Ibn 'AshurLuqman · 31:1–11

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

لقمان

Luqman

Luqman · Meccan · 34 ayahs

31:1Page 411

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

﴿الم﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

31:2–5Page 411

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

These are verses of the wise1 Book,

هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ ٣

As guidance and mercy for the doers of good

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤

Who establish prayer and give zakāh, and they, of the Hereafter, are certain [in faith].

أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥

Those are on [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

صفحة ١٤٠

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

إذا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قُرَيْشٍ عَنْ لُقْمانَ وابْنِهِ فَهَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] بِمَنزِلَةِ مُقَدِّمَةٍ لِبَيانِ أنَّ مَرْمى القُرْآنِ مِن قَصِّ القِصَّةِ ما فِيها مِن عِلْمٍ وحِكْمَةٍ وهَدًى وأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلَّذِينَ سَألُوا عَنْها فَكانَ سُؤالُهم نَفْعًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى ما سَيُذْكَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ مُتَرَقَّبُ الذِّكْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ وفي أوَّلِ سُورَةِ الشُّعَراءِ والنَّمْلِ والقَصَصِ.

و”آياتُ الكِتابِ“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وفي الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَعْظِيمِ قَدْرِ تِلْكَ الآياتِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ في رِفْعَةِ القَدْرِ، وبِما دَلَّتْ عَلَيْهِ إضافَةُ الآياتِ إلى الكِتابِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ الحَكِيمُ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ وسَبَبٌ وفَلاحٌ.

والحَكِيمُ: وصْفٌ لِلْكِتابِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحِكْمَةِ. فَوَصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) كَوَصْفِ الرَّجُلِ بِالحَكِيمِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الحَكِيمَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، أوْ بِعِبارَةٍ أرْشَقُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِالرَّجُلِ الحَكِيمِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكَمِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ وصَفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَقَوْلِهِمْ: عَسَلٌ عَقِيدٌ، لِأنَّهُ أحْكَمُ وأتْقَنُ فَلَيْسَ فِيهِ فُضُولٌ ولا ما لا يُفِيدُ كَمالًا نَفْسانِيًّا.

وفِي وصْفِ الكِتابِ بِهَذا الوَصْفِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ مِن ذِكْرِ حِكْمَةِ لُقْمانَ. وتَقَدَّمَ وصْفُ الكِتابِ بِـ (الحَكِيمِ) في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.

وانْتَصَبَ (﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾) عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وإذا كانَ الكِتابُ مُضافًا إلَيْهِ فَمُسَوِّغُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ أنَّ الكِتابَ

صفحة ١٤١

أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو اسْمُ جُزْئِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (آياتُ) . والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِرَفْعِ (رَحْمَةٌ) عَلى جَعْلِ (هُدًى) خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

ومَعْنى المُحْسِنِينَ: الفاعِلُونَ لِلْحَسَناتِ، وأعْلاها الإيمانُ وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ، ولِذَلِكَ خُصِّتْ هَذِهِ الثَّلاثُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ إطْلاقِ المُحْسِنِينَ لِأنَّها أفْضَلُ الحَسَناتِ، وإنْ كانَ المُحْسِنُونَ يَأْتُونَ بِها وبِغَيْرِها.

وزِيادَةُ وصْفِ الكِتابِ بِـ (رَحْمَةً) بَعْدَ هُدًى لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصِدُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ لُقْمانَ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذِكْرَ القِصَّةِ رَحْمَةٌ لِما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآدابِ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةً عَلى الهُدى أنَّهُ تَخَلَّقَ بِالحِكْمَةِ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] والخَيْرُ الكَثِيرُ: رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والزَّكاةُ هُنا الصَّدَقَةُ وكانَتْ مَوْكُولَةً إلى هِمَمِ المُسْلِمِينَ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِوَقْتٍ ولا بِمِقْدارٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إلى هُمُ المُفْلِحُونَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

31:6–7Page 411

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٦

And of the people is he who buys the amusement of speech1 to mislead [others] from the way of Allāh without knowledge and who takes it [i.e., His way] in ridicule. Those will have a humiliating punishment.

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٧

And when Our verses are recited to him, he turns away arrogantly as if he had not heard them, as if there was in his ears deafness. So give him tidings of a painful punishment.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذُها هُزُؤًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذْنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] . والمَعْنى: أنَّ حالَ الكِتابِ الحَكِيمِ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ، وأنَّ مِنَ النّاسِ مُعْرِضِينَ عَنْهُ يُؤْثِرُونَ لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي يَهْدِي إلَيْهِ الكِتابُ. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الثَّناءِ عَلى آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ بِضِدِّ ذَلِكَ في ذَمِّ ما يَأْتِي بِهِ بَعْضُ النّاسِ، وهَذا تَخَلُّصٌ مِنَ المُقَدِّمَةِ إلى مَدْخَلٍ لِلْمَقْصُودِ وهو تَفْظِيعُ ما يَدْعُو إلَيْهِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومُشايِعُوهُ مِنَ اللَّهْوِ بِأخْبارِ المُلُوكِ الَّتِي لا تُكْسِبُ صاحِبَها كَمالًا ولا حِكْمَةً.

صفحة ١٤٢

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ لِلتَّشْوِيقِ إلى تَلَقِّي خَبَرِهِ العَجِيبِ.

والِاشْتِراءُ كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ بِالشَّيْءِ والِاغْتِباطِ بِهِ، ولَيْسَ هُنا اسْتِعارَةً بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ فالِاشْتِراءُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ: فالصَّرِيحُ تَشْوِيهٌ لِاقْتِناءِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ قِصَصَ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ وبَهْرامَ، والكِنايَةُ تَقْبِيحٌ لِلَّذِينَ التَفُّوا حَوْلَهُ وتَلَقَّوْا أخْبارَهُ، أيْ مِنَ النّاسِ مَن يَشْغَلُهُ لَهْوُ الحَدِيثِ والوَلَعُ بِهِ عَنِ الِاهْتِداءِ بِآياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ.

واللَّهْوُ: ما يُقْصَدُ مِنهُ تَشْغِيلُ البالِ وتَقْصِيرُ طُولِ وقْتِ البِطالَةِ دُونَ نَفْعٍ، لِأنَّهُ إذا كانَتْ في ذَلِكَ مَنفَعَةٌ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِنهُ اللَّهْوَ بَلْ تِلْكَ المَنفَعَةُ، ولَهْوُ الحَدِيثِ ما كانَ مِنَ الحَدِيثِ مُرادًا لِلَّهْوِ فَإضافَةُ لَهْوَ إلى الحَدِيثِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ عَلى رَأْيِ بَعْضِ النُّحاةِ، وبَعْضُهم لا يُثْبِتُ الإضافَةَ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ فَيَرُدُّها إلى مَعْنى اللّامِ.

وتَقَدَّمَ اللَّهْوُ في قَوْلِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأصَحُّ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ أنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ فَإنَّهُ كانَ يُسافِرُ في تِجارَةٍ إلى بِلادِ فارِسَ فَيَتَلَقّى أكاذِيبَ الأخْبارِ عَنْ أبْطالِهِمْ في الحُرُوبِ المَمْلُوءَةِ أُكْذُوباتٍ فَيَقُصُّها عَلى قُرَيْشٍ في أسْمارِهِمْ ويَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ يُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ وبَهْرامَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ النَّضْرَ كانَ يَشْتَرِي مِن بِلادِ فارِسَ كُتُبَ أخْبارِ مُلُوكِهِمْ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا، أيْ بِواسِطَةِ مَن يُتَرْجِمُها لَهم. ويَشْمَلُ لَفْظُ النّاسِ أهْلَ سامِرِهِ الَّذِينَ يُنْصِتُونَ لِما يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى إثْرَهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَن يَقْتَنِي القَيْناتِ المُغَنِّياتِ، رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ» في مِثْلِ ذَلِكَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إنَّما

صفحة ١٤٣

يُرْوى مِن حَدِيثِ القاسِمِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، وعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدًا (يَعْنِي البُخارِيَّ) يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ يَضْعُفُ اهــ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. الثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ (قِيلَ هو ابْنُ خَطَلٍ) اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً فَشُغِلَ النّاسُ بِها عَنِ اسْتِماعِ النَّبِيءِ ﷺ اهــ. وألْفاظُ الآيَةِ أنْسَبُ انْطِباقًا عَلى قِصَّةِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.

ومَعْنى ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُلْهِيَ قُرَيْشًا عَنْ سَماعِ القُرْآنِ فَإنَّ القُرْآنَ سَبِيلٌ مُوَصِّلٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى الدِّينِ الَّذِي أرادَهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ مُجَرَّدَ اللَّهْوِ بَلْ تَجاوَزَهُ إلى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا زِيادَةٌ في تَفْظِيعِ عَمَلِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُضِلُّ) بِضَمِّ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ، أيْ لِيَزْدادَ ضَلالًا عَلى ضَلالَةٍ إذْ لَمْ يَكْتَفِ لِنَفْسِهِ بِالكُفْرِ حَتّى أخَذَ يَبُثُّ ضَلالَهُ لِلنّاسِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ مَآلُ القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدَ المَعْنى.

ويَتَعَلَّقُ ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِفِعْلِ يَشْتَرِي ويَتَعَلَّقُ بِهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِأنَّ أصْلَ تَعَلُّقِ المَجْرُوراتِ أنْ يَرْجِعَ إلى المُتَعَلِّقِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ الكَلامُ، فالمَعْنى: يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ في صالِحِ نَفْسِهِ حَيْثُ يَسْتَبْدِلُ الباطِلَ بِالحَقِّ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَتَّخِذُها) عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ.

وقَرأ الجُمْهُورُ (ويَتَّخِذُها) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (يَشْتَرِي) أيْ يَشْغَلُ النّاسَ بِلَهْوِ الحَدِيثِ لِيَصْرِفَهم عَنِ القُرْآنِ ويَتَّخِذُ سَبِيلَ اللَّهِ هُزُؤًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (لِيُضِلَّ) أيْ يُلْهِيهِمْ بِلَهْوِ الحَدِيثِ لِيُضِلَّهم ولِيَتَّخِذَ دِينَ الإسْلامِ هُزْءًا.

ومَآلُ المَعْنى مُتَّحِدٌ في القِراءَتَيْنِ لِأنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مِن فِعْلِهِ ومِن غَرَضِهِ، وأمّا الإضْلالُ فَقَدْ رُجِّحَ فِيهِ جانِبُ التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ العِلَّةُ الباعِثَةُ لَهُ عَلى ما يَفْعَلُ.

صفحة ١٤٤

والهُزْؤُ: مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ إذا سَخِرَ بِهِ كَقَوْلِهِ (اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا) .

ولَمّا كانَ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثَ صادِقًا عَلى النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ إلى قِصَصِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ جِيءَ في وعِيدِهِمْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

واخْتِيرَ اسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ إنَّما اسْتَحَقَّهُ لِأجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةِ ﴿مَن يَشْتَرِي﴾ وجُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ فَهَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَشْتَرِي إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي﴾ إلَخْ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ فالمَوْصُولُ واحِدٌ ولَهُ صِلَتانِ: اشْتِراءُ لَهْوِ الحَدِيثِ لِلضَّلالِ، والِاسْتِكْبارُ عِنْدَما تُتْلى عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ.

ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿تُتْلى عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ يُواجَهُ بِتَبْلِيغِ القُرْآنِ وإسْماعِهِ.

وقَوْلُهُ (ولّى) تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ عَنْ آياتِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] .

و”مُسْتَكْبِرًا“ حالٌ، أيْ هو إعْراضُ اسْتِكْبارٍ لا إعْراضُ تَفْرِيطٍ في الخَيْرِ فَحَسْبُ.

وشُبِّهَ في ذَلِكَ بِالَّذِي لا يَسْمَعُ الآياتِ الَّتِي تُتْلى عَلَيْهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو عَدَمُ التَّأثُّرِ ولَوْ تَأثُّرًا يَعْقُبُهُ إعْراضٌ كَتَأثُّرِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. و”كَأنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِن (كَأنَّ) وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ مُسْتَكْبِرًا.

وكَرَّرَ التَّشْبِيهَ لِتَقْوِيَتِهِ مَعَ اخْتِلافِ الكَيْفِيَّةِ في أنَّ عَدَمَ السَّمْعِ مَرَّةً مَعَ تَمَكُّنِ آلَةِ السَّمْعَ ومَرَّةً مَعَ انْعِدامِ قُوَّةِ آلَتِهِ فَشُبِّهَ ثانِيًا بِمَن في أُذُنَيْهِ وقْرٌ وهو أخَصُّ مِن مَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ . ومِثْلُ هَذا التَّشْبِيهِ الثّانِي قَوْلُ لَبِيَدٍ:

فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها

مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا

والوَقْرُ: أصْلُهُ الثِّقَلُ، وشاعَ في الصَّمَمِ مَجازًا مَشْهُورًا ساوى الحَقِيقَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ١٤٥

وقَرَأ نافِعٌ (في أُذْنَيْهِ) بِسُكُونِ الذّالِ لِلتَّخْفِيفِ لِأجْلِ ثِقَلِ المُثَنّى، وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ الذّالِ عَلى الأصْلِ.

وقَدْ تَرَتَّبَ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الَّتِي وُصِفَ بِها أنْ أمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُوعِدَهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ. وإطْلاقُ البِشارَةِ هُنا اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومَ:

فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا

وقَدْ عُذِّبَ النَّضْرُ بِالسَّيْفِ إذْ قُتِلَ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا، وعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ.

31:8–9Page 411

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ٨

Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them are the Gardens of Pleasure,

خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩

Wherein they abide eternally; [it is] the promise of Allāh [which is] truth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللَّهِ حَقًّا وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

لَمّا ذَكَرَ عَذابَ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أتْبَعَ بِبِشارَةِ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ وصِفُوا بِأنَّهم يُقِيمُونَ الصَّلاةَ إلى قَوْلِهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ.

وانْتَصَبَ وعْدَ اللَّهِ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ النّائِبِ عَنْ فِعْلِهِ، وانْتَصَبَ (حَقًّا) عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِمَعْنى عامِلِها كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ. وإجْراءُ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَحْقِيقِ وعْدِهِ لِأنَّهُ لِعِزَّتِهِ لا يُعْجِزُهُ الوَفاءُ بِما وعَدَ، ولِحِكْمَتِهِ لا يُخْطِئُ ولا يَذْهَلُ عَمّا وعَدَ، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ بِالأعَمِّ.

31:10–11Page 411

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ١٠

He created the heavens without pillars that you see and has cast into the earth firmly set mountains, lest it should shift with you, and dispersed therein from every creature. And We sent down rain from the sky and made grow therein [plants] of every noble kind.

هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ١١

This is the creation of Allāh. So show Me what those other than Him have created. Rather, the wrongdoers are in clear error.

﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ المَخْلُوقاتِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ تُثْبَتَ لَهُ الإلَهِيَّةُ فَكانَ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ

صفحة ١٤٦

هُوَ العِلَّةُ لِلْإعْراضِ عَنْ آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ فَهم لَمّا أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِما لا يَخْلُقُ شَيْئًا كانُوا كَمَن يَزْعُمُ أنَّ الأصْنامَ مُماثِلَةٌ لِلَّهِ تَعالى في أوْصافِهِ فَلِذَلِكَ يَقْتَضِي انْتِفاءُ وصْفِ الحِكْمَةِ عَنْهُ كَما هو مُنْتَفٍ عَنْها. ولِذا فَإنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآياتِ مُوقِعُ دَلِيلِ الدَّلِيلِ، وهو المَقامُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِالتَّدْقِيقِ، وهو ذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ ودَلِيلِ دَلِيلِهِ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ (تَرَوْنَها) و(بِكم) لِلْمُشْرِكِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ قَوْلُهُ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والمَعْنى خَوَفَ أنْ تَمِيدَ بِكم أوْ لِئَلّا تُمِيدَكم كَما بَيَّنَ هُنالِكَ.

وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ [البقرة: ١٦٤] .

وقَوْلُهُ ﴿أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] وقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ [الرعد: ١٧] .

والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (وأنْزَلْنا) لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي هي أكْثَرُ دَوَرانًا عِنْدَ النّاسِ.

وضَمِيرُ فِيها عائِدٌ إلى الأرْضِ.

والزَّوْجُ: الصِّنْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في طه وقَوْلِهِ ﴿وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ.

والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.

وقَدْ أُدْمِجَ في أثْناءِ دَلائِلِ صِفَةِ الحِكْمَةِ الِامْتِنانُ بِما في ذَلِكَ مِن مَنافِعٍ لِلْخَلْقِ بِقَوْلِهِ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ و﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ فَإنَّ مِنَ الدَّوابِّ المَبْثُوثَةِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مَن أكْلِ لُحُومِ أوانِسِها ووُحُوشِها والِانْتِفاعِ بِألْبانِها وأصْوافِها وجُلُودِها وقُرُونِها وأسْنانِها والحَمْلِ عَلَيْها والتَّجَمُّلِ بِها في مُرابِطِها وغُدُوِّها ورَواحِها، ثُمَّ مِن نِعْمَةِ مَنافِعِ النَّباتِ مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ والكَلَأِ والكَمْأةِ. وإذْ كانَتِ البِحارُ مِن جُمْلَةِ الأرْضِ فَقَدْ شَمِلَ الِانْتِفاعُ بِدَوابَّ البَحْرِ فاللَّهُ كَما أبْدَعَ الصُّنْعَ أسْبَغَ النِّعْمَةَ فَأرانا آثارَ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ.

صفحة ١٤٧

وجُمْلَةُ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها نَتِيجَةُ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والدَّوابِّ وإنْزالِ المَطَرِ. واسْمُ الإشارَةِ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ . والإتْيانُ بِهِ مُفْرَدًا بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.

والِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ التِفاتًا لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ الخِطابَ وارِدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾، وكَذَلِكَ يَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ التِفاتًا لِمُراعاةِ العَوْدِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مِن قَوْلِهِ (فَأرُونِي) عَلَمِيَّةً، أيْ فَأنْبِئُونِي، والفِعْلُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ماذا.

فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ فَأرُونِي تَهَكُّمًا لِأنَّهم لا يُمْكِنُ لَهم أنْ يُكافِحُوا اللَّهَ زِيادَةً عَلى كَوْنِ الأمْرِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ، لَكِنَّ التَّهَكُّمَ أسْبَقُ لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مُكافَحَةِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُقْطَعُوا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَعْيِينِ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ مِن دُونِ اللَّهِ قَطْعًا نَظَرِيًّا.

وصَوْغُ أمْرِ التَّعْجِيزِ مِن مادَّةِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أشَدُّ في التَّعْجِيزِ لِاقْتِضائِها الِاقْتِناعَ مِنهم بِأنْ يُحْضِرُوا شَيْئًا يَدَّعُونَ أنَّ آلِهَتَهم خَلَقَتْهُ. وهَذا كَقَوْلِ حُطائِطِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيِّ وقِيلِ حاتِمٍ الطّائِيِّ:

أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي أرى ما تُزَيِّنُ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا

أيْ أحْضِرْنِي جَوادًا ماتَ مِنَ الهُزالِ وأرِينِيهِ لَعَلِّي أرى مِثْلَ ما رَأيْتِيهِ.

والعَرَبُ يَقْصِدُونَ في مِثْلِ هَذا الغَرَضِ الرُّؤْيَةَ البَصَرِيَّةَ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَقُولَ: ما رَأتْ عَيْنِي، وانْظُرْ هَلْ تَرى. وقالَ امْرِؤُ القَيْسِ:

فَلِلَّهِ عَيْنا مَن رَأى مِن تَـفَـرُّقٍ ∗∗∗ أشَتَّ وأنْأى مِن فِراقِ المُحَصَّبِ

وإجْراءُ اسْمِ مَوْصُولِ العُقَلاءِ عَلى الأصْنامِ مُجازاةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ يَعُدُّنَهم عُقَلاءَ.

صفحة ١٤٨

و”مِن دُونِهِ“ صِلَةُ المَوْصُولِ، و”دُونَ“ كِنايَةٌ عَنِ الغَيْرِ، و”مِن“ جارَّةٌ لِاسْمِ المَكانِ عَلى وجْهِ الزِّيادَةِ لِتَأْكِيدِ الِاتِّصالِ بِالظَّرْفِ.

و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن غَرَضِ المُجادَلَةِ إلى غَرَضِ تَسْجِيلِ ضَلالِهِمْ، أيْ في اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، كَما يُقالُ في المُناظَرَةِ: دَعْ عَنْكَ هَذا وانْتَقَلَ إلى كَذا.

والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. والضَّلالُ المُبِينُ: الكُفْرُ الفَظِيعُ، لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ لِلْحَقِّ، وذَلِكَ ضَلالٌ، وأشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَذَلِكَ كُفْرٌ فَظِيعٌ.

وجِيءَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ اكْتِنافِ الضَّلالِ بِهِمْ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، أيْ شِدَّةِ مُلابَسَتِهِ إيّاهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском