Al-AlusiAl‑An'am · 6:1

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:1, continued

والمُرادُ بِالخَلْقِ الإنْشاءُ والإيجادُ أيْ أوْجَدَ السَّمَواتِ والأرْضَ وأنْشَأهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ ءاياتٌ لِلْمُتَفَكِّرِينَ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحَمْدِ وإنْ كانَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لِأنَّ جَعْلَهُما مَسْبُوقٌ بِخَلْقِ مَنشَئِهِما ومَحَلِّهِما كَما قِيلَ، والجَعْلُ -كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ- الإنْشاءُ والإبْداعُ كالخَلْقِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ وهَذا عامٌ لَهُ كَما في الآيَةِ ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ أنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ بِأنْ يَكُونَ

صفحة 82

فِيهِ أوْ لَهُ أوْ مِنهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةً مُصَحِّحَةً لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ لَغْوًا كانَ أوْ مُسْتَقِرًّا لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ بَلْ قَيْدًا فِيهِ، وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ الجَعْلِ والخَلْقِ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والجَعْلَ فِيهِ مَعْنى التَّضْمِينِ أيْ كَوْنُهُ مُحَصَّلًا مِن ءاخَرٍ كَأنَّهُ في ضِمْنِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ أحْداثِ النُّورِ والظُّلْمَةِ بِالجَعْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما لا يَقُومانِ بِأنْفُسِهِما كَما زَعَمَتِ الثَّنَوِيَّةُ

واعْتُرِضَ بِأنَّ الثَّنَوِيَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ جِسْمانِ قَدِيمانِ سَمِيعانِ بَصِيرانِ أوَّلُها خالِقُ الخَيْرِ والثّانِي خالِقُ الشَّرِّ فَهُما حِينَئِذٍ لَيْسا بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُتَعارَفِ فَمُدَّعاهُمُ الفاسِدُ يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ هَذا، وأيْضًا الرَّدُّ يَحْصُلُ لِكَوْنِهِما مُحْدَثَيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الجَعْلِ ولَوْ أتى بِالخَلْقِ بَدَلَهُ حَصَلَ المَقْصُودُ مِنهُ، وأيْضًا أنَّ الجَعْلَ المُتَعَدِّيَ لِواحِدٍ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ قائِمٍ بِنَفْسِهِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ وأفْرَدَ النُّورَ لِيَحْسُنَ التَّقابُلُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أوْ لِما قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ

وقِيلَ لِأنَّ المُرادَ بِالظُّلْمَةِ الضَّلالُ وهو مُتَعَدِّدٌ وبِالنُّورِ الهُدى وهو واحِدٌ، ويَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ والوَحْدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْلَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ هُنا عَلى الأمْرَيْنِ المَحْسُوسَيْنِ وإنْ جاءَ في الكِتابِ الكَرِيمِ بِمَعْنى الهُدى والضَّلالِ وكانَ لَهُ هُنا وجْهٌ أيْضًا لِأنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ وقَدْ أمْكَنَ مَعَ وُجُودِ ما يُلائِمُهُ ويَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً ظاهِرًا حَيْثُ قُرِنا بِالسَّمَواتِ والأرْضِ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِما الجَنَّةُ والنّارُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ولِلْعُلَماءِ في النُّورِ والظُّلْمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ وبَحْثٌ عَرِيضٌ حَتّى أنَّهم ألَّفُوا في ذَلِكَ الرَّسائِلَ ولَمْ يَتْرُكُوا بَعْدُ مَقالًا لِقائِلٍ

وذَكَرَ الإمامُ أنَّ النُّورَ كَيْفِيَّةً هي كَمالٌ بِذاتِها لِلشَّفّافِ مِن حَيْثُ هو شَفّافٌ أوِ الكَيْفِيَّةُ الَّتِي لا يَتَوَقَّفُ الإبْصارُ بِها عَلى الإبْصارِ بِشَيْءٍ آخَرَ وأنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ وهو باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ كَوْنَها أنْوارًا إمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنُ كَوْنِها أجْسامًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَها، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ النُّورِيَّةِ مُغايِرٌ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الجِسْمِيَّةِ، ولِذَلِكَ يَعْقِلُ جِسْمٌ مُظْلِمٌ ولا يَعْقِلُ نُورٌ مُظْلِمٌ، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّها أجْسامٌ حامِلَةٌ لِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ تِلْكَ الأجْسامَ المَوْصُوفَةَ بِتِلْكَ الكَيْفِيّاتِ إمّا أنْ تَكُونَ مَحْسُوسَةً أوْ لا فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَكُنِ الضَّوْءُ مَحْسُوسًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَتْ ساتِرَةً لِما تَحْتَها ويَجِبُ أنَّها كُلَّما ازْدادَتِ اجْتِماعًا ازْدادَتْ سَتْرًا لَكِنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الشُّعاعَ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَتْ حَرَكَتُهُ بِالطَّبْعِ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ لَكِنَّ النُّورَ مِمّا يَقَعُ عَلى كُلِّ جِسْمٍ في كُلِّ جِهَةٍ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ النُّورَ إذا دَخَلَ مِن كُوَّةٍ ثُمَّ سَدَدْناها دَفْعَةً فَتِلْكَ الأجْزاءُ النُّورانِيَّةُ إمّا أنْ تَبْقى أوْ لا فَإنْ بَقِيَتْ فَإمّا أنْ تَبْقى في البَيْتِ، وإمّا أنْ تَخْرُجَ فَإنْ قِيلَ: إنَّها خَرَجَتْ عَنِ الكُوَّةِ قَبْلَ السَّدِّ فَهو مُحالٌ، وإنْ قِيلَ: إنَّها عَدِمَتْ فَهو أيْضًا باطِلٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُحْكَمَ أنَّ جِسْمًا لَمّا تَخَلَّلَ بَيْنَ جِسْمَيْنِ عَدِمَ أحَدُهُما فَإذَنْ هي باقِيَةٌ في البَيْتِ، ولا شَكَّ في زَوالِ نُورِيَّتِها عَنْها، وهَذا هو الَّذِي نَقُولُ مِن أنَّ مُقابَلَةَ المُسْتَضِيءِ سَبَبٌ لِحُدُوثِ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأجْسامِ ثَبَتَ في الكُلِّ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مِنَ الأُفُقِ يَسْتَبِينُ وجْهُ الأرْضِ كُلُّهُ دَفْعَةً، ومِنَ البَعِيدِ أنْ تَنْتَقِلَ تِلْكَ الأجْزاءُ مِنَ الفَلَكِ الرّابِعِ إلى وجْهِ الأرْضِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ سِيَّما والخَرْقُ عَلى الفَلَكِ مُحالٌ عِنْدَهم واحْتَجَّ المُخالِفُ بِأنَّ

صفحة 83

الشُّعاعَ مُتَحَرِّكٌ وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ جِسْمٌ فالشُّعاعُ جِسْمٌ (بَيانُ الصُّغْرى بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ)، الأوَّلُ أنَّ الشُّعاعَ مُنْحَدِرٌ مِن ذِيهِ والمُنْحَدِرُ مُتَحَرِّكٌ بِالبَدِيهَةِ، والثّانِي أنَّهُ يَتَحَرَّكُ ويَنْتَقِلُ بِحَرَكَةِ المُضِيءِ، والثّالِثُ أنَّهُ قَدْ يَنْعَكِسُ عَمّا يَلْقاهُ إلى غَيْرِهِ، والِانْعِكاسُ حَرَكَةٌ، والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُمُ: الشُّعاعُ مُنْحَدِرٌ فَهو باطِلٌ وإلّا لَرَأيْناهُ في وسَطِ المَسافَةِ بَلِ الشُّعاعُ يَحْدُثُ في المُقابِلِ القابِلِ دَفْعَةً، ولَمّا كانَ حُدُوثُهُ مِن شَيْءٍ عالٍ تُوُهِّمَ أنَّهُ يَنْزِلُ، وأمّا حَدِيثُ الِانْتِقالِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الظِّلَّ يَنْتَقِلُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فالحَقُّ أنَّهُ كَيْفِيَّةٌ حادِثَةٌ في المُقابِلِ وعِنْدَ زَوالِ المُحاذاةِ عَنْهُ إلى قابِلٍ آخَرَ يَبْطُلُ النُّورُ عَنْهُ ويَحْدُثُ في ذَلِكَ الآخَرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في الِانْعِكاسِ فَإنَّ المُتَوَسِّطَ شَرْطٌ لِأنْ يَحْدُثَ الشُّعاعُ مِنَ المُضِيءِ في ذَلِكَ الجِسْمِ ثُمَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ كَيْفِيَّةٌ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِ اللَّوْنِ فَقَطْ، وزَعَمُوا أنَّ الظُّهُورَ المُطْلَقَ هو الضَّوْءُ وإخْفاءُ المُطْلَقِ هو الظُّلْمَةُ والمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هو الظِّلُّ، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُهُ بِحَسْبِ مَراتِبِ القُرْبِ والبُعْدِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ وأطالُوا الكَلامَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِما لا يُجْدِي نَفْعًا، ولا يَأْبى أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ الأوَّلُ أنَّ ظُهُورَ اللَّوْنِ إشارَةٌ إلى تَجَدُّدِ أمْرٍ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ اللَّوْنُ أوْ صِفَةً غَيْرَ نِسْبِيَّةٍ أوْ صِفَةً نِسْبِيَّةً، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُجْعَلَ النُّورُ عِبارَةً عَنْ تَجَدُّدِ اللَّوْنِ أوْ عَنِ اللَّوْنِ المُتَجَدِّدِ، والأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَنِيرًا إلّا آنَ تَجَدُّدُهُ، والثّانِي يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ نَفْسَ اللَّوْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِمُ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ مَعْنًى، وإنْ جَعَلُوا الضَّوْءَ كَيْفِيَّةً ثُبُوتِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ وسَمَّوْهُ بِالظُّهُورِ عادَ النِّزاعُ لَفْظِيًّا، وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ تَجَدُّدُ حالَةِ نِسْبِيَّةٍ فَذاكَ باطِلٌ لِأنَّ الضَّوْءَ أمْرٌ غَيْرُ نِسْبِيٍّ فَلا يُمْكِنُ أنْ يُفَسَّرَ بِالحالَةِ النِّسْبِيَّةِ، والثّانِي أنَّ البَياضَ قَدْ يَكُونُ مُضِيئًا و مُشْرِقًا وكَذَلِكَ السَّوادُ فَإنَّ الضَّوْءَ ثابِتٌ لَهُما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما مُضِيئًا نَفْسَ ذاتِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ بَعْضُهُ مُضادًّا لِلْبَعْضِ وهو مُحالٌ إذِ الضَّوْءُ لا يُقابِلُهُ إلّا الظُّلْمَةُ

الثّالِثُ أنَّ اللَّوْنَ يُوجَدُ مِن غَيْرِ الضَّوْءِ فَإنَّ السَّوادَ مَثَلًا قَدْ لا يَكُونُ مُضِيئًا وكَذَلِكَ الضَّوْءُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ اللَّوْنِ مِثْلُ الماءِ والبِلَّوْرِ إذا كانا في الظُّلْمَةِ ووَقَعَ الضَّوْءُ عَلَيْهِ وحْدَهُ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُرى ضَوْءُهُ فَذَلِكَ ضَوْءٌ ولَيْسَ بِلَوْنٍ فَإذا وُجِدَ كُلٌّ مِنهُما دُونَ الآخَرِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ

الرّابِعُ أنَّ المُضِيءَ لِلَوْنٍ تارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ وحْدَهُ إلى غَيْرِهِ وتارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ الضَّوْءُ واللَّوْنُ وذَلِكَ إذا كانَ قَوِيًّا فِيهِما جَمِيعًا فَلَوْ كانَ الضَّوْءُ ظُهُورُ اللَّوْنِ لاسْتَحالَ أنْ يُفِيدَ غَيْرُهُ بَرِيقًا ساذَجًا، وكَوْنُ هَذا البَرِيقِ عِبارَةً عَنْ إظْهارِ لَوْنِ ذَلِكَ القابِلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لِماذا إذا اشْتَدَّ لَوْنُ الجِسْمِ المُنْعَكِسِ مِنهُ وضَوْءُهُ أخْفى لَوْنَ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ وأبْطَلَهُ وأعْطاهُ لَوْنَ نَفْسِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ والشُّعاعِ والبَرِيقِ بِأنَّ الأجْسامَ إذا صارَتْ ظاهِرَةً بِالفِعْلِ مُسْتَنِيرَةً فَإنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ كَيْفِيَّةٌ ثابِتَةٌ فِيها مُنْبَسِطَةٌ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يُقالَ: إنَّها سَوادٌ أوْ بَياضٌ أوْ حُمْرَةٌ أوْ صُفْرَةٌ، والآخَرُ اللَّمَعانُ وهو الَّذِي يَتَرَقْرَقُ عَلى الأجْسامِ ويَسْتُرُ لَوْنَها وكَأنَّهُ شَيْءٌ يَفِيضُ مِنها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن ذاتِهِ أوْ مِن غَيْرِهِ فالظُّهُورُ لِلشَّيْءِ الَّذِي مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ والنّارِ يُسَمّى ضَوْءًا، والظُّهُورُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ يُسَمّى نُورًا، والتَّرَقْرُقُ الَّذِي لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ كَما لِلشَّمْسِ يُسَمّى شُعاعًا، والَّذِي يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن غَيْرِهِ كَما لِلْمِرْآةِ يُسَمّى بَرِيقًا

وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ الكَلامُ في الفَرْقِ بَيْنَ النُّورِ والضَّوْءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ أيْضًا وكَذَلِكَ الكَلامُ في الظُّلْمَةِ والنِّسْبَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ النُّورِ، والمَشْهُورُ أنَّ بَيْنَهُما تَقابُلَ العَدَمِ والمَلَكَةِ، ولِهَذا قُدِّمَتِ الظُّلُماتُ عَلى النُّورِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ

صفحة 84

فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الإعْدامَ مُقَدِّمَةٌ عَلى المَلَكاتِ

وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا تَقابَلَ شَيْئانِ أحَدُهُما وجُودِيٌّ فَقَطْ فَإنِ اعْتَبَرَ التَّقابُلَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْضُوعٍ قابِلٍ لِلْأمْرِ الوُجُودِيِّ إمّا بِحَسْبِ شَخْصِهِ أوْ بِحَسْبِ نَوْعِهِ أوْ بِحَسْبِ جِنْسِهِ القَرِيبِ أوِ البَعِيدِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ أوْ بِحَسْبِ الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ حُصُولُهُ فِيهِ فَهُما العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِما ذَلِكَ فَهُما السَّلْبُ والإيجابُ، فالعَدَمُ المَشْهُورِيُّ في العَمى والبَصَرِ هو ارْتِفاعُ الشَّيْءِ الوُجُودِيِّ كالقُدْرَةِ عَلى الإبْصارِ مَعَ ما يَنْشَأُ مِنَ المادَّةِ المُهَيِّئَةِ لِقَبُولِهِ في الوَقْتِ الَّذِي مِن شَأْنِها ذَلِكَ فِيهِ كَما حَقَّقَ في حِكْمَةِ العَيْنِ وشَرْحِها، فَإذا تَحَقَّقَ أنَّ كُلَّ قابِلٍ لِأمْرٍ وُجُودِيٍّ في ابْتِداءِ قابِلِيَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ العَدَمِ قَبْلَ وُجُودِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالفِعْلِ تَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَلَكَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِعَدَمِها لِأنَّ وُجُودَ تِلْكَ الصِّفَةِ بِالقُوَّةِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها بِالفِعْلِ، وقالَ المَوْلى مِيرَزاجانَ: لا بُدَّ في تَقابُلِ العَدَمِ والمَلَكَةِ أنْ يُؤْخَذَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لِلْوُجُودِيِّ، ولا يَكْفِي نِسْبَةُ المَحِلِّ القابِلِ لِلْوُجُودِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في مَفْهُومِ العَدَمِيِّ كَوْنُ المَحِلِّ قابِلًا لَهُ، ولِذا صَرَّحُوا بِأنَّ تَقابُلَ العَدَمِ والوُجُودِ تَقابُلُ الإيجابِ والسَّلْبِ

قالَ في الشِّفاءِ: العَمى هو عَدَمُ البَصَرِ بِالفِعْلِ مَعَ وُجُودِهِ بِالقُوَّةِ، وهَذا مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في مَعْناهُ المَشْهُورِ انْتَهى، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَعْضُ الشُّكُوكِ الَّتِي عَرَّضَتْ لِبَعْضِ النّاظِرِينَ في هَذا المَقامِ، وقِيلَ في تَقَدُّمِ عَدَمِ المَلَكَةِ عَلى الوُجُودِ: إنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ عَدَمٌ مَخْصُوصٌ والعَدَمُ المُطْلَقُ في ضِمْنِهِ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى الوُجُودِ في سائِرِ المَخْلُوقاتِ

ولِذا قالَ الإمامُ: إنَّما قَدَّمَ الظُّلُماتِ عَلى النُّورِ لِأنَّ عَدَمَ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها كَما جاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلَقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ وفي أُخْرى ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ نُورُهُ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ“

وعَلَيْهِ الظُّلْمَةُ في الخَبَرِ بِمَعْنى العَدَمِ، والنُّورُ بِمَعْنى الوُجُودِ ولا يُلائِمُهُ سِياقُ الحَدِيثِ، والظّاهِرُ ما قِيلَ الظُّلْمَةُ عَدَمُ الهِدايَةِ وظُلْمَةُ الطَّبِيعَةِ، والنُّورُ الهِدايَةُ ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن زَعَمَ أنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضادِ النَّوْرَ واحْتُجَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَلَكَةِ كالعَمى لَيْسَ صَرْفَ العَدَمِ حَتّى لا يَتَعَلَّقَ بِهِ الجَعْلُ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما قِيلَ أنَّ الجَعْلَ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ بَلْ تَضْمِينُ شَيْءٍ شَيْئًا وتَصْيِيرُهُ قائِمًا بِهِ قِيامَ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ أوِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والعَدَمُ مِنَ الثّانِي فَصَحَّ تُعَلُّقُ الجَعْلِ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عَيْنًا، وفي الطَّوالِعِ أنَّ العَدَمَ المُتَجَدِّدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ الفاعِلِ كالوُجُودِ الحادِثِ فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ

﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

1

- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَعْدِلُونَ) فِيهِ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أوْ مِنهُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والكُفْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ المُقابِلِ لِلْإيمانِ أوْ بِمَعْنى كُفْرانِ النِّعْمَةِ، والباءُ يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (كَفَرُوا)، وأنْ تَتَعَلَّقَ بِـ (يَعْدِلُونَ) وعَلى التَّقادِيرِ فالجُمْلَةُ إمّا إنْشائِيَّةٌ إنْشاءَ الِاسْتِبْعادِ أوْ إخْبارِيَّةٌ وارِدَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ شَناعَةِ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ هي إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) إنْشاءً أوْ إخْبارًا أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (خَلَقَ) صِلَةُ (الَّذِي) أوْ عَلى (الظُّلُماتِ) مَفْعُولُ (جَعَلَ)، فالِاحْتِمالاتُ تَرْتَقِي إلى أرْبَعَةٍ وسِتِّينَ حاصِلَةً مِن ضَرْبِ سِتَّةَ عَشَرَ، احْتِمالاتُ المَعْطُوفِ في أرْبَعَةٍ أعْنِي احْتِمالاتِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذا لُوحِظَ هُناكَ أُمُورٌ

صفحة 85

أُخَرُ مَشْهُورَةٌ بَلَغَتِ الِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةَ آلافٍ وزِيادَةً، ولَكِنْ لَيْسَ لَنا إلى هَذِهِ المُلاحَظَةِ كَبِيرُ داعٍ، والَّذِي اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِن تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الحَمْدِ والعَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ أيِ الِانْصِرافُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَفَرُوا) وهو مِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى الشِّرْكِ أوْ كُفْرانِ النِّعْمَةِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَعْدَ الجارِّ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَ مِنَ النِّعَمِ الجِسامِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى الخاصِّ والعامِّ، ثُمَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ أوْ كَفَرُوا بِنِعَمِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعَمَهُ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والعَدْلُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والكَفْرُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ

والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ والمَخْلُوقاتِ العِظامَ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ أوْ هَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها وهم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ ومِهادِ تَرْبِيَتِهِ

و(ثُمَّ) لِاسْتِبْعادِ ما وقَعَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ لِلتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجَعَلَها أبُو حَيّانَ لِمُجَرَّدِ التَّراخِي في الزَّمانِ وهو وإنْ صَحَّ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ مُمْتَدٍّ يَصِحُّ فِيهِ التَّراخِي بِاعْتِبارِ أوَّلِهِ والفَوْرُ بِاعْتِبارِ آخِرِهِ كَما حَقَّقَهُ النُّحاةُ إلّا أنَّ ما ذُكِرَ أوْفَقُ بِالمَقامِ، ونُكْتَةُ وضْعِ الرَّبِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ تَأْكِيدِ أمْرِ الِاسْتِبْعادِ، ووَجْهُ جَعْلِ الباءَ مُتَعَلِّقَةً بِـ (يِعْدَلُونَ) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْهِ وبِـ (كَفَرُوا) عَلى الِاحْتِمالِ الآخَرِ أنَّهُ إذا كانَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ يَقْتَضِي التَّوَصُّلَ بِالباءَ بِخِلافِ ما إذا كانَ مِنهُ بِمَعْنى العُدُولِ، فالظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وما قالَهُ المُحَقِّقُ التَّفْتازانِيُّ مِنِّي أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِكُلٍّ مِن تَوْجِيهَيْ ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ بِواحِدٍ مِنَ العَطْفَيْنِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ وجْهَ تَخْصِيصِ كُلٍّ بِما خُصِّصَ بِهِ اتِّساقُ نَظْمِ الآيَةِ حِينَئِذٍ، وظُهُورُ شِدَّةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما عُطِفَ بِـ (ثُمَّ) الِاسْتِبْعادِيَّةِ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الأُولى إنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَحَقَ جَمِيعَ المَحامِدِ مِنَ العِبادِ فُهِمَ أنَّ العُدُولَ عَنْهُ تَعالى والإعْراضَ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ، فَيُناسِبُ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ فَلا يَحْمَدُونَهُ ولا يَلْتَفِتُونَ لَفْتَةً، ولا يُناسِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ إذْ لَمْ يُسْبَقْ صَرِيحًا، وبِالقَصْدِ الأوْلى ما يَنْفِي التَّسْوِيَةَ، وإذا قِيلَ مَثَلًا في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ: إنَّهُ جَعْلُ شَأْنِهِ خَلْقَ هَذِهِ الأجْسامِ العِظامِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ناسَبَ في الِاسْتِبْعادِ أنْ يُقالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسَوُّونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لا أنَّهم لا يَحْمَدُونَهُ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إذا كانَ المَعْنى عَلى الأوَّلِ الحَمْدَ والثَّناءَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُنْعِمِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الشّامِلَةِ سائِرَ الأُمَمِ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنَ الكَفَرَةِ والمُشْرِكِينَ المُسْتَغْرِقِينَ في بِحارِ إحْسانِهِ العُدُولُ عَنْهُ، وعَلى الثّانِي المَعْرُوفِ بِالقُدْرَةِ عَلى إيجادِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ الَّتِي دَخَلَ فِيها كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الخاصِّ والعامِّ كَيْفَ يَتَسَنّى لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أوْ لِهَؤُلاءِ الجاحِدِينَ لِلنِّعَمِ أنْ يُسَوُّوا بِهِ غَيْرَهُ وهم في قَبْضَتِهِ، فَوَجْهُ التَّخْصِيصِ في الأوَّلِ أنَّهُ لا يَخْفى اسْتِبْعادُ انْصِرافِ العَبْدِ عَنْ سَيِّدِهِ ووَلِيِّ نِعْمَتِهِ إلى سِواهُ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّ المُنْعِمَ قَدْ يُساوِيهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُحْسِنُ إلى غَيْرِهِ، وفي الثّانِي أنَّ اسْتِبْعادَ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ بِخِلافِ العُدُولِ عَنْهُ فَإنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ لِجَهْلِ العادِلِ بِحَقِّهِ فَإنَّ العُدُولَ لا يُنافِي عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّهُ لا يُسَوِّي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا يَعْرِفُهُما بِوَجْهٍ ما فَتَدَبَّرْ

واعْتَرَضَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى العَطْفِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِضَمِّ ما لا دَخْلَ لَهُ في اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ

صفحة 86

إلى مالِهِ ذَلِكَ ثُمَّ جَعَلَ المَجْمُوعَ صِلَةً في مَقامٍ يَقْتَضِي كَوْنَ الصِّلَةِ مَحْمُودًا عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى وعُمُومِ إحْسانِهِ لِلْمُسْتَحَقِّ وغَيْرِهِ حَيْثُ يُنْعِمُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ ويُشْرِكُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ مُنْبِئٌ عَنْ كَمالِ الِاسْتِحْقاقِ وقَدْ يُقالُ: وُقُوعُ هَذا المَعْطُوفِ مَوْقِعَ المَحْمُودِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْنى التَّعْظِيمِ المُسْتَفادِ مِن إنْكارِ مَضْمُونِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ جَلَّ جَنابُهُ عَنْ أنْ يُعْدَلَ بِهِ شَيْءٌ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ المَحْمُودَ عَلَيْهِ يَجِبُ في المَشْهُورِ أنْ يَكُونَ جَمِيلًا اخْتِيارِيًّا وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ

وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ في الِاعْتِراضِ عَلى العَطْفِ المَذْكُورِ أنَّ ما يَنْتَظِمُ في سِلْكِ الصِّلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ مُوجِباتِ حَمْدِهِ تَعالى حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في ذَلِكَ الإنْباءِ في الجُمْلَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ كُفْرَهم بِمَعْزِلِ عَنْهُ وادِّعاءَ أنَّ لَهُ دَخْلًا فِيهِ لِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ الجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ العِظامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ تَعَسُّفٌ لا يُساعِدُهُ النِّظامُ وتَعْكِيسٌ يَأْباهُ المَقامُ كَيْفَ لا وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الآياتُ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ نِهايَةِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ لا بَيانِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مَعَ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقْتَضِيهِ الِادِّعاءُ المَذْكُورُ وبِهَذا اتَّضَحَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ المَعْطُوفِ مِن رَوادِفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما أنَّ حَقَّ الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَقْصُودَةِ الإفادَةِ فَما ظَنُّكَ بِرَوادِفِها وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَعْطُوفَ هو الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ انْتَهى

ورُدَّ بِأنَّهُ لا شَكَّ في أنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يُرادُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ، ولا تَعَسُّفَ فِيهِ لِبَلاغَتِهِ، وادِّعاءُ التَّعْكِيسِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ المَقامَ مَقامُ الحَمْدِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرُ بِها، وما بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ ولا يُتْرَكُ مُقْتَضى مَقامٍ لِأجْلِ مُقْتَضى مَقامٍ آخَرَ إذْ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ خالِيَةٌ مِن رابِطٍ يَرْبُطُها بِالمَوْصُولِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَخْرُجَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: أبُو سَعِيدٍ رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ حَيْثُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ، إلّا أنَّ هَذا مِنَ النُّدُورِ بِحَيْثُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى مِثْلِهِ مَعَ إمْكانِ حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ الفَصِيحِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ضَعْفِ ذَلِكَ في رَبْطِ الصِّلَةِ ابْتِداءُ ضَعْفِهِ فِيما عُطِفَ عَلَيْها فَكَثِيرًا ما يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، والجَوابُ بِأنَّ هَذا العَطْفَ لا يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ عَجِيبٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِّلَةِ بِـ (ثُمَّ) يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ الرّابِطِ، وغايَةُ ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ نُكْتَةٌ لِلرَّبْطِ بِالِاسْمِ

واعْتَرَضَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِالعَدْلِ العُدُولُ مَعَ اعْتِبارِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الحَمْدِ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ تَعالى لا سِيَّما بِاعْتِبارِ رُبُوبِيَّتِهِ أشَدُّ شَناعَةً وأعْظَمُ جِنايَةً مِن عُدُولِهِمْ عَنْ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ فَجَعْلُ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةً في الكَلامِ مَقْصُودًا بِالإفادَةِ وإخْراجُ أعْظَمِهِما مَخْرَجَ القَيْدِ المَفْرُوغِ مِنهُ مِمّا لا عُهْدَةَ لَهُ في الكَلامِ السَّدِيدِ فَكَيْفَ بِالنَّظْمِ التَّنْزِيلِيِّ؛ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ الحَمْدِ ناسَبَ التَّشْنِيعَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَلا يَرِدُ اعْتِراضُ الشَّيْخِ، وقَدْ ذَكَرَ هو - قُدِّسَ سِرُّهُ - تَوْجِيهًا لِلْآيَةِ وادَّعى أنَّهُ الحَقِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، وحَطَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ فِيهِ، ولَعَلَّ الأمْرَ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ، والَّذِي تَصْدَحُ بِهِ كَلِماتُهم أنَّ صِلَةَ (يَعْدِلُونَ) عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى العُدُولِ مَتْرُوكَةً لِيَقَعَ الإنْكارُ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ وإنَّما قَدَّرُوا لَهُ مَفْعُولًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ العَدْلِ

صفحة 87

بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ فَقالُوا: غَيْرَهُ أوِ الأوْثانَ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ إنْكارُ العَدْلِ بِخِلافِ إنْكارِ العُدُولِ، ونُظِرَ في ذَلِكَ بِأنَّ مُجَرَّدَ العُدُولِ بِدُونِ اعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ غَيْرُ مُنْكَرٍ، ألا تَرى أنَّ العُدُولَ عَنِ الباطِلِ لا يُنْكَرُ، فالظّاهِرُ اعْتِبارُ المُتَعَلِّقِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ (بِرَبِّهِمْ) عَلى احْتِمالِ تُعَلِّقِهِ بِما بَعُدَ لِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاهْتِمامِ

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا وإنْ تَراءى في بادِئِ النَّظَرِ لَكِنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ العُدُولَ وإنْ كانَ لَهُ فَرْدانِ أحَدُهُما مَذْمُومٌ وهو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ومَمْدُوحٌ وهو العُدُولُ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ لَكِنَّ العُدُولَ المَوْصُوفَ بِهِ الكُفّارُ لا يَحْتَمِلُ الثّانِيَ، فَتَعَيُّنُهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ، وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أبْلَغُ عِنْدَ التَّأمُّلِ بِخِلافِ التَّسْوِيَةِ فَإنَّها مِنَ النِّسَبِ الَّتِي لا تَتَصَوَّرُ بِدُونِ المُتَعَلِّقِ فَلِذا قَدَّرُوهُ، ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ تَنْزِيلَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ الشّائِعُ فِيما بَيْنَهُمْ، إنَّما يَكُونُ أوْ يَحْسُنُ فِيما لَيْسَ مِن قَبِيلِ النَّسَبِ هَذا، وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ في فَضائِلِ القُرْءانِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ كَعْبٍ قالَ: فُتِحَتِ التَّوْراةُ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وخُتِمَتْ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском