أوانٍ في البَيْتِ تَنْزِيلًا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ الظَّرْفُ، وهو ﴿حِينَ﴾ مَنزِلَةَ الظَّرْفِ، لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَقُدِّرَتْ ظَرْفِيَّتُهُ، وهو قَدْ كانَ مُضافًا إذا أصْلُهُ مَناصُهُمْ، فَقُطِعَ وصارَ، كَأنَّهُ ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ مُنَوَّنٌ لِقَطْعِهِ، ثُمَّ بُنِيَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، وهو ﴿حِينَ﴾ عَلى الكَسْرِ لِإضافَتِهِ إلى ما هو مَبْنِيٌّ فَرْضًا وتَقْدِيرًا، وهو ﴿مَناصٍ﴾ المُشابِهُ لِأوانٍ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الحَمْلِ لَمْ يُؤَثِّرْ في المَحْمُولِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ فِيما يُضافُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ في تَخْرِيجِ الجَرِّ في البَيْتِ عَلى ذَلِكَ ما فِيهِ، والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ يَرْتَضِيهِ، وضَمُّ التّاءِ عَلى قِراءَةِ أبِي السِّمالِ وكَسْرِها عَلى قِراءَةِ عِيسى لِلْبِناءِ، ورُوِيَ عَنْ عِيسى ”ولاتُ حِينُ“ بِالضَّمِّ، ”مَناصَ“ بِالفَتْحِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ بُنِيَ ”حِينُ“ عَلى الضَّمِّ تَشْبِيهًا بِالغاياتِ، وبُنِيَ ﴿مَناصٍ﴾ عَلى الفَتْحِ مَعَ لات وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ ولاتَ مَناصَ حِينَ لَكِنْ لا إنَّما تَعْمَلُ في النَّكِراتِ المُتَّصِلَةِ بِها دُونَ المُنْفَصِلَةِ عَنْها ولَوْ بِظَرْفٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ مَعْنًى لا أعْرِفُهُ انْتَهى، وأهْوَنُ مِن هَذا فِيما أرى كَوْنُ ﴿حِينَ﴾ مُعْرَبًا مُضافًا إلى ﴿مَناصٍ﴾ والفَتْحُ لِمُجاوَرَةِ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا﴾ نَظِيرُ فَتْحِ الرّاءِ مِن غَيْرَ في قَوْلِهِ:

صفحة 165

لَمْ يَمْنَعِ الشِّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ إرْقالِ

عَلى قَوْلٍ، والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ عَدَمُ صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ. وقَرَأ عِيسى أيْضًا كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ كُسِرَ تاءُ ”لات“ وعُلِمَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ في تائِها ثَلاثَ لُغاتٍ، واخْتَلَفُوا في أمْرِ الوَقْفِ عَلَيْها، فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والفَرّاءُ، وابْنُ كَيْسانَ، والزَّجّاجُ: يُوقَفُ عَلَيْها بِالتّاءِ، وقالَ الكِسائِيُّ، والمُبَرِّدُ بِالهاءِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ خِلافٌ في أنَّ الوَقْفَ بِالتّاءِ، لِأنَّ قَلْبَ التّاءِ هاءً مَخْصُوصٌ بِالأسْماءِ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مُلْحَقَةً بِلا، وإنَّما هي مَزِيدَةٌ في أوَّلِ ما بَعْدَها، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وذَكَرَ أنَّهُ رَأى في الإمامِ ”ولاتَحِينَ مَناصٍ“ بِرَسْمِ التّاءِ مَخْلُوطًا بِأوَّلِ حِينَ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ الخَطِّيِّ، إذْ لَمْ يَقَعْ في الإمامِ في مَحَلٍّ آخَرَ مَرْسُومًا عَلى خِلافِ ذَلِكَ حَتّى يُقالَ ما هُنا مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، والأصْلُ اعْتِبارُهُ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ومِن هُنا قالَ السَّخاوِيُّ في شَرْحِ الرّائِيَّةِ: أنا أسْتَحِبُّ الوَقْفَ عَلى لا بَعْدَ ما شاهَدْتُهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ سَمِعْناهم يَقُولُونَ: اذْهَبْ تَلانَ وتَحِينَ بِدُونِ لا، وهو كَثِيرٌ في النَّثْرِ والنَّظْمِ انْتَهى، ومِنهُ قَوْلُهُ:

العاطِفُونَ تَحِينَ لا مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعَمِ

وكَوْنُ أصْلِهِ العاطِفُونَهْ بِهاءِ السَّكْتِ فَلَمّا أُثْبِتَتْ في الدَّرْجِ قُلِبَتْ تاءً مِمّا لا يُصْغى إلَيْهِ، نَعَمِ الأوْلى اعْتِبارُ التّاءِ مَعَ لا لِشُهْرَةِ حِينَ دُونَ تَحِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ لاتَ هي لَيْسَ بِعَيْنِها وأصْلُ لَيْسَ لَيِسَ بِكَسْرِ الياءِ، فَأُبْدِلَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها بَعْدَ فَتْحَةٍ وأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً كَما في سِتٍّ، فَإنَّ أصْلَهُ سُدْسٌ، وقِيلَ: إنَّها فِعْلٌ ماضٍ ولاتَ بِمَعْنى نَقَصَ، وقَلَّ فاسْتُعْمِلَتْ في النَّفْيِ كَقَلَّ، ولَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، والمَناصُ المَنجا والفَوْتُ يُقالُ: ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا فاتَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا ومَناصًا أيْ فَرَّ وزاغَ، ويُقالُ اسْتَناصَ طَلَبَ المَناصَ، قالَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ يَصِفُ فَرَسًا لَهُ:

غَمْرُ الجِراءِ إذا قَصَّرْتَ عِنانَهُ ∗∗∗ بِيَدِي اسْتَناصَ ورامَ جَرْيَ المِسْحَلِ

وعَلى المَعْنى الأوَّلِ حَمَلَهُ بَعْضُهم هُنا وقالَ: المَعْنى نادَوْا واسْتَغاثُوا طَلَبًا لِلنَّجاةِ، والحالُ أنْ لَيْسَ الحِينُ حِينَ فَواتٍ ونَجاةٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: تَفْسِيرُهُ بِالفِرارِ، وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ فَقالَ: لَيْسَ بِحِينِ فِرارٍ، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ الأعْشى:

تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرٍ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ عَنْها والمَناصُ بَعِيدُ

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ: كانُوا إذا قاتَلُوا فاضْطُرُّوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ أيْ عَلَيْكم بِالفِرارِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ قالَ القُشَيْرِيُّ: فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَنادَوْا مَناصٌ، فَحُذِفَ لِدِلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، أيْ لَيْسَ الوَقْتُ وقْتَ نِدائِكم بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ حالِيَّةٌ، أيْ نادَوْا بِالفِرارِ، ولَيْسَ الوَقْتُ وقْتَ فِرارٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: في تَقْرِيرِ الحالِيَّةِ وهم لاتَ حِينَ مَناصٍ أيْ لَهُمْ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: أيْ فَنادَوْا حِينَ لا مَناصَ، أيْ ساعَةَ لا مَنجا، ولا فَوْتَ، فَلَمّا قَدَّمَ لا، وأخَّرَ حِينَ، اقْتَضى ذَلِكَ الواوَ كَما يَقْتَضِي الحالُ إذا جُعِلَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا مِثْلَ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، ثُمَّ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وهو راكِبٌ، فَحِينَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَوْا﴾ انْتَهى.

وكَوْنُ الأصْلِ ما ذُكِرَ أنَّ ﴿حِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنادَوْا دَعْوى أعْجَمِيَّةٌ مُخالِفَةٌ لِذَوْقِ الكَلامِ العَرَبِيِّ، لا سِيَّما وهو أفْصَحُ الكَلامِ، ولا أدْرِي ما الَّذِي دَعاهُ لِذَلِكَ،

38:4Page 453

وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤

And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.

﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِأباطِيلِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ما كانَ

صفحة 166

مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ وشِقاقِهِمْ أيْ عَجِبُوا مِن أنْ جاءَهم رَسُولٌ مِن جِنْسِهِمْ، أيْ بَشَرٌ، أوْ مِن نَوْعِهِمْ، وهم مَعْرُوفُونَ بِالأُمِّيَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: رَسُولٌ أُمِّيٌّ، والمُرادُ أنَّهم عَدُّوا ذَلِكَ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ احْتِمالِ الوُقُوعِ، وأنْكَرُوهُ أشَدَّ الإنْكارِ، لا أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا وُقُوعَهُ، وتَعَجَّبُوا مِنهُ، ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ وُضِعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وذَمًّا لَهُمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِ ما يَقُولُونَ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ والفُسُوقِ، ﴿هَذا ساحِرٌ﴾ فِيما يُظْهِرُهُ مِمّا لا نَسْتَطِيعُ لَهُ مِثْلًا، ﴿كَذّابٌ﴾ فِيما يُسْنِدُهُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ الإرْسالِ والإنْزالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском