Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:126–132
3:126–127Page 66
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦
And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -
لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧
That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾
الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ عائِدَةٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وما جَعَلَ اللَّهُ المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ عَلى الإمْدادِ فَكَنّى عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] مَعْناهُ: وإنَّ أكْلَهُ لَفِسْقٌ فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ عَلى الأكْلِ فَكَنّى عَنْهُ وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ ذِكْرَ المَدَدِ ﴿إلّا بُشْرى﴾ والبُشْرى اسْمٌ مِنَ الإبْشارِ ومَضى الكَلامُ في مَعْنى التَّبْشِيرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ:
وهُوَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ مُسْتَنْكَرٌ، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ إلّا بُشْرى لَكم واطْمِئْنانًا، أوْ يُقالُ إلّا لِيُبَشِّرَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ فَلِمَ تَرَكَ ذَلِكَ وعَدَلَ عَنْهُ إلى عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: في ذِكْرِ الإمْدادِ مَطْلُوبانِ، وأحَدُهُما أقْوى في المَطْلُوبِيَّةِ مِنَ الآخَرِ،
صفحة ١٨٩
فَأحَدُهُما إدْخالُ السُّرُورِ في قُلُوبِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ . والثّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ عَلى أنَّ إعانَةَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَهم فَلا يَجْبُنُوا عَنِ المُحارَبَةِ، وهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ التَّفاوُتِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في المَطْلُوبِيَّةِ فَكَوْنُهُ بُشْرى مَطْلُوبٌ ولَكِنَّ المَطْلُوبَ الأقْوى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلِهَذا أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ هو الرُّكُوبُ أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلَيْها، فَكَذا هاهُنا الثّانِي؛ قالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: الواوُ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهم عَلى اللَّهِ لا عَلى المَلائِكَةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إيمانَ العَبْدِ لا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ الإعْراضِ عَنِ الأسْبابِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حاجاتُ العِبادِ ولا يَعْجِزُ عَنْ إجابَةِ الدَّعَواتِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُتَوَقَّعِ النَّصْرُ إلّا مِن رَحْمَتِهِ ولا الإعانَةُ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واللّامُ في ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ والمَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن نَصْرِكم بِواسِطَةِ إمْدادِ المَلائِكَةِ هو أنْ يَقْطَعُوا طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ يُهْلِكُوا طائِفَةً مِنهم ويَقْتُلُوا قِطْعَةً مِنهم، قِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ ولَكِنَّهُ ذُكِرَ بِغَيْرِ حَرْفِ العَطْفِ لِأنَّهُ إذا كانَ البَعْضُ قَرِيبًا مِنَ البَعْضِ جازَ حَذْفُ العاطِفِ، وهو كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أكْرَمْتُكَ لِتَخْدِمَنِي لِتُعِينَنِي لِتَقُومَ بِخِدْمَتِي حُذِفَ العاطِفُ، لِأنَّ البَعْضَ يَقْرُبُ مِنَ البَعْضِ، فَكَذا هاهُنا، وقَوْلُهُ: ﴿طَرَفًا﴾ أيْ طائِفَةً وقِطْعَةً وإنَّما حَسُنَ في هَذا المَوْضِعِ ذِكْرُ الطَّرَفِ ولَمْ يَحْسُنْ ذِكْرُ الوَسَطِ لِأنَّهُ لا وُصُولَ إلى الوَسَطِ إلّا بَعْدَ الأخْذِ مِنَ الطَّرَفِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكَبْتُ في اللُّغَةِ صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ: كَبَتُّهُ فانْكَبَتَ هَذا تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قَدْ يُذْكَرُ والمُرادُ بِهِ الإخْزاءُ والإهْلاكُ واللَّعْنُ والهَزِيمَةُ والغَيْظُ الإذْلالُ، فَكُلُّ ذَلِكَ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الكَبْتِ، وقَوْلُهُ: ﴿خائِبِينَ﴾ الخَيْبَةُ هي الحِرْمانُ والفَرْقُ بَيْنَ الخَيْبَةِ وبَيْنَ اليَأْسِ أنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّوَقُّعِ، وأمّا اليَأْسُ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ التَّوَقُّعِ وقَبْلَهُ، فَنَقِيضُ اليَأْسِ الرَّجاءُ، ونَقِيضُ الخَيْبَةِ الظَّفَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
3:128Page 66
لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨
Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ أُحُدٍ، ثُمَّ
صفحة ١٩٠
القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى الكُفّارِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والقائِلُونَ بِهَذا ذَكَرُوا احْتِمالاتٍ. أحَدُها: رُوِيَ أنَّ عُتْبَةَ بْنَ أبِي وقّاصٍ شَجَّهُ وكَسَرَ رَباعِيَتَهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ يَغْسِلُ عَنْ وجْهِهِ الدَّمَ وهو يَقُولُ: ”«كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ» “ ثُمَّ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وثانِيها: ما رَوى سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ أقْوامًا فَقالَ: ”«اللَّهُمَّ العَنْ أبا سُفْيانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحَرْثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَتابَ اللَّهُ عَلى هَؤُلاءِ وحَسُنَ إسْلامُهم. وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا رَآهُ ورَأى ما فَعَلُوا بِهِ مِنَ المُثْلَةِ قالَ: ”«لَأُمَثِّلَنَّ مِنهم بِثَلاثِينَ» “، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ حَصَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ الكُلِّ فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُها عَلى كُلِّ الِاحْتِمالاتِ. الثّانِي: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يَلْعَنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ والَّذِينَ انْهَزَمُوا فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وخالَفُوا أمْرَهُ ويَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَهَذِهِ الِاحْتِمالاتُ والوُجُوهُ كُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى قَوْلِنا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أُحُدٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَةٍ أُخْرى وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جَمْعًا مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ لِيُعَلِّمُوهُمُ القُرْآنَ فَذَهَبَ إلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَعَ عَسْكَرِهِ وأخَذَهم وقَتَلَهم فَجَزِعَ مِن ذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ جَزَعًا شَدِيدًا ودَعا عَلى الكُفّارِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ وهو بَعِيدٌ لِأنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قِصَّةِ أُحُدٍ، وسِياقُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وإلْقاءُ قِصَّةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْ أوَّلِ الكَلامِ وآخِرِهِ غَيْرُ لائِقٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها ورَدَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ فِيهِ فِعْلًا، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالمَنعِ مِنهُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، وهو أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ إنْ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ ؟ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] وأيْضًا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالأمْرُ المَمْنُوعُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ كانَ حَسَنًا فَلِمَ مَنَعَهُ اللَّهُ ؟ وإنْ كانَ قَبِيحًا، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلُهُ مَعْصُومًا ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنَ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَمْنُوعَ مِنهُ كانَ مُشْتَغِلًا بِهِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أشْرَكَ قَطُّ وقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ يَتَّقِي اللَّهَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أطاعَهم، والفائِدَةُ في هَذا المَنعِ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ ما يُوجِبُ الغَمَّ الشَّدِيدَ، والغَضَبَ العَظِيمَ، وهو مُثْلَةُ عَمِّهِ حَمْزَةَ، وقَتْلُ المُسْلِمِينَ، والظّاهِرُ أنَّ الغَضَبَ يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ، فَلِأجْلِ أنْ لا تُؤَدِّيَ مُشاهَدَةُ تِلْكَ المَكارِهِ إلى ما لا يَلِيقُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى المَنعِ تَقْوِيَةً لِعِصْمَتِهِ وتَأْكِيدًا لِطَهارَتِهِ. والثّانِي: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ فَعَلَ لَكِنَّهُ كانَ ذَلِكَ مِن بابِ تَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، فَلا جَرَمَ أرْشَدَهُ اللَّهُ إلى اخْتِيارِ الأفْضَلِ والأوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٩١
﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦] كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كُنْتَ تُعاقِبُ ذَلِكَ الظّالِمَ فاكْتَفِ بِالمِثْلِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: وإنْ تَرَكْتَهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ثُمَّ أمَرَهُ أمْرًا جازِمًا بِتَرْكِهِ، فَقالَ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ: لَعَلَّهُ ﷺ لَمّا مالَ قَلْبُهُ إلى اللَّعْنِ عَلَيْهِمُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِيهِ، فَنَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى المَنعِ مِنهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَدُلُّ هَذا النَّهْيُ عَلى القَدْحِ في العِصْمَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ لَيْسَ لَكَ مِن قِصَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ ومِن شَأْنِ هَذِهِ الحادِثَةِ شَيْءٌ وعَلى هَذا فَنُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ عِباراتٌ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَكَ مِن مَصالِحِ عِبادِي شَيْءٌ إلّا ما أُوحِيَ إلَيْكَ. وثانِيها: لَيْسَ لَكَ مِن مَسْألَةِ إهْلاكِهِمْ شَيْءٌ، لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصالِحِ فَرُبَّما تابَ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: لَيْسَ لَكَ في أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولا في أنْ يُعَذِّبَهم شَيْءٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو الأمْرُ الَّذِي يُضادُّ النَّهْيَ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ خَلْقِي شَيْءٌ إلّا إذا كانَ عَلى وفْقِ أمْرِي، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] وعَلى القَوْلَيْنِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ مَنعُهُ ﷺ مِن كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ إلّا ما كانَ بِإذْنِهِ وأمْرِهِ وهَذا هو الإرْشادُ إلى أكْمَلِ دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّ المَنعَ مِنَ اللَّعْنِ لِأيِّ مَعْنًى كانَ ؟ مِنهم مَن قالَ الحِكْمَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى رُبَّما عَلِمَ مِن حالِ بَعْضِ الكُفّارِ أنَّهُ يَتُوبُ، أوْ إنْ لَمْ يَتُبْ لَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ سَيُولَدُ مِنهُ ولَدٌ يَكُونُ مُسْلِمًا بَرًّا تَقِيًّا، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّ اللّائِقَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُمْهِلَهُ في الدُّنْيا وأنْ يَصْرِفَ عَنْهُ الآفاتِ إلى أنْ يَتُوبَ أوْ إلى أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الوَلَدُ فَإذا حَصَلَ دُعاءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ، فَإنْ قُبِلَتْ دَعْوَتُهُ فاتَ هَذا المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَتُهُ كانَ ذَلِكَ كالِاسْتِخْفافِ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ اللَّعْنِ وأمَرَهُ بِأنْ يُفَوِّضَ الكُلَّ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهم مَن قالَ: المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ عَجْزِ العُبُودِيَّةِ وأنْ لا يَخُوضَ العَبْدُ في أسْرارِ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ، هَذا هو الأحْسَنُ عِنْدِي والأوْفَقُ لِمَعْرِفَةِ الأُصُولِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ يَكْبِتَهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ كالكَلامِ الأجْنَبِيِّ الواقِعِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، فَأعْلِمْ ذَلِكَ عَمْرًا، فَعَلى هَذا القَوْلِ هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى (أوْ) هاهُنا مَعْنى حَتّى، أوْ (إلّا أنْ) كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تُعْطِيَنِي حَقِّي والمَعْنى: إلّا أنْ تُعْطِيَنِي أوْ حَتّى تُعْطِيَنِي، ومَعْنى الآيَةِ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتَفْرَحَ بِحالِهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم فَتَتَشَفّى مِنهم.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مُفَسَّرٌ عِنْدَ أصْحابِنا بِخَلْقِ التَّوْبَةِ فِيهِمْ وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ النَّدَمِ فِيهِمْ عَلى ما مَضى، وخَلْقِ العَزْمِ فِيهِمْ عَلى أنْ لا يَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، قالَ أصْحابُنا: وهَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِبُرْهانِ العَقْلِ وذَلِكَ لِأنَّ النَّدَمَ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ إرادَةٍ في المُضِيِّ مُتَعَلِّقَةٍ بِتَرْكِ فِعْلٍ مِن
صفحة ١٩٢
الأفْعالِ في المُسْتَقْبَلِ، وحُصُولُ الإراداتِ والكَراهاتِ في القَلْبِ لا يَكُونُ بِفِعْلِ العَبْدِ، لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ، فَلَوْ كانَتِ الإراداتُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لافْتَقَرَ العَبْدُ في فِعْلِ تِلْكَ الإرادَةِ إلى إرادَةٍ أُخْرى ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الإرادَةِ والكَراهاتِ في القَلْبِ لَيْسَ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ ابْتِداءً، ولَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ عِبارَةً عَنِ النَّدَمِ والعَزْمِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ الإراداتِ والكَراهاتِ، عَلِمْنا أنَّ التَّوْبَةَ لا تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ هَذا البُرْهانُ مُطابِقًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إمّا بِفِعْلِ الألْطافِ أوْ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنْ كانَ الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ مَنعَهُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى الكُفّارِ صَحَّ الكَلامُ وهو أنَّهُ تَعالى سَمّاهم ظالِمِينَ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وإنْ كانَ الغَرَضُ مِنها مَنعَهُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ صَحَّ الكَلامُ أيْضًا، لِأنَّ مَن عَصى اللَّهَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَذابَ الدُّنْيا، وهو القَتْلُ والأسْرُ وأنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَعِلْمُ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها تَعْلِيلُ حُسْنِ التَّعْذِيبِ، والمَعْنى: أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهُ إنْ عَذَّبَهم إنَّما يُعَذِّبُهم لِأنَّهم ظالِمُونَ.
3:129Page 66
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا تَأْكِيدُ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الأمْرَ إنَّما يَكُونُ لِمَن لَهُ المُلْكُ، ومُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى فالأمْرُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ (مَن) لِأنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى الحَقائِقِ والماهِيّاتِ، فَدَخَلَ فِيهِ الكُلُّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ جَمِيعَ الكُفّارِ والمَرَدَةِ، ولَهُ أنْ يُدْخِلَ النّارَ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ جَمِيعَ المُقَرَّبِينَ والصِّدِّيقِينَ وأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِ هَذِهِ الأشْياءِ، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى ظاهِرَةٌ والبُرْهانُ العَقْلِيُّ
صفحة ١٩٣
يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى الإرادَةِ وتِلْكَ الإرادَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإذا خَلَقَ اللَّهُ تِلْكَ الإرادَةَ أطاعَ، وإذا خَلَقَ النَّوْعَ الآخَرَ مِنَ الإرادَةِ عَصى، فَطاعَةُ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ ومَعْصِيَتُهُ أيْضًا مِنَ اللَّهِ، وفِعْلُ اللَّهِ لا يُوجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ، فَلا الطّاعَةُ تُوجِبُ الثَّوابَ، ولا المَعْصِيَةُ تُوجِبُ العِقابَ، بَلِ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَصَحَّ ما ادَّعَيْناهُ أنَّهُ لَوْ شاءَ [أنْ] يُعَذِّبَ جَمِيعَ المُقَرَّبِينَ حَسُنَ مِنهُ، ولَوْ شاءَ [أنْ] يَرْحَمَ جَمِيعَ الفَراعِنَةِ حَسُنَ مِنهُ ذَلِكَ، وهَذا البُرْهانُ هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِلْكُفّارِ ولا يُعَذِّبُ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ ؟
قُلْنا: مَدْلُولُ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ أرادَ لَفَعَلَ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ أوْ لا يَفْعَلُ، وهَذا الكَلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ.
ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ وإنْ حَسُنَ كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ إلّا أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ غالِبٌ لا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ بَلْ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ.
3:130–132Page 66
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠
O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.
وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١
And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢
And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.
وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
صفحة ٤
تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.
الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ دُخُولَ المُؤْمِنِينَ فِيها؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ هُمُ الكُفّارَ فَلِأجْلِ الغَلَبَةِ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها مُعَدَّةٌ لَهم، كَما أنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: لِدابَّةٍ رَكِبَها لِحاجَةٍ مِنَ الحَوائِجِ، إنَّما أعْدَدْتُ هَذِهِ الدّابَّةَ لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ صادِقًا في ذَلِكَ وإنْ كانَ هو قَدْ رَكِبَها في تِلْكَ السّاعَةِ لِغَرَضٍ آخَرَ فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ، وسائِرُ الآياتِ دالَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِمَن سَرَقَ وقَتَلَ وزَنى وقَذَفَ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ٨] ولَيْسَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ يُقالُ ذَلِكَ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٨] ولَيْسَ هَذا صِفَةَ جَمِيعِهِمْ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ مَذْكُورَةً في سائِرِ السُّوَرِ، كانَتْ كالمَذْكُورَةِ هاهُنا، فَكَذا فِيما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إثْباتُ كَوْنِها مُعَدَّةً لَهم ولا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: في الجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها سِواهم مِنَ الصِّبْيانِ والمَجانِينَ والحُورِ العِينِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن وصْفِ النّارِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ تَعْظِيمُ الزَّجْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِاتِّقاءِ المَعاصِي إذا عَلِمُوا بِأنَّهم مَتى فارَقُوا التَّقْوى أُدْخِلُوا النّارَ المُعَدَّةَ لِلْكافِرِينَ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عُقُولِهِمْ عِظَمُ عُقُوبَةِ الكُفّارِ، كانَ انْزِجارُهم عَنِ المَعاصِي أتَمَّ، وهَذا بِمَنزِلَةِ أنْ يُخَوِّفَ الوالِدُ ولَدَهُ بِأنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أدْخَلْتُكَ دارَ السِّباعِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الدّارَ لا يَدْخُلُها غَيْرُهم فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ أمْ لا ؟
الجَوابُ: نَعَمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أُعِدَّتْ) إخْبارٌ عَنِ الماضِي فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في الوُجُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ذَكَرَ الوَعْدَ بَعْدَهُ عَلى ما هو العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ في القُرْآنِ، وقالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينِ عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ مَوْقُوفٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وهَذا عامٌّ فَيَدُلُّ الظّاهِرُ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الوَعِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences