Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:188–190
3:188–189Page 75
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ أنْواعِ هَذا الأذى أنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا بِهِ مِن أنْواعِ الخَبَثِ والتَّلْبِيسِ عَلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ البِرِّ والتَّقْوى والصِّدْقِ والدِّيانَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ يَتَأذّى بِمُشاهَدَةِ مِثْلِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَأمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمُصابَرَةِ عَلَيْها، وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِفَتْحِ الباءِ.
والثّانِي: أنْ يُقْرَأ كِلاهُما بِضَمِّ الباءِ، فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ وفَتَحَ الباءَ فِيهِما جَعَلَ التَّقْدِيرَ: لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ، أوْ أيُّها السّامِعُ، ومَن ضَمَّ الباءَ فِيهِما جَعَلَ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وجَعَلَ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ ”الَّذِينَ يَفْرَحُونَ“، والثّانِي: ”بِمَفازَةٍ“ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وحَسُنَتْ إعادَتُهُ لِطُولِ الكَلامِ، كَقَوْلِكَ: لا تَظُنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ في كَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ في قَوْلِهِ: ”لا يَحْسَبَنَّ“ فَفِيها أيْضًا وجْهانِ:
الأوَّلُ: بِفَتْحِ الباءِ وبِضَمِّها فِيهِما، جَعَلَ الفِعْلَ لِلرَّسُولِ ﷺ والباقِي كَما عَلِمْتَ.
والوَجْهُ الثّانِي: بِفَتْحِ الباءِ في الأوَّلِ وضَمِّها في الثّانِي وهو قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَعَلَ الفِعْلَ لِلَّذِينَ يَفْرَحُونَ ولَمْ يَذْكُرْ واحِدًا مِن مَفْعُولَيْهِ، ثُمَّ أعادَ قَوْلَهُ: ”فَلا تَحْسَبُنَّ“ بِضَمِّ الباءِ، وقَوْلُهُ: (هم) رُفِعَ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِأنَّهم يَفْرَحُونَ بِفِعْلِهِمْ ويُحِبُّونَ أيْضًا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ يُحَرِّفُونَ نُصُوصَ التَّوْراةِ ويُفَسِّرُونَها بِتَفْسِيراتٍ باطِلَةٍ ويُرَوِّجُونَها عَلى الأغْمارِ مِنَ النّاسِ، ويَفْرَحُونَ بِهَذا الصُّنْعِ ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ الدِّينِ والدِّيانَةِ والعَفافِ والصِّدْقِ والبُعْدِ عَنِ الكَذِبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْتَ إذا أنْصَفْتَ عَرَفْتَ أنَّ أحْوالَ أكْثَرِ الخَلْقِ كَذَلِكَ، فَإنَّهم يَأْتُونَ بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا ويَفْرَحُونَ بِوِجْدانِ
صفحة ١٠٨
مَطْلُوبِهِمْ، ثُمَّ يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأنَّهم أهْلُ العَفافِ والصِّدْقِ والدِّينِ.
والثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَّوْراةِ فَكَتَمُوا الحَقَّ وأخْبَرُوا بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَّقُوهُ وفَرِحُوا بِذَلِكَ التَّلْبِيسِ، وطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ يُثْنِيَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى هَذا السِّرِّ. والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ فَرِحُوا بِما فَعَلُوا مِنَ التَّلْبِيسِ وتَوَقَّعُوا مِنكَ أنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِمْ بِالصِّدْقِ والوَفاءِ.
الثّالِثُ: يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن كِتْمانِ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِنَ اتِّباعِ دِينِ إبْراهِيمَ، حَيْثُ ادَّعَوْا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأنَّهم عَلى دِينِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ نَزَلَ في المُنافِقِينَ فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِن إظْهارِ الإيمانِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَتَوَصَّلُونَ بِذَلِكَ إلى تَحْصِيلِ مَصالِحِهِمْ في الدُّنْيا، ثُمَّ كانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَحْمَدَهم عَلى الإيمانِ الَّذِي ما كانَ مَوْجُودًا في قُلُوبِهِمْ.
الخامِسُ: قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ، ويَفْرَحُونَ بِقُعُودِهِمْ عَنْهُ فَإذا قَدِمَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ فَيَقْبَلُ عُذْرَهم، ثُمَّ طَمِعُوا أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِمْ كَما كانَ يُثْنِي عَلى المُسْلِمِينَ المُجاهِدِينَ.
السّادِسُ: المُرادُ مِنهُ كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِن أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ بِالِاعْتِرافِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبِالإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ ودِينِهِ، ثُمَّ إنَّهم فَرِحُوا بِكِتْمانِهِمْ لِذَلِكَ وإعْراضِهِمْ عَنْ نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً.
واعْلَمْ أنَّ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ مُشْتَرِكَةٌ في قَدْرٍ واحِدٍ، وهو أنَّ الإنْسانَ يَأْتِي بِالفِعْلِ الَّذِي لا يَنْبَغِي ويَفْرَحُ بِهِ، ثُمَّ يَتَوَقَّعُ مِنَ النّاسِ أنْ يَصِفُوهُ بِسَدادِ السِّيرَةِ واسْتِقامَةِ الطَّرِيقَةِ والزُّهْدِ والإقْبالِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿بِما أتَوْا﴾ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ: (بِما أتَوْا) يُرِيدُ فَعَلُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أيْ فَعَلْتِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أتى وجاءَ، يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى فَعَلَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] . ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا“ .
البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ آتَوْا بِمَعْنى أعْطَوْا، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”بِما أُوتُوا“ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ بِمَنجاةٍ مِنهُ، مِن قَوْلِهِمْ: فازَ فُلانٌ إذا نَجا، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ بِبُعْدٍ مِنَ العَذابِ، لِأنَّ الفَوْزَ مَعْناهُ التَّباعُدُ مِنَ المَكْرُوهِ، وذَكَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ولا شُبْهَةَ أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في الكُفّارِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ مِمَّنْ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَيْفَ يَرْجُو النَّجاةَ مَن كانَ مُعَذِّبُهُ هَذا القادِرُ الغالِبُ.
3:190Page 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ .
صفحة ١٠٩
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ جَذْبُ القُلُوبِ والأرْواحِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الأحْكامِ والجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُبْطِلِينَ عادَ إلى إنارَةِ القُلُوبِ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ والإلَهِيَّةِ والكِبْرِياءِ والجَلالِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ. «قالَ ابْنُ عُمَرَ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَتْ وأطالَتْ ثُمَّ قالَتْ: كُلُّ أمْرِهِ عَجَبٌ، أتانِي في لَيْلَتِي فَدَخَلَ في لِحافِي حَتّى ألْصَقَ جِلْدَهُ بِجِلْدِي، ثُمَّ قالَ لِي: يا عائِشَةُ هَلْ لَكِ أنْ تَأْذَنِي لِي اللَّيْلَةَ في عِبادَةِ رَبِّي، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وأُحِبُّ مُرادَكَ قَدْ أذِنْتُ لَكَ، فَقامَ إلى قِرْبَةٍ مِن ماءٍ في البَيْتِ فَتَوَضَّأ ولَمْ يُكْثِرْ مِن صَبِّ الماءِ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي، فَقَرَأ مِنَ القُرْآنِ وجَعَلَ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَبْكِي حَتّى رَأيْتُ دُمُوعَهُ قَدْ بَلَّتِ الأرْضَ، فَأتاهُ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ الغَداةِ فَرَآهُ يَبْكِي، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَبْكِي وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فَقالَ: يا بِلالُ أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، ثُمَّ قالَ: ما لِي لا أبْكِي وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها» . ورُوِيَ: «ويْلٌ لِمَن لاكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ ولَمْ يَتَأمَّلْ فِيها» . وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ويَقُولُ: إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ» . وحُكِيَ أنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا عَبَدَ اللَّهَ ثَلاثِينَ سَنَةً أظَلَّتْهُ سَحابَةٌ، فَعَبَدَها فَتًى مِن فِتْيانِهِمْ فَما أظَلَّتْهُ السَّحابَةُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ فَرْطَةً صَدَرَتْ مِنكَ في مُدَّتِكَ، قالَ: ما أذْكُرُ، قالَتْ: لَعَلَّكَ نَظَرْتَ مَرَّةً إلى السَّماءِ ولَمْ تَعْتَبِرْ، قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: فَما أُتِيتَ إلّا مِن ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرَها هُنا أيْضًا، وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وخَتَمَها هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ وذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ خَمْسَةَ أنْواعٍ أُخْرى، حَتّى كانَ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَهُنا اكْتَفى بِذِكْرِ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ: وهي السَّماواتُ والأرْضُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ، فَهَذِهِ أسْئِلَةٌ ثَلاثَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ الآيَةِ الواحِدَةِ بِاللَّفْظِ الواحِدِ في سُورَتَيْنِ ؟
والسُّؤالُ الثّانِي: لِمَ اكْتَفى هَهُنا بِإعادَةِ ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ وحَذَفَ الخَمْسَةَ الباقِيَةَ ؟
والسُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ هُناكَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقالَ هَهُنا: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ ؟ .
فَأقُولُ واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ: إنَّ سُوَيْداءَ البَصِيرَةِ تَجْرِي مَجْرى سَوادِ البَصَرِ، فَكَما أنَّ سَوادَ البَصَرِ لا يَقْدِرُ أنْ يَسْتَقْصِيَ في النَّظَرِ إلى شَيْئَيْنِ، بَلْ إذا حَدَّقَ بَصَرَهُ نَحْوَ شَيْءٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالَةِ تَحْدِيقُ البَصَرِ نَحْوَ شَيْءٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا إذا حَدَّقَ الإنْسانُ حَدَقَةَ عَقْلِهِ نَحْوَ مُلاحَظَةِ مَعْقُولٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالَةِ تَحْدِيقُ حَدَقَةِ العَقْلِ نَحْوَ مَعْقُولٍ آخَرَ، فَعَلى هَذا كُلَّما كانَ اشْتِغالُ العَقْلِ بِالِالتِفاتِ إلى المَعْقُولاتِ المُخْتَلِفَةِ أكْثَرَ، كانَ حِرْمانُهُ عَنِ الِاسْتِقْصاءِ في تِلْكَ التَّعَقُّلاتِ والإدْراكاتِ أكْثَرَ، فَعَلى هَذا، السّالِكُ إلى اللَّهِ لا بُدَّ لَهُ في أوَّلِ الأمْرِ مِن تَكْثِيرِ الدَّلائِلِ، فَإذا اسْتَنارَ القَلْبُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ صارَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ كالحِجابِ لَهُ عَنِ اسْتِغْراقِ القَلْبِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، فالسّالِكُ في أوَّلِ أمْرِهِ كانَ طالِبًا لِتَكْثِيرِ الدَّلائِلِ، فَعِنْدَ وُقُوعِ هَذا النُّورِ في القَلْبِ يَصِيرُ طالِبًا لِتَقْلِيلِ الدَّلائِلِ، حَتّى إذا زالَتِ الظُّلْمَةُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ اشْتِغالِ القَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَمُلَ فِيهِ تَجَلِّي أنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [ طه:
صفحة ١١٠
١٢ ] والنَّعْلانِ هُما المُقَدِّمَتانِ اللَّتانِ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَعْرِفَةِ، فَلَمّا وصَلَ إلى المَعْرِفَةِ أُمِرَ بِخَلْعِهِما، وقِيلَ لَهُ: إنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَضَعَ قَدَمَيْكَ في وادِي قُدُسِ الوَحْدانِيَّةِ فاتْرُكِ الِاشْتِغالَ بِالدَّلائِلِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ، فَذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، ثُمَّ أعادَ في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العارِفَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ عارِفًا لا بُدَّ لَهُ مِن تَقْلِيلِ الِالتِفاتِ إلى الدَّلائِلِ لِيَكْمُلَ لَهُ الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ، فَكانَ الغَرَضُ مِن إعادَةِ ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ وحَذْفِ البَقِيَّةِ، التَّنْبِيهَ عَلى ما ذَكَرْناهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى اسْتَقْصى في هَذِهِ الآيَةِ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ وحَذَفَ الدَّلائِلَ الخَمْسَةَ الباقِيَةَ، الَّتِي هي الدَّلائِلُ الأرْضِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ أقْهَرُ وأبْهَرُ، والعَجائِبُ فِيها أكْثَرُ، وانْتِقالُ القَلْبِ مِنها إلى عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ أشَدُّ، ثُمَّ خَتَمَ تِلْكَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وخَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ لِأنَّ العَقْلَ لَهُ ظاهِرٌ ولَهُ لُبٌّ، فَفي أوَّلِ الأمْرِ يَكُونُ عَقْلًا، وفي كَمالِ الحالِ يَكُونُ لُبًّا، وهَذا أيْضًا يُقَوِّي ما ذَكَرْناهُ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ العَظِيمِ الكَرِيمِ الحَكِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences