Ibn 'AshurAl‑Mursalat · 77:1–19

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

المرسلات

Al-Mursalat

The Emissaries · Meccan · 50 ayahs

77:1–7Page 580

وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا ١

By those [winds] sent forth in gusts

فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا ٢

And the winds that blow violently

وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا ٣

And [by] the winds that spread [clouds]

فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا ٤

And those [angels] who bring criterion1

فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا ٥

And those [angels] who deliver a message

عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا ٦

As justification or warning,

إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ ٧

Indeed, what you are promised is to occur.

﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذُرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾

قَسَمٌ بِمَخْلُوقاتٍ عَظِيمَةٍ دالَّةٍ عَلى عَظِيمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا القَسَمِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ، وفي تَطْوِيلِ القَسَمِ تَشْوِيقُ السّامِعِ لِتَلَقِّي المُقْسَمِ عَلَيْهِ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِمَوْصُوفاتِ هَذِهِ الصِّفاتِ نَوْعًا واحِدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَوْعَيْنِ أوْ أكْثَرَ مِنَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ. ومَشى صاحِبُ الكَشّافِ عَلى أنَّ المُقْسَمَ بِها كُلُّهم مَلائِكَةٌ.

ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّ (﴿المُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾) لِلْمَلائِكَةِ.

صفحة ٤٢٠

وقالَ الجُمْهُورُ: العاصِفاتُ: الرِّياحُ ولَمْ يَحْكِ الطَّبَرَيُّ فِيهِ مُخالِفًا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قِيلَ العاصِفاتُ المَلائِكَةُ.

و(الفارِقاتِ) لَمْ يَحْكِ الطَّبَرِيُّ إلّا أنَّهُمُ المَلائِكَةُ أوِ الرُّسُلُ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها الرِّياحُ.

وفِيما عَدا هَذِهِ مِنَ الصِّفاتِ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فَمِنهم مَن حَمَلُوها عَلى أنَّها المَلائِكَةُ ومِنهم مَن حَمَلَ عَلى أنَّها الرِّياحُ.

فالمُرْسَلاتُ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ ومُقاتِلٌ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ ومَسْرُوقٌ: هي المَلائِكَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هي الرِّياحُ، ونُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا ولَعَلَّهُ يُجِيزُ التَّأْوِيلَيْنِ وهو الأوْفَقُ بِعَطْفِها بِالفاءِ.

والنّاشِراتُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ: المَلائِكَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: الرِّياحُ وهو عَنْ أبِي صالِحٍ أيْضًا.

ويَتَحَصَّلُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِجِنْسَيْنِ مِن مَخْلُوقاتِهِ العَظِيمَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ١])، ومِثْلُهُ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ.

ويَتَّجِهُ في تَوْزِيعِها أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي عُطِفَتْ بِالفاءِ تابِعَةٌ لِجِنْسِ ما عُطِفَتْ هي عَلَيْهِ، والَّتِي عُطِفَتْ بِالواوِ يَتَرَجَّحُ أنَّها صِفاتُ جِنْسٍ آخَرَ.

فالأرْجَحُ أنَّ المُرْسَلاتِ والعاصِفاتِ صِفَتانِ لِلرِّياحِ، وأنَّ ما بَعْدَها صِفاتٌ لِلْمَلائِكَةِ، والواوُ الثّانِيَةِ لِلْعَطْفِ ولَيْسَتْ حَرْفَ قَسَمٍ. ومُناسَبَةُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ في القَسَمِ أنَّ كِلَيْهِما مِنَ المَوْجُوداتِ العُلْوِيَّةِ لِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ بِالواوِ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ بِها ذاتًا غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وما جاءَ بِخِلافِ ذَلِكَ فَهو خِلافُ الأصْلِ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ الفَرّاءُ.

إلى المَلِكِ القِرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ

أرادَ صِفاتِ مَمْدُوحٍ واحِدٍ.

ولْنَتَكَلَّمَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ:

فَأمّا المُرْسَلاتُ فَإذا جُعِلَ وصْفًا لِلْمَلائِكَةِ كانَ المَعْنِيُّ بِهِمُ المُرْسَلِينَ إلى الرُّسُلِ

صفحة ٤٢١

والأنْبِياءِ مِثْلَ جِبْرِيلَ في إرْسالِهِ بِالوَحْيِ وغَيْرِهِ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ إلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ بِتَعْلِيمٍ أوْ خَبَرٍ أوْ نَصْرٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ زَكَرِيّاءَ (﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]) الآيَةَ، أوِ المُرْسَلاتُ بِتَنْفِيذِ أمْرِ اللَّهِ في العَذابِ مِثْلَ المُرْسَلِينَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، و(عُرْفًا) حالٌ مُفِيدَةٌ مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ مِثْلَ عُرْفِ الفَرَسِ في تَتابُعِ الشَّعَرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، يُقالُ: هم كَعُرْفِ الضَّبْعِ، إذا تَألَّبُوا، ويُقالُ: جاءُوا عُرْفًا واحِدًا. وهو صالِحٌ لِوَصْفِ المَلائِكَةِ ولِوَصْفِ الرِّيحِ.

وفُسِّرَ عُرْفًا بِأنَّهُ اسْمٌ، أيِ الشَّعَرُ الَّذِي عَلى رَقَبَةِ الفَرَسِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أيْ كالعُرْفِ في تَتابُعِ البَعْضِ لِبَعْضٍ وفُسِّرَ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَعْرُوفٌ (ضِدُّ المُنْكَرِ)، وأنَّ نَصْبَهُ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ الإرْشادِ والصَّلاحِ.

(فالعاصِفاتِ) تَفْرِيعٌ عَلى المُرْسَلاتِ، أيْ تُرْسَلُ فَتَعْصِفُ، والعَصْفُ يُطْلَقُ عَلى قُوَّةِ هُبُوبِ الرِّيحِ فَإنْ أُرِيدَ بِالمُرْسَلاتِ وصْفُ الرِّياحِ فالعَصْفُ حَقِيقَةٌ وإنْ أُرِيدَ بِالمُرْسَلاتِ وصْفُ المَلائِكَةِ فالعَصْفُ تَشْبِيهٌ لِنُزُولِهِمْ في السُّرْعَةِ بِشِدَّةِ الرِّيحِ وذَلِكَ في المُبادَرَةِ في سُرْعَةِ الوُصُولِ بِتَنْفِيذِ ما أُمِرُوا بِهِ.

و(عَصْفًا) مُؤَكِّدٌ لِلْوَصْفِ تَأْكِيدًا لِتَحْقِيقِ الوَصْفِ، إذْ لا داعِيَ لِإرادَةِ رَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ.

والنَّشْرُ: حَقِيقَتُهُ ضِدُّ الطَّيِّ ويَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ مَجازًا في الإظْهارِ والإيضاحِ وفي الإخْراجِ.

فالنّاشِراتُ إذا جُعِلَ وصْفًا لِلْمَلائِكَةِ جازَ أنْ يَكُونَ نَشْرَهُمُ الوَحْيِ أيْ تَكْرِيرَ نُزُولِهِمْ لِذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ النَّشْرُ كِنايَةً عَنِ الوُضُوحِ، أيْ بِالشَّرائِعِ البَيِّنَةِ.

وإذْ جُعِلَ وصْفًا لِلرِّياحِ فَهو نَشْرُ السَّحابِ في الأجْواءِ فَيَكُونُ عَطْفُهُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُرْسَلاتِ لا عَلى العاصِفاتِ لِأنَّ العَصْفَ حالَةٌ مُضِرَّةٌ والنَّشْرَ حالَةُ نَفْعٍ.

والقَوْلُ في تَأْكِيدِ ”نَشْرًا“ وتَنْوِينِهِ كالقَوْلِ في عَصْفًا.

والفَرْقُ: التَّمْيِيزُ بَيْنَ الأشْياءِ، فَإذا كانَ وصْفًا لِلْمَلائِكَةِ فَهو صالِحٌ لِلْفَرْقِ

صفحة ٤٢٢

الحَقِيقِيِّ مِثْلَ تَمْيِيزِ أهْلِ الجَنَّةِ عَنْ أهْلِ النّارِ يَوْمَ الحِسابِ، وتَمْيِيزِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ في الدُّنْيا عَنِ الَّذِينَ نَجّاهُمُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ عَنْ نُوحٍ، وعادٍ عَنْ هُودٍ، وقَوْمِ لُوطٍ عَنْ لُوطٍ وأهْلِهِ عَدا امْرَأتِهِ، وصالِحٍ لِلْفَرْقِ المَجازِيِّ، وهو أنَّهم يَأْتُونَ بِالوَحْيِ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ.

وإنْ جُعِلَ وصْفًا لِلرِّياحِ فَهو مِن آثارِ النَّشْرِ، أيْ فَرْقُها جَماعاتِ السُّحُبِ عَلى البِلادِ.

ولِتَفَرُّعِ الفَرْقِ بِمَعْنَيَيْهِ عَنِ النَّشْرِ بِمَعانِيهِ عَطْفُ الفارِقاتِ عَلى النّاشِراتِ بِالفاءِ.

وأُكِّدَ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ كَما أُكِّدَ ما قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ ”عَصْفًا“ و”نَشْرًا“، وتَنْوِينُهُ كَذَلِكَ.

والمُلْقِياتُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ الوَحْيَ وهو الذِّكْرُ.

والإلْقاءُ مُسْتَعارٌ لِتَبْلِيغِ الذِّكْرِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ إلى أهْلِ الأرْضِ بِتَشْبِيهِهِ بِإلْقاءِ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ.

وإلْقاءُ الذِّكْرِ تَبْلِيغُ المَواعِظِ إلى الرُّسُلِ لِيُبَلِّغُوها إلى النّاسِ وهَذا الإلْقاءُ مُتَفَرِّعٌ عَلى الفَرْقِ لِأنَّهم يَخُصُّونَ كُلَّ ذِكْرٍ بِمَن هو مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فَذِكْرُ الكُفّارِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّناءِ والوَعْدِ بِالنَّعِيمِ.

وهَذا مَعْنى (﴿عُذْرًا أوْ نُذُرًا﴾) . فالعُذْرُ: الإعْلامُ بِقَبُولِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ الكُفْرِ، وتَوْبَةِ التّائِبِينَ بَعْدَ الذَّنْبِ.

والنُّذُرُ: اسْمُ مَصْدَرِ أنْذَرَ، إذا حَذَّرَ.

و”عُذْرًا“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الذّالِ، وقَرَأهُ رَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّها عَلى الِاتِّباعِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (نُذُرا) بِضَمِّ الذّالِ وهو الغالِبُ فِيهِ.

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِإسْكانِ الذّالِ عَلى

صفحة ٤٢٣

الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في (عُذُرًا)، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ.

وانْتَصَبَ (﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾) عَلى بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن (ذِكْرًا) . و(أوْ) في قَوْلِهِ (أوْ نُذُرًا) لِلتَّقْسِيمِ.

وجُمْلَةُ (﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾) جَوابُ القَسَمِ وزِيدَتْ تَأْكِيدًا بِأنَّ لِتَقْوِيَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ الجَوابِ.

و(إنَّما) كَلِمَتانِ هُما (إنَّ) الَّتِي هي حَرْفُ تَأْكِيدٍ و(ما) المَوْصُولَةُ ولَيْسَتْ هي (إنَّما) الَّتِي هي أداةُ حَصْرٍ، والَّتِي (ما) فِيها زائِدَةٌ. وقَدْ كُتِبَتْ هَذِهِ مُتَّصِلَةً (إنَّ) بِـ (ما) لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُفَرِّقُونَ في الرَّسْمِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ، والرَّسْمُ اصْطِلاحٌ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ في المَصاحِفِ ونَحْنُ نَكْتُبُها مَفْصُولَةً في التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ.

و(ما تُوعَدُونَ): هو البَعْثُ لِلْجَزاءِ وهم يَعْلَمُونَ الصِّلَةَ فَلِذَلِكَ جِيءَ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالمَوْصُولِيَّةِ.

والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ ما تَوَعَّدَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العِقابِ بَعْدَ البَعْثِ واقِعٌ لا مَحالَةَ وإنْ شَكَكْتُمْ فِيهِ أوْ نَفَيْتُمُوهُ.

والواقِعُ: الثّابِتُ: وأصْلُ الواقِعِ السّاقِطُ عَلى الأرْضِ فاسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ المُحَقَّقِ تَشْبِيهًا بِالمُسْتَقِرِّ.

77:8–14Page 580

فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ ٨

So when the stars are obliterated

وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتۡ ٩

And when the heaven is opened

وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ ١٠

And when the mountains are blown away

وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ ١١

And when the messengers' time has come...1

لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ ١٢

For what Day was it postponed?1

لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ ١٣

For the Day of Judgement.

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ١٤

And what can make you know what is the Day of Judgement?

﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ ﴿وإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾ ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧] (لِأنَّهُ لَمّا أفادَ وُقُوعَ البَعْثِ وكانَ المُخاطَبُونَ يُنْكِرُونَهُ ويَتَعَلَّلُونَ بِعَدَمِ التَّعْجِيلِ بِوُقُوعِهِ، بُيِّنَ لَهم ما يَحْصُلُ قَبْلَهُ وزِيادَةً في تَهْوِيلِهِ عَلَيْهِمْ. والإنْذارُ بِأنَّهُ مُؤَخَّرٌ إلى أنْ تَحْصُلَ تِلْكَ الأحْداثُ العَظِيمَةُ، وفِيهِ

صفحة ٤٢٤

كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ أماراتِ حُلُولِ ما يُوعَدُونَ يَسْتَلْزِمُ التَّحْذِيرَ مِنَ التَّهاوُنِ بِهِ، ولِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الأخْبارُ بِقَوْلِهِ) ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٤] ( .

وكُرِّرَتْ كَلِمَةُ (إذا) في أوائِلِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ إعادَةِ (إذا) كَما في قَوْلِهِ (﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ وخَسَفَ القَمَرُ وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ يَقُولُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٧]) الآيَةَ، لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِ كُلِّ جُمْلَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ لِيَكُونَ مَضْمُونُها مُسْتَقِلًّا في جَعْلِهِ عَلامَةً عَلى وُقُوعِ ما يُوعَدُونَ.

وطَمْسُ النُّجُومِ: زَوالُ نُورِها، وأنَّ نُورَ مُعْظَمِ ما يَلُوحُ لِلنّاسِ مِنَ النُّجُومِ سَبَبُهُ انْعِكاسُ أشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَيْها حِينَ احْتِجابِ ضَوْءِ الشَّمْسِ عَلى الجانِبِ المُظْلِمِ مِنَ الأرْضِ، فَطَمْسُ النُّجُومِ يَقْتَضِي طَمْسَ نُورِ الشَّمْسِ، أيْ زَوالَ التِهابِها بِأنْ تَبْرُدَ حَرارَتُها، أوْ بِأنْ تَعْلُوَ سَطْحَها طَبَقَةٌ رَمادِيَّةٌ بِسَبَبِ انْفِجاراتٍ مِن داخِلِها، أوْ بِأنْ تَتَصادَمَ مَعَ أجْرامٍ سَماوِيَّةٍ أُخْرى لِاخْتِلالِ نِظامِ الجاذِبِيَّةِ فَتَنْدَكُّ وتَتَكَسَّرُ قِطَعًا فَيَزُولُ التِهابُها.

ومَعْنى (فُرِجَتْ) تَفَرَّقَ ما كانَ مُلْتَحِمًا مِن هَيْكَلِها، يُقالُ: فُرِجَ البابُ إذا فَتَحَهُ. والفُرْجَةُ: الفَتْحَةُ في الجِدارِ ونَحْوِهِ. فَإذا أُرِيدَ بِالسَّماءِ الجِنْسُ الصّادِقُ بِجَمِيعِ السَّماواتِ عَلى طَرِيقَةِ العُمُومِ الحَقِيقِيِّ، أوِ الصّادِقُ بِسَماواتٍ مَشْهُورَةٍ عَلى طَرِيقَةِ العُمُومِ العُرْفِيِّ وهي السَّماواتُ السَّبْعُ الَّتِي يُعَبِّرُ أهْلُ الهَيْئَةِ عَنْها بِالكَواكِبِ السَّيّارَةِ جازَ أنْ يَكُونَ فَرَجُ السَّماواتِ حُدُوثَ أخادِيدَ عَظِيمَةٍ في الكَواكِبِ زِيادَةً عَلى طَمْسِ نُورِها.

وإذا أُرِيدَ بِالسَّماءِ فَرْدٌ مُعَيَّنٌ مَعْهُودٌ وهي ما نُشاهِدُهُ كالقُبَّةِ الزَّرْقاءِ في النَّهارِ وهي كُرَةُ الهَواءِ، فَمَعْنى فُرِجَتْ: فَسادُ عَناصِرِ الجَوِّ بِحَيْثُ تَصِيرُ فِيهِ طَرائِقَ مُخْتَلِفَةَ الألْوانِ تَبْدُو كَأنَّها شُقُوقٌ في كُرَةِ الهَواءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) وكُلُّ ذَلِكَ مُفْضٍ إلى انْقِراضِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ بِجَمِيعِ نِظامِهِ ومَجْمُوعِ أجْسامِهِ.

والنَّسْفُ: قَلْعُ أجْزاءِ الشَّيْءِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ وتَفْرِيقُها مِثْلَ الهَدْمِ.

ونَسْفُ الجِبالِ: دَكُّها ومَصِيرُها تُرابًا مُفَرَّقًا، كَما قالَ تَعالى (﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]) .

صفحة ٤٢٥

وبِناءُ هَذِهِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ الِاعْتِبارُ بِحُصُولِ الفِعْلِ لا بِتَعْيِينِ فاعِلِهِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ فاعِلَها هو اللَّهُ تَعالى إذْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.

وجُمْلَةُ (﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾) عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ فَهي تَقْيِيدٌ لِوَقْتٍ حادِثٍ يَحْصُلُ وهي مِمّا جُعِلَ مَضْمُونُها عَلامَةً عَلى وُقُوعِ ما يُوعَدُونَ بِهِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُها مُسْتَقْبَلَ الحُصُولِ وفي نَظْمِ هَذِهِ الجُمْلَةِ غُمُوضٌ ودِقَّةٌ. فَأمّا أُقِّتَتْ فَأصْلُهُ وُقِّتَتْ بِالواوِ في أوَّلِهِ، يُقالُ: وقَّتَ وقْتًا، إذا عَيَّنَ وقْتًا لِعَمَلٍ ما، مُشْتَقًّا مِنَ الوَقْتِ وهو الزَّمانُ، فَلَمّا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ ضُمَّتِ الواوُ وهو ضَمٌّ لازِمٌ احْتِرازًا مِن ضَمَّةِ (﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]) لِأنَّ ضَمَّةَ الواوِ ضَمَّةٌ عارِضَةٌ، فَجازَ إبْدالُها هَمْزَةً لِأنَّ الضَّمَّ عَلى الواوِ ثَقِيلٌ فَعَدَلَ عَنِ الواوِ إلى الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ أُقِّتَتْ بِهَمْزَةٍ وتَشْدِيدِ القافِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِالواوِ وتَشْدِيدِ القافِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِالواوِ وتَخْفِيفِ القافِ.

وشَأْنُ (إذا) أنْ تَكُونَ لِمُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ فَهَذا التأْقِيتُ لِلرُّسُلِ تَوْقِيتٌ سَيَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو عَلامَةٌ عَلى أنَّ ما يُوعَدُونَ يَحْصُلُ مَعَ العَلاماتِ الأُخْرى.

ولا خِلافَ في أنَّ أُقِّتَتْ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَقْتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وأصْلُ اشْتِقاقِ هَذا الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جُعِلَتْ وقْتًا، وهو أصْلُ إسْنادِ الفِعْلِ إلى مَرْفُوعِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى: وُقِّتَ لَها وقْتٌ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ.

وإذا كانَ (إذا) ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ وكانَ تَأْجِيلُ الرُّسُلِ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ أُقِّتَتْ عَلى مَعْنى: حانَ وقْتُها، أيِ: الوَقْتُ المُعَيَّنُ لِلرُّسُلِ وهو الوَقْتُ الَّذِي أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِأنْ يُنْذِرُوا أُمَمَهم بِأنَّهُ يَحِلُّ في المُسْتَقْبَلِ غَيْرِ المُعَيَّنِ، وذَلِكَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾) فَإنَّ التَّأْجِيلَ يُفَسِّرُ التَّوْقِيتَ.

وقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ في مَحْمَلِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أُقِّتَتْ: جُمِعَتْ أيْ لِيَوْمِ القِيامَةِ قالَ تَعالى (﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩])، وعَنْ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ ) أُقِّتَتْ ) أُجِّلَتْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أيْ جُعِلَ يَوْمُ الدِّينِ والفَصْلِ لَها وقْتًا.

قالَ في الكَشّافِ: والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (وُقِّتَتْ) بَلَغَتْ مِيقاتَها الَّذِي

صفحة ٤٢٦

كانَتْ تَنْتَظِرُهُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ اهـ. وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ يُقالُ: وُقِّتَ بِمَعْنى أُحْضِرَ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ، وسَلَّمَهُ شُرّاحُ الكَشّافِ وهو مَعْنًى مَغْفُولٌ عَنْهُ في بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ أوْ مَطْوِيٌّ بِخَفاءٍ في بَعْضِها.

ويَجِيءُ عَلى القَوْلِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾) اسْتِئْنافًا، وتُجْعَلُ (أيٌّ) اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُسْتَعْمَلٍ لِلتَّهْوِيلِ كَما دَرَجَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ صَرَّحُوا ولَمْ يُجْمِلُوا. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنْ تَكُونَ (أيٌّ) مَوْصُولَةً دالَّةً عَلى التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وهو ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدّالِّ عَلى مَعْنى الكَمالِ وتَكُونُ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ (أيٌّ) وتَقْدِيرُهُ: لِيَوْمٍ أيِّ يَوْمٍ، أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. ويَكُونُ مَعْنى أُقِتَتْ حَضَرَ مِيقاتُها الَّذِي وُقِّتَ لَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ جُمِعَتْ، وفي اللِّسانِ عَنِ الفَرّاءِ: أُقِّتَتْ جُمِعَتْ لِوَقْتِها، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]) وقَوْلُهُ (﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]) .

ويَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ (﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ جُمِعَتْ لِأجْلِ اليَوْمِ الَّذِي أُجِّلَتْ إلَيْهِ، وجُمْلَةُ أُجِّلَتْ صِفَةٌ لِيَوْمٍ، وحُذِفَ العائِدُ لِظُهُورِهِ، أيْ أُجِّلَتْ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ (﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾) بِإعادَةِ الحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ المُبْدَلُ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]) أيْ أُحْضِرَتِ الرُّسُلُ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ هو يَوْمُ الفَصْلِ.

والظّاهِرُ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ والبَدَلَ دَلِيلانِ عَلى جَوابِ (إذا) مِن قَوْلِهِ (﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾) إلَخْ، إذْ يُعْلَمُ أنَّ المَعْنى إذا حَصَلَ جَمِيعُ ما ذُكِرَ فَذَلِكَ وُقُوعُ ما تُوعَدُونَ.

وجُمْلَةُ (﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾) قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا الوَجْهَ الوَجِيهَ في مَعْناها. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَها مَقُولَ قَوُلٍ مَحْذُوفٍ: يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا داعِيَ إلَيْهِ.

والفَصْلُ: تَمْيِيزُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ بِالقَضاءِ والجَزاءِ إذْ بِذَلِكَ يَزُولُ الِالتِباسُ والِاشْتِباهُ والتَّمْوِيهُ الَّذِي كانَ لِأهْلِ الضَّلالِ في الدُّنْيا فَتَتَّضِحُ الحَقائِقُ عَلى ما هي عَلَيْهِ في الواقِعِ.

صفحة ٤٢٧

وجُمْلَةُ (﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن يَوْمِ الفَصْلِ، والواوُ واوُ الحالِ، والرّابِطُ لِجُمْلَةِ الحالِ إعادَةُ اسْمِ صاحِبِ الحالِ عِوَضًا عَنْ ضَمِيرِهِ، مِثْلَ: (﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١]) . والأصْلُ: وما أدْراكَ ما هو، وإنَّما أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَقْوِيَةِ اسْتِحْضارِ يَوْمِ الفَصْلِ قَصْدًا لِتَهْوِيلِهِ.

و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وأدْراكَ خَبَرٌ، أيْ أُعَلِّمُكَ. و(﴿ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾) اسْتِفْهامٌ عُلِّقَ بِهِ فِعْلُ أدْراكَ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْنِ، و(ما) الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ أيْضًا و(يَوْمُ الفَصْلِ) خَبَرٌ عَنْها والِاسْتِفَهامانِ مُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى التَّهْوِيلِ والتَّعْجِيبِ.

77:15Page 580

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٥

Woe,1 that Day, to the deniers.

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾

حَمْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنْ نَظائِرِها الآتِيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ يَقْتَضِي أنْ تُجْعَلَ اسْتِئْنافًا لِقَصْدِ تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ، وتَهْوِيلُ يَوْمِ الفَصْلِ في نُفُوسِهِمْ لِيَحْذَرُوهُ، وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ (﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧]) اتِّصالُ أجْزاءِ النَّظْمِ، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ (﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾) ابْتِداءُ الكَلامِ، ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (﴿إذا النُّجُومُ طُمِسَتِ﴾ [المرسلات: ٨]) التَّأخُّرُ، وإنَّما قُدِّمَتْ لِتُؤْذِنَ بِمَعْنى الشَّرْطِ. وقَدْ حَصَلَ مِن تَغْيِيرِ النَّظْمِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ صارَتْ جُمْلَةُ (﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾) بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، فَحَصَلَ في هَذا النَّظْمِ أُسْلُوبٌ رائِعٌ، ومَعانٍ بَدائِعُ. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابَ (إذا)، أيْ يَتَعَلَّقُ (إذا) بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ وهو لِلْمُكَذِّبِينَ. والتَّقْدِيرُ: إذا حَصَلَ كَذا وكَذا حَلَّ الوَيْلُ لِلْمُكَذِّبِينَ وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ (﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧])، فَيَحْصُلُ تَأْكِيدُ الوَعِيدِ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا عُرُوُّ الجَوابِ عَنِ الفاءِ الرّابِطَةِ لِلْجَوابِ لِأنَّ جَوابَ (إذا) جَوابٌ صُورِيٌّ وإنَّما هو مُتَعَلَّقُ (إذا) عُومِلَ مُعامَلَةَ الجَوابِ في المَعْنى.

ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صالِحَةٌ لِمَعْنى الخَبَرِيَّةِ ولِمَعْنى الإنْشاءِ لِأنَّ تَرْكِيبَ (ويْلٌ لَهُ) يُسْتَعْمَلُ إنْشاءً بِكَثْرَةٍ.

والوَيْلُ: أشَدُّ السُّوءِ والشَّرِّ.

صفحة ٤٢٨

وعَلى جُمْلَةِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِالمُكَذِّبِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى الجُمْلَةِ جَمِيعُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وجاءُوهم بِهِ، وبِذَلِكَ العُمُومِ أفادَتِ الجُمْلَةُ مُفادَ التَّذْيِيلِ، ويَشْمَلُ ذَلِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ والبَعْثِ إذْ هُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ المَواعِظِ وهُمُ المُوَجَّهُ إلَيْهِمْ هَذا الكَلامُ فَخُوطِبُوا بِقَوْلِهِ (﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧]) .

77:16Page 580

أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦

Did We not destroy the former peoples?

﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ بِخِطابٍ مُوَجَّهٍ إلى المُشْرِكِينَ المَوْجُودِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ المُخاطَبِ بِهِ أهْلُ الشِّرْكِ في المَحْشَرِ.

ويَتَضَمَّنُ اسْتِدْلالًا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ في الدُّنْيا، بِأنَّ اللَّهَ انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِيَوْمِ البَعْثِ مِنَ الأُمَمِ سابِقِهِمْ ولاحِقِهِمْ لِيَحْذَرُوا أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.

والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ اسْتِدْلالًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِطَرِيقَةِ قِياسِ التَّمْثِيلِ.

والمُرادُ بِالأوَّلِينَ المَوْصُوفُونَ بِالأوَّلِيَّةِ أيِّ السَّبْقِ في الزَّمانِ، وهَذا يُقِرُّ بِهِ كُلُّ جِيلٍ مِنهم مَسْبُوقٍ بِجِيلٍ كَفَرُوا.

فالتَّعْرِيفُ في الأوَّلِينَ تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمُرادُ بِالأوَّلِينَ جَمِيعُ أُمَمِ الشِّرْكِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُشْرِكِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ.

والإهْلاكُ: الإعْدامُ والإماتَةُ. وإهْلاكُ الأوَّلِينَ لَهُ حالَتانِ حالَةٌ غَيْرُ اعْتِيادِيَّةٍ تَنْشَأُ عَنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى، وهو إهْلاكُ الِاسْتِئْصالِ مِثْلَ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودٍ، وحالَةٌ اعْتِيادِيَّةٌ وهي ما سَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ نِظامَ هَذا العالَمِ مِن حَياةٍ ومَوْتٍ.

وكِلْتا الحالَتَيْنِ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُرادًا هُنا، فَأمّا الحالَةُ غَيْرُ الِاعْتِيادِيَّةِ فَهي تَذْكِيرٌ بِالنَّظَرِ الدّالِّ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ.

وأمّا الحالَةُ الِاعْتِيادِيَّةُ فَدَلِيلٌ عَلى أنِ الَّذِي أحْيا النّاسُ يُمِيتُهم فَلا يَتَعَذَّرُ أنْ يُعِيدَ إحْياءَهم.

77:17–18Page 580

ثُمَّ نُتۡبِعُهُمُ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٧

Then We will follow them with the later ones.

كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٨

Thus do We deal with the criminals.

صفحة ٤٢٩

﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾

حَرْفُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُتْبِي لِأنَّ التَّهْدِيدَ أهَمُّ مِنَ الإخْبارِ عَنْ أهْلِ المَحْشَرِ، لِأنَّهُ الغَرَضُ مِن سَوْقِ هَذا كُلِّهِ، ولِأنَّ إهْلاكَ الآخِرِينَ أشَدُّ مِن إهْلاكِ الأوَّلِينَ لِأنَّهُ مَسْبُوقٌ بِإهْلاكٍ آخَرَ.

ووَقَعَتْ جُمْلَةُ (﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾) مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ (﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٦])، وهو كالتَّذْيِيلِ يُبَيِّنُ سَبَبَ وُقُوعِ إهْلاكِ الأوَّلِينَ وأنَّهُ سَبَبٌ لِإيقاعِ الإهْلاكِ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، أيْ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في مُعامَلَةِ المُجْرِمِينَ فَلا مَحِيصَ لَكم عَنْها.

وذِكْرُ وصْفِ (المُجْرِمِينَ) إيماءٌ إلى أنَّ سَبَبَ عِقابِهِمْ بِالإهْلاكِ هو إجْرامُهم.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ كَذَلِكَ إلى الفِعْلِ المَأْخُوذِ مِن نَفْعَلُ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ نَفْعَلُ.

والمُجْرِمُونَ مِن ألْقابِ المُشْرِكِينَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ قالَ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]) وسَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ (﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]) .

77:19Page 580

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٩

Woe, that Day, to the deniers.

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾

تَقْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ تَأْكِيدًا لِلتَّهْدِيدِ وإعادَةً لِمَعْناهُ.

التَّهْدِيدُ: مِن مَقاماتِ التَّكْرِيرِ كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ عُبادٍ:

قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامَةِ مِنِّي

الَّذِي كَرَّرَهُ مِرارًا مُتَوالِيَةً في قَصِيدَتِهِ اللّامِيَّةِ الَّتِي أثارَتْ حَرْبَ البَسُوسِ.

صفحة ٤٣٠

فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ (﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]) يُقَدَّرُ الكَلامُ المُعَوِّضُ عَنْهُ تَنْوِينُ (يَوْمَئِذٍ) يَوْمَ إذْ يُقالُ لَهم (﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦]) .

والمُرادُ بِالمُكَذِّبِينَ: المُخاطَبُونَ فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَسْجِيلِ أنَّهم مُكَذِّبُونَ، والمَعْنى: ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لَكم.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَوْقِعِ الجُمْلَةِ يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ: يَوْمَ إذِ النُّجُومُ طُمِسَتْ إلَخْ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرَتِها الَّتِي تَقَدَّمَتْ. والمُرادُ بِالمُكَذِّبِينَ جَمِيعُ المُكَذِّبِينَ الشّامِلُ لِلسّامِعِينَ.

وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ فَتَقْرِيرُ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ حاصِلٌ لِأنَّ اليَوْمَ يَوْمٌ واحِدٌ ولِأنَّ المُكَذِّبِينَ يَصْدُقُ بِالأحْياءِ وبِأهْلِ المَحْشَرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском