Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الفيل
Al-Fil
The Elephant · Meccan · 5 ayahs
105:1Page 601
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ ١
Have you not considered, [O Muḥammad], how your Lord dealt with the companions of the elephant?1
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ .
اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ، وقَدْ بَيَّنّا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ كَثِيرٌ ما يَكُونُ عَلى نَفْيِ المُقَرَّرِ بِإثْباتِهِ لِلثِّقَةِ، فَإنَّ المُقَرَّرَ لا يَسَعُهُ إلّا إثْباتُ المَنفِيِّ، وانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ هُنا مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وهو مَجازٌ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ فَصارَ كالحَقِيقَةِ لِشُهْرَتِهِ، وعَلَيْهِ فالتَّقْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّكْرِيمِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ إرْهاصًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢]
صفحة ٥٤٥
وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِكُفْرانِ قُرَيْشٍ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يَزالُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (رَبُّكَ) . فَمَهْيَعُ هَذِهِ الآيَةِ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] الآياتِ، وقَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ.
فالرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَجازِيَّةً مُسْتَعارَةً لِلْعِلْمِ البالِغِ مِنَ اليَقِينِ حَدَّ الأمْرِ المَرْئِيِّ لِتَواتُرِ ما فَعَلَ اللَّهُ بِأصْحابِ الفِيلِ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وبَقاءِ بَعْضِ آثارِ ذَلِكَ يُشاهِدُونَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في بَيْتِ أُمِّ هانِئِ بِنْتِ أبِي طالِبٍ نَحْوًا مِن قَفِيزَيْنِ مِن تِلْكَ الحِجارَةِ سُودًا مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ. وقالَ عَتّابُ بْنُ أسْيَدٍ: أدْرَكْتُ سائِسَ الفِيلِ وقائِدَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ. وقالَتْ عائِشَةُ: لَقَدْ رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ، وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً بِالنَّسَبِ لِمَن تَجاوَزَ سِنُّهُ نَيِّفًا وخَمْسِينَ سَنَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ مِمَّنْ شَهِدَ حادِثَ الفِيلِ غُلامًا أوْ فَتًى مِثْلَ أبِي قُحافَةَ وأبِي طالِبٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ أوْ مَفْعُولِ (تَرَ)، أيْ: ألَمْ تَرَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ هَلْ زِيدٌ قائِمٌ ؟ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (تَرَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كَيْفَ) مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ مُرادًا مِنهُ مُجَرَّدُ الكَيْفِيَّةِ، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وإيثارُ (كَيْفَ) دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ أوِ المَوْصُولِ فَلَمْ يَقُلْ: ألَمْ تَرَ ما فَعَلَ رَبُّكَ، أوِ الَّذِي فَعَلَ رَبُّكَ، لِلدَّلالَةِ عَلى حالَةٍ عَجِيبَةٍ يَسْتَحْضِرُها مَن يَعْلَمُ تَفْصِيلَ القِصَّةِ.
وأُوثِرَ لَفْظُ ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ هَذا الفِعْلِ يَعُمُّ أعْمالًا كَثِيرَةً لا يَدُلُّ عَلَيْها غَيْرُهُ.
وجِيءَ في تَعْرِيفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِوَصْفِ (رَبُّ) مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٥٤٦
إيماءً إلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ القِصَّةِ تَكْرِيمُ النَّبِيءِ ﷺ إرْهاصًا لِنُبُوَّتِهِ، إذْ كانَ ذَلِكَ عامَ مَوْلِدِهِ.
وأصْحابُ الفِيلِ: الحَبَشَةُ الَّذِينَ جاءُوا مَكَّةَ غازِينَ مُضْمِرِينَ هَدْمَ الكَعْبَةِ انْتِقامًا مِنَ العَرَبِ مِن أجْلِ ما فَعَلَهُ أحَدُ بَنِي كِنانَةَ الَّذِينَ كانُوا أصْحابَ النَّسِيءِ في أشْهُرِ الحَجِّ. وكانَ خَبَرُ ذَلِكَ وسَبَبُهُ أنَّ الحَبَشَةَ قَدْ مَلَكُوا اليَمَنَ بَعْدَ واقِعَةِ الأُخْدُودِ الَّتِي عَذَّبَ فِيها المَلِكُ ذُو نُواسٍ النَّصارى، وصارَ أمِيرُ الحَبَشَةِ عَلى اليَمَنِ رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبْرَهَةُ، وأنَّ أبْرَهَةَ بَنى كَنِيسَةً عَظِيمَةً في صَنْعاءَ دَعاها القَلِيسَ (بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ اللّامِ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ، وبَعْضُهم يَقُولُها بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، وفي القامُوسِ بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ اللّامِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الياءِ، وكَتَبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِنُونٍ بَعْدَ اللّامِ ولَمْ يَضْبُطْهُ وزَعَمَ أنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن مَعانِي القَلْسِ لِلِارْتِفاعِ، ومِنهُ القَلَنْسُوَةُ واقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ أعْرِفْ أصْلَ هَذا اللَّفْظِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ لِلْكَنِيسَةِ، ولَعَلَّ لَفْظَ كَنِيسَةٍ في العَرَبِيَّةِ مُعْرَّبٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَلَمًا وضَعُوهُ لِهَذِهِ الكَنِيسَةِ الخاصَّةِ) وأرادَ أنْ يَصْرِفَ حَجَّ العَرَبِ إلَيْها دُونَ الكَعْبَةِ، فَرُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي فُقَيْمٍ مِن بَنِي كِنانَةَ وكانُوا أهْلَ النَّسِيءِ لِلْعَرَبِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] في سُورَةِ بَراءَةَ، قَصَدَ الكِنانِيُّ صَنْعاءَ حَتّى جاءَ القَلِيسَ فَأحْدَثَ فِيها تَحْقِيرًا لَها لِيَتَسامَعَ العَرَبُ بِذَلِكَ، فَغَضِبَ أبْرَهَةُ وأزْمَعَ غَزْوَ مَكَّةَ لِيَهْدِمَ الكَعْبَةَ، وسارَ حَتّى نَزَلَ خارِجَ مَكَّةَ لَيْلًا بِمَكانٍ يُقالُ لَهُ المُغَمَّسُ (كَمُعَظَّمٍ) مَوْضِعٌ قُرْبَ مَكَّةَ في طَرِيقِ الطّائِفِ ) أوْ ذُو الغَمِيسِ لَمْ أرَ ضَبْطَهُ وأرْسَلَ إلى عَبَدِ المُطَّلِبِ لِيُحَذِّرَهُ مِن أنْ يُحارِبُوهُ وجَرى بَيْنَهُما كَلامٌ، وأمَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ آلَهُ وجَمِيعَ أهْلِ مَكَّةَ بِالخُرُوجِ مِنها إلى الجِبالِ المُحِيطَةِ بِها خَشْيَةً مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ، فَلَمّا أصْبَحَ هَيَّأ جَيْشَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وكانَ أبْرَهَةُ راكِبًا فِيلًا وجَيْشُهُ مَعَهُ، فَبَيْنا هو يَتَهَيَّأُ لِذَلِكَ إذْ أصابَ جُنْدَهُ داءٌ عُضالٌ هو الجُدَرِيُّ الفَتّاكُ يَتَساقَطُ مِنهُ الأنامِلُ، ورَأوْا قَبْلَ ذَلِكَ طَيْرًا تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ لا تُصِيبُ أحَدًا إلّا هَلَكَ وهي طَيْرٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ، فَهَلَكَ مُعْظَمُ الجَيْشِ وأدْبَرَ بَعْضُهم، ومَرِضَ أبْرَهَةُ فَقَفَلَ راجِعًا إلى صَنْعاءَ مَرِيضًا، فَهَلَكَ في صَنْعاءَ وكَفى اللَّهُ أهْلَ مَكَّةَ أمْرَ عَدُوِّهِمْ. وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ مُحَرَّمٍ المُوافِقِ لِشَهْرِ شُباطَ (فِبْرايِرَ)
صفحة ٥٤٧
سَنَةَ ٥٧٠ بَعْدَ مِيلادِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَعْدَ هَذا الحادِثِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا وُلِدَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى أصَحِّ الأخْبارِ وفِيها اخْتِلافٌ كَثِيرٌ.
والتَّعْرِيفُ في (الفِيلِ) لِلْعَهْدِ، وهو فِيلُ أبْرَهَةَ قائِدِ الجَيْشِ كَما قالُوا لِلْجَيْشِ الَّذِي خَرَجَ مَعَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أصْحابُ الجَمَلِ يُرِيدُونَ الجَمَلَ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ عائِشَةُ، مَعَ أنَّ في الجَيْشِ جِمالًا أُخْرى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَيْشَ أبْرَهَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا فِيلٌ واحِدٌ، هو فِيلُ أبْرَهَةَ وكانَ اسْمُهُ مَحْمُودًا. وقِيلَ: كانَ فِيهِ فِيَلَةٌ أُخْرى، قِيلَ ثَمانِيَةٌ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ. وقالَ بَعْضٌ: ألْفُ فِيلٍ ووَقَعَ في رَجَزٍ يُنْسَبُ إلى عَبْدِ المُطَّلِبِ:
أنْتَ مَنَعَتَ الحُبْشَ والأفْيالا
فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ الجِنْسِ ويَكُونُ العَهْدُ مُسْتَفادًا مِنَ الإضافَةِ.
والفِيلُ: حَيَوانٌ عَظِيمٌ مِن ذَواتِ الأرْبَعِ ذَواتِ الخُفِّ، مِن حَيَوانِ البِلادِ الحارَّةِ ذاتِ الأنْهارِ مِنَ الهِنْدِ والصِّينِ والحَبَشَةِ والسُّودانِ، ولا يُوجَدُ في غَيْرِ ذَلِكَ إلّا مَجْلُوبًا، وهو ذَكِيٌّ قابِلٌ لِلتَّأنُّسِ والتَّرْبِيَةِ، ضَخْمُ الجُثَّةِ أضْخَمُ مِنَ البَعِيرِ، وأعْلى مِنهُ بِقَلِيلٍ وأكْثَرُ لَحْمًا وأكْبَرُ بَطْنًا. وخُفُّ رِجْلِهِ يُشْبِهُ خُفَّ البَعِيرِ وعُنُقُهُ قَصِيرٌ جِدًّا لَهُ خُرْطُومٌ طَوِيلٌ هو أنْفُهُ يَتَناوَلُ بِهِ طَعامَهُ ويَنْتَشِقُ بِهِ الماءَ فَيُفْرِغُهُ في فِيهِ، ويَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، يَخْتَطِفُ بِهِ ويَلْوِيهِ عَلى ما يُرِيدُ أذاهُ مِنَ الحَيَوانِ ويُلْقِيهِ عَلى الأرْضِ ويَدُوسُهُ بِقَوائِمِهِ. وفي عَيْنَيْهِ خَزَرٌ وأُذُناهُ كَبِيرَتانِ مُسْتَرْخِيَتانِ، وذَنَبُهُ قَصِيرٌ أقْصَرُ مِن ذَنَبِ البَعِيرِ وقَوائِمُهُ غَلِيظَةٌ، ومَناسِمُهُ كَمَناسِمِ البَعِيرِ ولِلذَّكَرِ مِنهُ نابانِ طَوِيلانِ بارِزانِ مِن فَمِهِ يَتَّخِذُ النّاسُ مِنها العاجَ، وجِلْدُهُ أجْرَدُ مِثْلَ جِلْدِ البَقَرِ، أصْهَبُ اللَّوْنِ قاتِمٌ كَلَوْنِ الفارِ، ويَكُونُ مِنهُ الأبْيَضُ الجِلْدِ. وهو مَرْكُوبٌ وحامِلُ أثْقالٍ وأهْلُ الهِنْدِ والصِّينِ يَجْعَلُونَ الفِيلَ كالحِصْنِ في الحَرْبِ يَجْعَلُونَ مَحَفَّةً عَلى ظَهْرِهِ تَسَعُ سِتَّةَ جُنُودٍ. ولَمْ يَكُنِ الفِيلُ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، فَلِذَلِكَ قَلَّ أنَّ يُذْكَرَ في كَلامِهِمْ وأوَّلُ فِيلٍ دَخَلَ بِلادَ العَرَبِ هو الفِيلُ المَذْكُورُ في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقَدْ ذُكِرَتْ أشْعارٌ لَهم في ذِكْرِ هَذِهِ الحادِثَةِ في السِّيرَةِ، ولَكِنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْمَعُونَ أخْبارَ الفِيلِ ويَتَخَيَّلُونَهُ عَظِيمًا قَوِيًّا، قالَ لَبِيدٌ:
ومَقامٍ ضَيِّقٍ فَرَّجْتُهُ ∗∗∗ بِبَيانٍ ولِسانٍ وجَدَلْ
صفحة ٥٤٨
لَوْ يَقُومُ الفِيلُ أوْ فَيّالُهُ ∗∗∗ زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقامِي ورَحَلْوقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ في قَصِيدَتِهِ:
لَقَدْ أقُومُ مَقامًا لَوْ يَقُومُ بَهِ ∗∗∗ أرى وأسْمَعُ ما لَوْ يَسْمَعُ الفِيلُ
لَظَلَّ يَرْعَدُ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ ∗∗∗ مِن الرَّسُولِ بِإذْنِ اللَّهِ تَنْوِيلُ
وكُنْتُ رَأيْتُ أنَّ. . . قالَ إنَّ أُمَّهُ أرَتْهُ أوْ حَدَّثَتْهُ أنَّها رَأتْ رَوَثَ الفِيلِ بِمَكَّةَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، ولَعَلَّهم تَرَكُوا إزالَتَهُ لِيَبْقى تَذْكِرَةً.
وعَنْ عائِشَةَ وعَتّابِ بْنِ أسِيدٍ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِسَهُ بِمَكَّةَ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ.
والمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمِ الحالَةَ العَجِيبَةَ الَّتِي فَعَلَها اللَّهُ بِأصْحابِ الفِيلِ، فَهَذا تَقْرِيرٌ عَلى إجْمالٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ.
105:2–5Page 601
أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ ٢
Did He not make their plan into misguidance?1
وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ ٣
And He sent against them birds in flocks,
تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ ٤
Striking them with stones of hard clay,
فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ ٥
And He made them like eaten straw.1
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ بَيانٌ لِما في جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] مِنَ الإجْمالِ، وسَمّى حَرْبَهم كَيْدًا؛ لِأنَّهُ عَمَلٌ ظاهِرُهُ الغَضَبُ مِن فِعْلِ الكِنانِيِّ الَّذِي قَعَدَ في القَلِيسِ، وإنَّما هو تَعِلَّةٌ تَعَلَّلُوا بِها لِإيجادِ سَبَبٍ لِحَرْبِ أهْلِ مَكَّةَ وهَدْمِ الكَعْبَةِ لِيَنْصَرِفَ العَرَبُ إلى حَجِّ القَلِيسِ في صَنْعاءَ فَيَتَنَصَّرُوا.
أوْ أُرِيدَ بِكَيْدِهِمْ بِناؤْهُمُ القَلِيسِ مُظْهِرِينَ أنَّهم بَنَوْا كَنِيسَةً وهم يُرِيدُونَ أنْ يُبْطِلُوا الحَجَّ إلى الكَعْبَةِ ويَصْرِفُوا العَرَبَ إلى صَنْعاءَ.
والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ عَلى إلْحاقِ ضُرٍّ بِالغَيْرِ ومُعالَجَةِ إيقاعِهِ.
والتَّضْلِيلُ: جَعْلُ الغَيْرِ ضالًّا، أيْ: لا يَهْتَدِي لِمُرادِهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الإبْطالِ وعَدَمِ نَوالِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ عَدَمُ وُصُولِ السّائِرِ.
وظَرْفِيَّةُ الكَيْدِ في التَّضْلِيلِ مَجازِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ لِمَعْنى المُصاحَبَةِ
صفحة ٥٤٩
الشَّدِيدَةِ، أيْ: أبْطَلَ كَيْدَهم بِتَضْلِيلٍ، أيْ: مُصاحِبًا لِلتَّضْلِيلِ لا يُفارِقُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ أبْطَلَهُ إبْطالًا شَدِيدًا، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِقُوَّتِهِمْ مَعَ ضَعْفِ أهْلِ مَكَّةَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: ضَياعٍ وتَلَفٍ، وقَدْ شَمِلَ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ جَمِيعَ ما حَلَّ بِهِمْ مِن أسْبابِ الخَيْبَةِ وسُوءِ المُنْقَلَبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، أيْ: وكَيْفَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِن صِفَتِها كَيْتُ وكَيْتُ، فَبَعْدَ أنْ وقَعَ التَّقْرِيرُ عَلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ عُطِفَ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ بِعِلْمِ ما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العِقابِ عَلى كَيْدِهِمْ تَذْكِيرًا بِما حَلَّ بِهِمْ مِن نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى، لِقَصْدِهِمْ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ، فَذَلِكَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِبَيْتِهِ لِإظْهارِ تَوْطِئَتِهِ لِبَعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ بِدِينِهِ في ذَلِكَ البَلَدِ، إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَما كانَ إرْسالُ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِ تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ، كانَ فِيهِ جَزاءٌ لَهم، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مانِعٌ بَيْتَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ الثّانِي بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِكَيْدِهِمْ وكَوْنِهِ عُقُوبَةً لَهم، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي بِاعْتِبارِ أنَّ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ قُلِبَ زَمانُهُ إلى المُضِيِّ لِدُخُولِ حَرْفِ (لَمْ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] في سُورَةِ الضُّحى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ.
والطَّيْرُ: اسْمٌ، جَمْعُ طائِرٍ، وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالجَوِّ بِعَمَلِ جَناحَيْهِ. وتَنْكِيرُهُ لِلنَّوْعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ. وقَدِ اخْتَلَفَ القَصّاصُونَ في صِفَتِهِ اخْتِلافًا خَيالِيًّا. والصَّحِيحُ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخَطاطِيفِ، وعَنْ غَيْرِها أنَّها تُشْبِهُ الوَطْواطَ.
وأبابِيلُ: جَماعاتٌ. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظَهِ مِثْلَ عَبادِيدَ وشَماطِيطَ وتَبِعَهُما الجَوْهَرِيُّ، وقالَ الرُّؤاسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: واحِدُ
صفحة ٥٥٠
أبابِيلَ إبّالَةٌ مُشَدَّدَةَ المُوَحَّدَةِ مَكْسُورَةَ الهَمْزَةِ. ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةَ، وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَطَبِ، وعَلَيْهِ فَوَصْفُ الطَّيْرِ بِأبابِيلَ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وجُمْلَةُ (تَرْمِيهِمْ) حالٌ مِن (طَيْرًا) وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ بِحَيْثُ تُخُيِّلَ لِلسّامِعِ كالحادِثَةِ في زَمَنِ الحالِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّيحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]) الآيَةَ.
وحِجارَةٌ: اسْمُ جَمْعِ حَجَرٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طِينٌ في حِجارَةٍ، وعَنْهُ أنَّ سِجِّيلَ مُعَرَّبُ (سَنْكِ كِلْ) مِنَ الفارِسِيَّةِ، أيْ: عَنْ كَلِمَةِ (سَنْكِ) وضُبِطَ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، اسْمُ الحَجَرِ، وكَلِمَةُ (كِلْ) بِكَسْرِ الكافِ اسْمُ الطِّينِ وجُمُوعُ الكَلِمَتَيْنِ يُرادُ بِهِ الآجُرُّ.
وكِلْتا الكَلِمَتَيْنِ بِالكافِ الفارِسِيَّةِ المُعَمَّدَةِ وهي بَيْنَ مَخْرَجِ الكافِ ومَخْرَجِ القافِ، ولِذَلِكَ تَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً، أيْ: حِجارَةٌ هي سِجِّيلٌ، وقَدْ عَدَّ السُّبْكِيُّ كَلِمَةَ سِجِّيلٍ في مَنظُومَتِهِ في المُعَرَّبِ الواقِعِ في القُرْآنِ.
وقَدْ أشارَ إلى أصْلِ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] مَعَ قَوْلِهِ في آياتٍ أُخَرَ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَعُلِمَ أنَّهُ حَجَرٌ أصْلُهُ طِينٌ.
وجاءَ نَظِيرُهُ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الحِجارَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى أصْحابِ الفِيلِ مِن جِنْسِ الحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، أيْ: لَيْسَتْ حَجَرًا صَخْرِيًّا ولَكِنَّها طِينٌ مُتَحَجِّرٌ دَلالَةً عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِعَذابِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجْرُ إذا وقَعَ عَلى أحَدِهِمْ نَفِطَ جِلْدُهُ، فَكانَ ذَلِكَ أوَّلَ الجُدَرِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: إذا أصابَ أحَدَهم مِنها خَرَجَ بِهِ الجُدَرِيُّ.
صفحة ٥٥١
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الجُدَرِيَّ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا في مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ الحَجَرَ كانَ قَدْرَ الحِمَّصِ، رَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ أبِي مُعاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قالَ: رَأيْتُ الحَصى الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ حَصًى مِثْلَ الحِمَّصِ حُمْرًا بِحُتْمَةٍ (أيْ سَوْداءَ) كَأنَّها جِزْعُ ظَفارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَأى مِن هَذِهِ الحِجارَةِ عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مُخَطَّطَةٍ بِحُمْرَةٍ بِالجِزْعِ الظَّفارِيِّ.
والعَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ وهو جَمْعُ عَصْفَةٍ. والعَصْفُ إذا دَخَلَتْهُ البَهائِمُ فَأكَلَتْهُ داسَتْهُ بِأرْجُلِها وأكَلَتْ أطْرافَهُ وطَرَحَتْهُ عَلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا. وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ أصْحابِ الفِيلِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ والقُوَّةِ كَيْفَ صارُوا مُتَساقِطِينَ عَلى الأرْضِ هالِكِينَ.
* * *
صفحة ٥٥٢
صفحة ٥٥٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في عَهْدِ السَّلَفِ (سُورَةَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ) قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ صَلّى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ المَغْرِبَ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ (ألَمْ تَرَ كَيْفَ) و(لِإيلافِ قُرَيْشٍ) وهَذا ظاهِرٌ في إرادَةِ التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنَ اسْمٍ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ قُرَيْشٍ) لِوُقُوعِ اسْمِ قُرَيْشٍ فِيها ولَمْ يَقَعْ في غَيْرِها، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ. وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ فِيها.
وقَدْ عُدَّتِ التّاسِعَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التِّينِ وقَبْلَ سُورَةِ القارِعَةِ.
وهِيَ سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّها سُورَةٌ خاصَّةٌ.
وجَعَلَها أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَعَ سُورَةِ الفِيلِ سُورَةً واحِدَةً ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في مُصْحَفِهِ بِالبَسْمَلَةِ الَّتِي كانُوا يَجْعَلُونَها عَلامَةَ فَصْلٍ بَيْنَ السُّوَرِ، وهو ظاهِرُ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ قِراءَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. والإجْماعُ الواقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ نَقَضَ ذَلِكَ.
وعَدَدُ آياتِها أرْبَعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العادِّينَ. وعْدَّها أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ خَمْسَ آياتٍ.
ورَأيْتُ في مُصْحَفٍ عَتِيقٍ مِنَ المَصاحِفِ المَكْتُوبَةِ في القَيْرَوانِ عَدَدُها أرْبَعُ آياتٍ مَعَ أنَّ قِراءَةَ أهْلِ القَيْرَوانِ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
* * *
صفحة ٥٥٤
أمْرُ قُرَيْشٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ لَهُمُ السَّيْرَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ بِرِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ لا يَخْشَوْنَ عادِيًا يَعْدُو عَلَيْهِمْ.
وبِأنَّهُ أمَّنَهم مِنَ المَجاعاتِ وأمَّنَهم مِنَ المَخاوِفِ لِما وقَرَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَتِهِمْ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الحَرَمِ وعُمّارُ الكَعْبَةِ.
وبِما ألْهَمَ النّاسَ مِن جَلْبِ المِيرَةِ إلَيْهِمْ مِنَ الآفاقِ المُجاوِرَةِ كَبِلادِ الحَبَشَةِ.
ورَدِّ القَبائِلِ فَلا يُغِيرُ عَلى بَلَدِهِمْ أحَدٌ. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] فَأكْسَبَهم ذَلِكَ مَهابَةً في نُفُوسِ النّاسِ وعَطْفًا مِنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences