Ibn 'AshurAl‑Mulk · 67:1–2

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الملك

Al-Mulk

The Sovereignty · Meccan · 30 ayahs

67:1Page 562

تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١

Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -

صفحة ٩

﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِما يَدُلُّ عَلى مُنْتَهى كَمالِ اللَّهِ تَعالى افْتِتاحًا يُؤْذِنُ بِأنَّ ما حَوَتْهُ يَحُومُ حَوْلَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ النَّقْصِ الَّذِي افْتَراهُ المُشْرِكُونَ لَمّا نَسَبُوا إلَيْهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ والتَّصَرُّفِ مَعَهُ والتَّعْطِيلِ لِبَعْضِ مُرادِهِ.

فَفِي هَذا الاِفْتِتاحِ بَراعَةُ الاِسْتِهْلالِ كَما تَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ الفُرْقانِ.

وفِعْلُ تَبارَكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في وفْرَةِ الخَيْرِ، وهو في مَقامِ الثَّناءِ يَقْتَضِي العُمُومَ بِالقَرِينَةِ، أيْ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ وفْرَةٍ مِنَ الكَمالِ ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ نَوْعٌ مِنها عَنْ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ تَعالى.

وصِيغَةُ (تَفاعَلَ) إذا أُسْنِدَتْ إلى واحِدٍ تَدُلُّ عَلى تَكَلُّفِ فِعْلِ ما اشْتُقَّتْ مِنهُ نَحْوُ: تَطاوَلَ وتَغابَنَ، وتَرِدُ كِنايَةً عَنْ قُوَّةِ الفِعْلِ وشِدَّتِهِ مِثْلُ: تَواصَلَ الحَبْلُ.

وهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ البَرَكَةِ، وهي زِيادَةُ الخَيْرِ ووَفْرَتُهُ، وتَقَدَّمَتِ البَرَكَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ.

وتَقَدَّمَ (تَبارَكَ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في أوَّلِ الأعْرافِ.

وهَذا الكَلامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ، أثْناهُ عَلى نَفْسِهِ، وتَعْلِيمًا لِلنّاسِ كَيْفَ يُثْنُونَ عَلى اللَّهِ ويَحْمَدُونَهُ كَما في ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]: إمّا عَلى وجْهِ الكِنايَةِ بِالجُمْلَةِ عَنْ إنْشاءِ الثَّناءِ، وإمّا بِاسْتِعْمالِ الصِّيغَةِ المُشْتَرِكَةِ بَيْنَ الإخْبارِ والإنْشاءِ في مَعْنَيَيْها، ولَوْ صِيغَ بِغَيْرِ هَذا الأُسْلُوبِ لَما احْتَمَلَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] .

وجُعِلَ المُسْنَدُ إلَيْهِ اسْمًا مَوْصُولًا لِلْإيذانِ بِأنَّ مَعْنى الصِّلَةِ، مِمّا اشْتُهِرَ بِهِ كَما هو غالِبُ أحْوالِ المَوْصُولِ فَصارَتِ الصِّلَةُ مُغْنِيَةً عَنِ الاِسْمِ العَلَمِ لِاسْتِوائِهِما في الاِخْتِصاصِ بِهِ؛ إذْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الاِخْتِصاصَ بِالمُلْكِ الكامِلِ المُطْلَقِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ.

صفحة ١٠

وذِكْرُ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ هُنا نَظِيرُ ذِكْرِ مِثْلِهِ عَقِبَ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٢] .

والباءُ في بِيَدِهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى في، مِثْلُ الباءِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأمْكِنَةِ نَحْوُ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

بِسِقْطِ اللِّوى، فالظَّرْفِيَّةُ هُنا مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى إحاطَةِ قُدْرَتِهِ بِحَقِيقَةِ المُلْكِ، المُلْكُ عَلى هَذا اسْمٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها مَلِكًا.

والتَّعْرِيفُ في المُلْكُ عَلى هَذا الوَجْهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ الَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ أفْرادِ الجِنْسِ، وهو الاسْتِغْراقُ فَما يُوجَدُ مِن أفْرادِهِ فَرْدٌ إلّا وهو مِمّا في قُدْرَةِ اللَّهِ فَهو يُعْطِيهِ وهو يَمْنَعُهُ.

واليَدُ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِعارَةٌ لِلْقُدْرَةِ والتَّصَرُّفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقَوْلِ العَرَبِ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ يَدانِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، ويَكُونُ المُلْكُ اسْمًا فَيَأْتِي في مَعْناهُ ما قُرِّرَ في الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ وهو بِيَدِهِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ الاِخْتِصاصِ، أيِ المُلْكُ بِيَدِهِ لا بَيْدِ غَيْرِهِ.

وهُوَ قَصْرٌ ادِّعائِيٌ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الاِعْتِدادِ بِمُلْكِ غَيْرِهِ، ولا بِما يَتَراءى مِن إعْطاءِ الخُلَفاءِ والمُلُوكِ الأصْقاعَ لِلْأُمَراءِ والسَّلاطِينِ ووُلاةِ العَهْدِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُلْكٌ غَيْرُ تامٍّ؛ لِأنَّهُ لا يَعُمُّ المَمْلُوكاتِ كُلَّها، ولِأنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ، ومُلْكُ اللَّهِ هو المُلْكُ الحَقِيقِيُّ، قالَ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] .

فالنّاسُ يَتَوَهَّمُونَ أمْثالَ ذَلِكَ مُلْكًا ولَيْسَ كَما يَتَوَهَّمُونَ.

واليَدُ: تَمْثِيلٌ بِأنْ شُبِّهَتِ الهَيْئَةُ المَعْقُولَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ التَّصَرُّفِ المُطْلَقِ في المُمْكِناتِ المَوْجُودَةِ والمَعْدُومَةِ بِالإمْدادِ والتَّغْيِيرِ والإعْدامِ والإيجادِ؛ بِهَيْئَةِ إمْساكِ اليَدِ بِالشَّيْءِ المَمْلُوكِ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ في المُرَكَّباتِ.

صفحة ١١

وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والمُلْكُ بِضَمِّ المِيمِ: اسْمٌ لِأكْمَلِ أحْوالِ المِلْكِ بِكَسْرِ المِيمِ، والمِلْكُ بِالكَسْرِ جِنْسٌ لِلْمُلْكِ بِالضَّمِّ، وفُسِّرَ المُلْكُ المَضْمُومُ بِضَبْطِ الشَّيْءِ المُتَصَرَّفِ فِيهِ بِالحُكْمِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ. وأرى أنْ يُفَسَّرَ بِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ ووَطَنِهِمْ تَصَرُّفًا كامِلًا بِتَدْبِيرٍ ورِعايَةٍ، فَكُلُّ مُلْكٍ بِالضَّمِّ مِلْكٌ بِالكَسْرِ، ولَيْسَ كُلُّ مِلْكٍ مُلْكًا.

وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] في الفاتِحَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٢٤٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ الَّتِي هي صِلَةُ المَوْصُولِ وهي تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِتَكْمِيلِ المَقْصُودِ مِنَ الصِّلَةِ؛ إذْ أفادَتِ الصِّلَةُ عُمُومَ تَصَرُّفِهِ في المَوْجُوداتِ، وأفادَتْ هَذِهِ عُمُومَ تَصَرُّفِهِ في المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ بِالإعْدامِ لِلْمَوْجُوداتِ والإيجادِ لِلْمَعْدُوماتِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُفِيدًا مَعْنًى آخَرَ غَيْرَ ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ تَفادِيًا مِن أنْ يَكُونَ مَعْناهُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى بِيَدِهِ المُلْكُ، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتْمِيمًا لِلصِّلَةِ. وفي مَعْنى صِلَةٍ ثانِيَةٍ ثُمَّ عُطِفَتْ ولَمْ يُكَرَّرْ فِيها اسْمٌ مَوْصُولٌ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ﴾ [الملك: ٢] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [الملك: ٣] .

وشَيْءٍ: ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ. وهَذا هو الإطْلاقُ الأصْلِيُّ في اللُّغَةِ. وقَدْ يُطْلَقُ (الشَّيْءُ) عَلى خُصُوصِ المَوْجُودِ بِحَسَبِ دَلالَةِ القَرائِنِ والمَقاماتِ. وأمّا التِزامُ الأشاعِرَةِ: أنَّ الشَّيْءَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَوْجُودِ فَهو التِزامُ ما لا يَلْزَمُ، دَعا إلَيْهِ سَدُّ بابِ الحِجاجِ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الوُجُودَ عَيْنُ المَوْجُودِ أوْ زائِدٌ عَلى المَوْجُودِ، فَتَفَرَّعَتْ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ: أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ وأنَّ الشَّيْءَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَوْجُودِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ وهي مَسْألَةٌ لا طائِلَ تَحْتَها، والخِلافُ فِيها لَفْظِيٌّ، والحَقُّ أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الاِصْطِلاحِ في مَسائِلِ عِلْمِ الكَلامِ لا عَلى تَحْقِيقِ المَعْنى في اللُّغَةِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِما فِيهِ مِنَ التَّعْمِيمِ، ولِإبْطالِ دَعْوى المُشْرِكِينَ نِسْبَتَهُمُ الإلَهِيَّةِ لِأصْنامِهِمْ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ.

67:2Page 562

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢

[He] who created death and life to test you [as to] which of you is best in deed - and He is the Exalted in Might, the Forgiving -

صفحة ١٢

﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهْوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] فَلَمّا شَمِلَ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] تَعَلُّقَ القُدْرَةِ بِالمَوْجُودِ والمَعْدُومِ أُتْبِعَ بِوَصْفِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي مِنهُ خَلْقُ المَخْلُوقاتِ وأعْراضِها؛ لِأنَّ الخَلْقَ أعْظَمُ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ لِدَلالَتِهِ عَلى صِفَةِ القُدْرَةِ وعَلى صِفَةِ العِلْمِ.

وأُوثِرَ بِالذِّكْرِ مِنَ المَخْلُوقاتِ المَوْتُ والحَياةُ لِأنَّهُما أعْظَمُ العَوارِضِ لِجِنْسِ الحَيَوانِ الَّذِي هو أعْجَبُ المَوْجُودِ عَلى الأرْضِ والَّذِي الإنْسانُ نَوْعٌ مِنهُ، وهو المَقْصُودُ بِالمُخاطَبَةِ بِالشَّرائِعِ والمَواعِظِ، فالإماتَةُ تَصَرُّفٌ في المَوْجُودِ بِإعْدادِهِ لِلْفَناءِ، والإحْياءُ تَصَرُّفٌ في المَعْدُومِ بِإيجادِهِ ثُمَّ إعْطائِهِ الحَياةَ لِيَسْتَكْمِلَ وُجُودَ نَوْعِهِ.

فَلَيْسَ ذِكْرُ خَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ تَفْصِيلًا لِمَعْنى المُلْكِ بَلْ هو وصْفٌ مُسْتَقِلٌّ.

والاِقْتِصارُ عَلى خَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ لِأنَّهُما حالَتانِ هُما مَظْهَرا تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ في الذّاتِ والعَرَضِ؛ لِأنَّ المَوْتَ والحَياةَ عَرَضانِ والإنْسانُ مَعْرُوضٌ لَهُما.

والعَرَضُ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ فَلَمّا ذُكِرَ خَلْقُ العَرَضِ عُلِمَ مِن ذِكْرِهِ خَلْقُ مَعْرُوضِهِ بِدَلالَةِ الاِقْتِضاءِ.

وأُوثِرَ ذِكْرُ المَوْتِ والحَياةِ لِما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِنَ العِبْرَةِ بِتَداوُلِ العَرَضَيْنِ المُتَضادَّيْنِ عَلى مَعْرُوضٍ واحِدٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ صُنْعِ الصّانِعِ، فالمَوْتُ والحَياةُ عَرَضانِ يَعْرِضانِ لِلْمَوْجُودِ مِنَ الحَيَوانِ، والمَوْتُ يُعِدُّ المَوْجُودَ لِلْفَناءِ، والحَياةُ تُعِدُّ المَوْجُودَ لِلْعَمَلِ لِلْبَقاءِ مُدَّةً. وهُما عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ الأعْراضِ المُخْتَصَّةِ بِالحَيِّ، وعِنْدَ الحُكَماءِ مِن مَقُولَةِ الكَيْفِ ومِن قِسْمِ الكَيْفِيّاتِ النَّفْسانِيَّةِ مِنهُ.

فالحَياةُ: قُوَّةٌ تَتْبَعُ اعْتِدالَ المِزاجِ النَّوْعِيِّ لِتَفِيضَ مِنها سائِرُ القُوى.

والمَوْتُ: كَيْفِيَّةٌ عَدَمِيَّةٌ هو عَدَمُ الحَياةِ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُوصَفَ بِالحَياةِ أوِ المَوْتِ، أيْ زَوالِ الحَياةِ عَنِ الحَيِّ، فَبَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ تَقابُلُ العَدَمِ والمَلَكَةِ.

ومَعْنى خَلْقِ الحَياةِ: خَلْقُ الحَيِّ؛ لِأنَّ قِوامَ الحَيِّ هو الحَياةُ، فَفي خَلْقِهِ خَلْقُ ما

صفحة ١٣

بِهِ قِوامُهُ، وأمّا مَعْنى خَلْقِ المَوْتِ فَإيجادُ أسْبابِهِ وإلّا فَإنَّ المَوْتَ عَدَمٌ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الخَلْقُ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ عَرَضًا لِلْمَخْلُوقِ عَبَّرَ عَنْ حُصُولِهِ بِالخَلْقِ تَبَعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .

وأيْضًا لِأنَّ المَوْتَ تَصَرُّفٌ في المَوْجُودِ القادِرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ما يَكْرَهُهُ. والمَوْتُ مَكْرُوهٌ لِكُلِّ حَيٍّ فَكانَتِ الإماتَةُ مَظْهَرًا عَظِيمًا مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ فِيها تَجَلِّي وصْفِ القاهِرِ.

فَأمّا الإحْياءُ فَهو مِن مَظاهِرِ وصْفِ القادِرِ ولَكِنْ مَعَ وصْفِهِ المُنْعِمِ.

فَمَعْنى القُدْرَةِ في الإماتَةِ أظْهَرُ وأقْوى؛ لِأنَّ القَهْرَ ضَرْبٌ مِنَ القُدْرَةِ.

ومَعْنى القُدْرَةِ في الإحْياءِ خَفِيٌّ بِسَبَبِ أمْرَيْنِ: بِدِقَّةِ الصُّنْعِ وذَلِكَ مِن آثارِ صِفَةِ العِلْمِ، وبِنِعْمَةِ كَمالِ الجِنْسِ وذَلِكَ مِن آثارِ صِفَةِ الإنْعامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفِي ذِكْرِهِما تَخَلُّصٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما مِنَ الآثارِ الَّتِي أعْظَمُها العَمَلُ في الحَياةِ والجَزاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، وذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فَإنَّ مَعْنى الابْتِلاءِ مُشْعِرٌ بِتَرَتُّبِ أثَرٍ لَهُ وهو الجَزاءُ عَلى العَمَلِ لِلتَّذْكِيرِ بِحِكْمَةِ جَعْلِ هَذَيْنِ النّامُوسَيْنِ البَدِيعَيْنِ في الحَيَوانِ لِتَظْهَرَ حِكْمَةُ خَلْقِ الإنْسانِ ويُفْضِيا بِهِ إلى الوُجُودِ الخالِدِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .

وهَذا التَّعْلِيلُ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ.

وفِيهِ اسْتِدْلالٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِدَلالَةٍ في أنْفُسِهِمْ قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .

والمَعْنى: أنَّهُ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَكُونَ مِنكم أحْياءٌ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ والسَّيِّئاتِ، ثُمَّ أمْواتًا يَخْلُصُونَ إلى يَوْمِ الجَزاءِ فَيُجْزَوْنَ عَلى أعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُها.

فالتَّعْرِيفُ في (المَوْتَ) و(الحَياةَ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وفي الكَلامِ تَقْدِيرُ: هو الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِتَحْيَوْا فَيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وتَمُوتُوا فَتُجْزَوْا عَلى حَسَبِ تِلْكَ البَلْوى، ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِن هَذا الكَلامِ قَدَّمَ المَوْتَ عَلى الحَياةِ.

صفحة ١٤

وجُمْلَةُ (لِيَبْلُوَكم) إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُولَيْنِ.

واللّامُ في (لِيَبْلُوَكم) لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ في خَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ حِكْمَةُ أنْ يَبْلُوَكم. إلَخْ.

وتَعْلِيلُ فِعْلٍ بِعِلَّةٍ لا يَقْتَضِي انْحِصارُ عِلَلِهِ في العِلَّةِ المَذْكُورَةِ فَإنَّ الفِعْلَ الواحِدَ تَكُونُ لَهُ عِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَيُذْكَرُ مِنها ما يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِ (خَلَقَ) بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ عَلى مَفْعُولِهِ، وهو (والحَياةَ) لِأنَّ حَياةَ الإنْسانِ حَياةٌ خاصَّةٌ تُصَحِّحُ لِلْمَوْصُوفِ بِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ الخاصَّ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ إلى العَمَلِ بِاخْتِيارِهِ، وذَلِكَ العَمَلُ هو الَّذِي يُوصَفُ بِالحُسْنِ والقُبْحِ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالمَنطُوقِ والمَفْهُومِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيْ وأيُّكم أقْبَحُ عَمَلًا.

ولِذَلِكَ فَذِكْرُ خَلْقِ المَوْتِ إتْمامٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ الإلَهِيِّ وهو المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ، وذِكْرُ خَلْقِ الحَياةِ إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ، وهو مِن أغْراضِ السُّورَةِ.

ولا أشُكُّ في أنَّ بِناءَ هَذا العالَمِ عَلى نامُوسِ المَوْتِ والحَياةِ لَهُ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَعْسُرُ عَلى الأفْهامِ الاطِّلاعُ عَلَيْها.

والبَلْوى: الاخْتِبارُ وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ أيْ لِيُعْلَمَ عِلْمُ ظُهُورٍ أوْ مُسْتَعارَةٌ لِإظْهارِ الأمْرِ الخَفِيِّ، فَجُعِلَ إظْهارُ الشَّيْءِ الخَفِيِّ شَبِيهًا بِالاخْتِبارِ.

وجُمْلَةُ (﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) مُرْتَبِطَةٌ بِ (يَبْلُوَكم) .

و(أيُّ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ، ورَفْعُهُ يُعَيِّنُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وأنَّهُ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلَفْظٍ قَبْلَهُ فَوَجَبَ بَيانُ مَوْقِعَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ أوَّلِ سُورَةِ هُودَ أنَّ جُمْلَةَ الاسْتِفْهامِ سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي، وأنَّ فِعْلَ (يَبْلُوَكم) المُضَمَّنِ مَعْنى (يَعْلَمُكم) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي، ولَيْسَ وُجُودُ المَفْعُولِ الأوَّلِ مانِعًا مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي وإنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا في الكَلامِ.

والوَجْهُ الثّانِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ واقِعَةً في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي (لِيَبْلُوَكم) أيْ تُؤَوَّلُ الجُمْلَةُ بِمَعْنى مُفْرَدٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُعْلِمَكم أهَذا الفَرِيقُ أحْسَنُ عَمَلًا أمِ الفَرِيقُ الآخَرُ.

صفحة ١٥

وهَذا مُخْتارُ صاحِبِ الكَشّافِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ومَبْناهُ عَلى أنَّ تَعْلِيقَ أفْعالِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ لا يَسْتَقِيمُ إلّا إذا لَمْ يُذْكَرْ لِلْفِعْلِ مَفْعُولٌ، فَإذا ذُكِرَ مَفْعُولٌ لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي، وحاصِلُهُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ يُقالُ في حَقِّهِمْ (أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا) عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] أيْ لِنَنْزِعَنَّ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ: أيُّهم أشَدُّ.

وجَوَّزَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِيُعْلَمَ جَوابُ سُؤالِ سائِلٍ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا.

قُلْتُ: ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ (﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) مُسْتَأْنَفَةً وتَجْعَلَ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ (لِيَبْلُوَكم) ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحْضِيضِ عَلى حُسْنِ العَمَلِ كَما هو في قَوْلِ طَرَفَةَ:

إذا القَوْمُ قالُوا مَن فَتًى خِلْتُ أنَّنِي عُنِيتُ فَلَمْ أكْسُلْ ولَمْ أتَـبَـلَّـدْ

فَجَعَلَ الاسْتِفْهامَ تَحْضِيضًا.

و(أحْسَنُ) تَفْضِيلٌ، أيْ أحْسَنُ عَمَلًا مِن غَيْرِهِ، فالأعْمالُ الحَسَنَةُ مُتَفاوِتَةٌ في الحُسْنِ إلى أدْناها، فَأمّا الأعْمالُ السَّيِّئَةُ فَإنَّها مَفْهُومَةٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى؛ لِأنَّ البَلْوى في أحْسَنِ الأعْمالِ تَقْتَضِي البَلْوى في السَّيِّئاتِ بِالأوْلى؛ لِأنَّ إحْصاءَها والإحاطَةَ بِها أوْلى في الجَزاءِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الاجْتِراءِ عَلى الشّارِعِ، ومِنَ الفَسادِ في النَّفْسِ، وفي نِظامِ العالَمِ، وذَلِكَ أوْلى بِالعِقابِ عَلَيْهِ فَفي قَوْلِهِ ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ إيجازٌ.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) إشارَةٌ إلى صِفاتِهِ تَعالى تَقْتَضِي تَعَلُّقًا بِمُتَعَلَّقاتِها؛ لِئَلّا تَكُونَ مُعَطَّلَةً في بَعْضِ الأحْوالِ والأزْمانِ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى نَقائِضِها. فَأمّا العَزِيزُ فَهو الغالِبُ الَّذِي لا يَعْجَزُ عَنْ شَيْءٍ، وذِكْرُهُ مُناسِبٌ لِلْجَزاءِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ (﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ لِيَجْزِيَكم جَزاءَ العَزِيزِ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ الجَزاءُ عَلى المُخالَفاتِ والنُّكُولِ عَنِ الطّاعَةِ. وهَذا حَظُّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَمِلَهم ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ (لِيَبْلُوَكم) .

صفحة ١٦

وأمّا الغَفُورُ فَهو الَّذِي يُكْرِمُ أوْلِياءَهُ ويَصْفَحُ عَنْ فَلَتاتِهِمْ فَهو مُناسِبٌ لِلْجَزاءِ عَلى الطّاعاتِ وكِنايَةٌ عَنْهُ، قالَ تَعالى ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] فَهو إشارَةٌ إلى حَظِّ أهْلِ الصَّلاحِ مِنَ المُخاطَبِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском