Ali 'Imran 3:190
Family of Imran · Juz 4 · Page 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 3:190
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ .
صفحة ١٠٩
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ جَذْبُ القُلُوبِ والأرْواحِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الأحْكامِ والجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُبْطِلِينَ عادَ إلى إنارَةِ القُلُوبِ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والإلَهِيَّةِ والكِبْرِياءِ والجَلالِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ. «قالَ ابْنُ عُمَرَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَتْ وأطالَتْ ثُمَّ قالَتْ: كُلُّ أمْرِهِ عَجَبٌ، أتانِي في لَيْلَتِي فَدَخَلَ في لِحافِي حَتّى ألْصَقَ جِلْدَهُ بِجِلْدِي، ثُمَّ قالَ لِي: يا عائِشَةُ هَلْ لَكِ أنْ تَأْذَنِي لِي اللَّيْلَةَ في عِبادَةِ رَبِّي، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وأُحِبُّ مُرادَكَ قَدْ أذِنْتُ لَكَ، فَقامَ إلى قِرْبَةٍ مِن ماءٍ في البَيْتِ فَتَوَضَّأ ولَمْ يُكْثِرْ مِن صَبِّ الماءِ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي، فَقَرَأ مِنَ القُرْآنِ وجَعَلَ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَبْكِي حَتّى رَأيْتُ دُمُوعَهُ قَدْ بَلَّتِ الأرْضَ، فَأتاهُ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ الغَداةِ فَرَآهُ يَبْكِي، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَبْكِي وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فَقالَ: يا بِلالُ أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، ثُمَّ قالَ: ما لِي لا أبْكِي وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها» . ورُوِيَ: «ويْلٌ لِمَن لاكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ ولَمْ يَتَأمَّلْ فِيها» . وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ويَقُولُ: إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ» . وحُكِيَ أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا عَبَدَ اللَّهَ ثَلاثِينَ سَنَةً أظَلَّتْهُ سَحابَةٌ، فَعَبَدَها فَتًى مِن فِتْيانِهِمْ فَما أظَلَّتْهُ السَّحابَةُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ فَرْطَةً صَدَرَتْ مِنكَ في مُدَّتِكَ، قالَ: ما أذْكُرُ، قالَتْ: لَعَلَّكَ نَظَرْتَ مَرَّةً إلى السَّماءِ ولَمْ تَعْتَبِرْ، قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: فَما أُتِيتَ إلّا مِن ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرَها هُنا أيْضًا، وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وخَتَمَها هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ وذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ خَمْسَةَ أنْواعٍ أُخْرى، حَتّى كانَ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَهُنا اكْتَفى بِذِكْرِ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ: وهي السَّماواتُ والأرْضُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ، فَهَذِهِ أسْئِلَةٌ ثَلاثَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ الآيَةِ الواحِدَةِ بِاللَّفْظِ الواحِدِ في سُورَتَيْنِ ؟
والسُّؤالُ الثّانِي: لِمَ اكْتَفى هَهُنا بِإعادَةِ ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ وحَذَفَ الخَمْسَةَ الباقِيَةَ ؟
والسُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ هُناكَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقالَ هَهُنا: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ؟ .
فَأقُولُ واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ: إنَّ سُوَيْداءَ البَصِيرَةِ تَجْرِي مَجْرى سَوادِ البَصَرِ، فَكَما أنَّ سَوادَ البَصَرِ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْتَقْصِيَ في النَّظَرِ إلى شَيْئَيْنِ، بَلْ إذا حَدَّقَ بَصَرَهُ نَحْوَ شَيْءٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالَةِ تَحْدِيقُ البَصَرِ نَحْوَ شَيْءٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا إذا حَدَّقَ الإنْسانُ حَدَقَةَ عَقْلِهِ نَحْوَ مُلاحَظَةِ مَعْقُولٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالَةِ تَحْدِيقُ حَدَقَةِ العَقْلِ نَحْوَ مَعْقُولٍ آخَرَ، فَعَلى هَذا كُلَّما كانَ اشْتِغالُ العَقْلِ بِالِالتِفاتِ إلى المَعْقُولاتِ المُخْتَلِفَةِ أكْثَرَ، كانَ حِرْمانُهُ عَنِ الِاسْتِقْصاءِ في تِلْكَ التَّعَقُّلاتِ والإدْراكاتِ أكْثَرَ، فَعَلى هَذا، السّالِكُ إلى اللَّهِ لا بُدَّ لَهُ في أوَّلِ الأمْرِ مِن تَكْثِيرِ الدَّلائِلِ، فَإذا اسْتَنارَ القَلْبُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ صارَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ كالحِجابِ لَهُ عَنِ اسْتِغْراقِ القَلْبِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، فالسّالِكُ في أوَّلِ أمْرِهِ كانَ طالِبًا لِتَكْثِيرِ الدَّلائِلِ، فَعِنْدَ وُقُوعِ هَذا النُّورِ في القَلْبِ يَصِيرُ طالِبًا لِتَقْلِيلِ الدَّلائِلِ، حَتّى إذا زالَتِ الظُّلْمَةُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ اشْتِغالِ القَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَمُلَ فِيهِ تَجَلِّي أنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [ طه:
صفحة ١١٠
١٢ ] والنَّعْلانِ هُما المُقَدِّمَتانِ اللَّتانِ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَعْرِفَةِ، فَلَمّا وصَلَ إلى المَعْرِفَةِ أُمِرَ بِخَلْعِهِما، وقِيلَ لَهُ: إنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَضَعَ قَدَمَيْكَ في وادِي قُدُسِ الوَحْدانِيَّةِ فاتْرُكِ الِاشْتِغالَ بِالدَّلائِلِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ، فَذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أعادَ في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العارِفَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ عارِفًا لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْلِيلِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ لِيَكْمُلَ لَهُ الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ، فَكانَ الغَرَضُ مِن إعادَةِ ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ وحَذْفِ البَقِيَّةِ، التَّنْبِيهَ عَلى ما ذَكَرْناهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى اسْتَقْصى في هَذِهِ الآيَةِ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ وحَذَفَ الدَّلائِلَ الخَمْسَةَ الباقِيَةَ، الَّتِي هي الدَّلائِلُ الأرْضِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ أقْهَرُ وأبْهَرُ، والعَجائِبُ فِيها أكْثَرُ، وانْتِقالُ القَلْبِ مِنها إلى عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ أشَدُّ، ثُمَّ خَتَمَ تِلْكَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ لِأنَّ العَقْلَ لَهُ ظاهِرٌ ولَهُ لُبٌّ، فَفي أوَّلِ الأمْرِ يَكُونُ عَقْلًا، وفي كَمالِ الحالِ يَكُونُ لُبًّا، وهَذا أيْضًا يُقَوِّي ما ذَكَرْناهُ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ العَظِيمِ الكَرِيمِ الحَكِيمِ.
Page 75
3:187
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
3:188
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
3:189
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
3:190
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
3:191
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
3:192
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
3:193
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
3:194
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."