Ibn 'AshurAl‑Jumu'ah · 62:1–5

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الجمعة

Al-Jumu'ah

The Congregation, Friday · Medinan · 11 ayahs

62:1Page 553

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh,1 the Sovereign, the Pure, the Exalted in Might, the Wise.2

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ .

افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالإخْبارِ عَنْ تَسْبِيحِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ تَعالى بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِأنَّ الغَرَضَ الأوَّلَ مِنَ السُّورَةِ التَّحْرِيضُ عَلى شُهُودِ الجُمُعَةِ والنَّهْيُ عَنِ الأشْغالِ الَّتِي تَشْغَلُ عَنْ شُهُودِها وزَجْرُ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ انْصَرَفُوا عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ حِرْصًا عَلى الِابْتِياعِ مَن عِيرٍ ورَدَتِ المَدِينَةَ في وقْتِ حُضُورِهِمْ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ.

ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ يُجَدِّدُونَ تَسْبِيحَ اللَّهِ ولا يَفْتُرُونَ عَنْهُ أُوثِرَ المُضارِعُ في قَوْلِهِ (يُسَبِّحُ) .

ومَعانِي هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَتْ مُفَرَّقَةً في أوائِلِ سُورَةِ الحَدِيدِ وسُورَةِ الحَشْرِ.

سِوى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ جاءَ فِيها فِعْلُ التَّسْبِيحِ مُضارِعًا وجِيءَ بِهِ في سِواها ماضِيًا لِمُناسَبَةٍ فِيها وهي: أنَّ الغَرَضَ مِنها التَّنْوِيهُ بِصَلاةِ الجُمُعَةِ والتَّنْدِيدُ عَلى نَفَرٍ قُطِعُوا عَنْ صَلاتِهِمْ وخَرَجُوا لِتِجارَةٍ أوْ لَهْوٍ فَمُناسِبٌ أنْ يُحْكى تَسْبِيحُ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ بِما فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِ تَسْبِيحِهِمْ وتَجَدُّدِهِ تَعْرِيضًا بِالَّذِينَ لَمْ يُتِمُّوا صَلاةَ الجُمُعَةِ.

صفحة ٢٠٧

ومَعانِي صِفاتِ اللَّهِ تَعالى المَذْكُورَةُ هُنا تَقَدَّمَتْ في خَواتِمِ سُورَةِ الحَشْرِ.

ومُناسَبَةُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ هُنا أنَّ العَظِيمَ لا يَنْصَرِفُ عَنْ مَجْلِسِهِ مَن كانَ عِنْدَهُ إلّا عِنْدَ انْفِضاضِ مَجْلِسِهِ أوْ إيذانِهِ بِانْصِرافِهِمْ.

والقُدُّوسُ: المُنَزَّهُ عَنِ النَّقْصِ وهو يَرْغَبُ في حَضْرَتِهِ. والعَزِيزُ: يَعْتَزُّ المُلْتَفُّونَ حَوْلَهُ. فَمُفارَقَتُهم حَضَرَتِهِ تَفْرِيطٌ في العِزَّةِ. وكَذَلِكَ الحَكِيمُ إذا فارَقَ أحَدٌ حَضْرَتَهُ فاتَهُ في كُلِّ آنٍ شَيْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ كَما فاتَ الَّذِينَ انْفَضُّوا إلى العِيرِ ما خَطَبَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إذْ تَرَكُوهُ قائِمًا في الخُطْبَةِ.

62:2Page 553

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢

It is He who has sent among the unlettered [Arabs] a Messenger from themselves reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the sunnah] - although they were before in clear error -

﴿هو الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌ ناشِئٌ عَنْ إجْراءِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إذْ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ وجْهِ تَخْصِيصِ تِلْكَ الصِّفاتِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا أنْ يُبَيَّنَ شَيْءٌ عَظِيمٌ مِن تَعَلُّقِ تِلْكَ الصِّفاتِ بِأحْوالِ خَلْقِهِ تَعالى إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا يُطَهِّرُ نُفُوسَهم ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهم. فَصِفَةُ (المَلِكِ) تَعَلَّقَتْ بِأنْ يُدَبِّرَ أمْرَ عِبادِهِ ويُصْلِحَ شُئُونَهم، وصِفَةُ (القُدُّوسِ) تَعَلَّقَتْ بِأنْ يُزَكِّيَ نُفُوسَهم، وصِفَةُ (العَزِيزِ) اقْتَضَتْ أنْ يُلْحِقَ الأُمِّيِّينَ مِن عِبادِهِ بِمَراتِبِ أهْلِ العِلْمِ ويُخْرِجَهم مِن ذِلَّةِ الضَّلالِ فَيَنالُوا عِزَّةَ العِلْمِ وشَرَفَهُ، وصِفَةُ (الحَكِيمِ) اقْتَضَتْ أنْ يُعَلِّمَهُمُ الحِكْمَةَ والشَّرِيعَةَ.

وابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ لِتَكُونَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً فَتُفِيدُ تَقْوِيَةَ هَذا الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، أيْ أنَّ النَّبِيَّءَ ﷺ مَبْعُوثٌ مِنَ اللَّهِ لا مَحالَةَ.

وفي مِن قَوْلِهِ ﴿فِي الأُمِّيِّينَ﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ ظَرْفِيَّةِ الجَماعَةِ ولِأحَدِ أفْرادِها. ويُفْهَمُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مَعْنى المُلازَمَةِ، أيْ رَسُولًا لا يُفارِقُهم فَلَيْسَ مارًّا بِهِمْ كَما يَمُرُّ المُرْسَلُ بِمَقالَةٍ أوْ بِمالِكَةٍ يُبَلِّغُها إلى القَوْمِ ويُغادِرُهم.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أقامَ رَسُولَهُ لِلنّاسِ بَيْنَ العَرَبِ يَدْعُوهم ويَنْشُرُ رِسالَتَهُ إلى جَمِيعِ النّاسِ مِن بِلادِ العَرَبِ فَإنَّ دَلائِلَ عُمُومِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعْلُومَةٌ مِن مَواضِعَ

صفحة ٢٠٨

أُخْرى مِنَ القُرْآنِ كَما في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي سُورَةِ سَبَأٍ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبإ: ٢٨] .

والمُرادُ بِ (الأُمِّيِّينَ): العَرَبُ لِأنَّ وصْفَ الأُمِّيَّةِ غالِبٌ عَلى الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ يَوْمَئِذٍ. ووَصَفُ الرَّسُولِ بِ (مِنهم)، أيْ لَمْ يَكُنْ غَرِيبًا عَنْهم كَما بَعَثَ لُوطًا إلى أهْلِ سَدُومَ ولا كَما بَعَثَ يُونُسَ إلى أهْلِ نِينَوى، وبَعَثَ إلْياسَ إلى أهْلِ صَيْدا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ بَعْلًا، فَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ رَسُولًا مِنَ العَرَبِ.

وهَذِهِ مِنَّةٌ مُوَجَّهَةٌ لِلْعَرَبِ لِيَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى لُطْفِهِ بِهِمْ، فَإنَّ كَوْنَ رَسُولِ القَوْمِ مِنهم نِعْمَةٌ زائِدَةٌ عَلى نِعْمَةِ الإرْشادِ والهَدْيِ، وهَذا اسْتِجابَةٌ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ إذْ قالَ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] فَتَذْكِيرُهم بِهَذِهِ النِّعْمَةِ اسْتِنْزالٌ لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ وعِنادِهِمْ.

وفِيهِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ إذْ أعْرَضُوا عَنْ سَماعِ القُرْآنِ فَإنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مِنهم وكِتابَهُ بِلُغَتِهِمْ هو أعْوَنُ عَلى تَلَقِّي الإرْشادِ مِنهُ إذْ يَنْطَلِقُ بِلِسانِهِمْ وبِحَمْلِهِمْ عَلى ما يُصْلِحُ أخْلاقَهم لِيَكُونُوا حَمَلَةَ هَذا الدِّينِ إلى غَيْرِهِمْ.

والأُمِّيِّينَ: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ، أيْ في النّاسِ الأُمِّيِّينَ. وصِيغَةُ جَمْعِ المَذْكُورِ في كَلامِ الشّارِعِ تَشْمَلُ النِّساءَ بِطَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ الِاصْطِلاحِيِّ، أيْ في الأُمِّيِّينَ والأُمِّيّاتِ فَإنَّ أدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ قائِمَةٌ عَلى أنَّها تَعُمُّ الرِّجالَ والنِّساءَ إلّا في أحْكامٍ مَعْلُومَةٍ.

والأُمِّيُّونَ: الَّذِينَ لا يَقْرَءُونَ الكِتابَةَ ولا يَكْتُبُونَ، وهو جَمْعُ أُمِّيٍّ نِسْبَةً إلى الأُمَّةِ، يَعْنُونَ بِها أُمَّةَ العَرَبِ لِأنَّهم لا يَكْتُبُونَ إلّا نادِرًا، فَغَلَبَ هَذا التَّشْبِيهُ في الإطْلاقِ عِنْدَ العَرَبِ حَتّى صارَتْ تُطْلَقُ عَلى مَن لا يَكْتُبُ ولَوْ مِن غَيْرِهِمْ قالَ تَعالى في ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأُوثِرَ التَّعْبِيرُ بِهِ هُنا تَوَرُّكًا عَلى اليَهُودِ لِأنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَ بِهِ الغَضَّ مِنَ العَرَبِ ومِنَ النَّبِيءِ ﷺ جَهْلًا مِنهم فَيَقُولُونَ: هو رَسُولُ الأُمِّيِّينَ ولَيْسَ رَسُولًا إلَيْنا. وقَدْ قالَ ابْنُ صَيّادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا قالَ لَهُ «أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ. أشْهَدُ أنَّكَ

صفحة ٢٠٩

رَسُولُ الأُمِّيِّينَ» . وكانَ ابْنُ صَيّادٍ مُتَدَيِّنًا بِاليَهُودِيَّةِ لِأنَّ أهْلَهُ كانُوا حُلَفاءَ لِلْيَهُودِ.

وكانَ اليَهُودُ يَنْتَقِصُونَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم أُمِّيُّونَ قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَتَحَدّى اللَّهُ اليَهُودَ بِأنَّهُ بَعَثَ رَسُولًا إلى الأُمِّيِّينَ وبِأنَّ الرَّسُولَ أُمِّيٌّ، وأعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ كَما في آخِرِ الآيَةِ وأنَّ فَضْلَ اللَّهِ لَيْسَ خاصًّا بِاليَهُودِ ولا بِغَيْرِهِمْ وقَدْ قالَ تَعالى مِن قَبْلُ لِمُوسى (﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أيِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥]) .

ووَصَفُ الرَّسُولِ بِأنَّهُ مِنهم، أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ شامِلٌ لِمُماثَلَتِهِ لَهم في الأُمِّيَّةِ وفي القَوْمِيَّةِ. وهَذا مِن إيجازِ القُرْآنِ البَدِيعِ.

وفِي وصْفِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ بَأنَّهُ يَتْلُو عَلى الأُمِّيِّينَ آياتِ اللَّهِ، أيْ وحْيَهُ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكُتّابَ، أيْ يُلَقِّنُهم إيّاهُ كَما كانَتِ الرُّسُلُ تُلَقِّنُ الأُمَمَ الكِتابِ بِالكِتابَةِ، ويُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ الَّتِي عَلَّمَتْها الرُّسُلُ السّابِقُونَ أُمَمَهم في كُلِّ هَذِهِ الأوْصافِ تَحَدٍّ بِمُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ في هَذا الرَّسُولِ ﷺ، أيْ هو مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا قَدْ أتى أمَّتَهُ بِجَمِيعِ الفَوائِدِ الَّتِي أتى بِها الرُّسُلُ غَيْرُ الأُمِّيِّينَ أُمَمَهم ولَمْ يَنْقُصْ عَنْهم شَيْئًا، فَتَمَحَّضَتِ الأُمِّيَّةُ لِلْكَوْنِ مُعْجِزَةً حَصَلَ مِن صاحِبِها أفْضَلُ مِمّا حَصَلَ مِنَ الرُّسُلِ الكاتِبِينَ مِثْلِ مُوسى.

وفِي وصْفِ الأُمِّيِّ بِالتِّلاوَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ ضَرْبٌ مِن مُحَسِّنِ الطِّباقِ لِأنَّ المُتَعارَفَ أنَّ هَذِهِ مُضادَّةٌ لِلْأُمِّيَّةِ.

وابْتُدِئَ بِالتِّلاوَةِ لِأنَّ أوَّلَ تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ بِإبْلاغِ الوَحْيِ، وثُنِّيَ بِالتَّزْكِيَةِ لِأنَّ ابْتِداءَ الدَّعْوَةِ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الرِّجْسِ المَعْنَوِيِّ وهو الشِّرْكُ، وما يَعْلِقُ بِهِ مِن مُساوِيَ الأعْمالِ والطِّباعِ.

وعَقَّبَ بِذِكْرِ تَعْلِيمِهِمُ الكِتابَ لِأنَّ الكِتابَ بَعْدَ إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ تَبَيَّنَ لَهم مَقاصِدُهُ ومَعانِيهِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، وقالَ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتَعْلِيمُ الحِكْمَةِ هو غايَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأنَّ مَن تَدَبَّرَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ وفَهِمَ خَفاياهُ نالَ الحِكْمَةَ قالَ تَعالى

صفحة ٢١٠

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] ونَظِيرُها قَوْلُهُ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأُمِّيِّينَ، أيْ لَيْسَتْ نِعْمَةُ إرْسالِ هَذا الرَّسُولِ إلَيْهِمْ قاصِرَةً عَلى رَفْعِ النَّقائِصِ عَنْهم وعَلى تَحْلِيَتِهِمْ بِكَمالِ عِلْمِ آياتِ اللَّهِ وزَكاةِ أنْفُسِهِمْ وتَعْلِيمِهِمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ بَلْ هي أجَلُّ مِن ذَلِكَ إذْ كانَتْ مُنْقِذَةً لَهم مِن ضَلالٍ مُبِينٍ كانُوا فِيهِ وهو ضَلالُ الإشْراكِ بِاللَّهِ. وإنَّما كانَ ضَلالًا مُبِينًا لِأنَّهُ أفْحَشُ ضَلالٍ وقَدْ قامَتْ عَلى شَناعَتِهِ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ، أيْ فَأخْرَجَهم مِنَ الضَّلالِ المُبِينِ إلى أفْضَلِ الهُدى، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ نَفَرُوا إسْلامَهم في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ عَنِ العَمَلِ في اسْمِها وخَبَرِها. وقَدْ سَدَّ مَسَدَّها فِعْلُ كانَ كَما هو غالِبُ اسْتِعْمالِ إنِ المُخَفَّفَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ تُسَمّى اللّامَ الفارِقَةَ، أيِ الَّتِي تُفِيدُ الفَرْقَ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وما هي إلّا اللّامُ الَّتِي أصْلُها أنْ تَقْتَرِنَ بِخَبَرِ إنَّ إذِ الأصْلُ: وإنَّهم لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ، لَكِنَّ ذِكْرَ اللّامِ مَعَ المُخَفَّفَةِ واجِبٌ غالِبًا لِئَلّا تَلْتَبِسَ بِالنّافِيةِ، إلّا إذا أُمِنَ اللَّبْسُ.

62:3Page 553

وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

And [to] others of them who have not yet joined them. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وآخَرِينَ عَطْفًا عَلى الأُمِّيِّينَ لِأنَّ آخَرِينَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ لِما يُقابِلُهُ فَيَقْتَضِي أنَّهُ صادِقٌ عَلى غَيْرِ الأُمِّيِّينَ، أيْ غَيْرِ العَرَبِ والرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ غَيْرِ العَرَبِ فَتَعَيَّنَ أنْ لا يُعْطَفَ وآخَرِينَ عَلى الأُمِّيِّينَ لِئَلّا يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ بَعَثَ مَجْرُورُ في ولا عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ مِنهم كَذَلِكَ.

فَهُوَ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ [الجمعة: ٢] والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو عَلى آخَرِينَ وإذا كانَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ لِأنَّ تِلاوَةَ الرَّسُولِ ﷺ لا تَكُونُ إلّا تِلاوَةَ تَبْلِيغٍ لِما أوْحى بِهِ إلَيْهِ.

صفحة ٢١١

وإمّا أنْ يَجْعَلَ (وآخَرِينَ) مَفْعُولًا مَعَهُ. والواوُ لِلْمَعِيَّةِ ويَتَنازَعُهُ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ وهي (يَتْلُو، ويُزَكِّي، ويُعَلِّمُ) . والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو عَلى الأُمِّيِّينَ آياتِنا ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتّابَ والحِكْمَةَ مَعَ آخَرِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها أوْ بَيْنَ الضَّمائِرِ والمَفْعُولِ مَعَهُ. وآخَرِينَ: جَمْعُ آخَرَ وهو المُغايِرُ في وصْفٍ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ. وإذْ قَدْ جَعَلَ آخَرِينَ هُنا مُقابِلًا لِلْأُمِّيِّينَ كانَ مُرادًا بِهِ آخَرُونَ غَيْرُ الأُمِّيِّينَ، أيْ مِن غَيْرِ العَرَبِ المَعْنِيِّينَ بِالأُمِّيِّينَ.

فَلَوْ حَمَلْنا المُغايِرَةَ عَلى المُغايَرَةِ بِالزَّمانِ أوِ المَكانِ، أيْ مُغايِرِينَ لِلَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمُ الرَّسُولُ، وجَعَلْنا قَوْلَهُ (مِنهم) بِمَعْنى أنَّهم مِنَ الأُمِّيِّينَ، وقُلْنا أُرِيدَ: وآخَرِينَ مِنَ العَرَبِ غَيْرِ الَّذِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ فِيهِمْ، أيْ عَرَبًا آخَرِينَ غَيْرَ أهْلِ مَكَّةِ، وهم بَقِيَّةُ قَبائِلِ العَرَبِ أكَّدَهُ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ يَزِيدُ آخِرُهم عَلى الأوَّلِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ فَتَلاها فَلَمّا بَلَغَ ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ لَهُ رَجُلٌ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَلَمْ يُراجِعْهُ حَتّى سَألَ ثَلاثًا، وفِينا سَلْمانُ الفارِسِيُّ ووَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلى سَلْمانَ وقالَ: لَوْ كانَ الإيمانَ عِنْدَ الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ» وهَذا وارِدٌ مَوْرِدَ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى (وآخَرِينَ) .

والَّذِي يَلُوحُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ بِالجُزْئِيِّ عَلى وجْهِ المِثالِ لِيُفِيدَ أنَّ (آخَرِينَ) صادِقٌ عَلى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنها أمَةُ فارِسَ، وأمّا شُمُولُهُ لِقَبائِلِ العَرَبِ فَهو بِالأوْلى لِأنَّهم مِمّا شَمِلَهم لَفْظُ الأُمِّيِّينَ.

ثُمَّ بِنا أنْ نَنْظُرَ إلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى (مِنهم) . قُلْنا أنْ نَجْعَلَ مِن تَبْعِيضِيَّةً كَما هو المُتَبادِرُ مِن مَعانِيها فَنَجْعَلُ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِ مِن عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (كانُوا) مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، فالمَعْنى: وآخَرِينَ مِنَ الضّالِّينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ولَنا أنْ نَجْعَلَ مِنَ اتِّصالِيَّةً كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] والمَعْنى: وآخَرِينَ يَتَّصِلُونَ بِهِمْ ويَصِيرُونَ في جُمْلَتِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (مِنهم)

صفحة ٢١٢

مَوْضِعَ الحالِ، وهَذا الوَجْهُ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لِأنَّ اللُّحُوقَ هو مَعْنى الِاتِّصالِ.

ومَوْضِعُ جُمْلَةِ ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ مَوْضِعُ الحالِ، ويَنْشَأُ عَنْ هَذا المَعْنى إيماءٌ إلى أنَّ الأُمَمَ الَّتِي تَدْخُلُ في الإسْلامِ بَعْدَ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ يَصِيرُونَ مِثْلَهم، ويَنْشَأُ مِنهُ أيْضًا رَمَزٌ إلى أنَّهم يَتَعَرَّبُونَ لِفَهْمِ الدِّينِ والنُّطْقِ بِالقُرْآنِ فَكَمْ مِن مَعانٍ جَلِيلَةٍ حَوَتْها هَذِهِ الآيَةُ سَكَتَ عَنْها أهْلُ التَّفْسِيرِ.

وهَذِهِ بِشارَةٌ غَيْبِيَّةٌ بِأنَّ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ سَتَبْلُغُ أُمَمًا لَيْسُوا مِنَ العَرَبِ وهم فارِسُ. والأرْمَنُ. والأكْرادُ. والبَرْبَرُ. والسُّودانُ. والرُّومُ. والتُّرْكُ. والتَّتارُ. والمَغُولُ. والصِّينُ. والهُنُودُ، وغَيْرُهم وهَذا مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ مِن صِنْفِ الإخْبارِ بِالمُغِيباتِ.

وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عُمُومِ رِسالَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِجَمِيعِ الأُمَمِ.

والنَّفْيُ بِ (لَمّا) يَقْتَضِي أنَّ المَنفِيَّ بِها مُسْتَمِرُّ الِانْتِفاءِ إلى زَمَنِ التَّكَلُّمِ فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ مُتَرَقَّبُ الثُّبُوتَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أيْ وسَيَدْخُلُ كَما في الكَشّافِ، والمَعْنى: أنَّ آخَرِينَ هم في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ ولَمْ يَلْتَحِقُوا بِمَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ وسَيَدْخُلُونَ في أزْمانٍ أُخْرى.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ «لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرِيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ» الإيماءُ إلى مِثالٍ مِمّا يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ في جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي انْحِصارَ المُرادِ بِ (آخَرِينَ) في قَوْمِ سَلْمانَ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: هُمُ التّابِعُونَ. وعَنْ مُجاهِدِ: هُمُ النّاسُ كُلُّهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هم أهْلُ اليَمَنِ.

وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ لِانْتِشارِ هَذا الدِّينِ في جَمِيعِ الأُمَمِ. فَإنَّ العَزِيزَ لا يَغْلِبُ قُدْرَتَهُ شَيْءٌ. والحَكِيمُ تَأْتِي أفْعالُهُ عَنْ قَدْرٍ مُحْكَمٍ.

62:4Page 553

ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤

That is the bounty of Allāh, which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .

صفحة ٢١٣

الإشارَةُ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِ مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالآياتِ والتَّزْكِيَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ والإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ ومِن إفاضَةِ هَذِهِ الكَمالاتِ عَلى الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ لَهم سابِقَةُ عَلَمٍ ولا كِتابٍ، ومِن لِحاقِ أُمَمِ (آخَرِينَ) في هَذا الخَبَرِ فَزالَ اخْتِصاصُ اليَهُودِ بِالكِتابِ والشَّرِيعَةِ، وهَذا أجْدَعُ لِأنْفِهِمْ إذا حالُوا أنْ يَجِيءَ رَسُولٌ أُمِّيٌّ بِشَرِيعَةٍ إلى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ فَضْلًا عَنْ أنْ نَلْتَحِقَ بِأُمِّيَّةِ أُمَمٍ عَظِيمَةٍ كانُوا أمْكَنَ في المَعارِفِ والسُّلْطانِ.

وقالَ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣] يَخْتَصُّ بِهِ. وهَذا تَمْهِيدٌ ومُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ [الجمعة: ٥] الآياتِ.

62:5Page 553

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥

The example of those who were entrusted with the Torah and then did not take it on1 is like that of a donkey who carries volumes [of books].2 Wretched is the example of the people who deny the signs of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى آتى فَضْلَهُ قَوْمًا أُمِّيِّينَ أعْقَبَهُ بِأنَّهُ قَدْ آتى فَضْلَهُ أهْلَ الكِتابِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدِ اقْتَنَعُوا مِنَ العِلْمِ بِأنْ يَحْمِلُوا التَّوْراةَ دُونَ فَهْمٍ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ ادِّخارَ أسْفارِ التَّوْراةِ وانْتِقالَها مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ كافٍ في التَّبَجُّحِ بِها وتَحْقِيرِ مَن لَمْ تَكُنِ التَّوْراةَ بِأيْدِيهِمْ، فالمُرادُ اليَهُودُ الَّذِينَ قاوَمُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ.

وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مَثَلًا بِحالِ حِمارٍ يَحْمِلُ أسْفارًا لا حَظَّ لَهُ مِنها إلّا الحَمْلُ دُونَ عِلْمٍ ولا فَهْمٍ.

ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ اليَهُودِ بِما في التَّوْراةِ أدْخَلُوا فِيهِ ما صَيَّرَهُ مَخْلُوطًا بِأخْطاءٍ وضَلالاتٍ ومُتَّبَعًا فِيهِ هَوى نُفُوسِهِمْ وما لا يَعْدُو نَفْعَهُمُ الدُّنْيَوِيَّ ولَمْ يَتَخَلَّقُوا بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الهُدى والدُّعاءِ إلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وقَدْ كَتَمُوا ما في كُتُبِهِمْ مِنَ العَهْدِ بِاتِّباعِ النَّبِيءِ الَّذِي يَأْتِي لِتَخْلِيصِهِمْ مِن رِبْقَةِ الضَّلالِ فَهَذا وجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، وبِذَلِكَ كانَتْ هي كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها. وقالَ في الكَشّافِ عَنْ

صفحة ٢١٤

بَعْضِهِمْ: افْتَخَرَ اليَهُودُ بِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. والعَرَبُ لا كِتابَ لَهم. فَأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِشَبَهِهِمْ بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا.

ومَعْنى حُمِّلُوا: عُهِدَ بِها إلَيْهِمْ وكُلِّفُوا بِما فِيها فَلَمْ يَفُوا بِما كُلِّفُوا، يُقالُ: حَمَّلْتُ فُلانًا أمْرَ كَذا فاحْتَمَلَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] سُورَةُ الأحْزابِ.

وإطْلاقُ الحَمْلِ وما تَصَرَّفَ مِنهُ عَلى هَذا المَعْنى اسْتِعارَةٌ، بِتَشْبِيهِ إيكالِ الأمْرِ بِحَمْلِ الحِمْلِ عَلى ظَهْرِ الدّابَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ تَمْثِيلُ حالِهِمْ بِحالِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا تَمْثِيلًا لِلْمَعْنى المَجازِيِّ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ. وهو مِن لَطائِفِ القُرْآنِ.

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ عَدَمَ وفائِهِمْ بِما عُهِدَ إلَيْهِمْ أعْجَبُ مِن تَحَمُّلِهِمْ إيّاهُ. وجُمْلَةُ ﴿يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الحِمارِ أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأنَّ تَعْرِيفَ الحِمارِ هُنا تَعْرِيفُ جِنْسٍ فَهو مَعْرِفَةٌ لَفْظًا نَكِرَةٌ مَعْنًى، فَصَحَّ في الجُمْلَةِ اعْتِبارُ الحالِيَّةِ والوَصْفِ.

وهَذا التَّمْثِيلُ مَقْصُودٌ مِنهُ تَشْنِيعَ حالِهِمْ وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ المُتَعارَفِ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِذَمِّ حالِهِمْ ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ .

و(بِئْسَ) فِعْلُ ذَمٍّ، أيْ ساءَ حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِكِتابِ اللَّهِ فَهم قَدْ ضَمُّوا إلى جَهْلِهِمْ بِمَعانِي التَّوْراةِ تَكْذِيبًا بِآياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ.

و﴿مَثَلُ القَوْمِ﴾، فاعِلُ بِئْسَ. وأفْنى هَذا الفاعِلُ عَنْ ذِكْرِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِ لِحُصُولِ العِلْمِ بِأنَّ المَذْمُومَ هو حالُ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ فَلَمْ يَسْلُكْ في هَذا التَّرْكِيبِ طَرِيقَ الإيهامِ عَلى شَرْطِ التَّفْسِيرِ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَهُ ما بَيَّنَهُ بِالمَثَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ . فَصارَ إعادَةُ لَفْظِ المَثَلِ ثَقِيلًا في الكَلامِ أكْثَرَ مِن ثَلاثِ مَرّاتِ. وهَذا مِن تَفَنُّناتِ القُرْآنِ. و(﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾) صِفَةُ (القَوْمِ) .

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ إخْبارًا عَنْهم بِأنَّ سُوءَ حالِهِمْ لا يُرْجى لَهم مِنهُ انْفِكاكٌ لِأنَّ اللَّهُ حَرَمَهُمُ اللُّطْفَ والعِنايَةَ بِإنْقاذِهِمْ لِظُلْمِهِمْ بِالِاعْتِداءِ

صفحة ٢١٥

عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ دُونَ نَظَرٍ، وعَلى آياتِ اللَّهِ بِالجَحْدِ دُونَ تَدَبُّرٍ.

قالَ في الكَشّافِ: وعَنْ بَعْضِهِمْ قَدْ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَ اليَهُودِ في ثَلاثٍ، أيْ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ: افْتَخَرُوا بِأنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ فَكَذَّبَهم في قَوْلِهِ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] . وبِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ والعَرَبُ لا كِتابَ لَهم، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، وبِالسَّبْتِ وأنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ فَشَرَعَ اللَّهُ لَهُمُ الجُمُعَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском