Ibn 'AshurSaba · 34:37–42

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Saba 34:37–42

34:37Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وما أمْوالُكم عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [سبإ: ٣٦] الَخْ فَيَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] فَتَكُونَ ضَمائِرُ الخِطابِ مُوَجَّهَةً إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] .

صفحة ٢١٥

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ [سبإ: ٣٦] فَيَكُونَ مِمّا أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم ويُبْلِغَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ في ضَمِيرِ ”عِنْدَنا“ التِفاتٌ، وضَمائِرُ الخِطابِ تَكُونُ عائِدَةً إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] وفِيها وجْهٌ ثالِثٌ نُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

وهُوَ ارْتِقاءٌ مِن إبْطالِ المُلازِمَةِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ النَّقْضِ التَّفْصِيلِيِّ المُسَمّى بِالمُناقَضَةِ أيْضًا في عِلْمِ المُناظَرَةِ.

وهُوَ مَقامُ الِانْتِقالِ مِنَ المَنعِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ، فَقَدْ أبْطَلَتِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ أمْوالُهم وأوْلادُهم مُقَرِّبَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ إلّا الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ في صِيغَةِ حَصْرٍ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أُرِيدَ مِنها نَفْيُ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] أيْ لا أنْتُمْ، فَكانَ كَلامُهم في قُوَّةِ حَصْرِ التَّقْرِيبِ إلى اللَّهِ في كَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ فَنُفِيَ ذَلِكَ بِأسْرِهِ.

وتَكْرِيرُ (لا) النّافِيَةِ بَعْدَ العاطِفِ في ولا أوْلادُكم لِتَأْكِيدِ تَسَلُّطِ النَّفْيِ عَلى كِلا المَذْكُورَيْنِ لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مَقْصُودًا بِنَفْيِ كَوْنِهِ مِمّا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ومُتَلَفَّتًا إلَيْهِ.

ولَمّا كانَتِ الأمْوالُ والأوْلادُ جَمْعَيْ تَكْسِيرٍ عُومِلا مُعامَلَةَ المُفْرَدِ المُؤَنَّثِ فَجِيءَ بِخَبَرِهِما اسْمَ مَوْصُولٍ لِلْمُفْرَدِ المُؤَنَّثِ عَلى تَأْوِيلِ جَماعَةِ الأمْوالِ وجَماعَةِ الأوْلادِ، ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَغَلُّبِ الأوْلادِ عَلى الأمْوالِ فَيُخْبَرُ عَنْهُما مَعًا بِالَّذِينَ ونَحْوِهِ.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: بِالَّتِي تُقَرِّبُكم إلَيْنا، إلى ”﴿تُقَرِّبُكم عِنْدَنا﴾“ لِأنَّ التَّقْرِيبَ هُنا مَجازٌ في التَّشْرِيفِ والكَرامَةِ لا تَقْرِيبَ مَكانٍ.

والزُّلْفى: اسْمٌ لِلْقُرْبِ مِثْلَ ”الرُّجْعى“ وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنِ المَصْدَرِ، أيْ تُقَرِّبُكم تَقْرِيبًا، ونَظِيرُهُ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] .

وقَوْلُهُ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. و”إلّا“ بِمَعْنى لَكِنِ المُخَفَّفَةِ النُّونِ الَّتِي هي لِلِاسْتِدْراكِ وما بَعْدَها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالاتِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَإنَّهُ إذا كانَ ما بَعْدَ إلّا لَيْسَ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ كانَ

صفحة ٢١٦

الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ إنْ كانَ ما بَعْدَ ”إلّا“ مُفْرَدًا فَإنَّ ”إلّا“ تُقَدَّرُ بِمَعْنى لَكِنَّ أُخْتِ ”إنَّ“ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ فَيَنْصِبُونَ ما بَعْدَها عَلى تَوَهُّمِ اسْمِ ”لَكِنَّ“ وتُقَدَّرُ بِمَعْنى ”لَكِنِ“ المُخَفَّفَةِ العاطِفَةِ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ فَيَتْبَعُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها إعْرابَ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَها وذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في بابٍ يَخْتارُ فِيهِ النَّصْبَ مِن أبْوابِ الِاسْتِثْناءِ.

فَأمّا إنْ كانَ ما بَعْدَ ”إلّا“ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أوْ فِعْلِيَّةً فَإنَّ ”إلّا“ تُقَدَّرُ بِمَعْنى ”لَكِنِ“ المُخَفَّفَةِ وتُجْعَلُ الجُمْلَةُ بَعْدُ اسْتِئْنافًا، وذَلِكَ في قَوْلِ العَرَبِ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا إلّا حِلُّ ذَلِكَ أنْ أفْعَلَ كَذا وكَذا اهـ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ”فَإنَّ أنْ أفْعَلَ كَذا: بِمَنزِلَةِ: إلّا فِعْلَ كَذا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى حِلٍّ“ أيْ هو خَبَرٌ لَهُ ”. وحِلُّ مُبْتَدَأٌ كَأنَّهُ قالَ: ولَكِنَّ حِلُّ ذَلِكَ أنْ أفْعَلَ كَذا وكَذا“ اهـ. قالَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: وتَقْرِيرُ الإخْراجِ في هَذا أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهم: إلّا حِلُّ ذَلِكَ، بِمَنزِلَةِ: لا أرى لِهَذا العَقْدِ مُبْطِلًا إلّا فِعْلُ كَذا. وجَعَلَ ابْنُ خَرُوفٍ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] عَلى أنْ يَكُونَ مَن مُبْتَدَأً ويُعَذِّبُهُ اللَّهُ الخَبَرَ ودَخَلَ الفاءُ لِتَضْمِينِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الجَزاءِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ إلّا في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَكُونُ ما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَأْنَفًا اهـ.

وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾، فَيَكُونُ ”مَن“ مُبْتَدَأً مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ و﴿لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ جُمْلَةَ خَبَرٍ عَنِ المُبْتَدَأِ وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِتَضْمِينِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ.

وأسْهَلُ مِن هَذا أنْ نَجْعَلَ ”مَن“ شَرْطِيَّةً وجُمْلَةَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ. وهَذا تَحْقِيقٌ لِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وتَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ بِدُونِ تَكَلُّفٍ ولا تَرَدُّدَ في النَّظْمِ.

صفحة ٢١٧

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكُمُ﴾ الَخْ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [سبإ: ٣٦] وجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبإ: ٣٩]، وتَكُونُ ضَمائِرُ الخِطابِ مُوَجَّهَةً إلى جَمِيعِ النّاسِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ مِن مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ الَخْ مُسْتَثْنًى مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، أيْ ما أمْوالُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنكم وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ ثَناءً عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في الإخْبارِ عَنْ ”مَن آمَنَ“ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي تَقَدَّمَتِ اسْمَ الإشارَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وغَيْرِهِ. ووِزانُ هَذا المَعْنى وِزانُ قَوْلِهِ ﴿لا يُغْرَنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] إلى قَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٩٨] .

والضِّعْفُ: المُضاعَفُ المُكَرَّرُ فَيَصْدُقُ بِالمُكَرَّرِ مَرَّةً وأكْثَرَ. وفي الحَدِيثِ «والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ» وقَدْ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .

وإضافَةُ جَزاءٍ إلى الضِّعْفِ إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيِ الجَزاءُ الَّذِي هو المُضاعَفَةُ لِأعْمالِهِمْ، أيْ لِما تَسْتَحِقُّهُ كَما تَقَدَّمَ. وكُنِّيَ عَنِ التَّقْرِيبِ بِمُضاعَفَةِ الجَزاءِ لِأنَّ ذَلِكَ أمارَةُ كَرامَةِ المَجْزِيِّ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ أُولَئِكَ يَقْرُبُونَ زُلْفى فَيُجْزَوْنَ جَزاءَ الضِّعْفِ عَلى أعْمالِهِمْ لا عَلى وفْرَةِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فالِاسْتِدْراكُ ورَدَ عَلى جَمِيعِ ما أفادَهُ كَلامُ المُشْرِكِينَ مِنَ الدَّعْوى الباطِلَةِ، والفَخْرِ الكاذِبِ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ لا تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ بِحالٍ، فَإنَّ مِن أمْوالِ المُؤْمِنِينَ صَدَقاتٍ ونَفَقاتٍ، ومِن أوْلادِهِمْ أعْوانًا عَلى البِرِّ ومُجاهِدِينَ وداعِينَ لِآبائِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِما عَمِلُوا تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ فَتَكُونُ دَلِيلًا عَلى ما هو المُضاعَفُ وهو ما يُناسِبُ السَّبَبَ مِنَ الصّالِحاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وتَحْتَمِلُ العِوَضَ فَيَكُونُ ما عَمِلُوا هو المُجازى عَلَيْهِ كَما تَقُولُ:

صفحة ٢١٨

جَزَيْتُهُ بِألْفٍ، فَلا تَقْدِيرَ في قَوْلِهِ جَزاءَ الضِّعْفِ.

والغُرُفاتُ: جَمْعُ غُرْفَةٍ. وتَقَدَّمَ في آخِرِ الفُرْقانِ وهي البَيْتُ المُعْتَلِي وهو أجْمَلُ مَنظَرًا وأشْمَلُ مَرْأًى. وآمِنُونَ خَبَرٌ ثانٍ يَعْنِي تُلْقِي في نُفُوسِهِمُ الأمْنَ مِنِ انْقِطاعِ ذَلِكَ النَّعِيمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ في الغُرُفاتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ”في الغُرْفَةِ“ بِالإفْرادِ.

34:38Page 432

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ جَرى الكَلامُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ وعَكْسِهِ، فَكانَ هَذا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ وبَيْنَ إرْشادِهِمْ إلى الِانْتِفاعِ بِأمْوالِهِمْ لِلْقُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ بِجُمْلَةِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [سبإ: ٣٩] الَخْ. والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في الآياتِ هُمُ المُشْرِكُونَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ بِالباطِلِ واللَّغْوِ عِنْدَ سَماعِهِ.

والسَّعْيُ مُسْتَعارٌ لِلِاجْتِهادِ في العَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] وإذا عُدِّيَ بِـ ”في“ كانَ في الغالِبِ مُرادًا مِنهُ الِاجْتِهادُ في المَضَرَّةِ فَمَعْنى ﴿يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ يَجْتَهِدُونَ في إبْطالِها، ومُعاجِزِينَ مُغالِبِينَ مُطالِبِينَ العَجْزَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] في سُورَةِ الحَجِّ.

واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الجَحِيمَ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مَثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وفي العَذابِ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

ومُحْضَرُونَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المُلازَمَةِ فَهو ارْتِقاءٌ في المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أداةُ الظَّرْفِيَّةِ مِن إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ وهو خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ ومُتَعَلِّقِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] في سُورَةِ الرُّومِ.

34:39Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

صفحة ٢١٩

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهْوَ يُخْلِفُهُ وهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾

أتْبَعَ إبْطالَ أنْ تَكُونَ الأمْوالُ والأوْلادُ بِذاتِهِما وسِيلَةَ قُرْبٍ لَدى اللَّهِ تَعالى رَدًّا عَلى مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِما يُشْبِهُ مَعْنى الِاسْتِدْراكِ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ مِن إثْباتِ الِانْتِفاعِ بِالمالِ لِلتَّقَرُّبِ إلى رِضى اللَّهِ إنِ اسْتُعْمِلَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَفْصِيلًا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ إجْمالًا مِن أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ قُرْبى إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [سبإ: ٣٧] كَما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا تَأْكِيدًا لِذَلِكَ ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ“ . فالَّذِي تَقَدَّمَ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ والمَذْكُورُ هُنا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِباراتُ واحِدَةٌ والمَقاصِدُ مُخْتَلِفَةٌ. وهَذا مِن وُجُوهِ الإعْجازِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ صالِحًا لِغَرَضَيْنِ وأنْ يَتَوَجَّهَ إلى طائِفَتَيْنِ.

ولَمّا كانَ هَذا الثّانِي مُوَجَّهًا إلى المُؤْمِنِينَ أُشِيرَ إلى تَشْرِيفِهِمْ بِزِيادَةِ قَوْلِهِ مِن عِبادِهِ أيِ المُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ ”لَهُ“ عائِدٌ إلى ”مَن“، أيْ ويَقْدِرُ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. ومَفْعُولُ ”يَقْدِرُ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ يَبْسُطُ.

وكانَ ما تَقَدَّمَ حَدِيثًا أنْ يَبْسُطَ الرِّزْقَ لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْعَمُوا بِوَصْفٍ مِن عِبادِهِ لِأنَّ في الإضافَةِ تَشْرِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي هَذا امْتِنانٌ عَلى الَّذِينَ يَبْسُطُ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم فَضْلَ الإيمانِ وفَضْلَ سَعَةِ الرِّزْقِ، وتَسْلِيَةٌ لِلَّذِينِ قَدَرَ عَلَيْهِمْ رِزْقَهم بِأنَّهم نالُوا فَضْلَ الإيمانِ وفَضْلَ الصَّبْرِ عَلى ضِيقِ الحَياةِ.

وفِي تَعْلِيقِ ”لَهُ“ بِـ ”يَقْدِرُ“ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ لا يَخْلُو مِن فائِدَةٍ لِلْمَقْدُورِ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وهي فائِدَةُ الثَّوابِ عَلى الرِّضا بِما قُسِمَ لَهُ والسَّلامَةِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُؤْمِنَ إلّا كُفِّرَ بِها عَنْهُ حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها» .

ولَوْلا هَذا الإيماءُ لَقِيلَ: ويَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما قالَ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وأمّا حالُ الكافِرِينَ فَإنَّهم يُنْعِمُ عَلى بَعْضِهِمْ بِرِزْقٍ يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ أشَدَّ

صفحة ٢٢٠

الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا رازِقَهم، ويَقْدِرُ عَلى بَعْضِهِمْ فَلا يَنالُهُ الشَّقاءُ. وهَذا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ حَثًّا عَلى الإنْفاقِ. والمُرادُ الإنْفاقُ فِيما أذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ.

وهَذا تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ لا يُنافِي نَعِيمَ الدُّنْيا قالَ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] . فَأمّا نَعِيمُ الدُّنْيا فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ أحْوالٍ دُنْيَوِيَّةٍ رَتَّبَها اللَّهُ تَعالى ويَسَّرَها لِمَن يَسَّرَها في عِلْمِهِ بِغَيْبِهِ، وأمّا نَعِيمُ الآخِرَةِ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ أعْمالٍ مُبَيَّنَةٍ في الشَّرِيعَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ الصّالِحِينَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّعِيمُ في الدُّنْيا مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مُنَعَّمُونَ في الآخِرَةِ كَما أنْعَمَ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ وعَلى كَثِيرٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكَثِيرٍ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ مِثْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والشّافِعِيِّ والشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زَيْدٍ وسَحْنُونٍ.

فَأمّا اخْتِيارُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حالَةَ الزَّهادَةِ في الدُّنْيا فَلِتَحْصُلَ لَهُ غاياتُ الكَمالِ مِنَ التَّمَحُّضِ لِتَلَقِّي الوَحْيِ وجَمِيلِ الخِصالِ ومِن مُساواةِ جُمْهُورِ أصْحابِهِ في أحْوالِهِمْ وقَدْ بَسَطْناهُ بَيانًا في رِسالَةِ طَعامِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَرْغِيبِ الأغْنِياءِ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَجَعَلَ الوَعْدَ بِإخْلافِ ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ كِنايَةً عَنِ التَّرْغِيبِ في الإنْفاقِ لِأنَّ وعْدَ اللَّهِ بِإخْلافِهِ مَعَ تَأْكِيدِ الوَعْدِ يَقْتَضِي أنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ مِنَ المُنافِقِينَ.

وأكَّدَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وبِجَعْلِ جُمْلَةِ الجَوابِ اسْمِيَّةً وبِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ بِقَوْلِهِ: ”فَهو يُخْلِفُهُ“، فَفي هَذا الوَعْدِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ دالَّةٍ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ بِتَحْقِيقِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَرْغُوبَهُ تَعالى.

و”مِن شَيْءٍ“ بَيانٌ لِما في ”ما“ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ”وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ“ تَذْيِيلٌ لِلتَّرْغِيبِ والوَعْدِ بِزِيادَةٍ، لِبَيانِ أنَّ ما يُخْلِفُهُ أفْضَلُ مِمّا أنْفَقَهُ المُنْفِقُ.

”خَيْرُ“ بِمَعْنى أخْيَرَ لِأنَّ الرِّزْقَ الواصِلَ مِن غَيْرِهِ تَعالى إنَّما هو مِن فَضْلِهِ أجْراهُ عَلى يَدِ بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ فَإذا كانَ تَيْسِيرُهُ بِرِضًى مِنَ اللَّهِ عَلى المَرْزُوقِ ووَعْدٍ بِهِ كانَ ذَلِكَ أخْلَقَ بِالبَرَكَةِ والدَّوامِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ إخْلافَ الرِّزْقِ يَقَعُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.

والمُرادُ بِالإنْفاقِ: الإنْفاقُ المُرَغَّبُ فِيهِ في الدِّينِ كالإنْفاقِ عَلى الفُقَراءِ

صفحة ٢٢١

والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِنَصْرِ الدِّينِ. رَوى مالِكٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «يا بْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قَدْ يُعَوَّضُ مِثْلَهُ أوْ أزْيَدَ، وقَدْ يُعَوَّضُ ثَوابًا، وقَدْ يُدَّخَرُ لَهُ وهو كالدُّعاءِ في وعْدِ الإجابَةِ اهـ. قُلْتُ: وقَدْ يُعَوَّضُ صِحَّةً وقَدْ يُعَوَّضُ تَعْمِيرًا. ولِلَّهِ في خَلْقِهِ أسْرارٌ.

34:40–41Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمُ﴾ [سبإ: ٣١] الآيَةَ اسْتِكْمالًا لِتَصْوِيرِ فَظاعَةِ حالِهِمْ يَوْمَ الوَعْدِ الَّذِي أنْكَرُوهُ تَبَعًا لِما وصَفَ مِن حالِ مُراجَعَةِ المُسْتَكْبِرِينَ مِنهم والمُسْتَضْعَفِينَ، فَوَصَفَ هُنا افْتِضاحَهم بِتَبَرُّؤِ المَلائِكَةِ مِنهم وشَهادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَعْبُدُونَ الجِنَّ.

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ مِن ”نَحْشُرُهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] الَّذِي هو عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١]، والكَلامُ كُلُّهُ مُنْتَظِمٌ في أحْوالِ المُشْرِكِينَ، وجَمِيعُ ”فَعِيلٍ“ بِمَعْنى ”مَفْعُولٍ“، أيْ مَجْمُوعٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ وصْفًا لِإفادَةِ شُمُولِ أفْرادِ ما أُجْرِيَ هو عَلَيْهِ مِن ذَواتٍ وأحْوالٍ، أيْ يَجْمَعُهُمُ المُتَكَلِّمُ قالَ لَبِيدٌ:

عَرِيَتْ وكانَ بِها الجَمِيعُ فَأبْكَرُويا مِنها وغُودِرَ نُؤْيُها وثِمامُها

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] في سُورَةِ هُودٍ. فَلَفْظُ ”جَمِيعًا“ يَعُمُّ أصْنافَ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ نِحَلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في شِرْكِهِمْ فَقَدْ كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ نِحَلًا شَتّى يَأْخُذُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وما كانُوا يُحَقِّقُونَ مَذْهَبًا مُنْتَظِمَ العَقائِدِ والأقْوالِ غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِما يُنافِي بَعْضُهُ بَعْضًا.

والمَقْصِدُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ قَوْلِهِمْ في المَلائِكَةِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: ”﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]“ كَما في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وكانُوا يَخْلِطُونَ بَيْنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ ويَجْعَلُونَ بَيْنَهم نَسَبًا فَكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرْواتِ الجِنِّ.

صفحة ٢٢٢

وقَدْ كانَ حَيٌّ مِن خُزاعَةَ يُقالُ لَهم: بَنُو مُلَيْحٍ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، يَعْبُدُونَ الجِنَّ والمَلائِكَةَ. والِاقْتِصارُ عَلى تَقْرِيرِ المَلائِكَةِ واسْتِشْهادِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّ إبْطالَ إلَهِيَّةِ المَلائِكَةِ يُفِيدُ إبْطالَ إلَهِيَّةِ ما هو دُونَهُ مِمَّنْ عَبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، أيْ بِطَرِيقِ الأوْلى فَإنَّ ذَلِكَ التَّقْرِيرَ مِن أجْلِ ما جُعِلَ الحَشْرُ لِأجْلِهِ.

وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى المَلائِكَةِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلٌ بِالتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ المَثَلِ إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ.

والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى فَرِيقٍ كانُوا عَبَدُوا المَلائِكَةَ والجِنَّ ومَن شايَعَهم عَلى أقْوالِهِمْ مِن بَقِيَّةِ المُشْرِكِينَ.

وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى ”يَعْبُدُونَ“ لِلِاهْتِمامِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

وحُكِيَ قَوْلُ المَلائِكَةِ بِدُونِ عاطِفٍ لِوُقُوعِهِ في المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في الحِكايَةِ.

وجَوابُ المَلائِكَةِ يَتَضَمَّنُ إقْرارًا مَعَ التَّنَزُّهِ عَنْ لَفْظِ كَوْنِهِمْ مَعْبُودِينَ كَما يَتَنَزَّهُ مَن يَحْكِي كُفْرَ أحَدٍ فَيَقُولُ قالَ: هو مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، وإنَّما القائِلُ قالَ: أنا مُشْرِكٌ بِاللَّهِ.

فَمَوْرِدُ التَّنْزِيهِ في قَوْلِ المَلائِكَةِ سُبْحانَكَ هو أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا أنْ يُعْبَدَ، مَعَ لازِمِ الفائِدَةِ وهو أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُضَرُّونَ بِأنْ يَكُونُوا مَعْبُودِينَ.

والوَلِيُّ: النّاصِرُ والحَلِيفُ والصَّدِيقُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلْيِ، مَصْدَرُ ولِيَ بِوَزْنِ عَلِمَ، وكُلٌّ مِن فاعِلِ الوَلْيِ ومَفْعُولِهِ ولِيٌّ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ نِسْبَةٌ تَسْتَدْعِي طَرَفَيْنِ ولِذَلِكَ كانَ الوَلِيُّ فَعِيلًا صالِحًا لِمَعْنى فاعِلٍ ولِمَعْنى مَفْعُولٍ. فَيَقَعُ اسْمُ الوَلِيِّ عَلى المُوالِي بِكَسْرِ اللّامِ وعَلى المُوالى بِفَتْحِها وقَدْ ورَدَ بِالمَعْنَيَيْنِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا.

فَمَعْنى أنْتَ ولِيُّنا لا نُوالِي غَيْرَكَ، أيْ لا نَرْضى بِهِ ولِيًّا، والعِبادَةُ ولايَةٌ بَيْنَ العابِدِ والمَعْبُودِ، ورِضى المَعْبُودِ بِعِبادَةِ عابِدِهِ إيّاهُ وِلايَةٌ بَيْنَ المَعْبُودِ وعابِدِهِ، فَقَوْلُ المَلائِكَةِ: ”سُبْحانَكَ“ تَبَرُّؤٌ مِنَ الرِّضى بِأنْ يَعْبُدَهُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا

صفحة ٢٢٣

جَعَلُوا أنْفُسَهم مُوالِينَ لِلَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوا المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا لَهُمُ الإلَهِيَّةَ، لِأنَّ العابِدَ لا يَكُونُ مَعْبُودًا. ولَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ولِيٍّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ وفي آخِرِ سُورَةِ الرَّعْدِ.

و”مِن“ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ و”دُونَ“ اسْمٌ لِمَعْنى غَيْرٍ، أيْ: أنْتَ ولِيُّنا وهم لَيْسُوا أوْلِياءَ لَنا ولا نَرْضى بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ فَـ ”مِن دُونِهِمْ“ تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ جُمْلَةُ أنْتَ ولِيُّنا مِنَ الحَصْرِ لِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ.

وبَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ انْتِقالًا مِنَ التَّبَرُّؤِ مِنهم إلى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ وعَلى الَّذِينَ سَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ إضْرابَ إبْطالٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، والمَعْنى بَلْ كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ يَعْبُدُونَ الجِنَّ وكانَ الجِنُّ راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم. وحاصِلُ المَعْنى، أنّا مُنْكِرُونَ عِبادَتَهم إيّانا ولَمْ نَأْمُرْهم بِها ولَكِنَّ الجِنَّ سَوَّلَتْ لَهم عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ فَعَبَدُوا الجِنَّ وعَبَدُوا المَلائِكَةَ.

وجُمْلَةُ ”أكْثَرُهم“ لِلْمُشْرِكِينَ وضَمِيرُ ”بِهِمْ“ لِلْجِنِّ والمَقامُ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ ولَوْ تَماثَلَتِ الضَّمائِرُ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ:

عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا

أيْ أحْرَزَ جَمْعُ المُشْرِكِينَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِن مَغانِمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَحْشُرُهم“ و”نَقُولُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ فِيهِما، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى رَبِّي مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبإ: ٣٩] .

34:42Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾

الأظْهَرُ أنَّ هَذا مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى المُشْرِكِينَ والجِنَّ. والفاءُ فَصِيحَةٌ ناشِئَةٌ عَنِ المُقاوَلَةِ السّابِقَةِ. وهي كَلامٌ مُوَجَّهٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى المَلائِكَةِ والمَقْصُودُ بِهِ: التَّعْرِيضُ بِضَلالِ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ والجِنَّ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ مَضْمُونَ هَذا الخَبَرِ، فَلا نَقْصِدُ إفادَتَهم بِهِ. والمَعْنى: إذْ عَلِمْتُمْ أنَّكم عِبْتُمُ الجِنَّ فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا.

صفحة ٢٢٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خِطابِ المَلائِكَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ بَعْدَ أداءِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ تَوْبِيخًا لَهم وإظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِمْ تَحْقِيقًا لِلتَّبَرُّؤِ مِنهم، والفاءُ أيْضًا فَصِيحَةٌ وهي ظاهِرَةٌ.

وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ لِأنَّ النَّفْعَ والضُّرَّ يَوْمَئِذٍ قَدِ اخْتَصَّ صَغِيرُهُما وكَبِيرُهُما بِاللَّهِ تَعالى خِلافَ ما كانَ في الدُّنْيا مِن نَفْعِ الجِنِّ عُبّادَهم بِبَعْضِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ونَفَعِ المُشْرِكِينَ الجِنَّ بِخِدْمَةِ وساوِسِهِمْ وتَنْفِيذِ أغْراضِهِمْ مِنَ الفِتْنَةِ والإضْلالِ، وكَذَلِكَ الضُّرُّ في الدُّنْيا أيْضًا.

والمِلْكُ هُنا بِمَعْنى: القُدْرَةِ، أيْ لا يَقْدِرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضِ نَصْرٍ أوْ نَفْعٍ.

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ.

وقَدَّمَ النَّفْعَ في حَيِّزِ النَّفْيِ تَأْيِيسًا لَهم لِأنَّهم يَرْجُونَ أنْ يَشْفَعُوا لَهم يَوْمَئِذٍ ويَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .

وعَطَفَ نَفْيَ الضُّرِّ عَلى نَفْعِ النَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى سَلْبِ مَقْدِرَتِهِمْ عَلى أيِّ شَيْءٍ فَإنَّ بَعْضَ الكائِناتِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَضُرَّ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْفَعَ كالعَقْرَبِ.

* * *

﴿ونَقُولُ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ، وقَدْ وقَعَ الإخْبارُ عَنْ هَذا القَوْلِ بَعْدَ الإخْبارِ عَنِ الحِوارِ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ إظْهارًا لِاسْتِحْقاقِهِمْ هَذا الحُكْمَ الشَّدِيدَ، ولَكِنَّهُ كالمَعْمُولِ لِقَوْلِهِ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا.

والذَّوْقُ مَجازٌ لِمُطْلَقِ الإحْساسِ، واخْتِيارُهُ دُونَ الحَقِيقَةِ لِشُهْرَةِ اسْتِعْمالِهِ.

ووَصْفُ النّارِ بِالَّتِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها في صِلَةِ المَوْصُولِ مِن إيذانٍ بِغَلَطِهِمْ وتَنْدِيمِهِمْ.

وقَدْ عُلِّقَ التَّكْذِيبُ هُنا بِنَفْسِ النّارِ فَجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ المُناسِبِ لَها ولَمْ

صفحة ٢٢٥

يُعَلَّقْ بِالعَذابِ كَما في آيَةِ سُورَةِ السَّجْدَةِ وقِيلَ لَهم: ”﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]“ لِأنَّ القَوْلَ المُخَبَرَ عَنْهُ هُنا هو قَوْلُ اللَّهِ تَعالى وحُكْمُهُ وقَدْ أذِنَ بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ وشاهَدُوها كَما قالَ تَعالى آنِفًا ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبإ: ٣٣] فَإنَّ الَّذِي يَرى هو ما بِهِ العَذابُ، وأمّا القَوْلُ المَحْكِيُّ في سُورَةِ السَّجْدَةِ فَهو قَوْلُ مَلائِكَةِ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском