Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
التكاثر
At-Takathur
The Rivalry in world increase · Meccan · 8 ayahs
102:1–4Page 600
أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ١
Competition in [worldly] increase diverts you
حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ٢
Until you visit the graveyards.1
كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣
No! You are going to know.
ثُمَّ كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٤
Then, no! You are going to know.
صفحة ٥١٩
﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [ ١ ] ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [ ٢ ] ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٣ ] ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٤ ] .
(ألْهاكم) أيْ: شَغَلَكم عَمّا يَجِبُ عَلَيْكم الِاشْتِغالُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ شُغْلٌ يَصْرِفُ عَنْ تَحْصِيلِ أمْرٍ مُهِمٍّ.
والتَّكاثُرُ: تَفاعُلٌ في الكُثْرِ أيْ: التَّبارِي في الإكْثارِ مِن شَيْءٍ مَرْغُوبٍ في كَثْرَتِهِ، فَمِنهُ تَكاثُرٌ في الأمْوالِ، ومِنهُ تَكاثُرٌ في العَدَدِ مِنَ الأوْلادِ والأحْلافِ لِلِاعْتِزازِ بِهِمْ. وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِهِما. قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] .
وقالَ الأعْشى:
ولَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ: «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقُولُ (ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ) قالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ» فَهَذا جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِمَعْنًى مِن مَعانِي التَّكاثُرِ اقْتَضاهُ حالُ المَوْعِظَةِ ساعَتَئِذٍ وتُحَتِّمُهُ الآيَةُ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ غِلْظَةِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] إلى آخَرِ السُّورَةِ، ولِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن خُلُقِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والمُرادُ بِالخِطابِ: سادَتُهم وأهْلُ الثَّراءِ مِنهم لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، ولِأنَّ سادَةَ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ آثَرُوا ما هم فِيهِ مِن النِّعْمَةِ عَلى التَّهَمُّمِ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَتَصَدَّوْا لِتَكْذِيبِهِ وإغْراءِ الدَّهْماءِ بِعَدَمِ الإصْغاءِ لَهُ. فَلَمْ يَذْكُرْ المُلْهى عَنْهُ لِظُهُورِ أنَّهُ القُرْآنُ والتَّدَبُّرُ فِيهِ، والإنْصافُ بِتَصْدِيقِهِ. وهَذا الإلْهاءُ حَصَلَ مِنهم وتَحَقَّقَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حِكايَتُهُ بِالفِعْلِ الماضِي.
وإذا كانَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ التَّلَبُّسَ بِشَيْءٍ مِن هَذا
صفحة ٥٢٠
الخُلُقِ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم مُحَذَّرُونَ مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَيَحْذَرُونَ مِن أنْ يُلْهِيَهم حُبُّ المالِ عَنْ شَيْءٍ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، ويَتَوَقَّعُونَ أنْ يُفاجِئَهُمُ المَوْتُ وهم لاهُونَ عَنِ الخَيْرِ، قالَ تَعالى يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ غايَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غايَةً لِفِعْلِ (ألْهاكم) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١] أيْ: دامَ إلْهاءُ التَّكاثُرِ إلى أنْ زُرْتُمُ المَقابِرَ، أيْ: اسْتَمَرَّ بِكم طُولَ حَياتِكم، فالغايَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإحاطَةِ بِأزْمانِ المُغَيّا لا في تَنْهِيَتِهِ وحُصُولِ ضِدِّهِ لِأنَّهم إذا صارُوا إلى المَقابِرِ انْقَطَعَتْ أعْمالُهم كُلُّها.
ولِكَوْنِ زِيارَةِ المَقابِرِ عَلى هَذا الوَجْهِ عِبارَةً عَنِ الحُلُولِ فِيها، أيْ: قُبُورَ المَقابِرِ. وحَقِيقَةُ الزِّيارَةِ الحُلُولُ في المَكانِ حُلُولًا غَيْرَ مُسْتَمِرٍّ، فَأُطْلِقَ فِعْلُ الزِّيارَةِ هُنا تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّ حُلُولَهم في المَقابِرِ يَعْقُبُهُ خُرُوجٌ مِنها.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ الماضِي في (زُرْتُمْ) لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الغايَةُ لِلْمُتَكاثِرِ بِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّكاثُرُ، أيْ: بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى بِالقُبُورِ تُعِدُّونَها. وهَذا يَجْرِي عَلى ما رَوى مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا بِكَثْرَةِ السّادَةِ مِنهم، كَما تَقَدَّمَ في سَبَبِ نُزُولِها آنِفًا، فَتَكُونَ الزِّيارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ، أيْ: زُرْتُمُ المَقابِرَ لِتَعُدُّوا القُبُورَ، والعَرَبُ يُكَنُّونَ بِالقَبْرِ عَنْ صاحِبِهِ قالَ النّابِغَةُ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلِّقٍ ∗∗∗ وقَبْرٍ بِصَيْداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
وقالَ عِصامُ بْنُ عُبَيْدٍ الزِّمّانِيُّ، أوْ هَمّامٌ الرَّقاشِيُّ:
لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كُنْتُ أقْرَبَهم ∗∗∗ قَبْرًا وأبْعَدَهم مِن مَنزِلِ الذّامِّ
أيْ: كُنْتُ أقْرَبَهم مِنكَ قَبْرًا، أيْ: صاحِبُ قَبْرٍ.
صفحة ٥٢١
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وبِضَمِّها. والمَقْبَرَةُ الأرْضُ الَّتِي فِيها قُبُورٌ كَثِيرَةٌ.
والتَّوْبِيخُ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ أُتْبِعَ بِالوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، وبِحَرْفِ الزَّجْرِ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَأفادَ (كَلّا) زَجْرًا وإبْطالًا لِإنْهاءِ التَّكاثُرِ.
و(سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ حُصُولِ العِلْمِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: تَعْلَمُونَ سُوءَ مَغَبَّةِ لَهْوِكم بِالتَّكاثُرِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ.
وأُكِّدَ الزَّجْرُ والوَعِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَعَطَفَ عَطْفًا لَفْظِيًّا بِحَرْفِ التَّراخِي أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى تَراخِي رُتْبَةِ هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ عَنْ رُتْبَةِ الزَّجْرِ والوَعِيدِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَهَذا زَجْرٌ ووَعِيدٌ مُماثِلٌ لِلْأوَّلِ لَكِنْ عَطْفُهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) اقْتَضى كَوْنَهُ أقْوى مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ أفادَ تَحْقِيقَ الأوَّلِ وتَهْوِيلَهُ.
فَجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يَنْزِلُ بِكم مِن عَذابٍ في القَبْرِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وُعِدْتُمْ بِهِ صِدْقٌ، أيْ: تُجْعَلُ كُلُّ جُمْلَةٍ مُرادًا بِها تَهْدِيدٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى مَعُونَةِ القَرائِنِ بِتَقْدِيرِ مَفْعُولٍ خاصٍّ لِكُلٍّ مِن فِعْلَيْ (تَعْلَمُونَ)، ولَيْسَ تَكْرِيرُ الجُمْلَةِ بِمُقْتَضٍ ذَلِكَ في أصْلِ الكَلامِ، ومُفادُ التَّكْرِيرِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
102:5Page 600
كـَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ٥
No! If you only knew with knowledge of certainty...1
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾
أُعِيدَ الزَّجْرُ ثالِثَ مَرَّةٍ زِيادَةً في إبْطالِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اللَّهْوِ عَنِ التَّدَبُّرِ في أقْوالِ القُرْآنِ لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنِ انْكِبابِهِمْ عَنِ التَّكاثُرِ مِمّا هم يَتَكاثَرُونَ فِيهِ ولَهْوِهِمْ بِهِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَةِ الحَقِّ والتَّوْحِيدِ. وحَذَفَ مَفْعُولَ (تَعْلَمُونَ) لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ تَهْوِيلٌ وإزْعاجٌ؛ لِأنَّ حَذْفَ جَوابِ (لَوْ) يَجْعَلُ النُّفُوسَ تَذْهَبُ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ. والمَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ
صفحة ٥٢٢
لَتَبَيَّنَ لَكم حالٌ مُفْظِعٌ عَظِيمٌ، وهي بَيانٌ لِما في كَلّا مِنَ الزَّجْرِ.
والمُضارِعُ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ مُرادٌ بِهِ زَمَنُ الحالِ، أيْ: لَوْ عَلِمْتُمُ الآنَ عِلْمَ اليَقِينِ لَعَلِمْتُمْ أمْرًا عَظِيمًا.
ولِفِعْلِ الشَّرْطِ مَعَ (لَوْ) أحْوالٌ كَثِيرَةٌ واعْتِباراتٌ، فَقَدْ يَقَعُ بِلَفْظِ الماضِي وقَدْ يَقَعُ بِلَفْظِ المُضارِعِ وفي كِلَيْهِما قَدْ يَكُونُ اسْتِعْمالُهُ في أصْلِ مَعْناهُ. وقَدْ يَكُونُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ غَيْرِ مَعْناهُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ مِنَ الحالِ بِدُونِ تَنْزِيلٍ ولا تَأْوِيلٍ.
وإضافَةُ (عِلْمَ) إلى (اليَقِينِ) إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ، فَإنَّ اليَقِينَ عِلْمٌ، أيْ: لَوْ عَلِمْتُمْ عِلْمًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ لَبانَ لَكم شَنِيعُ ما أنْتُمْ فِيهِ، ولَكِنَّ عِلْمَهم بِأحْوالِهِمْ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ مِن أوْهامٍ وتَخَيُّلاتٍ، وفي هَذا نِداءٌ عَلَيْهِمْ بِالتَّقْصِيرِ في اكْتِسابِ العِلْمِ الصَّحِيحِ. وهَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ ولَيْسَ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عِلْمَ اليَقِينِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المُرَكَّبَ هو ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ نُقِلَ في الِاصْطِلاحِ العِلْمِيِّ فَصارَ لَقَبًا لِحالَةٍ مِن مُدْرَكاتِ العَقْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] في سُورَةِ الحاقَّةِ، فارْجِعْ إلَيْهِ.
102:6–7Page 600
لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ ٦
You will surely see the Hellfire.
ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ٧
Then you will surely see it with the eye of certainty.1
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ الزَّجْرِ والرَّدْعِ المُكَرَّرِ ومِنَ الوَعِيدِ المُؤَكَّدِ عَلى إجْمالِهِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَمّا يُتَرَقَّبُ مِن هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا عَمّا يَجِيشُ في نَفْسِ السّامِعِ.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ (لَوْ) عَلى مَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَكُنْتُمْ كَمَن تَرَوْنَ الجَحِيمَ، أيْ: لَتَرْوُنَّها بِقُلُوبِكم؛ لِأنَّ نَظْمَ الكَلامِ صِيغَةُ قَسَمٍ بِدَلِيلِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ اللّامُ لامَ جَوابِ (لَوْ)؛ لِأنَّ جَوابَ (لَوْ) مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ فَلا تَقْتَرِنُ بِهِ نُونُ التَّوْكِيدِ.
والإخْبارُ عَنْ رُؤْيَتِهِمُ الجَحِيمَ كِنايَةٌ عَنِ الوُقُوعِ فِيها، فَإنَّ الوُقُوعَ في الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ فَيُكَنّى بِالرُّؤْيَةِ عَنِ الحُضُورِ، كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
صفحة ٥٢٣
لا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
وأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ قَصْدًا لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ بِمَعْناهُ الكِنائِيِّ. وقَدْ عُطِفَ هَذا التَّأْكِيدُ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي هي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]، ولَيْسَ هُنالِكَ رُؤْيَتانِ تَقَعُ إحْداهُما بَعْدَ الأُخْرى بِمُهْلَةٍ.
وعَيْنَ اليَقِينِ: اليَقِينُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ تَرَدُّدٌ. فَلَفْظُ عَيِنٍ مَجازٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الخالِصَةِ غَيْرِ النّاقِصَةِ ولا المُشابِهَةِ.
وإضافَةُ (عَيْنَ) إلى اليَقِينِ بَيانِيَّةٌ كَإضافَةِ (حَقُّ) إلى اليَقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] .
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المُثَنّاةِ مِن (أراهُ) .
وأمّا (لَتَرَوُنَّها) فَلَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ.
وأشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُفْتَتَحَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] والمُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾، اشْتَمَلَتْ عَلى وُجُوهٍ مِن تَقْوِيَةِ الإنْذارِ والزَّجْرِ، فافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ، وجِيءَ بَعْدَهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ. وكُرِّرَ حَرْفُ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ وحُذِفَ جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٥] لِما في حَذْفِهِ مِن مُبالَغَةِ التَّهْوِيلِ، وأُتِيَ بِلامِ القَسَمِ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ. وأُكِّدَ هَذا القَسَمُ بِقَسَمٍ آخَرَ، فَهَذِهِ سِتَّةُ وُجُوهٍ.
وأقُولُ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ: إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ بِأنَّها يَقِينٌ وأنَّ اليَقِينَ حَقِيقَةٌ. والقَوْلُ في إضافَةِ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ كالقَوْلِ في إضافَةِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] المَذْكُورِ آنِفًا.
102:8Page 600
ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ٨
Then you will surely be asked that Day about pleasure.1
صفحة ٥٢٤
﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ .
أعْقَبَ التَّوْبِيخَ والوَعِيدَ عَلى لَهْوِهِمْ بِالتَّكاثُرِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ مِن حَيْثُ إنَّ التَّكاثُرَ صَدَّهم عَنْ قَبُولِ ما يُنْجِيهِمْ، بِتَهْدِيدٍ وتَخْوِيفٍ مِن مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما في التَّكاثُرِ مِن نَعِيمٍ تَمَتَّعُوا بِهِ في الدُّنْيا ولَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، أيْ: عَنِ النَّعِيمِ الَّذِي خُوَّلْتُمُوهُ في الدُّنْيا فَلَمْ تَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وكانَ بِهِ بَطَرُكم.
وعُطِفَ هَذا الكَلامُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ في عَطْفِهِ الجُمَلَ مِن أجْلِ أنَّ الحِسابَ عَلى النَّعِيمِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ أشُدُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَتَرَقَّبُونَهُ؛ لِأنَّ تَلَبُّسَهم بِالإشْراكِ وهم في نَعِيمٍ أشَدُّ كُفْرانًا لِلَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
والنَّعِيمُ: اسْمٌ لِما يَلِذُّ لِإنْسانٍ مِمّا لَيْسَ مُلازِمًا لَهُ، فالصِّحَّةُ وسَلامَةُ الحَواسِّ وسَلامَةُ الإدْراكِ والنَّوْمُ واليَقَظَةُ لَيْسَتْ مِنَ النَّعِيمِ، وشُرْبُ الماءِ وأكْلُ الطَّعامِ والتَّلَذُّذُ بِالمَسْمُوعاتِ وبِما فِيهِ فَخْرٌ وبِرُؤْيَةِ المَحاسِنِ، تُعَدُّ مِنَ النَّعِيمِ.
والنَّعِيمُ أخَصُّ مِنَ النِّعْمَةِ بِكَسْرِ النُّونِ ومُرادِفٌ لِلنِّعْمَةِ بِفَتْحِ النُّونِ.
وتَقَدَّمَ النَّعِيمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ بَراءَةَ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ عَلى نَسَقِ الخِطاباتِ السّابِقَةِ.
والجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها (إذْ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَئِذٍ) مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] أيْ: يَوْمَ إذْ تَرَوْنَ الجَحِيمَ يَغْلُظُ عَلَيْكُمُ العَذابُ.
وهَذا السُّؤالُ عَنِ النَّعِيمِ المُوَجَّهُ إلى المُشْرِكِينَ هو غَيْرُ السُّؤالِ الَّذِي يُسْألُهُ كُلُّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ فِيما صَرَفَ فِيهِ النِّعْمَةَ، فَإنَّ النِّعْمَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ خاصَّةً بِالمُشْرِكِينَ خِلافًا لِلتَّكاثُرِ كانَ السُّؤالُ عَنْها حَقِيقًا بِكُلِّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْوالُ الجَزاءِ المُتَرَتَّبِ عَلى هَذا السُّؤالِ.
ويُؤَيِّدُهُ ما ورَدَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصاحِبَيْهِ ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ
صفحة ٥٢٥
لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمَ أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَهم بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَبٌ وأخَذَ المُدْيَةَ فَذَبَحَ لَهم، فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذا اليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ» الحَدِيثَ. فَهَذا سُؤالٌ عَنِ النَّعِيمِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وهو غَيْرُ الَّذِي جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ. والأنْصارِيُّ هو أبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهانِ واسْمُهُ مالِكٌ.
ومَعْنى الحَدِيثِ: لَتُسْألُنَّ عَنْ شُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، أرادَ تَذْكِيرَهم بِالشُّكْرِ في كُلِّ نِعْمَةٍ. وسُؤالُ المُؤْمِنِينَ سُؤالٌ لِتَرْتِيبِ الثَّوابِ عَلى الشُّكْرِ أوْ لِأجْلِ المُؤاخَذَةِ بِالنَّعِيمِ الحَرامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ «عَنِ الحَسَنِ لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ، ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أكْلَةً أكَلْتُها مَعَكَ في بَيْتِ أبِي الهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهانِ مِن خُبْزِ شَعِيرٍ ولَحْمٍ وبُسْرٍ قَدْ ذَنَّبَ وما عَذُبَ، أنَخافُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي نُسْألُ عَنْهُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ذَلِكَ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿وهَلْ يُجازى إلّا الكَفُورَ﴾ [سبإ»: ١٧]) .
قالَ القُشَيْرِيُّ: والجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ أنَّ الكُلَّ يُسْألُونَ، ولَكِنَّ سُؤالَ الكافِرِ سُؤالُ تَوْبِيخٍ لِأنَّهُ قَدْ تَرَكَ الشُّكْرَ، وسُؤالَ المُؤْمِنِ سُؤالُ تَشْرِيفٍ لِأنَّهُ شَكَرَ.
والجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها (إذْ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَئِذٍ) مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] أيْ: يَوْمَ إذْ تَرَوْنَ الجَحِيمَ فَيَغْلُظُ عَلَيْكُمُ العَذابُ.
* * *
صفحة ٥٢٦
صفحة ٥٢٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَصْرِ
ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ الطَّبَرانِيَّ رَوى بِسَنَدِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: " كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا التَقَيا لَمْ يَفْتَرِقا إلّا عَلى أنْ يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ العَصْرِ: إلَخْ ما سَيَأْتِي.
وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُها في مَصاحِفَ كَثِيرَةٍ وفي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفٍ عَتِيقٍ بِالخَطِّ الكُوفِيِّ مِنَ المَصاحِفِ القَيْرَوانِيَّةِ في القَرْنِ الخامِسِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والعَصْرِ) بِإثْباتِ الواوِ عَلى حِكايَةِ أوَّلِ كَلِمَةٍ فِيها، أيْ: سُورَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وإطْلاقِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وعَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يَذْكُرْها صاحِبُ الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المُخْتَلِفِ فِيها.
وقَدْ عُدَّتِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الِانْشِراحِ وقَبْلَ سُورَةِ العادِياتِ.
وآيُها ثَلاثُ آياتٍ.
وهِيَ إحْدى سُوَرٍ ثَلاثٍ هُنَّ أقْصَرُ السُّوَرِ عَدَدَ آياتٍ: هي والكَوْثَرُ وسُورَةُ النَّصْرِ.
* * *
واشْتَمَلَتْ عَلى إثْباتِ الخُسْرانِ الشَّدِيدِ لِأهْلِ الشِّرْكِ ومَن كانَ مِثْلَهم مِن أهْلِ
صفحة ٥٢٨
الكُفْرِ بِالإسْلامِ بَعْدَ أنْ بُلِّغَتْ دَعْوَتُهُ، وكَذَلِكَ مَن تَقَلَّدَ أعْمالَ الباطِلِ الَّتِي حَذَّرَ الإسْلامُ المُسْلِمِينَ مِنها.
وعَلى إثْباتِ نَجاةِ وفَوْزِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ والدّاعِينَ مِنهم إلى الحَقِّ.
وعَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ ودَعْوَةِ الحَقِّ.
وقَدْ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذُوها شِعارًا لَهم في مُلْتَقاهم. رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِهِ إلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحُصَيْنِ الأنْصارِيِّ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ إذا التَقَيا لَمْ يَفْتَرِقا إلّا عَلى أنْ يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ العَصْرِ إلى آخِرِها، ثُمَّ يُسَلِّمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ أيْ: سَلامُ التَّفَرُّقِ، وهو سُنَّةٌ أيْضًا مِثْلَ سَلامِ القُدُومِ.
وعَنِ الشّافِعِيِّ: لَوْ تَدَبَّرَ النّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَوَسِعَتْهم. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: لَوْ لَمْ يَنْزِلْ إلى النّاسِ إلّا هي لَكَفَتْهم. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها شَمِلَتْ جَمِيعَ عُلُومِ القُرْآنِ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences