Ibn 'AshurAl‑Hajj · 22:1–4

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الحج

Al-Hajj

The Pilgrimage · Medinan · 78 ayahs

22:1Page 332

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١

O mankind, fear your Lord. Indeed, the convulsion of the [final] Hour is a terrible thing.

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾

نِداءٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المَوُجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِها ومَن يَأْتُونَ بَعْدَهم

صفحة ١٨٦

إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَتَلَقَّوُا الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ وخَشْيَتِهِ، أيْ خَشْيَةِ مُخالَفَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، فَتَقْوى كُلِّ فَرِيقٍ بِحَسَبِ حالِهِمْ مِنَ التَّلَبُّسِ بِما نَهى اللَّهُ عَنْهُ والتَّفْرِيطِ فِيما أمَرَ بِهِ، لِيَسْتَبْدِلُوا ذَلِكَ بِضِدِّهِ.

وأوَّلُ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ دُخُولًا في خِطابِ (يا أيُّها النّاسُ) هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ حَتّى قِيلَ إنَّ الخِطابَ بِذَلِكَ خاصٌّ بِهِمْ. وهَذا يَشْمَلُ مُشْرِكِي أهْلِ المَدِينَةِ قَبْلَ صَفائِها مِنهم. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ بِصِفَةِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إيماءً إلى اسْتِحْقاقِهِ أنْ يُتَّقى لِعَظَمَتِهِ بِالخالِقِيَّةِ، وإلى جَدارَةِ النّاسِ بِأنْ يَتَّقُوهُ لِأنَّهُ بِصِفَةِ تَدْبِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَأْمُرُ ولا يَنْهى إلّا لِيَرْعى مَصالِحَ النّاسِ ودَرْءَ المَفاسِدِ عَنْهم. وكِلا الأمْرَيْنِ لا يُفِيدُهُ غَيْرُ وصْفِ الرَّبِّ دُونَ نَحْوِ الخالِقِ والسَّيِّدِ. وتَعْلِيقُ التَّقْوى بِذاتِ الرَّبِّ يَقْتَضِي بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ مَعْنى اتِّقاءِ مُخالَفَتِهِ أوْ عِقابِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى لا تَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ بَلْ بِشَأْنٍ لَها مُناسِبٍ لِلْمَقامِ. وأوَّلُ تَقْواهُ هو تَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقائِصِ، وفي مُقَدِّمَةِ ذَلِكَ تَنْزِيهُهُ عَنِ الشُّرَكاءِ بِاعْتِقادِ وحْدانِيَّتِهِ في الإلَهِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى كَما يُفِيدُ حَرْفُ التَّوْكِيدِ الواقِعُ في مَقامِ خِطابٍ لا تَرَدُّدَ لِلسّامِعِ فِيهِ. والتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ لِزَلْزَلَةِ السّاعَةِ أثَرًا في الأمْرِ بِالتَّقْوى وهو أنَّهُ وقْتٌ لِحُصُولِ الجَزاءِ عَلى التَّقْوى وعَلى العِصْيانِ وذَلِكَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ المُفَصَّلِ بِما بَعْدَهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] .

صفحة ١٨٧

والزَّلْزَلَةُ، حَقِيقَتُها: تَحَرُّكٌ عَنِيفٌ في جِهَةٍ مِن سَطْحِ الأرْضِ مِن أثَرِ ضَغْطِ مَجارِي الهَواءِ الكائِنِ في طَبَقاتِ الأرْضِ القَرِيبَةِ مِن ظاهِرِ الأرْضِ وهي مِنَ الظَّواهِرِ الأرْضِيَّةِ المُرْعِبَةِ يَنْشَأُ عَنْها تَساقُطُ البِناءِ وقَدْ يَنْشَأُ عَنْها خَسْفُ الأشْياءِ في باطِنِ الأرْضِ.

والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى وقْتِ فَناءِ الدُّنْيا والخُلُوصِ إلى عالَمِ الحَشْرِ الأُخْرَوِيِّ، قالَ تَعالى ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] . وإضافَةُ (زَلْزَلَةَ) إلى (السّاعَةِ) عَلى مَعْنى في، أيِ الزَّلْزَلَةُ الَّتِي تَحْدُثُ وقْتَ حُلُولِ السّاعَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الزَّلْزَلَةُ في الدُّنْيا أوْ في وقْتِ الحَشْرِ. والظّاهِرُ حَمْلُ الزَّلْزَلَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وهي حاصِلَةٌ عِنْدَ إشْرافِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى الفَناءِ وفَسادِ نِظامِهِ، فَإضافَتُها إلى السّاعَةِ إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الزَّلْزَلَةُ مَجازًا عَنِ الأهْوالِ والمُفْزِعاتِ الَّتِي تَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ ذَلِكَ تُسْتَعارُ لَهُ الزَّلْزَلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] أيْ أُصِيبُوا بِالكَوارِثِ والأضْرارِ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] . وفي «دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الأحْزابِ: اللَّهُمَّ اهْزِمْهم وزَلْزِلْهم» . والإتْيانُ بِلَفْظِ (شَيْءٌ) لِلتَّهْوِيلِ بِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ، أيْ زَلْزَلَةُ السّاعَةِ لا يُعْرَفُ كُنْهُها بِأنَّها شَيْءٌ عَظِيمٌ، وهَذا مِنَ المَواقِعِ الَّتِي يَحْسُنُ فِيها مَوْقِعُ كَلِمَةٍ (شَيْءٍ) وهي الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْها الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ

صفحة ١٨٨

فِي دَلائِلِ الإعْجازِ في فَصْلٍ في تَحْقِيقِ القَوْلِ عَلى البَلاغَةِ والفَصاحَةِ وقَدْ ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعَظِيمُ: الضَّخْمُ، وهو هُنا اسْتِعارِيٌّ لِلْقَوِيِّ الشَّدِيدِ. والمَقامُ يُفِيدُ أنَّهُ شَدِيدُ الشَّرِّ.

22:2Page 332

يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ ٢

On the Day you see it every nursing mother will be distracted from that [child] she was nursing, and every pregnant woman will abort her pregnancy, and you will see the people [appearing] intoxicated while they are not intoxicated; but the punishment of Allāh is severe.

﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] لِأنَّ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ يُبَيِّنُ مَعْنى كَوْنِها شَيْئًا عَظِيمًا وهو أنَّهُ عَظِيمٌ في الشَّرِّ والرُّعْبِ. ويَتَعَلَّقُ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ بِفِعْلِ (تَذْهَلُ) . وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّوْقِيتِ بِذَلِكَ اليَوْمِ وتَوَقُّعِ رُؤْيَتِهِ لِكُلِّ مُخاطَبٍ مِنَ النّاسِ. وأصْلُ نَظْمِ الجُمْلَةِ: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضَعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ يَوْمَ تَرَوْنَ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ. فالخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ رُؤْيَةُ تِلْكَ الزَّلْزَلَةِ بِالإمْكانِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في (تَرَوْنَها) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى (زَلْزَلَةَ) وأُطْلِقَتِ الرُّؤْيَةُ عَلى إدْراكِها الواضِحِ الَّذِي هو كَرُؤْيَةِ المَرْئِيّاتِ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ تُسْمَعُ ولا تُرى. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى السّاعَةِ. ورُؤْيَتُها: رُؤْيَةُ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ المَرْئِيّاتِ مِن حُضُورِ النّاسِ لِلْحَشْرِ وما يَتْبَعُهُ ومُشاهَدَةِ أهْوالِ العَذابِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ إلَخْ.

صفحة ١٨٩

والذُّهُولُ: نِسْيانُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ لا يُنْسى لِوُجُودِ مُقْتَضى تَذَكُّرِهِ؛ إمّا لِأنَّهُ حاضِرٌ أوْ لِأنَّ عِلْمَهُ جَدِيدٌ وإنَّما يُنْسى لِشاغِلٍ عَظِيمٍ عَنْهُ. فَذُكِرَ لَفْظُ الذُّهُولِ هُنا دُونَ النِّسْيانِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى شِدَّةِ التَّشاغُلِ. قالَهُ شَيْخُنا الجِدُّ الوَزِيرُ قالَ: وشَفَقَةُ الأُمِّ عَلى الِابْنِ أشَدُّ مِن شَفَقَةِ الأبِ فَشَفَقَتُها عَلى الرَّضِيعِ أشَدُّ مِن شَفَقَتِها عَلى غَيْرِهِ. وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ بِدَلالَةِ الأوْلى عَلى ذُهُولِ غَيْرِها مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ. وقَدْ حَصَلَ مِن هَذِهِ الكِنايَةِ دَلالَةٌ عَلى جَمِيعِ لَوازِمِ شِدَّةِ الهَوْلِ ولَيْسَ يَلْزَمُ في الكِنايَةِ أنْ يُصَرَّحَ بِجَمِيعِ اللَّوازِمِ لِأنَّ دَلالَةَ الكِنايَةِ عَقْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ لَفْظِيَّةً. والتَحَقَتْ هاءُ التَّأْنِيثِ بِوَصْفِ (مُرْضِعَةٍ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْرِيبِ الوَصْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، فَإنَّ الفِعْلَ الَّذِي لا يُوصَفُ بِحَدَثِهِ غَيْرُ المَرْأةِ تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِيُفادَ بِهَذا التَّقْرِيبِ أنَّها في حالَةِ التَّلَبُّسِ بِالإرْضاعِ، كَما يُقالُ: هي تُرْضِعُ. ولَوْلا هَذِهِ النُّكْتَةُ لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: كُلُّ مُرْضِعٍ، لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مِن خَصائِصِ الأُنْثى فَلا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى الهاءِ الَّتِي أصْلُ وضْعِها لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُؤَنَّثِ والمُذَكِّرِ خِيفَةَ اللَّبْسِ. وهَذا مِن دَقائِقِ مَسائِلِ نُحاةِ الكُوفَةِ وقَدْ تَلَقّاها الجَمِيعُ بِالقَبُولِ ونَظَّمَها ابْنُ مالِكٍ في أُرْجُوزَتِهِ الكافِيَّةِ بِقَوْلِهِ:

وما مِنَ الصِّفاتِ بِالأُنْثى يُخَـصْ عَنْ تاءٍ اسْتَغْنى لِأنَّ اللَّفْظَ نَصْ

وحَيْثُ مَعْنى الفِعْلِ تَنْوِي التّاءَ زِدْ ∗∗∗ كَذِي غَدَتْ مُرْضِعَةً طِفْلًا وُلِـدْ

والمُرادُ: أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِكُلِّ مُرْضَعَةٍ مَوُجُودَةٍ في آخِرِ أيّامِ الدُّنْيا. فالمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُرادٌ، فَلَمْ يَقْتَضِ أنْ يَكُونَ الإرْضاعُ واقِعًا. فَأُطْلِقَ ذُهُولُ المُرْضِعِ وذاتِ الحَمْلِ وأُرِيدَ ذُهُولُ كُلِّ ذِي عَلَقٍ نَفِيسٍ عَنْ عَلَقِهِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ. وزِيادَةُ كَلِمَةِ (كُلُّ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الذُّهُولَ يَعْتَرِي كُلَّ مُرْضِعٍ ولَيْسَ هو لِبَعْضِ المَراضِعِ بِاحْتِمالِ ضَعْفٍ في ذاكِرَتِها. ثُمَّ

صفحة ١٩٠

تَقْتَضِي هَذِهِ الكِنايَةُ كِنايَةً عَنْ تَعْمِيمِ هَذا الهَوْلِ لِكُلِّ النّاسِ لِأنَّ خُصُوصِيَّةَ هَذا المَعْنى بِهَذا المَقامِ أنَّهُ أظْهَرُ في تَصْوِيرِ حالَةِ الفَزَعِ والهَلَعِ بِحَيْثُ يَذْهَلُ فِيهِ مَن هو في حالِ شِدَّةِ التَّيَقُّظِ لِوَفْرَةِ دَواعِي اليَقَظَةِ. وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ لِشِدَّةِ شَفَقَتِها كَثِيرَةُ الِاسْتِحْضارِ لِما تُشْفِقُ عَلَيْهِ، وأنَّ المُرْضِعَ أشَدُّ النِّساءِ شَفَقَةً عَلى رَضِيعِها، وأنَّها في حالِ مُلابَسَةِ الإرْضاعِ أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الذُّهُولِ فَإذا ذُهِلَتْ عَنْ رَضِيعِها في هَذِهِ الأحْوالِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الهَوْلَ العارِضَ لَها هَوْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وهَذا مِن بَدِيعِ الكِنايَةِ عَنْ شِدَّةِ ذَلِكَ الهَوْلِ؛ لِأنَّ اسْتِلْزامَ ذُهُولِ المُرْضِعِ عَنْ رَضِيعِها لِشِدَّةِ الهَوْلِ يَسْتَلْزِمُ شِدَّةَ الهَوْلِ لِغَيْرِها بِطَرِيقِ الأوْلى، فَهو لُزُومٌ بِدَرَجَةٍ ثانِيَةٍ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكِنايَةِ يُسَمّى الإيماءَ.

و(ما) في ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ مَوْصُولَةٌ ماصَدَقُها الطِّفْلُ الرَّضِيعُ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ. والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ في تَعْرِيفِ المَذْهُولِ عَنْهُ دُونَ أنْ يَقُولَ عَنِ ابْنِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها تَذْهَلُ عَنْ شَيْءٍ هو نُصْبَ عَيْنِها وهي في عَمَلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ وهو الإرْضاعُ زِيادَةً في التَّكَنِّي عَنْ شِدَّةِ الهَوْلِ. وقَوْلُهُ ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ هو كِنايَةٌ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ . ووَضْعُ الحَمْلِ لا يَكُونُ إلّا لِشِدَّةِ اضْطِرابِ نَفْسِ الحامِلِ مِن فَرْطِ الفَزَعِ والخَوْفِ لِأنَّ الحَمْلَ في قَرارٍ مَكِينٍ.

والحَمْلُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ (تَضَعُ) أيْ تَضَعُ جَنِينَها. والتَّعْبِيرُ بِـ (ذاتِ حَمْلٍ) دُونَ التَّعْبِيرِ: بِحامِلٍ، لِأنَّهُ الجارِي في الِاسْتِعْمالِ في الأكْثَرِ. فَلا يُقالُ: امْرَأةٌ حامِلٌ، بَلْ يُقالُ: ذاتُ

صفحة ١٩١

حَمْلٍ؛ قالَ تَعالى ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، مَعَ ما في هَذِهِ الإضافَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى شِدَّةِ اتِّصالِ الحَمْلِ بِالحامِلِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ وضْعَها إيّاهُ لِسَبَبٍ مُفْظِعٍ. والقَوْلُ في حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْ عَلى مَعْنى الكِنايَةِ كالقَوْلِ في ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ . والخِطابُ في (تَرى النّاسَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهو كُلُّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ النّاسِ، فَهو مُساوٍ في المَعْنى لِلْخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾) . وإنَّما أُوثِرَ الإفْرادُ هُنا لِلتَّفَنُّنِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الجَمْعِ. وعُدِلَ عَنْ فِعْلِ المُضِيِّ إلى المُضارِعِ في قَوْلِهِ (وتَرى) لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ والتَّعْجِيبِ مِنها كَقَوْلِهِ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] وقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُكارى) بِضَمِّ السِّينِ المُهْمَلَةِ وبِألِفٍ بَعْدَ الكافِ. ووَصْفُ النّاسِ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ قَرِينَةٌ عَلى قَصْدِ التَّشْبِيهِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (سَكْرى) بِوَزْنِ عَطْشى في المَوْضِعَيْنِ. وسُكارى وسَكْرى جَمْعُ سَكْرانَ. وهو الَّذِي اخْتَلَّ شُعُورُ عَقْلِهِ مِن أثَرِ شُرْبٍ الخَمْرِ، وقِياسُ جَمْعِهِ سُكارى. وأمّا سَكْرى فَهو مَحْمُولٌ عَلى نَوْكى لِما في السُّكْرِ مِنِ اضْطِرابِ العَقْلِ. ولَهُ نَظِيرٌ وهو جَمْعُ كَسْلانَ عَلى كُسالى وكَسْلى. وجُمْلَةُ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ. و(عَذابَ اللَّهِ) صادِقٌ بِعَذابِهِ في الدُّنْيا وهو عَذابُ الفَزَعِ والوَجَعِ، وعَذابُ الرُّعْبِ في الآخِرَةِ بِالإحْساسِ بِلَفْحِ النّارِ وزَبْنِ مَلائِكَةِ العَذابِ. وجُمْلَةُ ﴿وما هم بِسُكارى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (النّاسَ) .

22:3Page 332

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ٣

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge and follows every rebellious devil.

صفحة ١٩٢

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١]، أيِ النّاسُ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَمْتَثِلُ الأمْرَ فَيَتَّقِي اللَّهَ ويَخْشى عَذابَهُ، وفَرِيقٌ يُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ ويُعارِضُهُ بِالجَدَلِ الباطِلِ في شَأْنِ اللَّهِ تَعالى مِن وحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ ورِسالَتِهِ. وهَذا الفَرِيقُ هم أئِمَّةُ الشِّرْكِ وزُعَماءُ الكُفْرِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَصَدَّوْنَ لِلْمُجادَلَةِ بِما لَهم مِن أغالِيطَ وسَفْسَطَةٍ وما لَهم مِن فَصاحَةٍ وتَمْوِيهٍ.

والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِهِمْ إيماءٌ إلى أنَّهم لَوْلا تَضْلِيلُهم قَوْمَهم وصَدُّهم إيّاهم عَنْ مُتابَعَةِ الَّدِّينِ لاتَّبَعَ عامَّةُ المُشْرِكِينَ الإسْلامَ لِظُهُورِ حُجَّتِهِ وقَبُولِها في الفِطْرَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ أوْ غَيْرُهُ كَما سَيَأْتِي، فَتَكُونُ (مِنَ) المَوْصُولَةُ صادِقَةً عَلى مُتَعَدِّدٍ عامَّةً لِكُلِّ مَن تَصْدُقُ عَلَيْهِ الصِّلَةُ.

والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ والمُحاجَّةُ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، أيْ يُجادِلُ جَدَلًا واقِعًا في شَأْنِ اللَّهِ. ووُصِفَ الجَدَلُ بِأنَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ جَدَلًا مُلْتَبِسًا بِمُغايَرَةِ العِلْمِ، وغَيْرُ العِلْمِ هو الجَهْلُ، أيْ جَدَلًا ناشِئًا عَنْ سُوءِ نَظَرٍ وسُوءِ تَفْكِيرٍ فَلا يُعْلَمُ ما تَقْتَضِيهِ الأُلُوهِيَّةُ مِنَ الصِّفاتِ كالوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ وفِعْلِ ما يَشاءُ.

واتِّباعُ الشَّيْطانِ: الِانْقِيادُ إلى وسْوَسَتِهِ الَّتِي يَجِدُها في نَفْسِهِ والَّتِي تَلَقّاها بِمُعْتادِهِ والعَمَلُ بِذَلِكَ دُونَ تَرَدُّدٍ ولا عَرْضٍ عَلى نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ. وكَلِمَةُ (كُلَّ) في قَوْلِهِ (كُلَّ شَيْطانٍ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ. كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٩٣

وتَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَرِيدُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - عَلى عَمَلٍ. إذا عَتا فِيهِ وبَلَغَ الغايَةَ الَّتِي تَتَجاوَزُ ما يَكُونُ عَلَيْهِ أصْحابُ ذَلِكَ العَمَلِ. وكَأنَّهُ مُحَوَّلٌ مِن مَرَدَ - بِفَتْحِ الرّاءِ - بِمَعْنى مَرَنَ إلى ضَمِّ الرّاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَصْفَ صارَ لَهُ سَجِيَّةً، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. أيِ العاتِي في الشَّيْطَنَةِ.

22:4Page 332

كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٤

It has been decreed for him [i.e., every devil] that whoever turns to him - he will misguide him and will lead him to the punishment of the Blaze.

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾

جُمْلَةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ إلى آخِرِها صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ﴿شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى (شَيْطانٍ) . وكَذَلِكَ الضَّمائِرُ في ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ﴾ . وأمّا الضَّمِيرانِ البارِزانِ في قَوْلِهِ ﴿يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ فَعائِدانِ إلى (مَن) المَوْصُولَةِ. أيْ يُضِلُّ الشَّيْطانُ مُتَوَلِّيَهُ عَنِ الحَقِّ ويَهْدِي مُتَوَلِّيَهُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ. واتَّفَقَتِ القِراءاتُ العَشْرُ عَلى قِراءَةِ (كُتِبَ) بِضَمِّ الكافِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ. واتَّفَقَتْ أيْضًا عَلى فَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ . والكِتابَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلثُّبُوتِ واللُّزُومِ، أيْ لَزِمَهُ إضْلالُ مُتَوَلِّيهِ ودَلالَتُهُ عَلى عَذابِ السَّعِيرِ، فَأُطْلِقَ عَلى لُزُومِ ذَلِكَ فِعْلُ (كُتِبَ عَلَيْهِ) أيْ وجَبَ عَلَيْهِ، فَقَدْ شاعَ أنَّ العَقْدَ إذا أُرِيدَ تَحْقِيقُ العَمَلِ بِهِ وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ كُتِبَ في صَحِيفَةٍ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ

صفحة ١٩٤

والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) عائِدٌ إلى (شَيْطانٍ) ولَيْسَ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ لِأنَّ جَعْلَهُ ضَمِيرَ شَأْنٍ لا يُناسِبُ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ نائِبِ فاعِلِ (كُتِبَ) . إذْ هي حِينَئِذٍ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وضَمِيرُ الشَّأْنِ يَتَطَلَّبُ بَعْدَهُ جُمْلَةً، والمَصْدَرانِ المُنْسَبِكانِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ نائِبُ فِعْلِ (كُتِبَ) ومُفَرَّعٌ عَلَيْهِ بِفاءِ الجَزاءِ. أيْ كُتِبَ عَلَيْهِ إضْلالُ مَن تَوَلّاهُ. والتَّوَلِّي: اتِّخاذُ ولِيٍّ، أيْ نَصِيرٍ، أيْ مَنِ اسْتَنْصَرَ بِهِ.

و(مَن) مَوْصُولَةٌ ولَيْسَتْ شَرْطِيَّةً؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الإخْبارِ الثّابِتِ لا عَلى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ. وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ (تَوَلّاهُ) عائِدٌ إلى (مَن) المَوْصُولَةِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ البارِزُ عائِدٌ إلى (شَيْطانٍ) . أيْ أنَّ الَّذِي يَتَّخِذُ الشَّيْطانَ ولِيًّا فَذَلِكَ الشَّيْطانُ يُضِلُّهُ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ مَنِ المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا لِجُمْلَةِ الخَبَرِ عَنِ المَوْصُولِ بِجُمْلَةِ الجَزاءِ لِشَبَهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ قَصْدًا لِتَقْوِيَةِ الإخْبارِ. والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ في تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ هو صَدْرٌ لِلْجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ (مَن) المَوْصُولَةِ. والتَّقْدِيرُ: فَإضْلالُهُ إيّاهُ ودَلالَتُهُ إيّاهُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ. وخَبَرُ هَذا المُبْتَدَأِ مُقَدَّرٌ لِأنَّهُ حاصِلٌ مِن مَعْنى إسْنادِ فِعْلَيِ الإضْلالِ والهِدايَةِ إلى ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ. والتَّقْدِيرُ: ثابِتانِ. ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ فاءَ تَفْرِيعٍ ويُجْعَلَ ما بَعْدَها مَعْطُوفًا عَلى ﴿مَن تَوَلّاهُ﴾ ويَكُونَ المَعْطُوفُ هو المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ كَما هو مُقْتَضى التَّفْرِيعِ. والتَّقْدِيرُ: كُتِبَ عَلَيْهِ تَرَتُّبُ الإضْلالِ مِنهُ لِمُتَوَلِّيهِ وتَرَتُّبُ إيصالِهِ مُتَوَلِّيَهُ إلى عَذابِ السَّعِيرِ. هَذانِ هُما الوَجْهانِ في نَظْمِ الآيَةِ وما عَداهُما تَكَلُّفاتٌ.

واعْلَمْ أنَّ ما نُظِمَتْ بِهِ الآيَةُ هُنا لا يَجْرِي عَلى نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ [التوبة: ٦٣]

صفحة ١٩٥

لِأنَّ مُقْتَضى فِعْلِ العِلْمِ غَيْرُ مُقْتَضى فِعْلِ (كُتِبَ) . فَلِذَلِكَ كانَتْ (مَن) في قَوْلِهِ ﴿مَن يُحادِدِ﴾ [التوبة: ٦٣] شَرْطِيَّةً لا مَحالَةَ وكانَ الكَلامُ جارِيًا عَلى اعْتِبارِ الشَّرْطِيَّةِ وكانَ الضَّمِيرُ هُنالِكَ في قَوْلِهِ (أنَّهُ) ضَمِيرَ شَأْنٍ.

ولَمّا كانَ الضَّلالُ مُشْتَهِرًا في مَعْنى البُعْدِ عَنِ الخَيْرِ والصَّلاحِ لَمْ يُحْتَجْ في هَذِهِ الآيَةِ إلى ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ (يُضِلُّهُ) لِظُهُورِ المَعْنى. وذُكِرَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ (يَهْدِيهِ) وهو (إلى عَذابِ السَّعِيرِ) لِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ غَرِيبٌ إذِ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ الهُدى إلى ما يَنْفَعُ لا إلى ما يَضُرُّ ويُعَذِّبُ.

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ بِالمُضادَّةِ. وقَدْ عُدَّ مِن هَذا الفَرِيقِ الشّامِلِ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ. وقِيلَ نَزَلَتْ فِيهِ. كانَ كَثِيرَ الجَدَلِ؛ يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، والقُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، واللَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْياءِ أجْسادٍ بَلِيَتْ وصارَتْ تُرابًا. وعُدَّ مِنهم أيْضًا أبُو جَهْلٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. ومَن قالَ: إنَّ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ (مَن يُجادِلُ) مُعَيَّنًا خَصَّ الآيَةَ بِهِ. ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وما هو إلّا تَخْصِيصٌ بِالسَّبَبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском