Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
محمد
Muhammad
Muhammad · Medinan · 38 ayahs
47:1Page 507
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١
Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1
سُورَةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ، وهي مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ ولَمْ يَذْكُرُوا اسْتِثْناءً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلى آخِرِهِ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلَيْها وقالَ: (أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ وأنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلَيَّ ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ مِنكِ)».
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَيَكُونُ مَكِّيًّا بِناءً عَلى أنَّ ما نَزَلَ في طَرِيقِ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. أعْنِي ما نَزَلَ في سَفَرِ الهِجْرَةِ مِنَ المَكِّيِّ اصْطِلاحًا كَما يُؤْخَذُ مِن أثَرٍ أخْرَجَهُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ بِسَنَدِهِ إلى يَحْيى بْنِ سَلّامٍ، وعِدَّةُ آيِها أرْبَعُونَ في البَصْرِيِّ وثَمانٍ وثَلاثُونَ في الكُوفِيِّ وتِسْعٌ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وثَلاثُونَ فِيما عَداهُما، والخِلافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ولا يَخْفى قُوَّةُ ارْتِباطِ أوَّلِها بِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها واتِّصالُهُ وتَلاحُمُهُ بِحَيْثُ لَوْ سَقَطَتْ مِنَ البَيْنِ البَسْمَلَةُ لَكانا مُتَّصِلًا واحِدًا لا تَنافُرَ فِيهِ كالآيَةِ الواحِدَةِ آخِذًا بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ، «وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقْرَؤُها في صَلاةِ المَغْرِبِ».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ آيَةً فِينا وآيَةً في بَنِي أُمَيَّةَ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ الخَبَرِ. نَعَمْ لِكُفّارِ بَنِي أُمَيَّةَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِن عُمُوماتِ الآياتِ الَّتِي في الكُفّارِ كَما أنَّ لِأهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ المُعَلّى والرَّقِيبُ مِن عُمُوماتِ الآياتِ الَّتِي في المُؤْمِنِينَ، وأكْثَرُ مِن هَذا لا يُقالُ سِوى أنِّي أقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن قَطَعَ الأرْحامَ وآذى الآلَ.
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ أوْ مَنَعُوا غَيْرَهم عَنْ ذَلِكَ عَلى أنَّ صَدَّ لازِمٌ أوْ مُتَعَدٍّ، قالَ في الكَشْفِ: والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هو الإعْراضُ عَمّا أتى بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ فَيُطابِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ وكَثِيرٌ مِنَ الآثارِ تُؤَيِّدُ الثّانِي، وفَسَّرَ الضَّحّاكُ ( سَبِيلِ اللَّهِ ) بِبَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ: صَدُّهم عَنْهُ مَنعُهم قاصِدِيهِ ولَيْسَ بِذَلِكَ.
صفحة 37
والآيَةُ عامَّةٌ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في ( صَدُّوا ) المُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ الكُبْرى، وكَأنَّهُ عَنى مَن يَدْخُلُ في العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا صادِّينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَصَدُّهم أعْظَمُ مِن صَدِّ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَفَرَ وصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ، وأوَّلُ مَن أطْعَمَ مِنهم عَلى ما نُقِلَ عَنْ سِيرَةِ ابْنِ سَيِّدِ النّاسِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَحَرَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ حِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ عَشْرًا مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ نَحَرَ تِسْعًا بِعُسْفانَ، ثُمَّ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو نَحَرَ بِقَدِيدٍ عَشْرًا ثُمَّ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وقَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ نَحَرَ تِسْعًا ثُمَّ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحَرَ عَشْرًا، ثُمَّ مَقِيسٌ الجُمَحِيُّ بِالأبْواءِ نَحَرَ تِسْعًا، ثُمَّ العَبّاسُ نَحَرَ عَشْرًا، والحَرْثُ بْنُ عامِرٍ نَحَرَ تِسْعًا، وأبُو البُخْتَرِيِّ عَلى ماءِ بَدْرٍ نَحَرَ عَشْرًا، ومَقِيسٌ تِسْعًا ثُمَّ شَغَلَتْهُمُ الحَرْبُ فَأكَلُوا مِن أزْوادِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا سِتَّةَ نَفَرٍ نَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلٍ والحَرْثُ ابْنا هِشامٍ، وضَمَّ مُقاتِلٌ إلَيْهِمْ سِتَّةً أُخْرى وهم عامِرُ بْنُ نَوْفَلٍ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ أطْعَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَوْمًا الأحابِيشَ والجُنُودَ يَسْتَظْهِرُونَ بِهِمْ عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يُنافِي عَدُّ أبِي سُفْيانَ إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ مِن أُولَئِكَ كَوْنَهُ مَعَ العِيرِ لِأنَّ المُرادَ بِيَوْمِ بَدْرٍ زَمَنُ وقْعَتِها فَيَشْمَلُ مَن أطْعَمَ في الطَّرِيقِ وفي مُدَّتِها حَتّى انْقَضَتْ، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإسْلامِ ويَأْمُرُونَهم بِالكُفْرِ، وقِيلَ: هم شَياطِينُ مِن أهْلِ الكِتابِ صَدُّوا مَن أرادَ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ.
والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها وأحْبَطَها وجَعَلَها ضائِعَةً لا أثَرَ لَها ولا نَفْعَ أصْلًا لا بِمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ أبْطَلَها وأحْبَطَها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ حَكَمَ بِبُطْلانِها وضَياعِها وأُرِيدَ بِها ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ وقِرى الأضْيافِ وفَكِّ الأُسارى وغَيْرِها مِنَ المَكارِمِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَعَلَها ضَلالًا أيْ غَيْرَ هُدًى حَيْثُ لَمْ يُوَفِّقْهم سُبْحانَهُ لِأنْ يَقْصِدُوا بِها وجْهَهُ سُبْحانَهُ أوْ جَعَلَها ضالَّةً أيْ غَيْرَ مُهْتَدِيَةٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ومَن قالَ الآيَةُ في المُطْعِمِينَ وأضْرابِهِمْ قالَ: المَعْنى أبْطَلَ جَلَّ وعَلا ما عَمِلُوهُ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالإنْفاقِ الَّذِي أنْفَقُوهُ في سَفَرِهِمْ إلى مُحارَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ ﷺ وإظْهارِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ولَعَلَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدَهُ، وكَذا بِما قِيلَ إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِبَدْرٍ.
47:2Page 507
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢
And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ، وفَسَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأهْلِ مَكَّةَ قُرَيْشٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم ناسٌ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أعَمُّ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ فَإنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ ولا داعِيَ لِلتَّخْصِيصِ ﴿وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ مِنَ القُرْآنِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ الإيمانُ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وأنَّهُ الأصْلُ في الكُلِّ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ وهو جُمْلَةٌ مُعْتَرَضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُفِيدَةٌ لِحَصْرِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ عَلى طَرِيقَةِ الحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ وقَوْلُكُ: حاتِمٌ الجَوادُ فَيُرادُ بِالحَقِّ ضِدُّ الباطِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحَصْرُ عَلى ظاهِرِهِ والحَقُّ الثّابِتُ، وحَقِّيَّةُ ما نَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ ناسِخًا لا يُنْسَخُ
صفحة 38
وهَذا يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِهِ ومِنهُ جاءَ التَّأْكِيدُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى ( مِن رَبِّهِمْ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( الحَقُّ ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُقْسِمٍ (نُزِلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والأعْمَشُ (أُنْزِلَ) مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ (أنَزَلَ) بِالهَمْزِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (ونَزَلَ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ سَتَرَها بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، والمُرادُ أزالَها ولَمْ يُؤاخِذْهم بِها ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ حالَهم في الدِّينِ والدُّنْيا بِالتَّوْفِيقِ والتَّأْيِيدِ، وتَفْسِيرُ البالِ بِالحالِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وعَنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالشَّأْنِ وهو الحالُ أيْضًا أوْ ما لَهُ خَطَرٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الرّاغِبِ: البالُ الحالُ الَّتِي يَكْتَرِثُ بِها، ولِذَلِكَ يُقالُ: ما بالَيْتُ بِكَذا بالَةً أيْ ما اكْتَرَثْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ)» الحَدِيثَ.
ويَكُونُ بِمَعْنى الخاطِرِ القَلْبِيِّ ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ القَلْبِ كَما قالَ الشِّهابُ. وفي البَحْرِ حَقِيقَةُ البالِ الفِكْرُ والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الإنْسانِ وهو القَلْبُ ومَن صَلَحَ قَلْبُهُ صَلُحَتْ حالُهُ، فَكَأنَّ اللَّفْظَ مُشِيرٌ إلى صَلاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحالِ تابِعٌ لَهُ، وحُكِيَ عَنِ السَّفاقْسِيِّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالفِكْرِ وكَأنَّهُ لِنَحْوِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وهو كَما في البَحْرِ أيْضًا مِمّا لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ وشَذَّ قَوْلُهم في جَمْعِهِ بالاتٌ
47:3Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣
That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ الإضْلالِ والتَّكْفِيرِ والإصْلاحِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ اتِّباعِ الأوَّلِينَ الباطِلَ واتِّباعِ الآخِرِينَ الحَقَّ والمُرادُ بِالحَقِّ والباطِلِ مَعْناهُما المَشْهُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَ ( الباطِلَ ) بِالشَّيْطانِ. وفي البَحْرِ قالَ مُجاهِدٌ: الباطِلُ الشَّيْطانُ وكُلُّ ما يَأْمُرُ بِهِ ﴿والحَقَّ﴾ هو الرَّسُولُ والشَّرْعُ، وقِيلَ: الباطِلُ ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ( وبِأنَّ ) إلَخْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ الأمْرُ ذَلِكَ أيْ كَما ذُكِرَ مُلْتَبِسًا بِهَذا السَّبَبِ.
والعامِلُ في الحالِ إمّا مَعْنى الإشارَةِ وإمّا نَحْوَ أثْبَتُهُ وأحَقُّهُ فَإنَّ الجُمْلَةَ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَضْمُونُ كُلِّ خَبَرٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابًا لِلْحَذْفِ مِن غَيْرِ داعٍ لَهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ أعْنِي ( مِن رَبِّهِمْ ) في مَوْضِعِ الحالِ عَلى كُلِّ حالٍ، والكَلامُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ السَّبَبِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ البِناءِ عَلى المَوْصُولِ، ويُسَمِّيهِ عُلَماءُ البَيانِ التَّفْسِيرُ، ونَظِيرُهُ ما أنْشَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِنَفْسِهِ:
بِهِ فُجِعَ الفُرْسانُ فَوْقَ خُيُولِهِمْ كَما فَجُعِتْ تَحْتَ السُّتُورِ العَواتِقُ
تَساقَطَ مِن أيْدِيهِمُ البَيْضُ حَيْرَةً ∗∗∗ وزَعْزَعَ عَنْ أجْيادِهِنَّ المُخانِقُ
فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرًا عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ كَما في الآيَةِ وهو مِن مَحاسِنِ الكَلامِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيْ يُبَيِّنُ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ ﴿أمْثالَهُمْ﴾ أيْ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وأوْصافَهُما الجارِيَةَ في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ، وهي اتِّباعُ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ وفَوْزُهم وفَلاحُهُمْ، واتِّباعُ الكافِرِينَ الباطِلَ وخَيْبَتُهم وخُسْرانُهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِضَرْبِ الأمْثالِ التَّمْثِيلُ والتَّشْبِيهُ بِأنْ جَعَلَ سُبْحانَهُ اتِّباعَ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكُفّارِ والإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَتِهِمْ واتِّباعَ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِهِمْ والإشارَةُ بِذَلِكَ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ ( أمْثالَهم ) لِلنّاسِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences