Ali 'Imran 3:190
Family of Imran · Juz 4 · Page 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
Tafsir · in Arabic
Abu as-Su'ud
Detailed
Change
Commentary on 3:190
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالسُّلْطانِ القاهِرِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ التَّأْكِيدِ اعْتِناءً بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، أيْ: في إنْشائِها عَلى ما هي عَلَيْهِ في ذَواتِها وصِفاتِها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَحارُ في فَهْمِ أجْلاها العُقُولُ.
﴿والأرْضِ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ ذاتًَا وصِفَةً.
﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: في تَعاقُبِهِما في وجْهِ الأرْضِ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعَيْنِ لِحَرَكاتِ السَّمَواتِ وسُكُونِ الأرْضِ أوْ في تَفاوُتِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًَا وبُعْدًَا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ، فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِنَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولَيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِها فَإنَّ كُرِيَّةَ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًَا وفي مُقابِلِهِ نَهارًَا وفي بَعْضِها صَباحًَا وفي بَعْضِها ظُهْرًَا أوْ عَصْرًَا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، و"اللَّيْلُ" قِيلَ: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ واحِدِهِ، وجَمْعِهِ بِالتّاءِ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ واللَّيالِي جَمْعُ جَمْعٍ والصَّحِيحُ أنَّهُ مُفْرَدٌ ولا يُحْفَظُ لَهُ جَمْعٌ واللَّيالِي جَمْعُ لَيْلَةٍ وهو جَمْعٌ غَرِيبٌ كَأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّها لَيْلاةٌ كَما في كَيْكَةٍ وكَياكِي كَأنَّها جَمْعُ كَيْكاةٍ، و"النَّهارُ" اسْمٌ لِما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَهُ الرّاغِبُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: هو ضِياءُ ما بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ إمّا لِأنَّهُ الأصْلُ فَإنَّ غُرَرَ الشُّهُورِ تَظْهَرُ في اللَّيالِي، وإمّا لِتَقَدُّمِهِ في الخَلْفِيَّةِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ أيْ: نُزِيلُهُ مِنهُ فَيَخْلُفُهُ.
﴿لآياتٍ﴾ اسْمُ إنَّ دَخَلَتْهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًَّا وكَيْفًَا، أيْ: لَآياتٍ كَثِيرَةً عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها دالَّةٍ عَلى تَعاجِيبِ شُئُونِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ مِنِ اخْتِصاصِ المُلْكِ العَظِيمِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وعَدَمُ (p-128)التَّعَرُّضِ لِما ذُكِرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِنَ الفُلْكِ والمَطَرِ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ لِما أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ والقُدْرَةِ فاكْتُفِيَ بِمُعْظَمِ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، وأمّا هُناكَ فَقَدَ قُصِدَ في ضِمْنِ بَيانِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بَيانُ اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَنُظِمَتْ دَلائِلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ في سِلْكِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ فَإنَّ ما فُصِّلَ هُناكَ مِن آياتِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما أنَّهُ آياتُ أُلُوهِيَّتِهِ ووَحْدَتِهِ.
﴿لأُولِي الألباب﴾ أيْ: لِذَوِي العُقُولِ المَجْلُوَّةِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ المُتَجَرِّدِينَ عَنِ العَلائِقِ النَّفْسانِيَّةِ المُتَخَلِّصِينَ مِنَ العَوائِقِ الظَّلْمانِيَّةِ المُتَأمِّلِينَ في أحْوالِ الحَقائِقِ وأحْكامِ النُّعُوتِ المُراقِبِينَ في أطْوارِ المُلْكِ وأسْرارِ المَلَكُوتِ المُتَفَكِّرِينَ في بَدائِعِ صَنائِعِ المَلِكِ الخَلّاقِ المُتَدَبِّرِينَ في رَوائِعِ حِكَمِهِ المُودَعَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ النّاظِرِينَ إلى العالَمِ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ والشُّهُودِ المُتَفَحِّصِينَ عَنْ حَقِيقَةِ سِرِّ الحَقِّ في كُلِّ مَوْجُودٍ المُثابِرِينَ عَلى مُراقَبَتِهِ وذِكْراهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى شَيْءٍ مِمّا سِواهُ إلّا مِن حَيْثُ إنَّهُ مِرْآةٌ لِمُشاهَدَةِ جَمالِهِ وآلَةٌ لِمُلاحَظَةِ صِفاتِ كَمالِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما ظَهَرَ في مَظاهِرِ الإبْداعِ وحَضَرَ مَحاضِرَ التَّكْوِينِ والِاخْتِراعِ سَبِيلٌ سَوِيٌّ إلى عالَمِ التَّوْحِيدِ ودَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى الصّانِعِ المُجِيدِ ناطِقٌ بِآياتِ قدرته فَهَلْ مِن سامِعٍ واعٍ ومُخْبِرٍ بِأنْباءِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ؟ فَهَلْ لَهُ مِن داعٍ يُكَلِّمُ النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ويَرُدُّ جَوابَهم بِحَسَبِ مَقُولِهِمْ يُحاوِرُ تارَةً بِأوْضَحِ عِبارَةٍ ويُلَوِّحُ أُخْرى بِألْطَفِ إشارَةٍ مُراعِيًَا في الحِوارِ إبْهامَهم وتَصْرِيحَهُمْ، وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؛ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ الشُّؤُونِ والأسْرارِ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ.
«عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: هَلْ لَكِ يا عائِشَةُ أنْ تَأْذَنِي لِيَ اللَّيْلَةَ في عِبادَةِ رَبِّي؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وأُحِبُّ هَواكَ قَدْ أذِنْتُ لَكَ فَقامَ إلى قِرْبَةٍ مِن ماءٍ في البَيْتِ فَتَوَضَّأ ولَمْ يُكْثِرْ مِن صَبِّ الماءِ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَقَرَأ مِنَ القرآن وجَعَلَ يَبْكِي حَتّى بَلَغَ الدُّمُوعُ حِقْوَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ وجَعَلَ يَبْكِي ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَبْكِي حَتّى رَأيْتُ دُمُوعَهُ قَدْ بَلَّتِ الأرْضَ، فَأتاهُ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ الغَداةِ فَرَآهُ يَبْكِي فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَبْكِي وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟! فَقالَ: يا بِلالُ أفَلا أكُونُ عَبْدًَا شَكُورًَا ثُمَّ قالَ: ومالِي لا أبْكِي وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلىَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلَخْ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها.» ورُوِيَ ﴿وَيْلٌ لِمَن لاكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها﴾ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾» .
Page 75
3:187
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
3:188
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
3:189
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
3:190
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
3:191
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
3:192
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
3:193
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
3:194
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."