Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الفاتحة
Al-Fatihah
The Opener · Meccan · 7 ayahs
1:1Page 1
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١
In the name of Allāh,1 the Entirely Merciful, the Especially Merciful.2
صفحة ١٣٧
البَسْمَلَةُ اسْمٌ لِكَلِمَةِ ”باسِمِ اللَّهِ، صِيغَ هَذا الِاسْمُ عَلى مادَّةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِن حُرُوفِ الكَلِمَتَيْنِ (باسْمِ) و(اللَّهِ) عَلى طَرِيقَةٍ تُسَمّى النَّحْتُ، وهو صَوْغُ فِعْلِ مُضِيٍّ عَلى زِنَةِ فَعْلَلَ مُؤَلَّفَةٍ مادَّتُهُ مِن حُرُوفِ جُمْلَةٍ أوْ حُرُوفِ مُرَكَّبٍ إضافِيٍّ، مِمّا يَنْطِقُ بِهِ النّاسُ اخْتِصارًا عَنْ ذِكْرِ الجُمْلَةِ كُلِّها لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ دَوَرانِ ذَلِكَ عَلى الألْسِنَةِ.
وقَدِ اسْتَعْمَلَ العَرَبُ النَّحْتَ في النَّسَبِ إلى الجُمْلَةِ أوِ المُرَكَّبِ إذا كانَ في النَّسَبِ إلى صَدْرِ ذَلِكَ أوْ إلى عَجُزِهِ التِباسٌ، كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ شَمْسٍ“ عَبْشَمِيٌّ ”خَشْيَةَ الِالتِباسِ بِالنَّسَبِ إلى عَبْدٍ أوْ إلى شَمْسٍ، وفي النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ الدّارِ“ عَبْدَرِيٌّ ”كَذَلِكَ وإلى حَضْرَمَوْتَ“ حَضْرَمِيٌّ ”قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ الإضافَةِ أيِ النَّسَبِ إلى المُضافِ مِنَ الأسْماءِ: وقَدْ يَجْعَلُونَ لِلنَّسَبِ في الإضافَةِ اسْمًا بِمَنزِلَةِ جَعْفَرِيٍّ ويَجْعَلُونَ فِيهِ مِن حُرُوفِ الأوَّلِ والآخِرِ ولا يُخْرِجُونَهُ مِن حُرُوفِهِما لِيُعْرَفَ اهـ، فَجاءَ مَن خَلْفَهم مِن مُوَلَّدِيِ العَرَبِ واسْتَعْمَلُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ في حِكايَةِ الجُمَلِ الَّتِي يَكْثُرُ دَوَرانُها في الألْسِنَةِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وذَلِكَ مِن صَدْرِ الإسْلامِ فَصارَتِ الطَّرِيقَةُ عَرَبِيَّةً.
قالَ الرّاعِي:
قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا
أيْ لَمْ يَتْرُكُوا قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ
لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلى غَداةَ لَقِيتُها ∗∗∗ ألا حَبَّذا ذاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ
أيْ قالَتْ بِسْمِ اللَّهِ فَرَقًا مِنهُ، فَأصْلُ بَسْمَلَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أطْلَقَهُ المُوَلَّدُونَ عَلى قَوْلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، اكْتِفاءً واعْتِمادًا عَلى الشُّهْرَةِ وإنْ كانَ هَذا المَنحُوتُ خَلِيًّا مِنَ الحاءِ والرّاءِ اللَّذَيْنِ هُما مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَشاعَ قَوْلُهم: بَسْمَلَ، في مَعْنى قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، واشْتُقَّ مِن فَعْلِ بَسْمَلَ مَصْدَرٌ هو البَسْمَلَةُ كَما اشْتُقَّ مِن هَلَّلَ مَصْدَرٌ هو الهَيْلَلَةُ وهو مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ لِفَعْلَلَ.
واشْتُقَّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ في بَيْتِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ ولَمْ يُسْمَعِ اشْتِقاقُ اسْمِ مَفْعُولٍ. ورَأيْتُ في شَرْحِ ابْنِ هارُونَ التُّونُسِيِّ عَلى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ في بابِ الأذانِ عَنِ المُطَرِّزِ
صفحة ١٣٨
فِي كِتابِ“ اليَواقِيتِ ”: الأفْعالُ الَّتِي نُحِتَتْ مِن أسْمائِها سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ في بِسْمِ اللَّهِ، وسَبْحَلَ في“ سُبْحانَ اللَّهِ ”، وحَيْعَلَ في“ حَيَّ عَلى الصَّلاةِ ”، وحَوْقَلَ في“ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ”، وحَمْدَلَ في“ الحَمْدُ لِلَّهِ ”، وهَلَّلَ في“ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ”، وجَيْعَلَ إذا قالَ“ جُعِلْتُ فِداكَ ”، وزادَ الطَّيْقَلَةَ في“ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ، والدَّمْعَزَةَ في ”أدامَ اللَّهُ عِزَّكَ“ .
ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ قائِلًا بِأنَّها آيَةٌ مِن أوائِلِ جَمِيعِ السُّوَرِ غَيْرَ بَراءَةَ أوْ بَعْضِ السُّوَرِ تَعَيَّنَ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يُفَسِّرَ مَعْناها وحُكْمَها ومَوْقِعَها عِنْدَ مَن عَدُّوها آيَةً مِن بَعْضِ السُّوَرِ.
ويَنْحَصِرُ الكَلامُ عَلَيْها في ثَلاثَةِ مَباحِثَ: الأوَّلُ في بَيانِ أهِيَ آيَةٌ مِن أوائِلِ السُّوَرِ أمْ لا. الثّانِي في حُكْمِ الِابْتِداءِ بِها عِنْدَ القِراءَةِ. الثّالِثُ في تَفْسِيرِ مَعْناها المُخْتَصِّ بِها.
فَأمّا المَبْحَثُ الأوَّلُ فَهو أنْ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنْ لَفْظَ ”بِسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ هو لَفْظٌ قُرْآنِيٌّ لِأنَّهُ جُزْءُ آيَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كَما أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ الِافْتِتاحَ بِالتَّسْمِيَةِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ ذَواتِ البالِ ورَدَ في الإسْلامِ، ورُوِيَ فِيهِ حَدِيثُ «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهو أقْطَعُ» لَمْ يَرْوِهِ أصْحابُ السُّنَنِ ولا المُسْتَدْرَكاتِ، وقَدْ وُصِفَ بِأنَّهُ حَسَنٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ البَسْمَلَةَ رَسَمَها الَّذِينَ كَتَبُوا المَصاحِفَ في أوائِلِ السُّوَرِ ما عَدا سُورَةِ بَراءَةَ، كَما يُؤْخَذُ مِن مُحادَثَةِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعَ عُثْمانَ، وقَدْ مَضَتْ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ وذَلِكَ لَيْسَ مَوْضِعَ فَصْلِ السُّورَةِ عَمّا قَبْلَها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنَّ البَسْمَلَةَ هَلْ هي آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ ومِن أوائِلِ السُّوَرِ غَيْرِ بَراءَةَ، بِمَعْنى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَهم لَيْسَ في كَوْنِها قُرْآنًا، ولَكِنَّهُ في تَكَرُّرِ قُرْآنِيَّتِها كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ في البِدايَةِ، فَذَهَبَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ وفُقَهاءُ المَدِينَةِ والشّامِ والبَصْرَةِ وقِيلَ بِاسْتِثْناءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وابْنِ شِهابٍ مِن فُقَهاءِ المَدِينَةِ إلى أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن أوائِلِ السُّوَرِ لَكِنَّها جُزْءُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَّمْلِ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ وفُقَهاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ غَيْرَ أبِي حَنِيفَةَ، إلى أنَّها آيَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ خاصَّةً، وذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبارَكٍ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وهو الأصَحُّ عَنْهُ إلى أنَّها آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ.
ولَمْ يُنْقُلْ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ فِيها شَيْءٌ، وأخَذَ مِنهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّوَرِ عِنْدَهُ فَعَدَّهُ في الَّذِينَ قالُوا بِعَدَمِ
صفحة ١٣٩
جُزْئِيَّتِها مِنَ السُّوَرِ وهو الصَّحِيحُ عَنْهُ.
قالَ عَبْدُ الحَكِيمِ لِأنَّهُ قالَ بِعَدَمِ الجَهْرِ بِها مَعَ الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ وكَرِهَ قِراءَتَها في أوائِلِ السُّوَرِ المَوْصُولَةِ بِالفاتِحَةِ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.
وأزِيدُ فَأقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَرَ الِاقْتِصارَ عَلَيْها في الصَّلاةِ مُجْزِئًا عَنِ القِراءَةِ. أمّا حُجَّةُ مَذْهَبِ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ فَلَهم فِيها مَسالِكُ: أحَدُها مِن طَرِيقِ النَّظَرِ، والثّانِي مِن طَرِيقِ الأثَرِ، والثّالِثُ مِن طَرِيقِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ.
فَأمّا المَسْلَكُ الأوَّلُ فَلِلْمالِكِيَّةِ فِيهِ مَقالَةٌ فائِقَةٌ لِلْقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ وتابَعَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ والقاضِي عَبْدُ الوَهّابِ في كِتابِ ”الأشْرافِ“، قالَ الباقِلّانِيُّ: لَوْ كانَتِ التَّسْمِيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَكانَ طَرِيقُ إثْباتِها إمّا التَّواتُرَ أوِ الآحادَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُها مِنَ القُرْآنِ لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِذَلِكَ ولامْتَنَعَ وُقُوعُ الخِلافِ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ فَلَوْ جَعَلْناهُ طَرِيقًا إلى إثْباتِ القُرْآنِ لَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً يَقِينِيَّةً، ولَصارَ ذَلِكَ ظَنِّيًّا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ ادِّعاءُ الرَّوافِضِ أنَّ القُرْآنَ دَخَلَهُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ والتَّغْيِيرُ والتَّحْرِيفُ اهـ.
وهُوَ كَلامٌ وجِيهٌ والأقْيِسَةُ الِاسْتِثْنائِيَّةُ الَّتِي طَواها في كَلامِهِ واضِحَةٌ لِمَن لَهُ مُمارَسَةٌ لِلْمَنطِقِ، وشَرْطِيّاتُها لا تَحْتاجُ لِلِاسْتِدْلالِ لِأنَّها بَدِيهِيَّةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَلا حاجَةَ إلى بَسْطِها. زادَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ فَقالَ: يَكْفِيكَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ الِاخْتِلافُ فِيها، والقُرْآنُ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ اهـ.
وزادَ عَبْدُ الوَهّابِ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَيَّنَ القُرْآنَ بَيانًا واحِدًا مُتَساوِيًا ولَمْ تَكُنْ عادَتُهُ في بَيانِهِ مُخْتَلِفَةً بِالظُّهُورِ والخَفاءِ حَتّى يَخْتَصَّ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ؛ ولِذَلِكَ قَطَعْنا بِمَنعِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا وأبْطَلْنا قَوْلَ الرّافِضَةِ إنَّ القُرْآنَ حِمْلُ جَمَلٍ عِنْدَ الإمامِ المَعْصُومِ المُنْتَظَرِ فَلَوْ كانَتِ البَسْمَلَةُ مِنَ الحَمْدِ لَبَيَّنَها رَسُولُ اللَّهِ بَيانًا شافِيًا اهـ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: إنَّ القاضِيَ أبا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَ الفِقْهِ إلّا في هَذِهِ المَسْألَةِ خاصَّةً لِأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالأُصُولِ.
وقَدْ عارَضَ هَذا الدَّلِيلَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في المُسْتَصْفى فَقالَ: نَفْيُ كَوْنِ البَسْمَلَةِ مِنَ القُرْآنِ أيْضًا إنْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ لَزِمَ أنْ لا يَبْقى الخِلافُ أيْ وهو ظاهِرُ البُطْلانِ وإنْ ثَبَتَ بِالآحادِ يَصِيرُ القُرْآنُ ظَنِّيًّا، قالَ: ولا يُقالُ إنَّ كَوْنَ شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ عَدَمٌ والعَدَمُ لا يَحْتاجُ إلى الإثْباتِ لِأنَّهُ الأصْلُ بِخِلافِ القَوْلِ بِأنَّها مِنَ القُرْآنِ، لِأنّا نُجِيبُ بِأنَّ هَذا وإنْ كانَ عَدَمًا
صفحة ١٤٠
إلّا أنَّ كَوْنَ التَّسْمِيَةِ مَكْتُوبَةً بِخَطِّ القُرْآنِ يُوهِنُ كَوْنَها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، فَهاهُنا لا يُمْكِنُنا الحُكْمُ بِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ إلّا بِالدَّلِيلِ، ويَأْتِي الكَلامُ في أنَّ الدَّلِيلَ ما هو، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ القاضِي لازِمٌ عَلَيْهِ اهـ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ آلَ في اسْتِدْلالِهِ إلى المُصادَرَةِ إذْ قَدْ صارَ مَرْجِعُ اسْتِدْلالِ الغَزالِيِّ وفَخْرِ الدِّينِ إلى رَسْمِ البَسْمَلَةِ في المَصاحِفِ، وسَنَتَكَلَّمُ عَنْ تَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى مُدْرَكِ الشّافِعِيِّ.
وتَعَقَّبَ ابْنُ رُشْدٍ في بِدايَةِ المُجْتَهِدِ كَلامَ الباقِلّانِيِّ والغَزالِيِّ بِكَلامٍ غَيْرِ مُحَرَّرٍ فَلا نُطِيلُ بِهِ.
وأمّا المَسْلَكُ الثّانِي وهو الِاسْتِدْلالُ مِنَ الأثَرِ فَلا نَجِدُ في صَحِيحِ السُّنَّةِ ما يَشْهَدُ بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن أوائِلِ سُوَرِ القُرْآنِ والأدِلَّةُ سِتَّةٌ:
الدَّلِيلُ الأوَّلُ: ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلى أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى قَسَمْتُ الصَّلاةَ نِصْفَيْنِ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي فَنِصْفُها لِي ونِصْفُها لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، يَقُولُ العَبْدُ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَأقُولُ حَمِدَنِي عَبْدِي» إلَخْ، والمُرادُ في الصَّلاةِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ، ووَجْهُ الدَّلِيلِ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ .
الثّانِي: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: ألا أُعَلِّمُكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ مِثْلُها قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ ؟ قالَ: بَلى، فَلَمّا قارَبَ الخُرُوجَ قالَ لَهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ ؟ قالَ أُبَيٌّ: فَقَرَأْتُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ مِنها البَسْمَلَةَ.
الثّالِثُ: ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وسُنَنِ أبِي داوُدَ وسُنَنِ النَّسائِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أنَّهُ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ”الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“ لا يَذْكُرُونَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، لا في أوَّلِ قِراءَةٍ ولا في آخِرِها» .
الرّابِعُ: حَدِيثُ عائِشَةَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وسُنَنِ أبِي داوُدَ قالَتْ: كانَ «رَسُولُ اللَّهِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقِراءَةِ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة»: ٢] الخامِسُ: ما في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيءِ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا مِنهم يَقُولُ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، إذا أنْتَ صَلَّيْتَ فَقُلِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
صفحة ١٤١
السّادِسُ: وهو الحاسِمُ: عَمَلُ أهْلِ المَدِينَةِ، فَإنَّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ مِن وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ إلى زَمَنِ مالِكٍ، صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ والأُمَراءُ وصَلّى وراءَهُمُ الصَّحابَةُ وأهْلُ العِلْمِ ولَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ قَرَأ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ، وهَلْ يَقُولُ عالِمٌ إنَّ بَعْضَ السُّورَةِ جَهْرٌ وبَعْضَها سِرٌّ، فَقَدْ حَصَلَ التَّواتُرُ بِأنَّ النَّبِيءَ والخُلَفاءَ لَمْ يَجْهَرُوا بِها في الجَهْرِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ ولَوْ جَهَرُوا بِها لَما اخْتَلَفَ النّاسُ فِيها.
وهُناكَ دَلِيلٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرُوهُ هُنا وهو حَدِيثُ عائِشَةَ، «فِي بَدْءِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مُعْتَبَرٌ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ”فَفَجِئَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ إلى أنْ قالَ فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ قالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق»: ١] الحَدِيثَ. فَلَمْ يَقُلْ فَقالَ لِي“ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ ”، وقَدْ ذَكَرُوا هَذا في تَفْسِيرِ سُورَةِ العَلَقِ وفي شَرْحِ حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ.
وأمّا المَسْلَكُ الثّالِثُ وهو الِاسْتِدْلالُ مِن طَرِيقِ الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ فَيَأْتِي القَوْلُ فِيهِ عَلى مُراعاةِ قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ خاصَّةً، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَتَكَرَّرَ لَفْظانِ وهُما الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ في كَلامٍ غَيْرِ طَوِيلٍ لَيْسَ بَيْنَهُما فَصْلٌ كَثِيرٌ وذَلِكَ مِمّا لا يُحْمَدُ في بابِ البَلاغَةِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ نَقَلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ وأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ التَّكْرارَ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وإنَّ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا مِن أعْظَمِ المُهِمّاتِ. وأنا أدْفَعُ جَوابَهُ بِأنَّ التَّكْرارَ وإنْ كانَتْ لَهُ مَواقِعُ مَحْمُودَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ مِثْلَ التَّهْوِيلِ، ومَقامِ الرِّثاءِ أوِ التَّعْدِيدِ أوِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، إلّا أنَّ الفاتِحَةَ لا مُناسَبَةَ لَها بِأغْراضِ التَّكْرِيرِ ولا سِيَّما التَّوْكِيدُ لِأنَّهُ لا مُنْكِرَ لِكَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا، ولِأنَّ شَأْنَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ أنْ يَقْتَرِنَ فِيهِ اللَّفْظانِ بِلا فَصْلٍ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ تَكْرِيرُ اللَّفْظِ في الكَلامِ لِوُجُودِ مُقْتَضى التَّعْبِيرِ عَنْ مَدْلُولِهِ بِطَرِيقِ الِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَبْعُدَ ما بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ بُعْدًا يُقْصِيهِ عَنِ السَّمْعِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهم عَدُّوا في فَصاحَةِ الكَلامِ خُلُوصَهُ مِن كَثْرَةِ التَّكْرارِ، والقُرْبِ بَيْنَ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ حِينَ كُرِّرا يَمْنَعُ ذَلِكَ.
وأجابَ البَيْضاوِيُّ بِأنَّ نُكْتَةَ التَّكْرِيرِ هُنا هي تَعْلِيلُ اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ، فَقالَ السَّلَكُوتِيُّ أشارَ بِهَذا إلى الرَّدِّ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ: إنَّ البَسْمَلَةَ لَوْ كانَتْ مِنَ الفاتِحَةِ لَلَزِمَ التَّكْرارُ، وهو جَوابٌ لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّعْلِيلُ قاضِيًا بِذِكْرِ صِفَتَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَدَفْعُ التَّكْرِيرِ يَقْتَضِي تَجْرِيدَ البَسْمَلَةِ
صفحة ١٤٢
الَّتِي في أوَّلِ الفاتِحَةِ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِأنْ تَصِيرَ الفاتِحَةُ هَكَذا (بِسْمِ اللَّهِ الحَمْدُ لِلَّهِ) إلَخْ.
وأنا أرى في الِاسْتِدْلالِ بِمَسْلَكِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ أنْ يَكُونَ عَلى مُراعاةِ قَوْلِ القائِلِينَ بِكَوْنِ البَسْمَلَةِ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ فَيَنْشَأُ مِن هَذا القَوْلِ أنْ تَكُونَ فَواتِحُ سُوَرِ القُرْآنِ كُلُّها مُتَماثِلَةً، وذَلِكَ مِمّا لا يُحْمَدُ في كَلامِ البُلَغاءِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَقَعَ التَّفَنُّنُ في الفَواتِحِ، بَلْ قَدْ عَدَّ عُلَماءُ البَلاغَةِ أهَمَّ مَواضِعِ التَّأنُّقِ فاتِحَةَ الكَلامِ وخاتِمَتِهِ، وذَكَرُوا أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ وخَواتِمَها وارِدَةٌ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ البَيانِ وأكْمَلِها فَكَيْفَ يَسُوغُ أنْ يُدَّعى أنَّ فَواتِحَ سُوَرِهِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، مَعَ أنَّ عامَّةَ البُلَغاءِ مِنَ الخُطَباءِ والشُّعَراءِ والكُتّابِ يَتَنافَسُونَ في تَفَنُّنِ فَواتِحِ مُنْشَآتِهِمْ ويَعِيبُونَ مَن يَلْتَزِمُ في كَلامِهِ طَرِيقَةً واحِدَةً فَما ظَنُّكَ بِأبْلَغِ الكَلامِ.
وأمّا حُجَّةُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ بِأنَّها آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ فَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ أنْهاها فَخْرُ الدِّينِ إلى سَبْعَ عَشْرَةَ حُجَّةً لا يَكادُ يَسْتَقِيمُ مِنها بَعْدَ طَرْحِ المُتَداخِلِ والخارِجِ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ وضَعِيفِ السَّنَدِ أوْ واهِيهِ إلّا أمْرانِ: أحَدُهُما أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنها ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ“ «فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ أُولاهُنَّ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» “ وقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاتِحَةَ وعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] آيَةً. الثّانِي: الإجْماعُ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدِّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ.
والجَوابُ، أمّا عَنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ فَهو لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِن رِجالِ الصَّحِيحِ إنَّما خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ فَهو نازِلٌ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ فَلا يُعارِضُ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وأمّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِن رِجالِ الصَّحِيحِ غَيْرُ أبِي داوُدَ وأخْرَجَهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ والبَيْهَقِيُّ، وصَحَّحَ بَعْضَ طُرُقِهِ، وقَدْ طَعَنَ فِيهِ الطَّحاوِيُّ بِأنَّهُ رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، ولَمْ يَثْبُتْ سَماعُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ مِن أُمِّ سَلَمَةَ، يَعْنِي أنَّهُ مَقْطُوعٌ، عَلى أنَّهُ رَوى عَنْها ما يُخالِفُهُ، عَلى أنَّ شَيْخَ الإسْلامِ زَكَرِيّا قَدْ صَرَّحَ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ بِاللَّفْظِ المَذْكُورِ وإنَّما رُوِيَ بِألْفاظٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ (بِسْمِ اللَّهِ) آيَةٌ وحْدَها، فَلا يُؤْخَذُ مِنهُ كَوْنُها مِنَ الفاتِحَةِ، عَلى أنَّ هَذا يُفْضِي إلى إثْباتِ القُرْآنِيَّةِ بِغَيْرِ المُتَواتِرِ وهو ما يَأْباهُ المُسْلِمُونَ.
وأمّا عَنِ الإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ، فالجَوابُ: أنَّهُ لا يَقْتَضِي إلّا أنَّ البَسْمَلَةَ قُرْآنٌ وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، وأمّا كَوْنُ المَواضِعِ الَّتِي رُسِمَتْ فِيها في المُصْحَفِ مِمّا تَجِبُ قِراءَتُها
صفحة ١٤٣
فِيها، فَذَلِكَ أمْرٌ يَتْبَعُ رِوايَةَ القُرّاءِ وأخْبارَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَعُودُ إلى الأدِلَّةِ السّابِقَةِ.
وهَذا كُلُّهُ بِناءً عَلى تَسْلِيمِ أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يَكْتُبُوا أسْماءَ السُّوَرِ وكَوْنَها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً في المُصْحَفِ وأنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ المُتَأخِّرِينَ، وهو صَرِيحُ كَلامِ عَبْدِ الحَكِيمِ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ، وأمّا إذا ثَبَتَ أنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَتَبُوا ذَلِكَ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ والأُصُولِيِّينَ والقُرّاءِ كَما في لَطائِفِ الإشاراتِ لِلْقَسْطَلانِيِّ وهو مُقْتَضى كِتابَةِ المُتَأخِّرِينَ لِذَلِكَ لِأنَّهم ما كانُوا يَجْرُءُونَ عَلى الزِّيادَةِ عَلى ما فَعَلَهُ السَّلَفُ، فالِاحْتِجاجُ حِينَئِذٍ بِالكِتابَةِ باطِلٌ مِن أصْلِهِ ودَعْوى كَوْنِ أسْماءِ السُّوَرِ كُتِبَتْ بِلَوْنٍ مُخالِفٍ لِحِبْرِ القُرْآنِ، يَرُدُّهُ أنَّ المُشاهَدَ في مَصاحِفِ السَّلَفِ أنَّ حِبْرَها بِلَوْنٍ واحِدٍ ولَمْ يَكُنِ التَّلْوِينُ فاشِيًا.
وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهم بِما رَواهُ البُخارِيُّ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كانَتْ قِراءَةُ النَّبِيءِ، فَقالَ: كانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ويَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ ويَمُدُّ بِالرَّحِيمِ»، اهـ. ولا حُجَّةَ في هَذا لِأنَّ ضَمِيرَ قَرَأ وضَمِيرَ يَمُدُّ عائِدانِ إلى أنَسٍ، وإنَّما جاءَ بِالبَسْمَلَةِ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ لِكَيْفِيَّةِ القِراءَةِ لِشُهْرَةِ البَسْمَلَةِ.
وحُجَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ وثانِي قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ، قالَ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِنا ذاتَ يَوْمٍ إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا فَقُلْنا: ما أضْحَكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر»: ١]) السُّورَةَ، قالُوا ولِلْإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ ولِإثْباتِ الصَّحابَةِ إيّاها في المَصاحِفِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى أنْ لا يُدْخِلُوا في القُرْآنِ ما لَيْسَ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوا آمِينَ في الفاتِحَةِ. والجَوابُ عَنِ الحَدِيثِ أنّا نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ قَرَأ البَسْمَلَةَ عَلى أنَّها مِنَ السُّورَةِ بَلِ افْتَتَحَ بِها عِنْدَ إرادَةِ القِراءَةِ لِأنَّها تُغْنِي عَنِ الِاسْتِعاذَةِ إذا نَوى المُبَسْمِلُ تَقْدِيرَ أسْتَعِيذُ بِاسْمِ اللَّهِ وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى نَحْوِ هَذا لِأنَّ راوِيَهُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ جَزَمَ في حَدِيثِهِ الآخَرِ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ بَسْمَلَ في الصَّلاةِ.
فَإنْ أبَوْا تَأْوِيلَهُ بِما تَأوَّلْناهُ لَزِمَ اضْطِرابُ أنَسٍ في رِوايَتِهِ اضْطِرابًا يُوجِبُ سُقُوطَها.
والحَقُّ البَيِّنُ في أمْرِ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، أنَّها كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ لِيَكُونَ الفَصْلُ مُناسِبًا لِابْتِداءِ المُصْحَفِ، ولِئَلّا يَكُونَ بِلَفْظٍ مِن غَيْرِ القُرْآنِ، وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ
صفحة ١٤٤
فِي سُنَنِهِ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمَلَكم أنْ عَمَدْتُمْ إلى بَراءَةَ وهي مِنَ المِئِينَ وإلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي فَجَعَلْتُمُوهُما في السَّبْعِ الطِّوالِ ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، قالَ عُثْمانُ كانَ النَّبِيءُ لَمّا تَنْزِلُ عَلَيْهِ الآياتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ لَهُ ويَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ بِالسُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، أوْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والآيَتانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوَّلِ ما أُنْزِلُ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ بَراءَةُ مِن آخِرِ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، فَمِن هُناكَ وضَعْتُها في السَّبْعِ الطِّوالِ ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وأرى في هَذا دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ لَمْ تُكْتَبْ بَيْنَ السُّوَرِ غَيْرَ الأنْفالِ وبَراءَةَ إلّا حِينَ جُمِعَ القُرْآنُ في مُصْحَفٍ واحِدٍ زَمَنَ عُثْمانَ، وأنَّها لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً في أوائِلِ السُّوَرِ في الصُّحُفِ الَّتِي جَمَعَها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ إذْ كانَتْ لِكُلِّ سُورَةٍ صَحِيفَةٌ مُفْرَدَةٌ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وعَلى أنَّ البَسْمَلَةَ مُخْتَلَفٌ في كَوْنِها آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرِ بَراءَةَ، أوْ آيَةً مِن أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ فَقَطْ، أوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن أوَّلِ شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ؛ فَإنَّ القُرّاءَ اتَّفَقُوا عَلى قِراءَةِ البَسْمَلَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ مِن أوَّلِها غَيْرِ بَراءَةَ. ورَوَوْا ذَلِكَ عَمَّنْ تَلَقَّوْا، فَأمّا الَّذِينَ مِنهم يَرْوُونَ اجْتِهادًا أوْ تَقْلِيدًا أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مَن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرِ بَراءَةَ، فَأمْرَهم ظاهِرٌ، وقِراءَةُ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ واجِبَةٌ عِنْدَهم لا مَحالَةَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، وأمّا الَّذِينَ لا يَرْوُونَ البَسْمَلَةَ آيَةً مِن أوائِلِ السُّوَرِ كُلِّها أوْ ما عَدا الفاتِحَةَ فَإنَّ قِراءَتَهُمُ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ بِقِراءَةِ سُورَةٍ قَبْلَها تَعَلَّلَ بِالتَّيَمُّنِ بِاقْتِفاءِ أثَرِ كُتّابِ المُصْحَفِ، أيْ قَصْدَ التَّشَبُّهِ في مُجَرَّدِ ابْتِداءِ فِعْلٍ تَشْبِيهًا لِابْتِداءِ القِراءَةِ بِابْتِداءِ الكِتابَةِ. فَتَكُونُ قِراءَتُهُمُ البَسْمَلَةَ أمْرًا مُسْتَحَبًّا لِلتَّأسِّي في القِراءَةِ بِما فَعَلَهُ الصَّحابَةُ الكاتِبُونَ لِلْمُصْحَفِ، فَقِراءَةُ البَسْمَلَةِ عِنْدَ هَؤُلاءِ نَظِيرُ النُّطْقِ بِالِاسْتِعاذَةِ ونَظِيرُ التَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ بَيْنَ بَعْضِ السُّوَرِ مِن آخِرِ المُفَصَّلِ، ولا يُبَسْمِلُونَ في قِراءَةِ الصَّلاةِ الفَرِيضَةِ، وهَؤُلاءِ إذا قَرَءُوا في صَلاةِ الفَرِيضَةِ تَجْرِي قِراءَتُهم عَلى ما انْتَهى إلَيْهِ فَهْمُهم مِن أمْرِ البَسْمَلَةِ مِنِ اجْتِهادٍ أوْ تَقْلِيدٍ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ مِن قِراءَتِهِمْ قَوْلٌ لَهم بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ
صفحة ١٤٥
مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كَما فَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والبَيْضاوِيُّ.
واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ في غَيْرِ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ مِن أوَّلِها، أيْ في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ.
فَوَرْشٌ عَنْ نافِعٍ في أشْهَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، لا يُبَسْمِلُونَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وذَلِكَ يُعَلَّلُ بِأنَّ التَّشَبُّهَ بِفِعْلِ كُتّابِ المُصْحَفِ خاصٌّ بِالِابْتِداءِ، وبِحَمْلِهِمْ رَسْمَ البَسْمَلَةِ في المُصْحَفِ عَلى أنَّهُ عَلامَةٌ عَلى ابْتِداءِ السُّورَةِ لا عَلى الفَصْلِ، إذْ لَوْ كانَتِ البَسْمَلَةُ عَلامَةً عَلى الفَصْلِ بَيْنَ السُّورَةِ والَّتِي تَلِيها لَما كُتِبَتْ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَكانَ صَنِيعُهم وجِيهًا لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ ما رَوَوْهُ عَنْ سَلَفِهِمْ وبَيْنَ دَلِيلِ قَصْدِ التَّيَمُّنِ، ودَلِيلُ رَأْيِهِمْ أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ.
وقالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ يُبَسْمِلُونَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سِوى ما بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ، وعَدُّوهُ مِن سُنَّةِ القِراءَةِ، ولَيْسَ حَظُّهم في ذَلِكَ إلّا اتِّباعَ سَلَفِهِمْ، إذْ لَيْسَ جَمِيعُهم مِن أهْلِ الِاجْتِهادِ، ولَعَلَّهم طَرَدُوا قَصْدَ التَّيَمُّنِ بِمُشابَهَةِ كُتّابِ المُصْحَفِ في الإشْعارِ بِابْتِداءِ السُّورَةِ والإشْعارِ بِانْتِهاءِ الَّتِي قَبْلَها.
واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في أوَّلِ سُورَةِ بَراءَةَ وقَدْ تَبَيَّنَ وجْهُ ذَلِكَ آنِفًا، ووَجَّهَهُ الأئِمَّةُ بِوُجُوهٍ أُخَرَ تَأتّى في أوَّلِ سُورَةِ بَراءَةَ، وذَكَرَ الجاحِظُ في البَيانِ والتَّبْيِينِ أنَّ مُؤَرِّجًا السَّدُوسِيَّ البَصْرِيَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ“ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرُدُّ عَلى المَظْلُومِ ”فَرَجَعَ مُؤَرِّجٌ إلى مُصْحَفِهِ فَرَدَّ عَلى بَراءَةَ“ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ”، ويُحْمَلُ هَذا الَّذِي صَنَعَهُ مُؤَرِّجٌ إنْ صَحَّ عَنْهُ إنَّما هو عَلى التَّمْلِيحِ والهَزْلِ ولَيْسَ عَلى الجِدِّ.
وفِي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اخْتِلافَ مَذاهِبِ القُرّاءِ في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ ابْتِداءً ووَصْلًا كَما تَقَدَّمَ لا أثَرَ لَهُ في الِاخْتِلافِ في حُكْمِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ، فَإنَّ قِراءَتَها في الصَّلاةِ تَجْرِي عَلى إحْكامِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ ولَيْسَتْ مَذاهِبُ القُرّاءِ بِمَعْدُودَةٍ مِن أدِلَّةِ الفِقْهِ، وإنَّما قِراءاتُهم رِواياتٌ وسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ في قِراءَةِ القُرْآنِ دُونَ اسْتِنادٍ إلى اعْتِبارِ أحْكامِ رِوايَةِ القُرْآنِ مِن تَواتُرٍ ودُونِهِ، ولا إلى وُجُوبٍ واسْتِحْبابٍ وتَخْيِيرٍ، فالقارِئُ يَقْرَأُ كَما رُوِيَ عَنْ مُعَلِّمِيهِ
صفحة ١٤٦
ولا يَنْظُرُ في حُكْمِ ما يَقْرَأُهُ مِن لُزُومِ كَوْنِهِ كَما قَرَأ أوْ عَدَمِ اللُّزُومِ، تَجْرِي أعْمالُهم في صَلاتِهِمْ عَلى نَزَعاتِهِمْ في الفِقْهِ مِنِ اجْتِهادٍ وتَقْلِيدٍ، ويُوَضَّحُ غَلَطُ مَن ظَنَّ أنَّ خِلافَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ البَسْمَلَةِ وعَدَمِهِ مَبْنِيٌّ عَلى خِلافِ القُرّاءِ، كَما يُوَضَّحُ تَسامُحُ صاحِبِ الكَشّافِ في عَدِّهِ مَذاهِبَ القُرّاءِ في نَسَقِ مَذاهِبِ الفُقَهاءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences