Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
ابراهيم
Ibrahim
Abraham · Meccan · 52 ayahs
14:1Page 255
الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -
﴿الر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وعَلى نَظِيرِ هَذِهِ الحُرُوفِ في سُورَةِ يُونُسَ.
* * *
﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ الكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ كالكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ عَدا هَذِهِ الآيَةِ ذُكِرَ فِيها فاعِلُ الإنْزالِ وهو مَعْلُومٌ مِن مادَّةِ الإنْزالِ المُشْعِرَةِ بِأنَّهُ وارِدٌ مِن قِبَلِ العالَمِ العُلْوِيِّ، فَلِلْعِلْمِ بِمَنزِلَةِ حَذْفِ الفاعِلِ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ، وهو مُقْتَضى الظّاهِرِ والإيجازِ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَها هُنا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾، ومِن ذِكْرِ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾، بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ فَإنَّها في مَقامِ الطَّمْأنَةِ والتَّصْبِيرِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المُنَزَّلِ إلَيْهِ الكِتابُ، فَكانَ التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ المُنْزِلِ إلَيْهِ والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ أهَمَّ في ذَلِكَ المَقامِ مَعَ ما فِيهِ مِن قَضاءِ حَقِّ الإيجازِ.
صفحة ١٨٠
أمّا التَّعَرُّضُ لِلْمُنَزَّلِ إلَيْهِ هُنا فَلِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ، ولِيَجْعَلَ لَهُ حَظٌّ في هَذِهِ المِنَّةِ وهو حَظُّ الوَساطَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾، ولِما فِيهِ مِن غَمِّ المُعانِدِينَ والمُبْغِضِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ وقَعَ إظْهارُ صِفاتِ فاعِلِ الإنْزالِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِهِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَعْدَ أنْ كانَ المَقامُ لِلْإضْمارِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ أنْزَلْناهُ.
وإسْنادُ الإخْراجِ إلى النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ يُبَلِّغُ هَذا الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى تَبْيِينِ طُرُقِ الهِدايَةِ إلى الإيمانِ وإظْهارِ فَسادِ الشِّرْكِ والكُفْرِ، وهو مَعَ التَّبْلِيغِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ ويُقَرِّبُ إلَيْهِمْ مَعانِيَ الكِتابِ بِتَفْسِيرِهِ وتَبْيِينِهِ، ثُمَّ بِما يَبْنِيهِ عَلَيْهِ مِنَ المَواعِظِ والنُّذُرِ والبِشارَةِ. وإذْ قَدْ أُسْنِدَ الإخْراجُ إلَيْهِ في سِياقِ تَعْلِيلِ إنْزالِ الكِتابِ إلَيْهِ عُلِمَ أنَّ إخْراجَهُ إيّاهم مِنَ الظُّلُماتِ بِسَبَبِ هَذا الكِتابِ المُنَزَّلِ، أيْ: بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن مَعانِي الهِدايَةِ.
وتَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ دَلَّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ هي مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ النّاسِ، وأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهم في ضَلالِهِمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَبِإرْشادِ اللَّهِ ومَن ضَلَّ فَبِإيثارِ الضّالِّ هَوى عَلى دَلائِلِ الإرْشادِ، وأمْرُ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا لِحِكَمٍ ومَصالِحَ بَعْضُها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ.
والإخْراجُ: مُسْتَعارٌ لِلنَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ. شَبَّهَ الِانْتِقالَ بِالخُرُوجِ فَشَبَّهَ النَّقْلَ بِالإخْراجِ.
والظُّلُماتُ والنُّورُ اسْتِعارَةٌ لِلْكُفْرِ والإيمانِ، لِأنَّ الكُفْرَ يَجْعَلُ صاحِبَهُ في حَيْرَةٍ فَهو كالظُّلْمَةِ في ذَلِكَ، والإيمانُ يُرْشِدُ إلى الحَقِّ فَهو كالنُّورِ في إيضاحِ السَّبِيلِ. وقَدْ يَسْتَخْلِصُ السّامِعُ مِن ذَلِكَ تَمْثِيلَ حالِ المُنْغَمِسِ في الكُفْرِ بِالمُتَحَيِّرِ في ظُلْمَةٍ، وحالِ انْتِقالِهِ إلى الإيمانِ بِحالِ الخارِجِ مِن ظُلْمَةٍ إلى مَكانٍ نَيِّرٍ.
صفحة ١٨١
وجَمْعُ الظُّلُماتِ وإفْرادُ النُّورِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ.
والباءُ في ”بِإذْنِ رَبِّهِمْ لِلسَّبَبِيَّةِ“، والإذْنُ: الأمْرُ بِفِعْلٍ يَتَوَقَّفُ عَلى رِضى الآمِرِ بِهِ، وهو أمْرُ اللَّهِ إيّاهُ بِإرْسالِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ هو الإذْنُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ النّاسِ، كَقَوْلِهِ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] . ولَمّا كانَ الإرْسالُ لِمَصْلَحَتِهِمْ أُضِيفَ الإذْنُ إلى وصْفِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ النّاسِ، أيْ: بِإذْنِ الَّذِي يُدَبِّرُ مَصالِحَهم.
وقَوْلُهُ ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَدَلٌ مِنَ النُّورِ بِإعادَةِ الجارِّ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ لِزِيادَةِ بَيانِ المُبْدَلِ مِنهُ اهْتِمامًا بِهِ، وتَأْكِيدًا لِلْعامِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. ومُناسَبَةُ الصِّراطِ المُسْتَعارِ لِلدِّينِ الحَقِّ، لِاسْتِعارَةِ الإخْراجِ والظُّلُماتِ والنُّورِ ولِما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّمْثِيلِ، ظاهِرَةٌ.
واخْتِيارُ وصْفِ ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ مِن بَيْنِ الصِّفاتِ العُلا لِمَزِيدِ مُناسَبَتِها لِلْمَقامِ، لِأنَّ العَزِيزَ الَّذِي لا يُغْلَبُ. وإنْزالُ الكِتابِ بِرِهانٌ عَلى أحَقِّيَّةِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ النّاسِ فَهو بِهِ غالِبٌ لِلْمُخالِفِينَ مُقِيمٌ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
والحَمِيدُ: بِمَعْنى المَحْمُودِ، لِأنَّ في إنْزالِ هَذا الكِتابِ نِعْمَةً عَظِيمَةً تُرْشِدُ إلى حَمْدِهِ عَلَيْهِ، وبِذَلِكَ اسْتَوْعَبَ الوَصْفانِ الإشارَةَ إلى الفَرِيقَيْنِ مِن كُلِّ مُنْساقٍ إلى الِاهْتِداءِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ ومِن مُجادِلٍ صائِرٍ إلى الِاهْتِداءِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ ونَفاذِ الحِيلَةِ.
14:2–3Page 255
ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢
Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe [i.e., destruction] to the disbelievers from a severe punishment -
ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٣
The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allāh, seeking to make it [seem] deviant. Those are in extreme error.
﴿اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو (أيِ العَزِيزُ الحَمِيدُ) اللَّهُ المَوْصُوفُ
صفحة ١٨٢
بِالَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا الحَذْفُ جارٍ عَلى حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي تَبَعًا لِلسَّكّاكِيِّ بِالحَذْفِ لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ، أيِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ عِنْدَما يَجْرِي ذِكْرُ مَوْصُوفٍ بِصِفاتٍ أنْ يَنْتَقِلُوا مِن ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْهُ بِما هو أعْظَمُ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِيَكْسِبَ ذَلِكَ الِانْتِقالُ تَقْرِيرًا لِلْغَرَضِ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ الصُّولِيِّ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
أيْ: هو فَتًى مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ.
وقَرَأهُ الباقُونَ إلّا رُوَيْسًا عَنْ يَعْقُوبَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ، ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وكِلْتا الطَّرِيقَتَيْنِ تُفِيدُ أنَّ المُسْتَقِلَّ إلَيْهِ أجْدَرُ بِالذِّكْرِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَهُ، فَإنَّ اسْمَ الجَلالَةِ أعْظَمُ مِن بَقِيَّةِ الصِّفاتِ لِأنَّهُ عِلْمُ الذّاتِ الَّذِي لا يُشارِكُهُ مَوْجُودٌ في إطْلاقِهِ، ولا في مَعْناهُ الأصْلِيِّ المَنقُولِ مِنهُ إلى العِلْمِيَّةِ إلّا أنَّ الرَّفْعَ أقْوى وأفْخَمُ.
وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ إذا وُقِفَ عَلى قَوْلِهِ (الحَمِيدِ) وابْتُدِئَ باسِمِ (اللَّهِ)، فَإذا وُصِلَ (الحَمِيدِ) باسِمِ (اللَّهِ) جُرَّ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى البَدَلِيَّةِ.
وإجْراءُ الوَصْفِ بِالمَوْصُولِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ التَّفْخِيمِ لا لِلتَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ مَلِكَ سائِرِ المَوْجُوداتِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ واللَّهُ مَعْرُوفٌ بِها عِنْدَ المُخاطَبِينَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ صِراطَ غَيْرِ اللَّهِ مِن طُرُقِ آلِهَتِهِمْ لَيْسَ بِواصِلٍ إلى المَقْصُودِ لِنُقْصانِ ذَوِيهِ، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّلَةِ إدْماجُ تَعْرِيضٍ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا ما لَيْسَ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ.
* * *
صفحة ١٨٣
﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾
لَمّا أفادَ قَوْلُهُ ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا صِراطَ غَيْرِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ عُطِفَ الكَلامُ إلى تَهْدِيدِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ . أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ آلِهَةً أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ إنْشاءُ دُعاءٍ عَلَيْهِمْ في مَقامِ الغَضَبِ والذَّمِّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ويْحَكَ، فَعَطْفُهُ مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.
”ووَيْلُ“ مَصْدَرٌ لا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ. ومَعْناهُ الهَلاكُ وما يَقْرُبُ مِنهُ مِن سُوءِ الحالَةِ، ولِأنَّهُ لا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ كانَ اسْمَ مَصْدَرٍ وعُومِلَ مُعامَلَةَ المَصادِرِ، يُنْصَبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ ويُرْفَعُ لِإفادَةِ الثَّباتِ، كَما تَقَدَّمَ في رَفْعِ الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ويُقالُ: ويْلٌ لَكَ ووَيْلُكَ. بِالإضافَةِ. ويُقالُ: يا ويْلَكَ، بِالنِّداءِ. وقَدْ يُذْكَرُ بَعْدَ هَذا التَّرْكِيبِ سَبَبُهُ فَيُؤْتى بِهِ مَجْرُورًا بِحَرْفِ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ هُنا ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾، أيْ: هَلاكًا يَنْجَرُّ لَهم مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ الَّذِي يُلاقُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ. وتَقَدَّمَ الوَيْلُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والكافِرُونَ هُمُ المَعْهُودُونَ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ولا اتَّبَعُوا صِراطَ العَزِيزِ الحَمِيدِ، ولا انْتَفَعُوا بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ لِإخْراجِهِمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
صفحة ١٨٤
ويَسْتَحِبُّونَ بِمَعْنى يُحِبُّونَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ (اسْتَقْدَمَ) و(اسْتَأْخَرَ) . وضُمِّنَ يَسْتَحِبُّونَ مَعْنى يُؤْثِرُونَ؛ لِأنَّ المَحَبَّةَ تَعَدَّتْ إلى الحَياةِ الدُّنْيا عَقِبَ ذِكْرِ العَذابِ الشَّدِيدِ لَهم، فَأنْبَأ ذَلِكَ أنَّهم يُحِبُّونَ خَيْرَ الدُّنْيا دُونَ خَيْرِ الآخِرَةِ إذْ كانَ في الآخِرَةِ في شَقاءٍ، فَنَشَأ مِن هَذا مَعْنى الإيثارِ، فَضَمَّنَهُ فَعُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ بِواسِطَةِ حَرْفِ (عَلى) في قَوْلِهِ عَلى الآخِرَةِ أيْ: يُؤْثِرُونَها عَلَيْها.
وقَوْلُهُ ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فانْظُرْهُ هُنالِكَ.
والصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: مَنعُ الدّاخِلِينَ في الإسْلامِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ. شَبَّهَ ذَلِكَ بِمَن يَمْنَعُ المارَّ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ، وجُعِلَ الطَّرِيقُ طَرِيقَ اللَّهِ لِأنَّهُ مُوَصِّلٌ إلى مَرْضاتِهِ فَكَأنَّهُ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ، أوْ يَصُدُّونَ أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم عَطَّلُوا مَواهِبَهم ومَدارِكَهم مِن تَدَبُّرِ آياتِ القُرْآنِ، فَكَأنَّهم صَدُّوها عَنِ السَّيْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَ السَّبِيلَ العَوْجاءَ، فَعُلِمَ أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ مُسْتَقِيمٌ، قالَ تَعالى ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الضَّلالِ بِسَبَبِ صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ وابْتِغائِهِمْ سَبِيلَ الباطِلِ. فَـ أُولَئِكَ في مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ و﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ، ودَلَّ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّلالَ مُحِيطٌ بِهِمْ فَهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ.
ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبَعِيدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، وإنَّما البَعِيدُ هُمُ الضّالُّونَ، أيْ: ضَلالًا بَعُدُوا بِهِ عَنِ الحَقِّ فَأُسْنِدَ البُعْدُ إلى سَبَبِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وصْفُهُ بِالبُعْدِ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالطَّرِيقِ الشّاسِعَةِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ رُجُوعُ سالِكِها، أيْ: ضَلالٍ قَوِيٍّ يَعْسُرُ إقْلاعُ صاحِبِهِ عَنْهُ. فَفِيهِ اسْتِبْعادٌ
صفحة ١٨٥
لِاهْتِداءِ أمْثالِهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] وقَوْلِهِ ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] . وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
14:4Page 255
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤
And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allāh sends astray [thereby] whom He wills1 and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.
﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إذا كانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ مُسْتَعْمَلَةً في ظاهِرِها ومُسَلَّطَةً عَلى مُتَعَلِّقِي الفِعْلِ المَقْصُورِ كانَ قَصْرًا إضافِيًّا لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ رَدًّا عَلى فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ. وقَدْ ذُكِرَ في الكَشّافِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] فَقالَ: كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَقُولُونَ: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ، وهو مَرْوِيٌّ في تَفْسِيرِ الطَّبَرَيِّ هُنالِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ العَرَبَ قالُوا ذَلِكَ.
ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِلُغَةِ العَجَمِ لُغَةَ غَيْرِ العَرَبِ مِثْلَ العِبْرانِيَّةِ أوْ السُّرْيانِيَّةِ مِنَ اللُّغاتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ بِها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَكانَ مِن جُمْلَةِ ما مَوَّهَتْ لَهم أوْهامُهم أنْ حَسِبُوا أنَّ لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لُغَةً خاصَّةً تُنَزَّلُ بِها ثُمَّ تُفَسَّرُ لِلَّذِينِ لا يَعْرِفُونَ تِلْكَ اللُّغَةَ. وهَذا اعْتِقادٌ فاشٍ بَيْنَ أهْلِ العُقُولِ الضَّعِيفَةِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعالِجُونَ سِرَّ الحَرْفِ والطَّلْسَماتِ يُمَوِّهُونَ بِأنَّها لا تُكْتَسَبُ إلّا بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ ويَزْعُمُونَ أنَّها لُغَةُ المَلائِكَةِ ولُغَةُ الأرْواحِ. وقَدْ زَعَمَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ: أنَّ سُؤالَ القَبْرِ يَكُونُ بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ وتَلَقّاهُ عَنْهُ جَلالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ واسْتَغْرَبَهُ فَقالَ:
وِمِن عَجِيبِ ما تَرى العَيْنانِ أنَّ سُؤالَ القَبْرِ بِالسُّرْيانِي أفْتى بِهَذا شَيْخُنا البَلْقِينِي ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ بِعَيْنِي
صفحة ١٨٦
وقَدْ كانَ المُتَنَصِّرُونَ مِنَ العَرَبِ والمُتَهَوِّدُونَ مِنهم مِثْلَ عَرَبِ اليَمَنِ تُتَرْجَمُ لَهم بَعْضُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ في كِتابِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ، فاسْتَقَرَّ في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ مِن جُمْلَةِ مَطاعِنِهِمْ أنَّ القُرْآنَ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ بِاللُّغَةِ الَّتِي جاءَتْ بِها الكُتُبُ السّالِفَةُ، فَصارَتْ عَرَبِيَّتُهُ عِنْدَهم مِن وُجُوهِ الطَّعْنِ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن اللَّهِ، فالقَصْرُ هُنا لِرَدِّ كَلامِهِمْ، أيْ: ما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ بِلِسانٍ إلّا لِسانِ قَوْمِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا بِلِسانِ قَوْمٍ آخَرِينَ.
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ آيَةِ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ [إبراهيم: ١] بَيِّنُ المُناسَبَةِ.
وتَقْدِيرُ النَّظْمِ: كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وأنْزَلْناهُ بِلُغَةِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
وإذا كانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ جارِيَةً عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَمْ يَكُنْ رَدًّا لِمَقالَةِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ يَكُنْ تَنْزِيلًا لِلْمُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ مَن لَيْسُوا بِعَرَبٍ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِآياتِ القُرْآنِ، ولِقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ مَناطُ القَصْرِ هو ما بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. والمَعْنى: ما أرْسَلْناكَ إلّا لِتُبَيِّينَ لَهم وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُبَيِّنَ لِقَوْمِهِ، وكانَ قَوْلُهُ ﴿إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ إدْماجًا في الِاسْتِثْناءِ المُتَسَلِّطِ عَلَيْهِ القَصْرُ، أوْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ لِيُبَيِّنَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: ما أرْسَلْناكَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهم بِلِسانِهِمْ، وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُبَيِّنَ لِقَوْمِهِ بِلِسانِهِمْ، فَما لِقَوْمِكَ لَمْ يَهْتَدُوا بِهَذا القُرْآنِ وهو بِلِسانِهِمْ، وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ مُوقِعُ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ .
واللِّسانُ: اللُّغَةُ وما بِهِ التَّخاطُبُ. أُطْلِقَ عَلَيْها اللِّسانُ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ بِهِ، مِثْلَ: سالَ الوادِي، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، فَلُغَةُ قَوْمِهِ مُلابِسَةٌ لِكَلامِهِ والكِتابِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ لِإرْشادِهِمْ.
صفحة ١٨٧
والقَوْمُ: الأُمَّةُ والجَماعَةُ، فَقَوْمُ كُلِّ أحَدٍ رَهْطُهُ الَّذِينَ جَماعَتُهم واحِدَةٌ ويَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْمُ كُلِّ رَسُولٍ أُمَّتُهُ المَبْعُوثُ إلَيْهِمْ، إذْ كانَ الرُّسُلُ يُبْعَثُونَ إلى أقْوامِهِمْ، وقَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ العَرَبُ، وأمّا أُمَّتُهُ فَهُمُ الأقْوامُ المَبْعُوثُ إلَيْهِمْ، وهُمُ النّاسُ كافَّةً.
وإنَّما كانَ المُخاطَبُ أوَّلًا هُمُ العَرَبُ الَّذِينَ هو بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ ونَزَلَ الكِتابُ بِلُغَتِهِمْ لِتَعَذُّرِ نُزُولِهِ بِلُغاتِ الأُمَمِ كُلِّها، فاخْتارَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ ﷺ مِن أُمَّةٍ هي أفْصَحُ الأُمَمِ لِسانًا، وأسْرَعُهم أفْهامًا، وألْمَعُهم ذَكاءً، وأحْسَنُهم اسْتِعْدادًا لِقَبُولِ الهُدى والإرْشادِ، ولَمْ يُؤْمِن بِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ في حَياتِهِ عَدَدٌ مِنَ النّاسِ مِثْلَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ في حَياتِهِ فَقَدْ عَمَّ الإسْلامُ بِلادَ العَرَبِ وقَدْ حَجَّ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في حِجَّةِ الوَداعِ نَحْوَ خَمْسِينَ ألْفًا أوْ أكْثَرَ. وقِيلَ: مِائَةُ ألْفٍ وهْمُ الرِّجالُ المُسْتَطِيعُونَ.
واخْتارَ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المُنَزَّلُ إلَيْهِمْ بِلُغَةِ العَرَبِ، لِأنَّها أصْلَحُ اللُّغاتِ جَمْعَ مَعانٍ، وإيجازَ عِبارَةٍ، وسُهُولَةَ جَرْيٍ عَلى الألْسُنِ، وسُرْعَةَ حِفْظٍ، وجَمالَ وقْعٍ في الأسْماعِ، وجُعِلَتِ الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ هي المُتَلَقِّيَةَ لِلْكِتابِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ، وعُهِدَ إلَيْها نَشْرُهُ بَيْنَ الأُمَمِ.
وفِي التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم إيماءٌ إلى هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْرِيعِ البَيانَ كانَتْ أقْرَبُ اللُّغاتِ إلى التَّبْيِينِ مِن بَيْنِ لُغاتِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ هي اللُّغَةُ الَّتِي هي أجْدَرُ بِأنْ يَأْتِيَ الكِتابُ بِها، قالَ تَعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣] . فَهَذا كُلُّهُ مِن مَطاوِي هَذِهِ الآيَةِ.
ولَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن سِياقِها الرَّدُّ عَلى طَعْنِهِمْ في القُرْآنِ بِأنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةٍ لَمْ يَنْزِلْ بِها كِتابٌ قَبْلَهُ اقْتَصَرَ في رَدِّ خَطَئِهِمْ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِيُبَيِّنَ لَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُهِمُّهم.
صفحة ١٨٨
وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ الخَ عَلى مَجْمُوعِ جُمْلَةِ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ يُضِلُّ مَرْفُوعًا غَيْرَ مَنصُوبٍ إذْ لَيْسَ عَطْفًا عَلى فِعْلِ لِيُبَيِّنَ؛ لِأنَّ الإضْلالَ لا يَكُونُ مَعْلُولًا لِلتَّبْيِينِ، ولَكِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلى الإرْسالِ المُعَلَّلِ بِالتَّبْيِينِ، والمَعْنى أنَّ الإرْسالَ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِحِكْمَةِ التَّبْيِينِ، وقَدْ يَحْصُلُ أثَرُ التَّبْيِينِ بِمَعُونَةِ الِاهْتِداءِ، وقَدْ لا يَحْصُلُ أثَرُهُ بِسَبَبِ ضَلالِ المُبَيَّنِ لَهم، والإضْلالُ والهُدى مِنَ اللَّهِ بِما أعَدَّ في نُفُوسِ النّاسِ مِنِ اخْتِلافِ الِاسْتِعْدادِ.
وجُمْلَةُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ تَذْيِيلٌ لِأنَّ العَزِيزَ قَوِيٌّ لا يَنْفَلِتُ شَيْءٌ مِن قُدْرَتِهِ ولا يَخْرُجُ عَمّا خُلِقَ لَهُ، والحَكِيمُ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، فَمَوْضِعُ الإرْسالِ والتَّبْيِينِ يَأْتِي عَلى أكْمَلِ وجْهٍ مِنَ الإرْشادِ، ومَوْقِعُ الإضْلالِ والهُدى هو التَّكْوِينُ الجارِي عَلى أنْسَبِ حالٍ بِأحْوالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فالتَّبْيِينُ مِن مُقْتَضى أمْرِ التَّشْرِيعِ والإضْلالِ مِن مُقْتَضى أمْرِ التَّكْوِينِ.
14:5Page 255
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٥
And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days1 of Allāh." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾
لَمّا كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ مَسُوقَةً لِلرَّدِّ عَلى مَن أنْكَرُوا أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ أعْقَبَ الرَّدَّ بِالتَّمْثِيلِ بِالنَّظِيرِ وهو إرْسالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى قَوْمِهِ بِمِثْلِ ما أُرْسِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وبِمِثْلِ الغايَةِ الَّتِي أُرْسِلَ لَها مُحَمَّدٌ ﷺ لِيُخْرِجَ قَوْمَهُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
وتَأْكِيدُ الإخْبارِ عَنْ إرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُنْكِرِينَ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنزِلَةَ مَن
صفحة ١٨٩
يُنْكِرُ رِسالَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ حالَهم في التَّكْذِيبِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ التَّنْزِيلَ، لِأنَّ ما جازَ عَلى المِثْلِ يَجُوزُ عَلى المُماثِلِ، عَلى أنَّ مِنهم مَن قالَ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، والباءُ في بِآياتِنا لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: إرْسالًا مُصاحِبًا لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ في رِسالَتِهِ، كَما أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُصاحِبًا لِآيَةِ القُرْآنِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقَدْ تَمَّ التَّنْظِيرُ وانْتَهَضَ الدَّلِيلُ عَلى المُنْكِرِينَ، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، فَسَّرَ الإرْسالَ بِجُمْلَةِ ﴿أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ الخَ، والإرْسالُ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ فَكانَ حَقِيقًا بِمَوْقِعِ (أنِ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
و(الظُّلُماتُ) مُسْتَعارٌ لِلشِّرْكِ والمَعاصِي، و(النُّورُ) مُسْتَعارٌ لِلْإيمانِ الحَقِّ والتَّقْوى، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ في مِصْرَ بَعْدَ وفاةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَرى إلَيْهِمُ الشِّرْكُ واتَّبَعُوا دِينَ القِبْطِ، فَكانَتْ رِسالَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإصْلاحِ اعْتِقادِهِمْ مَعَ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ الواحِدِ، وكانَتْ آيِلَةً إلى إخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الشِّرْكِ والفَسادِ وإدْخالِهِمْ في حَظِيرَةِ الإيمانِ والصَّلاحِ.
والتَّذْكِيرُ: إزالَةُ نِسْيانِ شَيْءٍ. ويُسْتَعْمَلُ في تَعْلِيمِ مَجْهُولٍ كانَ شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ. ولَمّا ضُمِّنَ التَّذْكِيرُ مَعْنى الإنْذارِ والوَعْظِ عُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: ذَكِّرْهم تَذْكِيرَ عِظَةٍ بِأيّامِ اللَّهِ.
و﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] أيّامُ ظُهُورِ بَطْشِهِ وغَلْبِهِ مَن عَصَوْا أمْرَهُ، وتَأْيِيدِهِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ عِزَّةِ اللَّهِ تَعالى، وشاعَ إطْلاقُ اسْمِ اليَوْمِ مُضافًا إلى اسْمِ شَخْصٍ أوْ قَبِيلَةٍ عَلى يَوْمٍ انْتَصَرَ فِيهِ مُسَمّى المُضافِ إلَيْهِ عَلى عَدُوِّهِ، يُقالُ: أيّامُ تَمِيمٍ، أيْ: أيّامُ انْتِصارِهِمْ، فَأيّامُ اللَّهِ أيّامُ ظُهُورِ قُدْرَتِهِ وإهْلاكِهِ الكافِرِينَ بِهِ ونَصْرِهِ أوْلِياءَهُ والمُطِيعِينَ لَهُ.
صفحة ١٩٠
فالمُرادُ بِـ ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] هُنا الأيّامُ الَّتِي أنْجى اللَّهُ فِيها بَنِي إسْرائِيلَ مِن أعْدائِهِمْ ونَصَرَهم وسَخَّرَ لَهم أسْبابَ الفَوْزِ والنَّصْرِ وأغْدَقَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا أُمِرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يُذَكِّرَهُمُوهُ، وكُلُّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِمَضْمُونِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُمْتَدٌّ زَمَنُهُ، وكُلَّما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِتَذْكِيرٍ في مُدَّةِ حَيّاتِهِ فَهو مِن مَضْمُونِ الإرْسالِ الَّذِي جاءَ بِهِ فَهو مَشْمُولٌ لِتَفْسِيرِ الإرْسالِ، فَقَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِئاءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠] هو مِنَ التَّذْكِيرِ المُفَسَّرِ بِهِ إرْسالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو إنْ كانَ واقِعًا بَعْدَ ابْتِداءِ رِسالَتِهِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً فَما هو إلّا تَذْكِيرٌ صادِرٌ في زَمَنِ رِسالَتِهِ، وهو مِنَ التَّذْكِيرِ بِأيّامِ نِعَمِ اللَّهِ العَظِيمَةِ الَّتِي أعْطاهم، وما كانُوا يُحَصِّلُونَها لَوْلا نَصْرُ اللَّهِ إيّاهم، وعِنايَتُهُ بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ رُبَّ ضَعِيفٍ غَلَبَ قَوِيًّا ونَجا بِضَعْفِهِ ما لَمْ يَنْجُ مِثْلُهُ القَوِيُّ في قُوَّتِهِ.
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الإخْراجِ والتَّذْكِيرِ، فالإخْراجُ مِنَ الظُّلُماتِ بَعْدَ تَوَغُّلِهِمْ فِيها وانْقِضاءِ الأزْمِنَةِ الطَّوِيلَةِ عَلَيْها آيَةٌ مِن آياتِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والتَّذْكِيرُ بِأيّامِ اللَّهِ يَشْتَمِلُ عَلى آياتِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعِزَّتِهِ وتَأْيِيدِ مَن أطاعَهُ. وكُلُّ ذَلِكَ آياتٌ كائِنَةٌ في الإخْراجِ والتَّذْكِيرِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِهِ.
وقَدْ أحاطَ بِمَعْنى هَذا الشُّمُولِ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ (في ذَلِكَ) لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَجْمَعُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً يَحْتَوِيها الظَّرْفُ، ولِذَلِكَ كانَ لِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ هُنا مَوْقِعٌ بَلِيغٌ، ولِكَوْنِ الآياتِ مُخْتَلِفَةً، بَعْضُها آياتُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ وبَعْضُها آياتُ مِنَّةٍ وتَرْغِيبٍ، جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ كُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ إذِ الصَّبْرُ المُناسِبُ لِلزَّجْرِ
صفحة ١٩١
لِأنَّ التَّخْوِيفَ يَبْعَثُ النَّفْسَ عَلى تَحَمُّلِ مُعاكَسَةِ هَواها خِيفَةَ الوُقُوعِ في سُوءِ العاقِبَةِ، والإنْعامَ يَبْعَثُ النَّفْسَ عَلى الشُّكْرِ، فَكانَ ذِكْرُ الصِّفَتَيْنِ تَوْزِيعًا لِما أجْمَلَهُ ذِكْرُ أيّامِ اللَّهِ مِن أيّامِ بُؤْسٍ وأيّامِ نَعِيمٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences