Al-Mu'minun 23:118
The Believers · Juz 18 · Page 349
وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨
And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 23:118
﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾
صفحة ١٣٧
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] إلَخْ بِاعْتِبارِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] . فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. وفي حَذْفِ مُتَعَلِّقِ (اغْفِرْ وارْحَمْ) تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللَّهِ في تَعْيِينِ المَغْفُورِ لَهم والمَرْحُومِينَ، والمُرادُ: مَن كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي، بِقَرِينَةِ المَقامِ.
وأمْرُهُ بِأنْ يَدْعُوَ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ وعْدًا بِالإجابَةِ.
وهَذا الكَلامُ مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ فَهو مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ.
* * *
صفحة ١٣٨
صفحة ١٣٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النُّورِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (سُورَةَ النُّورِ) مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «عَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ» ولَمْ أقِفْ عَلى إسْنادِهِ. وعَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرَ: (كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنْ تَعَلَّمُوا سُورَةَ النِّساءِ والأحْزابِ والنُّورِ) . وهَذِهِ تَسْمِيَتُها في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ آخَرُ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ فِيها آيَةَ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] .
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ ولا يُعْرَفُ مُخالِفٌ في ذَلِكَ. وقَدْ وقَعَ في نُسَخِ تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآيَةَ، في المَسْألَةِ الرّابِعَةِ كَلِمَةُ (وهي مَكِّيَّةٌ) يَعْنِي الآيَةَ. فَنَسَبَ الخَفاجِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ وتَبِعَهُ الآلُوسِيُّ، إلى القُرْطُبِيِّ أنَّ تِلْكَ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مَعَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ صَرِيحٌ في أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ كَيْفَ وقَدْ قالَ القُرْطُبِيُّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: (مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ) . ولَعَلَّ تَحْرِيفًا طَرَأ عَلى النُّسَخِ مِن تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وأنَّ صَوابَ الكَلِمَةِ (وهي مُحْكَمَةٌ) أيْ: غَيْرُ مَنسُوخٍ حُكْمُها فَقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبارَةُ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ (وهي مُحْكَمَةٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكَها النّاسُ) . وسَيَأْتِي أنَّ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] الآيَةَ قَضِيَّةُ مَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ مَعَ عَناقَ. ومَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ اسْتُشْهِدَ في صَفَرٍ سَنَةَ ثَلاثٍ لِلْهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الرَّجِيعِ، فَيَكُونُ أوائِلُ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَ قَبْلَ سَنَةِ ثَلاثٍ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ في أواخِرِ السَّنَةِ الأُولى أوْ أوائِلِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ أيّامَ كانَ المُسْلِمُونَ يَتَلاحَقُونَ لِلْهِجْرَةِ وكانَ المُشْرِكُونَ جَعَلُوهم كالأسْرى.
صفحة ١٤٠
ومِن آياتِها آياتُ قِصَّةِ الإفْكِ وهي نازِلَةٌ عَقِبَ غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ. والأصَحُّ أنَّ غَزْوَةَ بَنِي المُصْطَلِقِ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ فَإنَّها قَبْلَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
ومِن آياتِها ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَتَكُونُ تِلْكَ الآياتِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً مُتَفَرِّقَةً في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وأُلْحِقَ بَعْضُ آياتِها بِبَعْضٍ.
وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ المِائَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ) وقَبْلَ سُورَةِ الحَجِّ، أيْ: عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ سُورَةَ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ.
وآيُها اثْنَتانِ وسِتُّونَ في عَدِّ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأرْبَعٌ وسِتُّونَ في عَدِّ البَقِيَّةِ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةُ
شَمِلَتْ مِنَ الأغْراضِ كَثِيرًا مِن أحْكامِ مُعاشَرَةِ الرِّجالِ لِلنِّساءِ. ومِن آدابِ الخِلْطَةِ والزِّيارَةِ.
وأوَّلُ ما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ قَضِيَّةُ التَّزَوُّجِ بِامْرَأةٍ اشْتَهَرَتْ بِالزِّنى وصُدِّرَ ذَلِكَ بِبَيانِ حَدِّ الزِّنى.
وعِقابِ الَّذِينَ يَقْذِفُونَ المُحْصَناتِ. وحُكْمِ اللِّعانِ.
والتَّعَرُّضِ إلى بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِمّا أرْجَفَهُ عَلَيْها أهْلُ النِّفاقِ، وعِقابِهِمْ، والَّذِينَ شارَكُوهم في التَّحَدُّثِ بِهِ.
والزَّجْرِ عَنْ حُبِّ إشاعَةِ الفَواحِشِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
والأمْرِ بِالصَّفْحِ عَنِ الأذى مَعَ الإشارَةِ إلى قَضِيَّةِ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ.
وأحْكامِ الِاسْتِئْذانِ في الدُّخُولِ إلى بُيُوتِ النّاسِ المَسْكُونَةِ ودُخُولِ البُيُوتِ غَيْرِ المَسْكُونَةِ.
صفحة ١٤١
وآدابِ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ في المُخالَطَةِ.
وإفْشاءِ السَّلامِ.
والتَّحْرِيضِ عَلى تَزْوِيجِ العَبِيدِ والإماءِ.
والتَّحْرِيضِ عَلى مُكاتَبَتِهِمْ، أيْ: إعْتاقِهِمْ عَلى عِوَضٍ يَدْفَعُونَهُ لِمالِكِيهِمْ.
وتَحْرِيمِ البِغاءِ الَّذِي كانَ شائِعًا في الجاهِلِيَّةِ.
والأمْرِ بِالعَفافِ.
وذَمِّ أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ والإشارَةِ إلى سُوءِ طَوِيَّتِهِمْ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ .
والتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في حَبائِلِ الشَّيْطانِ.
وضَرْبِ المَثَلِ لِهَدْيِ الإيمانِ وضَلالِ الكُفْرِ.
والتَّنْوِيهِ بِبُيُوتِ العِبادَةِ والقائِمِينَ فِيها.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ وصْفُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدائِعِ مَصْنُوعاتِهِ وما فِيها مِن مِنَنٍ عَلى النّاسِ.
وقَدْ أُرْدِفَ ذَلِكَ بِوَصْفِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِما يُضْمِرُهُ كُلُّ أحَدٍ وأنَّ المَرْجِعَ إلَيْهِ والجَزاءَ بِيَدِهِ.
Page 349
23:105
أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥
[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"
23:106
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
23:107
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
23:108
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
23:109
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
23:110
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠
But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.
23:111
إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١
Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."
23:112
قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢
[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"
23:113
قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣
They will say, "We remained a day or part of a day; ask those who enumerate."
23:114
قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤
He will say, "You stayed not but a little - if only you had known.
23:115
أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥
Then did you think that We created you uselessly and that to Us you would not be returned?"
23:116
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦
So exalted is Allāh, the Sovereign,1 the Truth;2 there is no deity except Him, Lord of the Noble Throne.
23:117
وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧
And whoever invokes besides Allāh another deity for which he has no proof - then his account is only with his Lord. Indeed, the disbelievers will not succeed.
23:118
وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨
And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."