Ali 'Imran 3:115
Family of Imran · Juz 4 · Page 64
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 3:115
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةَ قالَ: ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، لِأنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، يَتْلُونَ ويَسْجُدُونَ ويُؤْمِنُونَ ويَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ ويُسارِعُونَ، ولَنْ يَضِيعَ لَهم ما يَعْمَلُونَ، والمَقْصُودُ أنَّ جُهّالَ اليَهُودِ لَمّا قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ إنَّكم خَسِرْتُمْ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ، قالَ تَعالى بَلْ فازُوا بِالدَّرَجاتِ العُظْمى، فَكانَ المَقْصُودُ تَعْظِيمَهم لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِمْ أثَرُ كَلامِ أُولَئِكَ الجُهّالِ، ثُمَّ هَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ سائِرَ الخَلْقِ يَدْخُلُونَ فِيهِ نَظَرًا إلى العِلَّةِ.
وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم قَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ فَهو ابْتِداءُ خِطابٍ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّ أفْعالَ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ذُكِرَتْ، ثُمَّ قالَ: وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِكم هَؤُلاءِ، فَلَنْ تُكْفَرُوهُ، والفائِدَةُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ نَظائِرَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ مُخاطِبَةً لِجَمِيعِ الخَلائِقِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] وأمّا أبُو عَمْرٍو فالمَنقُولُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ بِالقِراءَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ لَنْ تُمْنَعُوا ثَوابَهُ وجَزاءَهُ، وإنَّما سُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى إيصالَ الثَّوابِ شُكْرًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَلَمّا سَمّى إيصالَ الجَزاءِ شُكْرًا سَمّى مَنعَهُ كُفْرًا. والثّانِي: أنَّ الكُفْرَ في اللُّغَةِ هو السَّتْرُ فَسُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجَحْدِ والسَّتْرِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ فَعَدّاهُ إلى مَفْعُولَيْنِ مَعَ أنَّ شَكَرَ وكَفَرَ لا يَتَعَدَّيانِ إلّا إلى واحِدٍ يُقالُ شَكَرَ النِّعْمَةَ وكَفَرَها.
قُلْنا: لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الكُفْرِ هاهُنا هو المَنعُ والحِرْمانُ، فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: فَلَنْ تُحْرَمُوهُ، ولَنْ تُمْنَعُوا جَزاءَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِالمُوازَنَةِ مِنَ الذّاهِبِينَ إلى الإحْباطِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُصُولِ أثَرِ فِعْلِ العَبْدِ إلَيْهِ، فَلَوِ انْحَبَطَ ولَمْ يَنْحَبِطْ مِنَ المُحْبَطِ بِمِقْدارِهِ شَيْءٌ لَبَطَلَ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [ الزَّلْزَلَةِ: ٧] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ عَدَمِ الحِرْمانِ والجَزاءِ أقامَ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وهو أنَّ عَدَمَ إيصالِ الثَّوابِ والجَزاءِ إمّا أنْ يَكُونَ لِلسَّهْوِ والنِّسْيانِ وذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ والبُخْلِ والحاجَةِ وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّهُ إلَهُ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فاسْمُ
صفحة ١٦٨
اللَّهِ تَعالى يَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَجْزِ والبُخْلِ والحاجَةِ، وقَوْلُهُ: (عَلِيمٌ) يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الجَهْلِ، وإذا انْتَفَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ امْتَنَعَ المَنعُ مِنَ الجَزاءِ، لِأنَّ مَنعَ الحَقِّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّما قالَ: ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ عالِمٌ بِالكُلِّ بِشارَةً لِلْمُتَّقِينَ بِجَزِيلِ الثَّوابِ ودَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَهُ إلّا أهْلُ التَّقْوى.
Page 64
3:109
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allāh will [all] matters be returned.
3:110
كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠
You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.
3:111
لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١
They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.
3:112
ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢
They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.
1 translator’s note
- Once they have surrendered, the People of the Scripture retain their rights and honor (in spite of their refusal of Islām) through payment of the jizyah tax in place of zakāh and military service due from Muslims. They are then under the protection of the Islāmic state. ↩
3:113
۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣
They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].
1 translator’s note
- Of people who accepted Islām. ↩
3:114
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤
They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.
3:115
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.