Ibn 'AshurAl‑Jathiyah · 45:1–12

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الجاثية

Al-Jathiyah

The Crouching · Meccan · 37 ayahs

45:1Page 499

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

صفحة ٣٢٥

﴿حم﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِهِ، وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

45:2Page 499

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهو جُمْلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ.

الكِتابُ هو المَعْهُودُ وهو ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ إلى تِلْكَ السّاعَةِ.

والمَقْصُودُ: إثْباتُ أنَّ القُرْآنَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُجْعَلَ القُرْآنُ مُسْنَدًا إلَيْهِ ويُخْبَرَ عَنْهُ فَيُقالُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ لِأنَّ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ هو مَحَلُّ الجِدالِ فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ ولَوْ أذْعَنُوا لِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا لَما كانَ مِنهم نِزاعٌ في أنَّ تَنْزِيلَهُ مِنَ اللَّهِ ولَكِنْ خُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِغَرَضَيْنِ: أحَدُهُما: التَّشْوِيقُ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ لِأنَّهم إذا سَمِعُوا الِابْتِداءَ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ اسْتَشْرَفُوا إلى ما سَيُخْبَرُ عَنْهُ؛ فَأمّا الكافِرُونَ فَيَتَرَقَّبُونَ أنَّهُ سَيُلْقى إلَيْهِمْ وصْفٌ جَدِيدٌ لِأحْوالِ تَنْزِيلِ الكِتابِ فَيَتَهَيَّئُونَ لِخَوْضٍ جَدِيدٍ مِن جِدالِهِمْ وعِنادِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ يَتَرَقَّبُونَ لِما يَزِيدُهم يَقِينًا بِهَذا التَّنْزِيلِ.

والغَرَضُ الثّانِي: أنْ يُدَّعى أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ تَنْزِيلًا أمْرٌ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ فالَّذِينَ خالَفُوا فِيهِ كَأنَّهم خالَفُوا في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وهَلْ يَكُونُ التَّنْزِيلُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيُؤَوَّلُ إلى تَأْكِيدِ الإخْبارِ بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ مَدْلُولِ كَوْنِهِ تَنْزِيلًا وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا بِاخْتِلافِ مَفْهُومِ المَعْنَيَيْنِ دُونَ مِصْداقَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦] .

وإيثارُ وصْفَيِ العَزِيزِ الحَكِيمِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى لِإشْعارِ وصْفِ العَزِيزِ بِأنَّ ما نَزَلَ مِنهُ مُناسِبٌ لِعِزَّتِهِ فَهو كِتابٌ عَزِيزٌ كَما وصَفَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، أيْ هو غالِبٌ لِمُعانِدِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أعْجَزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ، ولِإشْعارِ وصْفِ الحَكِيمِ بِأنَّ ما نَزَلَ

صفحة ٣٢٦

مِن عِنْدِهِ مُناسِبٌ لِحِكْمَتِهِ، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ اليَقِينِ والحَقِيقَةِ، فَفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ إعْجازَهُ، مِن جانِبِ بَلاغَتِهِ إذْ غَلَبَتْ بَلاغَةُ بُلَغائِهِمْ، ومِن جانِبِ مَعانِيهِ إذْ أعْجَزَتْ حِكْمَتُهُ حِكْمَةَ الحُكَماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَثِيلُ هَذا في طالِعَةِ سُورَةِ الزُّمَرِ وقَرِيبٌ مِنهُ في طالِعَةِ سُورَةِ غافِرٍ.

45:3–5Page 499

إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٣

Indeed, within the heavens and earth are signs for the believers.

وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٤

And in the creation of yourselves and what He disperses of moving creatures are signs for people who are certain [in faith].

وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٥

And [in] the alternation of night and day and [in] what Allāh sends down from the sky of provision [i.e., rain] and gives life thereby to the earth after its lifelessness and [in His] directing of the winds are signs for a people who reason.

﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

مَوْقِعُ هَذا الكَلامِ مَوْقِعُ تَفْصِيلِ المُجْمَلِ لِما جَمَعَتْهُ جُمْلَةُ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢] بِاعْتِبارِ أنَّ آياتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما عُطِفَ عَلَيْها إنَّما كانَتْ آياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ المُوقِنِينَ، ولِلَّذِينِ حَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ بِسَبَبِ ما ذَكَّرَهم بِهِ القُرْآنُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ [الجاثية: ٦] .

وأُكِّدَ بِـ (إنَّ) وإنْ كانَ المُخاطَبُونَ غَيْرَ مُنْكِرِيهِ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِما في هَذِهِ الكائِناتِ مِن دِلالَةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ قالَ ﴿لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقالَ ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: لَآياتٍ لَكم أوْ آياتٌ لَكم، أيْ هي آياتٌ لِمَن يَعْلَمُونَ دَلالَتَها مِنَ المُؤْمِنِينَ. ومِنَ الَّذِينَ يُوقِنُونَ إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الآياتِ لا أثَرَ لَها في نُفُوسِ مَن هم بِخِلافِ ذَلِكَ.

والمُرادُ بِكَوْنِ الآياتِ في السَّماواتِ والأرْضِ أنَّ ذاتَ السَّماواتِ والأرْضِ وعِدادَ صِفاتِها دَلائِلُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَجُعِلَتِ السَّماواتُ والأرْضُ بِمَنزِلَةِ الظَّرْفِ لِما أُودِعَتْهُ

صفحة ٣٢٧

مِنَ الآياتِ لِأنَّها مُلازِمَةٌ لَها بِأدْنى نَظَرٍ وجُعِلَتِ الآياتُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِدِلالَتِها وعَلِمُوا مِنها أنَّ مُوجِدَها ومُقَدِّرَ نِظامِها واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ إلَخْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ لِما في هَذا الخاصِّ مِنَ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ إيجادِ النَّوْعِ اسْتِدْعاءً لِلشُّكْرِ عَلَيْهِ.

والبَثُّ: التَّوْزِيعُ والإكْثارُ وهو يَقْتَضِي الخَلْقَ والإيجادَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وفي خَلْقِ اللَّهِ ما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ. وتَقَدَّمَ البَثُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ في يَبُثُّ لِيُفِيدَ تَجَدُّدَ البَثِّ وتَكَرُّرَهُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ أجْناسِ الدَّوابِّ وأنْواعِها وأصْنافِها.

والدّابَّةُ تُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ غَيْرَ الإنْسانِ وهَذا أصْلُ إطْلاقِها وقَدْ تُطْلَقُ عَلى ما يَدِبُّ بِالأرْجُلِ دُونَ الطّائِرِ كَقَوْلِهِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] .

والرِّزْقُ أُطْلِقَ هُنا عَلى المَطَرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّ المَطَرَ سَبَبُ وُجُودِ الأقْواتِ. والرِّزْقُ: القُوتُ. وقَدْ ذُكِرَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] .

وتَقَدَّمَتْ نَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواسِطِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ عِدَّةٍ.

والمُرادُ بِـ ”المُؤْمِنِينَ“، وبِـ ”قَوْمٍ يُوقِنُونَ“، و”بِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ“ واحِدٌ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَحَصَلَ لَهُمُ اليَقِينُ وكانُوا يَعْقِلُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ دَلالَةَ الآياتِ.

والمَعْنى: أنَّ المُؤْمِنِينَ والَّذِينَ يُوقِنُونَ، أيْ يَعْلَمُونَ ولا يُكابِرُونَ، والَّذِينَ يَعْقِلُونَ دَلالَةَ الآثارِ عَلى المُؤَثِّرِ ونَظَرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ في شَواهِدِ السَّماواتِ والأرْضِ فَعَلِمُوا أنْ لابُدَّ لَها مِن صانِعٍ وأنَّهُ واحِدٌ فَأيْقَنَ بِذَلِكَ العاقِلُ مِنهُمُ الَّذِي كانَ مُتَرَدِّدًا، وازْدادَ إيمانًا مَن كانَ مُؤْمِنًا فَصارَ مُوقِنًا. فالمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِالآياتِ هُمُ

صفحة ٣٢٨

المُؤْمِنُونَ العاقِلُونَ، فَوُزِّعَتْ هَذِهِ الأوْصافُ عَلى فَواصِلِ هَذِهِ الآيِ لِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في نَفْسِ السّامِعِ مِن إتْلاءِ بَعْضِها لِبَعْضٍ.

وقُدِّمَ المُتَّصِفُونَ بِالإيمانِ لِشَرَفِهِ وجَعَلَ خَلْقَ النّاسِ والدَّوابِّ آيَةً لِلْمَوْصُوفِينَ بِالإيقانِ لِأنَّ دَلالَةَ الخَلْقِ كائِنَةٌ في نَفْسِ الإنْسانِ وما يُحِيطُ بِهِ مِنَ الدَّوابِّ، وجَعَلَ اخْتِلافَ اللَّيْلِ والنَّهارِ واخْتِلافَ حَوادِثِ الجَوِّ آيَةً لِلَّذِينِ اتَّصَفُوا بِالعَقْلِ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِواسِطَةِ لَوازِمَ مُتَرَتِّبَةٍ بِإدْراكِ العَقْلِ.

وقَدْ أوْمَأ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَيْسُوا مِن أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا بِمَعْنى النَّفْيِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ وإنْ كانَ مُوَجَّهًا إلى قَوْمٍ لا يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ وإنَّما يَزْعُمُونَ لَهُ شُرَكاءَ، وكانَ مَقْصُودًا مِنهُ ابْتِداءُ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، فَهو أيْضًا صالِحٌ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُعَطِّلِينَ الَّذِينَ يَنْفُونَ وُجُودَ الصّانِعِ المُخْتارِ (وفي العَرَبِ فَرِيقٌ مِنهم) .

فَإنَّ أحْوالَ السَّماواتِ كُلِّها مُتَغَيِّرَةٌ دالَّةٌ عَلى تَغَيُّرِ ما اتَّصَفَتْ بِها، والتَّغَيُّرُ دَلِيلُ الحُدُوثِ وهو الحاجَةُ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ الَّذِي يُوجِدُها بَعْدَ العَدَمِ ثُمَّ يُعْدِمُها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ قَوْلَهُ ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقَوْلَهُ ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بِرَفْعِ ”آياتٍ“ فِيهِما عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وخَبَراهُما المَجْرُورانِ. وتُقَدَّرُ (في) مَحْذُوفَةً في قَوْلِهِ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ لِدَلالَةِ أُخْتِها عَلَيْها الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ .

والعَطْفُ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عَطْفُ جُمْلَةٍ لا عَطْفُ مُفْرَدٍ.

وقَرَأها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”آياتٍ“ في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرَةٍ نائِبَةٍ عَنِ الفَتْحَةِ فَـ ”آياتٍ“ الأوَّلُ عَطْفٌ عَلى اسْمِ (إنَّ) و”في خَلْقِكم“ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) فَهو عَطْفٌ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ ولا إشْكالَ في جَوازِهِ، وأمّا ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَكَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ عَطَفَ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أيْ لَيْسا مُتَرادِفَيْنِ هُما (إنَّ) و(في) عَلى اعْتِبارِ أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ آياتٍ ولَيْسَتْ عاطِفَةً جُمْلَةَ ”في خَلْقِكم“

صفحة ٣٢٩

الآيَةَ، وهو جائِزٌ عِنْدَ أكْثَرِ نُحاةِ الكُوفَةِ ومَمْنُوعٌ عِنْدَ أكْثَرِ نُحاةِ البَصْرَةِ، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ القِراءَةَ بِتَقْدِيرِ (في) عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ لِدَلالَةِ أُخْتِها عَلَيْها وتَبْقى الواوُ عاطِفَةً ”آياتٍ“ عَلى اسْمِ (إنَّ) فَلا يَكُونُ مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ.

والحَقُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الكُوفِيِّينَ وهو كَثِيرٌ كَثْرَةً تَنْبُو عَنِ التَّأْوِيلِ. وجَعَلَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ ”آياتٍ“ في المَوْضِعَيْنِ أيْضًا مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ يَحْتاجُ إلى عامِلٍ كَما أنَّ النَّصْبَ يَحْتاجُ إلى عامِلٍ قالَ: وأكْثَرُ النّاسِ يَفْرِضُ الإشْكالَ في قِراءَةِ النَّصْبِ لِكَوْنِ العامِلِ لَفْظِيًّا وهُما سَواءٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (آياتٍ) الثّانِيَةَ فَقَطْ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى أنَّهُ حالٌ مُتَعَدِّدٌ مِنِ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ، والسَّحابِ.

45:6Page 499

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٦

These are the verses of Allāh which We recite to you in truth. Then in what statement after Allāh and His verses will they believe?

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ وبَيانُها بِآياتِ اللَّهِ إشارَةً إلى الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] وقَوْلِهِ ”﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] وقَوْلِهِ“ ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] .

وإضافَتُها إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ خالِقَها عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي كانَتْ لَها آياتٌ لِلْمُسْتَنْصِرِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن آياتِ اللَّهِ. والعامِلُ في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] .

والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. ومَعْنى كَوْنِ الآياتِ مَتْلُوَّةً أنَّ في ألْفاظِ القُرْآنِ المَتْلُوَّةِ دِلالَةٌ عَلَيْها فاسْتِعْمالُ فِعْلِ نَتْلُو مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ المَتْلُوَّ ما يَدُلُّ عَلَيْها.

صفحة ٣٣٠

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ غَيْرِ مَذْكُورٍ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”الكِتابِ“ أيْ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ في القُرْآنِ، فَيَكُونُ اسْتِعْمالُ فِعْلِ ”نَتْلُوها“ في حَقِيقَتِهِ.

وإسْنادُ التِّلاوَةِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ أيْضًا لِأنَّ اللَّهَ مُوجِدُ القُرْآنِ المَتْلُوِّ الدّالِّ عَلى تِلْكَ الآياتِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، و(بَعْدَ) هُنا بِمَعْنى (دُونَ) . فالمَعْنى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ دُونَ اللَّهِ وآياتِهِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] في سُورَةِ الشُّورى، وفي الأعْرافِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] . والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّأْيِيسِ والتَّعْجِيبِ كَقَوْلِ الأعْشى:

فَمِن أيِّ ما تَأْتِي الحَوادِثُ أفْرَقُ

وإضافَةُ (بَعْدَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ، والتَّقْدِيرُ: بَعْدَ حَدِيثِ اللَّهِ، أيْ بَعْدَ سَماعِهِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدَ مَخافَتِي ∗∗∗ عَلى وعْلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلُ

أيْ عَلى مَخافَةِ وعْلٍ.

واسْمُ (بَعْدَ) مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ.

والمُرادُ بِالحَدِيثِ: الكَلامُ، يَعْنِي القُرْآنَ كَقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وكَما وقَعَ إضافَةُ حَدِيثٍ إلى ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ في الأعْرافِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وفي آخِرِ المُرْسَلاتِ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] .

وعَطَفَ ”وآياتِهِ“ عَلى ”حَدِيثٍ“ لِأنَّ المُرادَ بِها الآياتُ غَيْرُ القُرْآنِ مِن دَلائِلِ السَّماواتِ والأرْضِ مِمّا تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] .

صفحة ٣٣١

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ”يُؤْمِنُونَ“ بِالتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ أبُو عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ فَهو التِفاتٌ.

45:7–8Page 499

وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٧

Woe to every sinful liar

يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٨

Who hears the verses of Allāh recited to him, then persists arrogantly as if he had not heard them. So give him tidings of a painful punishment.

﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُؤًا﴾ [الجاثية: ٩]

أعْقَبَ ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ المُوقِنِينَ العاقِلِينَ المُنْتَفِعِينَ بِدَلالَةِ آياتِ اللَّهِ وما يُفِيدُهُ مَفْهُومُ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ مِن تَعْرِيضٍ بِالَّذِينِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، بِصَرِيحِ ذِكْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَعْقِلُوها كَما وصَفَ لِذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] .

وافْتَتَحَ ذِكْرَهُ بِالوَيْلِ لَهُ تَعْجِيلًا لِإنْذارِهِ وتَهْدِيدِهِ قَبْلَ ذِكْرِ حالِهِ. و(ويْلٌ لَهُ) كَلِمَةُ دُعاءٍ بِالشُّكْرِ وأصْلُ الوَيْلِ الشَّرُّ وحُلُولُهُ.

و”الأفّاكُ“ القَوِيُّ الإفْكِ، أيِ الكَذِبِ.

والأثِيمُ مُبالَغَةٌ أوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وهو يَدُلُّ عَلى المَبالِغِ في اقْتِرافِ الآثامِ، أيِ الخَطايا. وفَسَّرَهُ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في القامُوسِ بِالكَذّابِ وهو تَسامُحٌ وإنَّما الكَذِبُ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ الأثِيمِ.

وجُعِلَتْ حالَتُهُ أنَّهُ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا لِأنَّ تِلْكَ الحالَةِ وهي حالَةُ تَكَرُّرِ سَماعِهِ آياتِ اللَّهِ وتَكَرُّرِ إصْرارِهِ مُسْتَكْبِرًا عَنْها تَحْمِلُهُ عَلى تَكْرِيرِ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وتَكْرِيرِ الإثْمِ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أفّاكًا أثِيمًا بَلْهَ ما تَلَبَّسَ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي كُلُّهُ كَذِبٌ وإثْمٌ.

والمُرادُ بِـ ﴿كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] جَمِيعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ وعانَدُوا في مُعْجِزَةِ القُرْآنِ وقالُوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْءانِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبإ: ٣١]

صفحة ٣٣٢

وبِخاصَّةٍ زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ وأيِمَّةُ الكُفْرِ مِثْلَ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ، وأبِي جَهْلٍ وقُرَنائِهِمْ.

و”آياتُ اللَّهِ“ أيِ القُرْآنُ فَإنَّها المَتْلُوَّةُ.

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيُّ لِأنَّ ذَلِكَ الإصْرارَ بَعْدَ سَماعِ مِثْلِ تِلْكَ الآياتِ أعْظَمُ وأعْجَبُ، فَهو يُصِرُّ عِنْدَ سَماعِ آياتِ اللَّهِ ولَيْسَ إصْرارُهُ مُتَأخِّرًا عَنْ سَماعِ الآياتِ.

والإصْرارُ: مُلازَمَةُ الشَّيْءِ وعَدَمُ الِانْفِكاكِ عَنْهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”يُصِرُّ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ يُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] .

وشَبَّهَ حالَهم في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ بِحالِهِمْ في انْتِفاءِ سَماعِ الآياتِ، وهَذا التَّشْبِيهُ كِنايَةً عَنْ وُضُوحِ دَلالَةِ آياتِ القُرْآنِ بِحَيْثُ أنَّ مَن يَسْمَعُها يُصَدِّقُ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ فَلَوْلا إصْرارُهم واسْتِكْبارُهم لانْتَفَعُوا بِها.

و(كَأنْ) أصْلُها (كَأنَّ) المُشَدَّدَةُ فَخُفِّفَتْ فَقُدِّرَ اسْمُها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ. وفُرِّعَ عَلى حالَتِهِمْ هَذِهِ إنْذارُهم بِالعَذابِ الألِيمِ وأُطْلِقَ عَلى الإنْذارِ اسْمُ البِشارَةِ الَّتِي هي الأخْبارُ بِما يَسْرِي عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

والمُرادُ بِالعِلْمِ في قَوْلِهِ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ [الجاثية: ٩] السَّمْعُ، أيْ إذا ألْقى سَمْعَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ اتَّخَذَهُ هُزُؤًا، أيْ لا يَتَلَقّى شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا لِيَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً لِلْهُزْءِ بِهِ، فَفِعْلُ ”عَلِمَ“ هُنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى عَرَفَ.

وضَمِيرُ التَّأْنِيثِ في ”اتَّخَذَها“ عائِدٌ إلى ”آياتِنا“، أيِ اتَّخَذَ الآياتِ هُزُؤًا لِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِما عَلِمَهُ مِنها وبِغَيْرِهِ، فَهو إذا عَلِمَ شَيْئًا مِنها اسْتَهْزَأ بِما عَلِمَهُ وبِغَيْرِهِ.

ومَعْنى اتِّخاذِهِمُ الآياتِ هُزُؤًا: أنَّهم يَلُوكُونَها بِأفْواهِهِمْ لَوْكَ المُسْتَهْزِئِ بِالكَلامِ، وإلّا فَإنَّ مُطْلَقَ الِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِشَيْءٍ مِنها. ومِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِبَعْضِ الآياتِ تَحْرِيفُها عَلى مَواضِعِها وتَحْمِيلُها غَيْرَ المُرادِ مِنها عَمْدًا لِلِاسْتِهْزاءِ، كَقَوْلِ أبِي جَهِلٍ لَمّا سَمِعَ ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣] تَجاهَلَ بِإظْهارِ أنَّ الزَّقُّومَ اسْمٌ

صفحة ٣٣٣

لِمَجْمُوعِ الزُّبْدِ والتَّمْرِ فَقالَ: زَقَمُونا، وقَوْلُهُ: لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]: أنا ألْقاهم وحْدِي.

45:9–10Page 499

وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩

And when he knows anything of Our verses, he takes them in ridicule. Those will have a humiliating punishment.

مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠

Before them1 is Hell, and what they had earned will not avail them at all nor what they had taken besides Allāh as allies. And they will have a great punishment.

﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

جِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] إلى قَوْلِهِ ”هُزُؤًا“ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءٌ بِهِ لِأجْلِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ.

وجُمْلَةُ ”مِن ورائِهِمْ“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي قَوْلِهِ ”مِن ورائِهِمْ“ تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ العَذابِ وكَوْنِهِ قَرِيبًا مِنهم وأنَّهم غافِلُونَ عَنِ اقْتِرابِهِ كَغَفْلَةِ المَرْءِ عَنْ عَدُوٍّ يَتْبَعُهُ مِن ورائِهِ لِيَأْخُذَهُ فَإذا نَظَرَ إلى أمامِهِ حَسِبَ نَفْسَهُ آمِنًا.

فَفِي الوَراءِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلِاقْتِرابِ والغَفْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، وقَوْلُ لَبِيدٍ:

ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ

ومَن فَسَّرَ وراءَ بِقُدّامٍ، فَما رَعى حَقَّ الكَلامِ.

وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿ولا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ العَذابِ المُهِينِ فَإنَّ فِقْدانَ الفِداءِ وفِقْدانَ الوَلِيِّ مِمّا يَزِيدُ العَذابَ شِدَّةً ويُكْسِبُ المُعاقَبَ إهانَةً.

ومَعْنى الإغْناءِ في قَوْلِهِ ”ولا يُغْنِي عَنْهُمُ“ الكِفايَةُ والنَّفْعُ، أيْ لا يَنْفَعُهم.

وعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنْ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَدْفَعُ فَكَأنَّهُ عَبَّرَ بِفِعْلَيْنِ لا يُغْنِيهِمْ وبِالدَّفْعِ

صفحة ٣٣٤

عَنْهم، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وما كَسَبُوا: أمْوالُهم.

و”شَيْئًا“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ لِأنَّ شَيْئًا مِن أسْماءِ الأجْناسِ العالِيَةِ فَهو مُفَسَّرٌ بِما وقَعَ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ لا يَدْفَعُ عَنْهم ولَوْ قَلِيلًا مِن جَهَنَّمَ، أيْ عَذابِها.

”ولا ما اتَّخَذُوا“ عُطِفَ عَلى ”ما كَسَبُوا“ وأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ لِلتَّأْكِيدِ، و”أوْلِياءَ“ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”اتَّخَذُوا“ . وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ وهو ضَمِيرُهم لِوُقُوعِهِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَإنَّ حَذْفَ مِثْلِهِ في الصِّلَةِ كَثِيرٌ.

وأُرْدِفَ ”عَذابٌ مُهِينٌ“ بِعَطْفِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لِإفادَةِ أنَّ لَهم عَذابًا غَيْرَ ذَلِكَ وهو عَذابُ الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ، فالعَذابُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ غَيْرُ العَذابِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

45:11Page 499

هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ ١١

This [Qur’ān] is guidance. And those who have disbelieved in the verses of their Lord will have a painful punishment of foul nature.

﴿هَذا هُدًى والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾

جُمْلَةُ ”هَذا هُدًى“ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ مِن وصْفِ القُرْآنِ في ذاتِهِ بِأنَّهُ مَنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ إلى وصْفِهِ بِأفْضَلِ صِفاتِهِ بِأنَّهُ هُدًى، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى القُرْآنِ الَّذِي هو في حالِ النُّزُولِ والتِّلاوَةِ فَهو كالشَّيْءِ المُشاهَدِ، ولِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِن أوْصافِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢] وقَوْلِهِ ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٦] إلى آخِرِهِ ما صَيَّرَهُ مُتَمَيِّزًا شَخْصًا بِحُسْنِ الإشارَةِ إلَيْهِ.

ووَصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ هُدًى مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: هادٍ لِلنّاسِ، فَمَن آمَنَ فَقَدِ اهْتَدى ومَن كَفَرَ بِهِ فَلَهُ عَذابٌ لِأنَّهُ حَرَمَ نَفْسَهُ مِنَ الهُدى فَكانَ في الضَّلالِ وارْتَبَقَ في المَفاسِدِ والآثامِ.

صفحة ٣٣٥

فَجُمْلَةُ ”والَّذِينَ كَفَرُوا“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”هَذا هُدًى“ والمُناسَبَةُ أنَّ القُرْآنَ مِن جُمْلَةِ آياتِ اللَّهِ وأنَّهُ مُذَكِّرٌ بِها، فالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ في عُمُومِ الآياتِ، وهَذا واقِعٌ مَوْقِعَ التَّذْيِيلِ لِما تُقَدِّمُهُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] .

وجِيءَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما تُشْعِرُ بِهِ الصِّلَةُ مِن أنَّهم حَقِيقُونَ بِالعِقابِ.

واسْتَحْضَرُوا في هَذا المَقامِ بِعُنْوانِ الكُفْرِ دُونَ عُنْوانَيِ الإصْرارِ والِاسْتِكْبارِ اللَّذَيْنِ اسْتُحْضِرُوا بِهِما في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾ [الجاثية: ٨] لِأنَّ الغَرَضَ هُنا النَّعْيُ عَلَيْهِمْ إهْمالَهم الِانْتِفاعَ بِالقُرْآنِ وهو النِّعْمَةُ العُظْمى الَّتِي جاءَتْهم مِنَ اللَّهِ فَقابَلُوها بِالكُفْرانِ عِوَضًا عَنِ الشُّكْرِ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] .

والرِّجْزُ: أشَدُّ العَذابِ، قالَ تَعالى ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَرْفُ (مِن) لِلْبَيانِ فالعَذابُ هو الرِّجْزُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ عَذابٌ مِمّا يُسَمّى بِالرِّجْزِ وهو أشَدُّهُ.

و”ألِيمٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِـ ”عَذابٌ“ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِـ (رِجْزٍ) فَيَكُونُ مَجْرُورًا كَما قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.

45:12Page 499

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢

It is Allāh who subjected to you the sea so that ships may sail upon it by His command and that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ العَوالِمِ وتَصارِيفِ أحْوالِها مِن حَيْثُ إنَّها دَلالاتٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، إلى التَّذْكِيرِ بِما سَخَّرَ اللَّهُ لِلنّاسِ مِنَ المَخْلُوقاتِ وتَصارِيفِها مِن حَيْثُ كانَتْ مَنافِعُ النّاسِ تَقْتَضِي أنْ يَشْكُرُوا مُقَدِّرَها

صفحة ٣٣٦

فَجَحَدُوا بِها إذْ تَوَجَّهُوا بِالعِبادَةِ إلى غَيْرِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ عَلَّقَ بِفِعْلَيْ ”سَخَّرَ“ في المَوْضِعَيْنِ مَجْرُورٌ بِلامِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ لَكم؛ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّصارِيفَ آياتٌ أيْضًا مِثْلَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ، وتَصْرِيفُ الرِّياحِ، ولَكِنْ لُوحِظَ هُنا ما فِيها مِنَ النِّعَمِ كَما لُوحِظَ هُنالِكَ ما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ، والفَطِنُ يَسْتَخْلِصُ مِنَ المَقامَيْنِ كِلا الأمْرَيْنِ عَلى ما يُشْبِهُ الِاحْتِباكَ. ومُناسَبَةُ هَذا الِانْتِقالِ واضِحَةٌ.

واسْمُ الجَلالَةِ مُسْنَدٌ إلَيْهِ والمَوْصُولُ مُسْنَدٌ، وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ مُفِيدٌ الحَصْرَ وهو قَصْرُ قَلْبٍ بِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُ أنَّ تَسْخِيرَ البَحْرِ وتَسْخِيرَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنْعامٌ مِن شُرَكائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فَكانَ هَذا القَصْرُ إبْطالًا لِهَذا الزَّعْمِ الَّذِي اقْتَضاهُ هَذا التَّنْزِيلُ.

وقَوْلُهُ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”لَكم“ لِأنَّ في قَوْلِهِ لَكم إجْمالًا أُرِيدَ تَفْصِيلُهُ.

فَتَعْرِيفُ الفُلْكِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ولَيْسَ جَرْيُ الفُلْكِ في البَحْرِ بِنِعْمَةٍ عَلى النّاسِ إلّا بِاعْتِبارِ أنَّهُما يَجُرُّونَهُما لِلسَّفَرِ في البَحْرِ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ الألِفِ واللّامِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ مِن بابِ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] .

وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن عُمُومِ الِاشْتِمالِ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ أنَّ تَسْخِيرَ البَحْرِ لِجَرْيِ الفُلْكِ فِيهِ لِلسَّفَرِ لِقَضاءِ مُخْتَلَفِ الحاجاتِ حَتّى التَّنَزُّهِ وزِيارَةِ الأهْلِ.

وعُطِفَ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ﴾ لا بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ إجْمالًا، بَلْ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ في التَّعْلِيقِ بِفِعْلِهِ. وهَذا مَناطُ سَوْقِ هَذا الكَلامِ، أيْ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ فَكَفَرْتُمْ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ مُفْرَداتِ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ ما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском