Saba 34:39
Sheba · Juz 22 · Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 34:39
صفحة ٢١٩
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهْوَ يُخْلِفُهُ وهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
أتْبَعَ إبْطالَ أنْ تَكُونَ الأمْوالُ والأوْلادُ بِذاتِهِما وسِيلَةَ قُرْبٍ لَدى اللَّهِ تَعالى رَدًّا عَلى مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِما يُشْبِهُ مَعْنى الِاسْتِدْراكِ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ مِن إثْباتِ الِانْتِفاعِ بِالمالِ لِلتَّقَرُّبِ إلى رِضى اللَّهِ إنِ اسْتُعْمِلَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَفْصِيلًا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ إجْمالًا مِن أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ قُرْبى إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [سبإ: ٣٧] كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا تَأْكِيدًا لِذَلِكَ ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ“ . فالَّذِي تَقَدَّمَ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ والمَذْكُورُ هُنا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِباراتُ واحِدَةٌ والمَقاصِدُ مُخْتَلِفَةٌ. وهَذا مِن وُجُوهِ الإعْجازِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ صالِحًا لِغَرَضَيْنِ وأنْ يَتَوَجَّهَ إلى طائِفَتَيْنِ.
ولَمّا كانَ هَذا الثّانِي مُوَجَّهًا إلى المُؤْمِنِينَ أُشِيرَ إلى تَشْرِيفِهِمْ بِزِيادَةِ قَوْلِهِ مِن عِبادِهِ أيِ المُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ ”لَهُ“ عائِدٌ إلى ”مَن“، أيْ ويَقْدِرُ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. ومَفْعُولُ ”يَقْدِرُ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ يَبْسُطُ.
وكانَ ما تَقَدَّمَ حَدِيثًا أنْ يَبْسُطَ الرِّزْقَ لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْعَمُوا بِوَصْفٍ مِن عِبادِهِ لِأنَّ في الإضافَةِ تَشْرِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي هَذا امْتِنانٌ عَلى الَّذِينَ يَبْسُطُ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم فَضْلَ الإيمانِ وفَضْلَ سَعَةِ الرِّزْقِ، وتَسْلِيَةٌ لِلَّذِينِ قَدَرَ عَلَيْهِمْ رِزْقَهم بِأنَّهم نالُوا فَضْلَ الإيمانِ وفَضْلَ الصَّبْرِ عَلى ضِيقِ الحَياةِ.
وفِي تَعْلِيقِ ”لَهُ“ بِـ ”يَقْدِرُ“ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ لا يَخْلُو مِن فائِدَةٍ لِلْمَقْدُورِ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وهي فائِدَةُ الثَّوابِ عَلى الرِّضا بِما قُسِمَ لَهُ والسَّلامَةِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُؤْمِنَ إلّا كُفِّرَ بِها عَنْهُ حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها» .
ولَوْلا هَذا الإيماءُ لَقِيلَ: ويَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما قالَ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وأمّا حالُ الكافِرِينَ فَإنَّهم يُنْعِمُ عَلى بَعْضِهِمْ بِرِزْقٍ يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ أشَدَّ
صفحة ٢٢٠
الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا رازِقَهم، ويَقْدِرُ عَلى بَعْضِهِمْ فَلا يَنالُهُ الشَّقاءُ. وهَذا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ حَثًّا عَلى الإنْفاقِ. والمُرادُ الإنْفاقُ فِيما أذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ.
وهَذا تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ لا يُنافِي نَعِيمَ الدُّنْيا قالَ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] . فَأمّا نَعِيمُ الدُّنْيا فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ أحْوالٍ دُنْيَوِيَّةٍ رَتَّبَها اللَّهُ تَعالى ويَسَّرَها لِمَن يَسَّرَها في عِلْمِهِ بِغَيْبِهِ، وأمّا نَعِيمُ الآخِرَةِ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ أعْمالٍ مُبَيَّنَةٍ في الشَّرِيعَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ الصّالِحِينَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّعِيمُ في الدُّنْيا مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مُنَعَّمُونَ في الآخِرَةِ كَما أنْعَمَ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ وعَلى كَثِيرٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكَثِيرٍ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ مِثْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والشّافِعِيِّ والشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زَيْدٍ وسَحْنُونٍ.
فَأمّا اخْتِيارُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حالَةَ الزَّهادَةِ في الدُّنْيا فَلِتَحْصُلَ لَهُ غاياتُ الكَمالِ مِنَ التَّمَحُّضِ لِتَلَقِّي الوَحْيِ وجَمِيلِ الخِصالِ ومِن مُساواةِ جُمْهُورِ أصْحابِهِ في أحْوالِهِمْ وقَدْ بَسَطْناهُ بَيانًا في رِسالَةِ طَعامِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَرْغِيبِ الأغْنِياءِ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَجَعَلَ الوَعْدَ بِإخْلافِ ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ كِنايَةً عَنِ التَّرْغِيبِ في الإنْفاقِ لِأنَّ وعْدَ اللَّهِ بِإخْلافِهِ مَعَ تَأْكِيدِ الوَعْدِ يَقْتَضِي أنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ مِنَ المُنافِقِينَ.
وأكَّدَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وبِجَعْلِ جُمْلَةِ الجَوابِ اسْمِيَّةً وبِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ بِقَوْلِهِ: ”فَهو يُخْلِفُهُ“، فَفي هَذا الوَعْدِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ دالَّةٍ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ بِتَحْقِيقِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَرْغُوبَهُ تَعالى.
و”مِن شَيْءٍ“ بَيانٌ لِما في ”ما“ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ”وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ“ تَذْيِيلٌ لِلتَّرْغِيبِ والوَعْدِ بِزِيادَةٍ، لِبَيانِ أنَّ ما يُخْلِفُهُ أفْضَلُ مِمّا أنْفَقَهُ المُنْفِقُ.
”خَيْرُ“ بِمَعْنى أخْيَرَ لِأنَّ الرِّزْقَ الواصِلَ مِن غَيْرِهِ تَعالى إنَّما هو مِن فَضْلِهِ أجْراهُ عَلى يَدِ بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ فَإذا كانَ تَيْسِيرُهُ بِرِضًى مِنَ اللَّهِ عَلى المَرْزُوقِ ووَعْدٍ بِهِ كانَ ذَلِكَ أخْلَقَ بِالبَرَكَةِ والدَّوامِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ إخْلافَ الرِّزْقِ يَقَعُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
والمُرادُ بِالإنْفاقِ: الإنْفاقُ المُرَغَّبُ فِيهِ في الدِّينِ كالإنْفاقِ عَلى الفُقَراءِ
صفحة ٢٢١
والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِنَصْرِ الدِّينِ. رَوى مالِكٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «يا بْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قَدْ يُعَوَّضُ مِثْلَهُ أوْ أزْيَدَ، وقَدْ يُعَوَّضُ ثَوابًا، وقَدْ يُدَّخَرُ لَهُ وهو كالدُّعاءِ في وعْدِ الإجابَةِ اهـ. قُلْتُ: وقَدْ يُعَوَّضُ صِحَّةً وقَدْ يُعَوَّضُ تَعْمِيرًا. ولِلَّهِ في خَلْقِهِ أسْرارٌ.
Page 432
34:32
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢
Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."
34:33
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣
Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?
34:34
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤
And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
34:35
وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥
And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."
1 translator’s note
- The affluent ones in general or the people of Makkah specifically. ↩
34:36
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."
34:37
وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧
And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].
34:38
وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨
And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].
1 translator’s note
- See footnote to 34:5. ↩
34:39
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."