Ibn 'AshurAl‑Jathiyah · 45:13–17

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Jathiyah 45:13–17

45:13Page 499

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١٣

And He has subjected to you whatever is in the heavens and whatever is on the earth - all from Him. Indeed in that are signs for a people who give thought.

صفحة ٣٣٧

﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ اقْتَضاهُ الِاهْتِمامُ أوَّلًا ثُمَّ التَّعْمِيمُ ثانِيًا. وما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِما تَحْصُلُ لِلنّاسِ فائِدَةٌ مِن وُجُودِهِ: كالشَّمْسِ لِلضِّياءِ، والمَطَرِ لِلشَّرابِ، أوْ مِن بَعْضِ أحْوالِهِ: كالكَواكِبِ لِلِاهْتِداءِ بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، والشَّجَرِ لِلِاسْتِظْلالِ، والأنْعامِ لِلرُّكُوبِ والحَرْثِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وأمّا ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِمّا لا يُفِيدُ النّاسَ فَغَيْرُ مُرادٍ مِثْلُ المَلائِكَةِ في السَّماءِ والأهْوِيَةِ المُنْحَبِسَةِ في باطِنِ الأرْضِ الَّتِي يَأْتِي مِنها الزِّلْزالُ.

وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى الحالِ مِن ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وتَنْوِينُهُ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ جَمِيعُ ذَلِكَ مِثْلُ تَنْوِينِ (كُلٍّ) في قَوْلِهِ ”﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ [الأنعام: ٨٤]“ .

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ جَمِيعُ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ أدْنى شَرِكَةٍ. ومَوْقِعُ قَوْلِهِ مِنهُ مَوْقِعُ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ المُعَوَّضِ عَنْهُ التَّنْوِينُ أوْ مِن ضَمِيرِ ”جَمِيعًا“ لِأنَّهُ في مَعْنى مَجْمُوعًا.

* * *

﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

أيْ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ وتَسْخِيرِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ دَلائِلُ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ فَهي وإنْ كانَتْ مِنَنًا يَحِقُّ أنْ يَشْكُرَها النّاسُ فَإنَّها أيْضًا دَلائِلُ إذا تَفَكَّرَ فِيها المُنْعَمُ عَلَيْهِمُ اهْتَدَوْا بِها، فَحَصَلَتْ لَهم مِنها مُلائِماتٌ جُسْمانِيَّةٌ ومَعارِفُ نَفْسانِيَّةٌ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَتْ في عِدادِ الآياتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣]، وإنَّما أُخِّرَتْ عَنْها لِأنَّها ذُكِرَتْ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ بِأنَّها نِعَمٌ، ثُمَّ عُقِّبَتْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها أيْضًا دَلائِلُ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ.

صفحة ٣٣٨

وأُوثِرَ التَّفَكُّرُ بِالذِّكْرِ في آخِرِ صِفاتِ المُسْتَدِلِّينَ بِالآياتِ، لِأنَّ الفِكْرَ هو مَنبَعُ الإيمانِ والإيقانِ والعِلْمِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣]، ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] .

45:14–15Page 500

قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤

Say, [O Muḥammad], to those who have believed that they [should] forgive those who expect not the days of Allāh [i.e., of His retribution] so that He may recompense a people1 for what they used to earn.

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١٥

Whoever does a good deed - it is for himself; and whoever does evil - it is against it [i.e., the self or soul]. Then to your Lord you will be returned.

﴿قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينِ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالَحا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾

إنْ كانَتْ هَذِهِ مُتَّصِلَةً بِالآيِ الَّتِي قَبْلَها في النُّزُولِ ولَمْ يَصِحَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِها فَمُناسَبَةُ وقْعِها هُنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١] يُثِيرُ غَضَبَ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ.

وقَدْ أخَذَ المُسْلِمُونَ يَعْتَزُّونَ بِكَثْرَتِهِمْ فَكانَ ما ذُكِرَ مِنِ اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالقُرْآنِ واسْتِكْبارِهِمْ عَنْ سَماعِهِ يُتَوَقَّعُ مِنهُ أنْ يَبْطِشَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ بِبَعْضِ المُشْرِكِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ غَضَبٌ أوْ تَوَعُّدٌ وأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ.

قالَ القُرْطُبِيُّ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ أصابَهم أذًى شَدِيدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالتَّجاوُزِ عَنْ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقاءِ الهُدُوءِ بِمَكَّةَ والمُتارَكَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ فَفي ذَلِكَ مَصالِحُ جَمَّةٌ مِن شُيُوعِ القُرْآنِ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وبَيْنَ القَبائِلِ النّازِلِينَ حَوْلَها فَإنَّ شُيُوعَهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَأْخُذَ بِمَجامِعِ قُلُوبِهِمْ بِالرَّغْمِ عَلى ما يُبْدُونَهُ مِن إعْراضٍ واسْتِكْبارٍ واسْتِهْزاءٍ فَتَتَهَيَّأُ نُفُوسُهم إلى الدُّخُولِ في الدِّينِ عِنْدَ زَوالِ مُمانَعَةِ سادَتِهِمْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وبَعْدَ اسْتِئْصالِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ.

وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِثْلُ هَذا مِنَ الأمْرِ بِالصَّفْحِ عَنِ المُشْرِكِينَ والعَفْوِ عَنْهم والإعْراضِ عَنْ أذاهم، ولَكِنْ كانَ أكْثَرُ الآياتِ أمْرًا لِلنَّبِيءِ ﷺ في نَفْسِهِ وكانَتْ هَذِهِ أمْرًا لَهُ بِأنْ يُبَلِّغَ لِلْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْتٍ كانَ المُسْلِمُونَ قَدْ كَثُرُوا فِيهِ وأحَسُّوا بِعِزَّتِهِمْ. فَأُمِرُوا بِالعَفْوِ وأنْ يَكِلُوا أمْرَ نَصْرِهِمْ إلى

صفحة ٣٣٩

اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ عَرَضَ في أثْناءِ نُزُولِ السُّورَةِ فَمُناسَبَتُها لِأغْراضِ السُّورَةِ واضِحَةٌ لِأنَّها تَعْلِيمٌ لِما يَصْلُحُ بِهِ مَقامُ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ بَيْنَ المُضادِّينَ لَهم واحْتِمالُ ما يُلاقُونَهُ مِن صَلَفِهِمْ وتَجَبُّرِهِمْ إلى أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَهم.

وقَدْ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها أخْبارٌ مُتَفاوِتَةُ الضَّعْفِ، فَرَوى مَكِّيُّ ابْنُ أبِي طالِبٍ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا لَمْ يَصِحَّ. وفي الكَشّافِ أنَّ عُمَرَ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِن غِفارٍ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ كُنّا بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقَرَأ قارِئٌ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ عُمَرُ: لِيَجْزِيَ عُمَرَ بِما صَنَعَ (يَعْنِي أنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ) .

ورَوى الواحِدِيُّ والقُشَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ: نَزَلُوا عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها: المُرَيْسِعُ فَأرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ غُلامَهُ لِيَسْتَقِيَ مِنَ البِئْرِ فَأبْطَأ، فَلَمّا أتاهُ قالَ: ما حَسْبُكَ ؟ . قالَ غُلامُ عُمَرَ: قَعَدَ عَلى فَمِ البِئْرِ فَما تَرَكَ أحَدًا يَسْقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيءِ ﷺ وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ ومَلَأ لِمَوْلاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قالَ القائِلُ: ”سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ“ فَهَمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتْ.

ورَوى ابْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] الآيَةَ قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ عُمَرُ بِذَلِكَ اشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ وخَرَجَ في طَلَبِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِهِ فَلَمّا جاءَ قالَ: ضَعْ سَيْفَكَ. وهاتانِ رِوايَتانِ ضَعِيفَتانِ ومِن أجْلِهِما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وقَتادَةَ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.

وأقْرَبُ هَذِهِ الأخْبارِ ما قالَهُ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ولَوْ صَحَّتْ ما كانَ فِيهِ ما يُفَكِّكُ انْتِظامَ الآياتِ سَواءٌ صادَفَ نُزُولُها تِلْكَ الحادِثَةِ أوْ أمَرَ اللَّهُ بِوَضْعِها في هَذا المَوْضِعِ.

وجُزِمَ ”يَغْفِرُوا“ عَلى تَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ مَحْذُوفًا، أيْ قُلْ لَهم لِيَغْفِرُوا، أوْ هو مَجْزُومٌ في جَوابِ قُلْ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ. والتَّقْدِيرُ: قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا اغْفِرُوا يَغْفِرُوا. وهَذا ثِقَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ أنَّهم إذا قالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ امْتَثَلُوا. والوَجْهانِ

صفحة ٣٤٠

يَتَأتَّيانِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ كُلَّما وقَعَ في الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.

والَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ يُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.

والرَّجاءُ: تَرَقُّبُ وتَطَلُّبُ الأمْرِ المَحْبُوبِ، وهَذا أشْهَرُ إطْلاقاتِهِ وهو الظّاهِرُ في هَذِهِ الآيَةِ.

والأيّامُ: جَمْعُ يَوْمٍ، وهَذا الجَمْعُ أوْ مُفْرَدُهُ إذا أُضِيفَ إلى اسْمِ أحَدٍ أوْ قَوْمٍ أوْ قَبِيلَةٍ كانَ المُرادُ بِهِ اليَوْمَ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ لِمَن أُضِيفَ هو إلَيْهِ نَصْرٌ وغَلَبٌ عَلى مُعانِدٍ أوْ مُقاتِلٍ، ومِنهُ أُطْلِقَ عَلى أيّامِ القِتالِ المَشْهُورَةِ بَيْنَ قَبائِلِ العَرَبِ: أيّامُ العَرَبِ، أيِ الَّتِي كانَ فِيها قِتالٌ بَيْنَ قَبائِلَ مِنهم فانْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، كَما يُقالُ أيّامُ عَبْسٍ، وأيّامُ داحِسَ والغَبْراءِ، وأيّامُ البَسُوسِ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

وأيّامٌ لَنا غُرٌّ طُوالٌ عَصَيْنا المَلْكَ فِيها أنْ نَدِينا

فَإذا قالُوا: أيّامُ بَنِي فُلانٍ، أرادُوا الأيّامَ الَّتِي انْتَصَرَ فِيها مَن أُضِيفَتِ الأيّامُ إلى اسْمِهِ، ويَقُولُونَ: أيّامُ بَنِي فُلانٍ عَلى بَنِي فُلانٍ فَيُرِيدُونَ أنَّ المَجْرُورَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ مَغْلُوبٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظِ أيّامٍ أوْ يَوْمٍ مَعْنى الِانْتِصارِ والغَلَبِ. وبِذَلِكَ التَّضَمُّنِ كانَ المَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِلَفْظِ أيّامٍ أوْ يَوْمٍ وإنْ كانَ جامِدًا، فَمَعْنى أيّامِ اللَّهِ عَلى هَذا هو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: أيّامُ بَنِي فُلانٍ، فَيَحْصُلُ مِن مَحْمَلِ الرَّجاءِ عَلى ظاهِرِ اسْتِعْمالِهِ.

ومَحْمَلُ أيّامِ اللَّهِ عَلى مَحْمَلِ أمْثالِهِ أنَّ مَعْنى الآيَةِ لِلَّذِينِ لا تَتَرَقَّبُ نُفُوسُهم أيّامَ نَصْرِ اللَّهِ، أيْ نَصْرُ اللَّهِ لَهم: إمّا لِأنَّهم لا يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ ولا يَسْتَنْصِرُونَهُ بَلْ تَوَجُّهُهم إلى الأصْنامِ، وإمّا لِأنَّهم لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ إلّا أنَّهم مَنصُورُونَ بِحَوْلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ فَلا يَخْطِرُ بِبالِهِمْ سُؤالُ نَصْرِ اللَّهِ أوْ رَجاؤُهُ وهم مَعْرُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّلَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَلِذَلِكَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هُنا وعُرِفُوا بِها.

وأُوثِرَ تَعْرِيفُهم بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الَّذِينَ يَرْجُونَ أيّامَ نَصْرِهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. والغَرَضُ مِن هَذا التَّعْرِيضِ الإيماءُ بِالمَوْصُولِ إلى وجْهِ أمْرِ

صفحة ٣٤١

المُؤْمِنِينَ أنْ يَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ويَصْفَحُوا عَنْ أذى المُشْرِكِينَ ولا يَتَكَلَّفُوا الِانْتِصارَ لِأنْفُسِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ.

وقَدْ يُطْلَقُ ”أيّامُ اللَّهِ“ في القُرْآنِ عَلى الأيّامِ الَّتِي حَصَلَ فِيها فَضْلُهُ ونِعْمَتُهُ عَلى قَوْمٍ، وهو أحَدُ تَفْسِيرَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] .

ومَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهم في شُغُلٍ عَنْ تَرَقُّبِ نِعَمِ اللَّهِ بِما هم فِيهِ مِن إسْنادِ فِعْلِ الخَيْرِ إلى أصْنامِهِمْ بِانْكِبابِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ دُونَ عِبادَةِ اللَّهِ ويَأْتِي في هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّعْرِيضِ والتَّحْرِيضِ مِثْلُ ما ذُكِرَ في الوَجْهِ الأوَّلِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ يَرْجُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ. وفُسِّرَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ ”أيّامَ اللَّهِ“: أيّامَ جَزائِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّها أيّامُ ظُهُورِ حُكْمِهِ وعِزِّتِهِ فَهي تُقارِبُ الأيّامَ بِالمَعْنى الأوَّلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبإ: ٣٩]، أيْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّصْرِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ يَوْمٌ فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهم لا يَخافُونَ تَمَكُّنَ اللَّهِ مِن عِقابِهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِالعَفْوِ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ في هَذِهِ الآيَةِ («وكانَ النَّبِيءُ ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ ويَصْبِرُونَ عَلى الأذى» ) .

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ”يَغْفِرُوا“ أيْ لِيَغْفِرُوا ويَصْفَحُوا عَنْ أذى المُشْرِكِينَ فَلا يَنْتَصِرُوا لِأنْفُسِهِمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ عَلى إيمانِهِمْ وعَلى ما أُوذُوا في سَبِيلِهِ فَإنَّ الِانْتِصارَ لِلنَّفْسِ تَوْفِيَةٌ لِلْحَقِّ وماذا عَساهم يَبْلُغُونَ مِن شِفاءِ أنْفُسِهِمْ بِالتَّصَدِّي لِلِانْتِقامِ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ أُولَئِكَ فَإذا تَوَكَّلُوا عَلى نَصْرِ رَبِّهِمْ كانَ نَصْرُهُ لَهم أتَمَّ وأخْضَدَ لِشَوْكَةِ المُشْرِكِينَ كَما قالَ نُوحٌ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] . وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لِيَجْزِيَهم بِما كانُوا

صفحة ٣٤٢

يَكْسِبُونَ. فَعَدَلَ إلى الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِيَكُونَ لَفْظُ ”قَوْمًا“ مُشْعِرًا بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَضْيَعَةٍ عِنْدَ اللَّهِ فَإنَّ لَفْظَ ”قَوْمٍ“ مُشْعِرٌ بِفَرِيقٍ لَهُ قِوامُهُ وعِزَّتُهُ ”﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]“ .

وتَنْكِيرُ ”قَوْمًا“ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَجْزِيَ أيَّما قَوْمٍ، أيْ قَوْمًا مَخْصُوصِينَ. وهَذا مَدْحٌ لَهم وثَناءٌ عَلَيْهِمْ. ونَحْوُهُ ما ذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ ابْنِ جِنِّي عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

أفَآتٍ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا ∗∗∗ وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حُكْمَ عَدْلِ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو تَعالى أعْرَفُ المَعارِفِ وسَمّاهُ الشّاعِرُ: حُكْمًا عَدْلًا وأخْرَجَ اللَّفْظَ مَخْرَجَ التَّنْكِيرِ، ألا تَرى كَيْفَ آلَ الكَلامُ مِن لَفْظِ التَّنْكِيرِ إلى مَعْنى التَّعْرِيفِ ا ه. والأظْهَرُ أنَّ ”قَوْمًا“ مُرادٌ بِهِ الإبْهامُ وتَنْوِينُهُ لِلتَّنْكِيرِ فَقَطْ.

والمَعْنى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ قَوْمٍ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ بِما يُناسِبُ كَسْبِهِمْ فَيَكُونُ وعِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ المُعْتَدِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ ووَعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالصَّفْحِ والتَّجاوُزِ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ، وهَذا وجْهُ عَدَمِ تَعْلِيقِ الجَزاءِ بِضَمِيرِ المُوقِنِينَ لِأنَّهُ أُرِيدَ العُمُومُ فَلَيْسَ ثَمَّةَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ . وهَذا كالتَّفْصِيلِ لِلْإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ عَلى سابِقَتِها، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لِيَجْزِيَ قَوْمًا“ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ”أيّامَ اللَّهِ“ . وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِنُونِ العَظَمَةِ في أوَّلِهِ عَلى الِالتِفاتِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَحِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَضْمُومَةٍ وبِفَتْحِ الزّايِ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ونَصَبَ ”قَوْمًا“ . وتَأْوِيلُها أنَّ نائِبَ الفاعِلِ مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ يَجْزِي. والتَّقْدِيرُ: لِيَجْزِيَ الجَزاءَ. و”قَوْمًا“ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ يَجْزِي مِن بابِ كَسا وأعْطى. ولَيْسَ هَذا مِن إنابَةِ المَصْدَرِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَدْ مَنَعَهُ نُحاةُ البَصْرَةِ بَلْ جُعِلَ المَصْدَرُ مَفْعُولًا أوَّلَ مِن بابِ أعْطى وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ جَزى، وإنابَةُ المَفْعُولِ الثّانِي في بابِ كَسا وأعْطى مُتَّفَقٌ

صفحة ٣٤٣

عَلى جَوازِهِ وإنْ كانَ الغالِبُ إنابَةَ المَفْعُولِ الأوَّلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] .

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ بَعْدَ الأعْمالِ في الدُّنْيا تَصِيرُونَ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ والسَّيِّئَةِ بِما يُناسِبُ أعْمالَكم.

وأطْلَقَ عَلى المَصِيرِ إلى حُكْمِ اللَّهِ أنَّهُ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِحالِ مَن كانَ بَعِيدًا عَنْ سَيِّدِهِ أوْ أمِيرِهِ فَعَمِلَ ما شاءَ ثُمَّ رَجَعَ إلى سَيِّدِهِ أوْ أمِيرِهِ فَإنَّهُ يُلاقِي جَزاءَ ما عَمِلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ.

45:16–17Page 500

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

And We did certainly give the Children of Israel the Scripture and judgement1 and prophethood, and We provided them with good things and preferred them over the worlds.

وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٧

And We gave them clear proofs of the matter [of religion]. And they did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ الوَجْهُ أنْ يَكُونَ سَوْقُ خَبَرِ بَنِي إسْرائِيلَ هُنا تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ [الجاثية: ١٨] أثارَ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ﴾ [الجاثية: ٨] إلى قَوْلِهِ ”﴿اتَّخَذَها هُزُؤًا﴾ [الجاثية: ٩]“ ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] فَكانَ المَقْصِدُ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ [الجاثية: ١٨] ولِذَلِكَ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ، أيْ عَلى أهَمِّيَّةِ ما عُطِفَ بِها.

ومُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ أنْ يَقَعَ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ الآيَتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ﴾ [الجاثية: ١٨] فَيَكُونَ دَلِيلًا وحُجَّةً لَهُ؛ فَأخْرَجَ النَّظْمَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَجُعِلَتِ الحُجَّةُ تَمْهِيدًا قَصْدًا لِلتَّشْوِيقِ لِما بَعْدَهُ، ولِيَقَعَ ما بَعْدَهُ مَعْطُوفًا بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى أهَمِّيَّةِ ما بَعْدَها.

صفحة ٣٤٤

وقَدْ عُرِفَ مِن تَوَرُّكِ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في شَأْنِ القُرْآنِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وقَوْلِهِمْ ”﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]“، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ وقَعَ هَذا بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُؤًا﴾ [الجاثية: ٩] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى تِلْكَ الجُمَلِ.

وأُدْمِجَ في خِلالِها ما اخْتَلَفَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى ما دَعَتْهم إلَيْهِ شَرِيعَتُهم، لِما فِيهِ مِن تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى مُخالَفَةِ قَوْمِهِ دَعَوَتَهُ تَنْظِيرًا في أصْلِ الِاخْتِلافِ دُونَ أسْبابِهِ وعَوارِضِهِ.

ولَمّا كانَ في الكَلامِ ما القَصْدُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ والِاعْتِبارُ بِأحْوالِ الأُمَمِ حَسُنَ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ، فَمَصَبُّ هَذا التَّحْقِيقِ هو التَّفْرِيعُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ تَأْكِيدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَقْضِي بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ كَشَأْنِهِ فِيما حَدَثَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَدْ بُسِطَ في ذِكْرِ النَّظِيرِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن وصْفِ حالِهِمْ حِينَما حَدَثَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم، ومِنَ التَّصْرِيحِ بِالدّاعِي لِلِاخْتِلافِ بَيْنَهم ما طُوِيَ مِن مِثْلِ بَعْضِهِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ حِينَ جاءَهُمُ الإسْلامُ فاخْتَلَفُوا مَعَ أهْلِهِ إيجازًا في الكَلامِ لِلِاعْتِمادِ عَلى ما يَفْهَمُهُ السّامِعُونَ بِطَرِيقِ المُقايَسَةِ عَلى أنَّ أكْثَرَهُ قَدْ وقَعَ تَفْصِيلُهُ في الآياتِ السّابِقَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٦] وقَوْلِهِ ”﴿هَذا هُدًى﴾ [الجاثية: ١١]“، فَإنَّ ذَلِكَ يُقابِلُ قَوْلَهُ هُنا ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ ومِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] فَإنَّهُ يُقابِلُ قَوْلَهُ هُنا ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾، ومِثْلَ قَوْلِهِ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾ [الجاثية: ٨] إلى ”لَهم ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩]“ فَإنَّهُ يُقابِلُ قَوْلَهُ هُنا ﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] فَإنَّهُ مُقابِلُ قَوْلِهِ هُنا ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .

صفحة ٣٤٥

والكِتابُ: التَّوْراةُ.

والحُكْمُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحِكْمَةِ، أيِ الفَهْمِ في الدِّينِ وعِلْمِ مَحاسِنِ الأخْلاقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، يَعْنِي يَحْيى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى السِّيادَةِ، أيْ أنَّهم يَحْكُمُونَ أنْفُسَهم بِأنْفُسِهِمْ ولا تَحْكُمُهم أُمَّةٌ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]“، والنُّبُوَّةُ أنْ يَقُومَ فِيهِمْ أنْبِياءٌ.

ومَعْنى إيتائِهِمْ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ: إيجادُها في الأُمَّةِ وإيجادُ القائِمِينَ بِها لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلى الأُمَّةِ جَمْعاءَ فَكانَ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ الأُمَّةِ كَمَن أُوتِيَ تِلْكَ الأُمُورَ.

وأمّا رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَبِأنْ يَسَّرَ لَهُمُ امْتِلاكَ بِلادِ الشّامِ الَّتِي تُفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا كَما في التَّوْراةِ في وعْدِ إبْراهِيمَ والَّتِي تُجْبى إلَيْها ثَمَراتُ الأرْضِينَ المُجاوِرَةِ لَها وتَرِدُ عَلَيْها سِلَعُ الأُمَمِ المُقابِلَةِ لَها عَلى سَواحِلِ البَحْرِ فَتَزْخَرُ مَراسِيها بِمُخْتَلَفِ الطَّعامِ واللِّباسِ والفَواكِهِ والثِّمارِ والزَّخارِفِ، وذَلِكَ بِحُسْنِ مَوْقِعِ البِلادِ مِن بَيْنِ المَشْرِقِ بَرًّا والمَغْرِبِ بَحْرًا. والطَّيِّباتُ: هي الَّتِي تَطِيبُ عِنْدَ النّاسِ وتَحْسُنُ طَعْمًا ومَنظَرًا ونَفْعًا وزِينَةً.

وأمّا تَفْضِيلُهم عَلى العالَمِينَ فَبِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم بَيْنَ اسْتِقامَةِ الدِّينِ والخُلُقِ، وبَيْنَ حُكْمِ أنْفُسِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وبَثِّ أُصُولِ العَدْلِ فِيهِمْ، وبَيْنَ حُسْنِ العَيْشِ والأمْنِ والرَّخاءِ، فَإنَّ أُمَمًا أُخْرى كانُوا في بُحْبُوحَةٍ مِنَ العَيْشِ ولَكِنْ يَنْقُصُ بَعْضَها اسْتِقامَةُ الدِّينِ والخُلُقِ، وبَعْضَها عِزَّةُ حُكْمِ النَّفْسِ وبَعْضَها الأمْنُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الفِتَنِ.

والمُرادُ بِـ ”العالَمِينَ“: أُمَمُ زَمانِهِمْ وكُلُّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَمّا مَضى مِن شَأْنِ بَنِي إسْرائِيلَ في عُنْفُوانِ أمْرِهِمْ لا عَمّا آلَ إلَيْهِ أمْرُهم بَعْدَ أنِ اخْتَلَفُوا واضْمَحَلَّ مُلْكُهم ونُسِخَتْ شَرِيعَتُهم.

و”بَيِّناتٌ“ صِفَةٌ نُزِّلَتْ مَنزِلَةَ الجامِدِ، فالبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الظّاهِرَةُ، أيْ آتَيْناهم حُجَجًا، أيْ عَلَّمْناهم بِواسِطَةِ كُتُبِهِمْ وبِواسِطَةِ عُلَمائِهِمْ حُجَجَ الحَقِّ والهُدى الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ لا تَتْرُكَ لِلشَّكِّ والخَطَأِ إلى نُفُوسِهِمْ سُبُلًا إلّا سَدَّتْها.

والأمْرُ: الشَّأْنُ كَما في قَوْلِهِ ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] والتَّعْرِيفُ في الأمْرِ

صفحة ٣٤٦

لِلتَّعْظِيمِ، أيْ مِن شُئُونٍ عَظِيمَةٍ، أيْ شَأْنُ الأُمَّةِ وما بِهِ قِوامُ نِظامِها إذْ لَمْ يَتْرُكْ مُوسى والأنْبِياءُ مِن بَعْدِهِ شَيْئًا مُهِمًّا مِن مَصالِحِهِمْ إلّا وقَدْ وضَّحُوهُ وبَيَّنُوهُ وحَذَّرُوا مِنَ الِالتِباسِ فِيهِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ مِنَ الأمْرِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ فَيَحْصُلُ مِن هَذا أنَّ مَعْنى ”﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾“: عَلَّمْناهم حُجَجًا وعُلُومًا في أمْرِ دِينِهِمْ ونِظامِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في تَدْبِيرِ مُجْتَمَعِهِمْ وعَلى سَلامَةٍ مِن مَخاطِرِ الخَطَأِ والخَطَلِ.

وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ تَفْرِيعُ إدْماجٍ لِمُناسَبَتِهِ لِلْحالَةِ الَّتِي أُرِيدَ تَنْظِيرُها. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فاخْتَلَفُوا وما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ، فَحُذِفَ المُفَرَّعُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ إذِ المَقْصُودُ هو التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ كَيْفَ اخْتَلَفُوا حِينَ لا مَظَنَّةَ لِلِاخْتِلافِ إذْ كانَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ المَعْهُودُ بِالذِّكْرِ آنِفًا مِنَ الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والبَيِّناتِ مِنَ الأمْرِ، ولَوِ اخْتَلَفُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَكانَ لَهم عُذْرٌ في الِاخْتِلافِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] .

وهَذا الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّعْجِيبِ مِنِ اخْتِلافِ المُشْرِكِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ إنَّ المُشْرِكِينَ لَيْسُوا عَلى عِلْمٍ ولا هُدًى لِيَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مَلْطُوفٌ بِهِ في رِسالَتِهِ.

والبَغْيُ: الظُّلْمُ. والمُرادُ: أنَّ اخْتِلافَهم عَنْ عَمْدٍ ومُكابَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ولَيْسَ عَنْ غَفْلَةٍ أوْ تَأْوِيلٍ، وهَذا الظُّلْمُ هو ظُلْمُ الحَسَدِ فَإنَّ الحَسَدَ مِن أعْظَمِ الظُّلْمِ، أيْ فَكَذَلِكَ حالُ نُظَرائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ما اخْتَلَفُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ إلّا بَغْيًا مِنهم عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ بِدَلالَةِ إعْجازِ القُرْآنِ لَفْظًا ومَعانِيَ.

وانْتَصَبَ ”بَغْيًا“ إمّا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وإمّا عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالعامِلُ فِيهِ فِعْلُ ”اخْتَلَفُوا“، وإنْ كانَ مَنفِيًّا في اللَّفْظِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ أبْطَلَ النَّفْيَ إذْ ما أُرِيدَ إلّا نَفْيُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ في وقْتٍ

صفحة ٣٤٧

قَبْلَ أنْ يَحُثَّهُمُ العِلْمُ فَلَمّا اسْتُفِيدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِثْناءِ صارَ الِاخْتِلافُ ثابِتًا وما عَدا ذَلِكَ غَيْرُ مَنفِيٍّ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ خَبَرَهُمُ العَجِيبُ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ سامِعِهِ عَنْ جَزاءِ اللَّهِ إيّاهم عَلى فِعْلِهِمْ، وهَذا جَوابٌ فِيهِ إجْمالٌ لِتَهْوِيلِ ما سَيُقْضى بِهِ بَيْنَهم في الخَيْرِ والشَّرِّ لِأنَّ الخِلافَ يَقْتَضِي مُحِقًّا ومُبْطِلًا.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣] في سُورَةِ يُونُسَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском