Al-Furqan 25:31
The Criterion · Juz 19 · Page 362
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 25:30–31
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أكْثَرُوا مِنَ الِاعْتِراضاتِ الفاسِدَةِ ووُجُوهِ التَّعَنُّتِ ضاقَ صَدْرُ الرَّسُولِ ﷺ وشَكاهم إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ قَوْلٌ واقِعٌ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُهُ في الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِلَّفْظِ، ولِأنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣١] تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، ولا يَلِيقُ إلّا إذا كانَ وقَعَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في المَهْجُورِ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ الهِجْرانِ، أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِهِ ولَمْ يَقْبَلُوهُ وأعْرَضُوا عَنِ اسْتِماعِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِن أهْجَرَ أيْ مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٧] ثُمَّ هَجْرُهم فِيهِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكَذِبٌ وهَجْرٌ؛ أيْ هَذَيانٌ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ وعَلَّقَ مُصْحَفًا لَمْ يَتَعَهَّدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يا رَبَّ العالَمِينَ، عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ“» ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ مُسَلِّيًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُعَزِّيًا لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ وبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِسائِرِ الرُّسُلِ، فَلْيَصْبِرْ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كَما صَبَرُوا، ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَيْرَ والشَّرَّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ مِن جَعْلِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ كُفْرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الجَعْلِ التَّبْيِينُ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم أعْداؤُهُ، جازَ أنْ يَقُولَ: جَعَلْناهم أعْداءَهُ، كَما إذا بَيَّنَ الرَّجُلُ أنَّ فُلانًا
صفحة ٦٨
لِصٌّ، يُقالُ: جَعَلَهُ لِصًّا كَما يُقالُ في الحاكِمِ: عَدَّلَ فُلانًا وفَسَّقَ فُلانًا وجَرَّحَهُ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ، وعَداوَتُهم لِلْكُفّارِ تَقْتَضِي عَداوَةَ الكُفّارِ لَهم، فَلِهَذا جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ ودَعاهُ إلى ما اسْتَعْقَبَ تِلْكَ العَداوَةَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَحْتَمِلُ في العَدُوِّ أنَّهُ البَعِيدُ لا القَرِيبُ؛ إذِ المُعاداةُ المُباعَدَةُ، كَما أنَّ النَّصْرَ القُرْبُ والمُظاهَرَةُ، وقَدْ باعَدَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ التَّبْيِينَ لا يُسَمُّونَهُ البَتَّةَ جَعْلًا؛ لِأنَّ مَن بَيَّنَ لِغَيْرِهِ وُجُودَ الصّانِعِ وقِدَمَهُ لا يُقالُ: إنَّهُ جَعَلَ الصّانِعَ وجَعَلَ قِدَمَهُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ هَلْ لَهُ تَأْثِيرٌ في وُقُوعِ العَداوَةِ في قُلُوبِهِمْ أوْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ تَمَّ الكَلامُ؛ لِأنَّ عَداوَتَهم لِلرَّسُولِ ﷺ كُفْرٌ، فَإذا أمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ بِما لَهُ أثَرٌ في تِلْكَ العَداوَةِ فَقَدْ أمَرَهُ بِما لَهُ أثَرٌ في وُقُوعِ الكُفْرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْثِيرٌ البَتَّةَ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ إسْنادُهُ إلَيْهِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ في المَعْنى كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا إنْزالُ العَذابِ فَكَذا هَهُنا، فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِمَن وصَفَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٧] ؟ جَوابُهُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا ذَكَرَ هَذا ما دَعا عَلَيْهِمْ، بَلِ انْتَظَرَ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ كالأمْرِ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ وتَرْكِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ”جَعَلْنا“ صِيغَةُ العُظَماءِ، والعَظِيمُ إذا ذَكَرَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَعْرِضٍ مِنَ التَّعْظِيمِ وذَكَرَ أنَّهُ يُعْطِي فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ عَظِيمَةً؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحِجْرِ: ٨٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكَوْثَرِ: ١] فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ هي العَداوَةَ الَّتِي هي مَنشَأُ الضَّرَرِ في الدِّينِ والدُّنْيا ؟ وجَوابُهُ: أنَّ خَلْقَ العَداوَةِ سَبَبٌ لِازْدِيادِ المَشَقَّةِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الثَّوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَدُوُّ واحِدًا وجَمْعًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ عَدُوَّ الرَّسُولِ ﷺ أبُو جَهْلٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: الباءُ زائِدَةٌ، يَعْنِي كَفى رَبُّكَ، وهادِيًا ونَصِيرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، هادِيًا إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، ونَصِيرًا عَلى الأعْداءِ، ونَظِيرُهُ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . [ الأنْفالِ: ٦٤] .
Page 362
25:21
۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١
And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.
1 translator’s note
- Additional meanings are "among themselves" and "over [the matter of] themselves." ↩
25:22
يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢
The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2
25:23
وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣
And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.
1 translator’s note
- On the Day of Judgement. ↩
25:24
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤
The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.
25:25
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.
1 translator’s note
- Within which are the angels. ↩
25:26
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.
25:27
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
1 translator’s note
- i.e., followed the Prophet (ﷺ) on a path of guidance. ↩
25:28
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
1 translator’s note
- The person who misguided him. ↩
25:29
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
25:30
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
1 translator’s note
- i.e., avoiding it, not listening to or understanding it, not living by it, or preferring something else to it. ↩
25:31
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
25:32
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
1 translator’s note
- Also, "recited it with distinct recitation." ↩