Ali 'Imran 3:130
Family of Imran · Juz 4 · Page 66
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠
O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 3:130–132
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.
وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
صفحة ٤
تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.
الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ دُخُولَ المُؤْمِنِينَ فِيها؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ هُمُ الكُفّارَ فَلِأجْلِ الغَلَبَةِ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها مُعَدَّةٌ لَهم، كَما أنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: لِدابَّةٍ رَكِبَها لِحاجَةٍ مِنَ الحَوائِجِ، إنَّما أعْدَدْتُ هَذِهِ الدّابَّةَ لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ صادِقًا في ذَلِكَ وإنْ كانَ هو قَدْ رَكِبَها في تِلْكَ السّاعَةِ لِغَرَضٍ آخَرَ فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ، وسائِرُ الآياتِ دالَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِمَن سَرَقَ وقَتَلَ وزَنى وقَذَفَ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ٨] ولَيْسَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ يُقالُ ذَلِكَ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٨] ولَيْسَ هَذا صِفَةَ جَمِيعِهِمْ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ مَذْكُورَةً في سائِرِ السُّوَرِ، كانَتْ كالمَذْكُورَةِ هاهُنا، فَكَذا فِيما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إثْباتُ كَوْنِها مُعَدَّةً لَهم ولا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: في الجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها سِواهم مِنَ الصِّبْيانِ والمَجانِينَ والحُورِ العِينِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن وصْفِ النّارِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ تَعْظِيمُ الزَّجْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِاتِّقاءِ المَعاصِي إذا عَلِمُوا بِأنَّهم مَتى فارَقُوا التَّقْوى أُدْخِلُوا النّارَ المُعَدَّةَ لِلْكافِرِينَ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عُقُولِهِمْ عِظَمُ عُقُوبَةِ الكُفّارِ، كانَ انْزِجارُهم عَنِ المَعاصِي أتَمَّ، وهَذا بِمَنزِلَةِ أنْ يُخَوِّفَ الوالِدُ ولَدَهُ بِأنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أدْخَلْتُكَ دارَ السِّباعِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الدّارَ لا يَدْخُلُها غَيْرُهم فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ أمْ لا ؟
الجَوابُ: نَعَمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أُعِدَّتْ) إخْبارٌ عَنِ الماضِي فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في الوُجُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ذَكَرَ الوَعْدَ بَعْدَهُ عَلى ما هو العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ في القُرْآنِ، وقالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينِ عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ مَوْقُوفٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وهَذا عامٌّ فَيَدُلُّ الظّاهِرُ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الوَعِيدِ.
Page 66
3:122
إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢
When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.
3:123
وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣
And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.
3:124
إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤
[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?
3:125
بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥
Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."
3:126
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦
And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -
3:127
لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧
That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.
3:128
لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨
Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.
3:129
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.
3:130
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠
O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.
3:131
وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١
And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.
3:132
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢
And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.