Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
ق
Qaf
The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs
50:1–3Page 518
قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١
Qāf.1 By the honored Qur’ān...2
بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢
But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣
When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."
﴿ق﴾ القَوْلُ فِيهِ نَظِيرُ القَوْلِ في أمْثالِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ. فَهو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي. وقَدْ رَسَمُوهُ في المُصْحَفِ بِصُورَةِ حَرْفِ القافِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها في المَكْتَبِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ النُّطْقَ بِها بِاسْمِ الحَرْفِ المَعْرُوفِ، أيْ يَنْطِقُونَ بِقافٍ بَعْدَها ألِفٌ، بَعْدَهُ فاءٌ.
صفحة ٢٧٦
وقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ القُرّاءِ عَلى النُّطْقِ بِهِ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ هِجاءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
ووَقَعَ في رِوايَةِ بَعْضِ القَصّاصِينَ المَكْذُوبَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ق اسْمُ جَبَلٍ عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن جِبالٍ سَبْعَةٍ مُحِيطَةٍ بِالأرَضِينَ السَّبْعِ واحِدًا وراءَ واحِدٍ كَما أنَّ الأرَضِينَ السَّبْعَ أرْضٌ وراءَ أرْضٍ. أيْ فَهو اسْمُ جِنْسٍ انْحَصَرَتْ أفْرادُهُ في سَبْعَةٍ، وأطالُوا في وصْفِ ذَلِكَ بِما أمْلاهُ عَلَيْهِمُ الخَيالُ المَشْفُوعُ بِقِلَّةِ التَّثَبُّتِ فِيما يَرْوُونَهُ لِلْإغْرابِ، وذَلِكَ مِنَ الأوْهامِ المَخْلُوطَةِ بِبَعْضِ أقْوالِ قُدَماءِ المَشْرِقِيِّينَ، وبِسُوءِ فَهْمِ البَعْضِ في عِلْمِ جُغْرافِيَةِ الأرْضِ وتَخَيُّلِهِمْ إيّاها رِقاعًا مُسَطَّحَةً ذاتَ تَقاسِيمَ يُحِيطُ بِكُلِّ قِسْمٍ مِنها ما يَفْصِلُهُ عَنِ القِسْمِ الآخَرِ مِن بِحارٍ وجِبالٍ، وهَذا مِمّا يَنْبَغِي تَرَفُّعُ العُلَماءِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ لَوْلا أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوهُ.
ومِنَ العَجَبِ أنَ تُفْرَضَ هَذِهِ الأوْهامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ مِنَ القُرْآنِ ألَمْ يَكْفِهِمْ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلى صُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي مِثْلَ: الم والمص وكهيعص ولَوْ أُرِيدَ الجَبَلُ المَوْهُومُ لَكُتِبَ قافٌ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ كَما تُكْتَبُ دَوالُ الأشْياءِ مِثْلُ عَيْنٍ: اسْمُ الجارِحَةِ، وغَيْنٍ: مَصْدَرُ غانَ عَلَيْهِ، فَلا يَصِحُ أنْ يُدَلَّ عَلى هَذِهِ الأسْماءِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي كَما لا يَخْفى.
* * *
﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾
قَسَمٌ بِالقُرْآنِ، والقَسَمُ بِهِ كِنايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ لِأنَّ القَسَمَ لا يَكُونُ إلّا بِعَظِيمٍ عِنْدَ المُقْسِمِ فَكانَ التَّعْظِيمُ مِن لَوازِمِ القَسَمِ.
وأتْبَعَ هَذا التَّنْوِيهَ الكِنائِيَّ بِتَنْوِيهٍ صَرِيحٍ بِوَصْفِ القُرْآنِ بِـ ”المَجِيدِ“ فالمَجِيدُ المُتَّصِفُ بِقُوَّةِ المَجْدِ. والمَجْدُ ويُقالُ المُجادَّةُ: الشَّرَفُ الكامِلُ وكَرَمُ النَّوْعِ.
صفحة ٢٧٧
وشَرَفُ القُرْآنِ مِن بَيْنِ أنْواعِ الكَلامِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْلى المَعانِي النّافِعَةِ لِصَلاحِ النّاسِ فَذَلِكَ مَجْدُهُ.
وأمّا كَمالُ مَجْدِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُبالَغَةِ بِوَصْفِ ”مَجِيدٍ“ فَذَلِكَ بِأنَّهُ يَفُوقُ أفْضَلَ ما أبْلَغَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن أنْواعِ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى إذْ أوْجَدَ ألْفاظَهُ وتَراكِيبَهُ وصُورَةَ نَظْمِهِ بِقُدْرَتِهِ دُونَ واسِطَةٍ، فَإنَّ أكْثَرَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى أوْجَدَهُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ المُتَكَلِّمُونَ بِهِ يُعَبِّرُونَ بِكَلامِهِمْ عَمّا يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ.
ويَدْخُلُ في كَمالِ مَجْدِهِ أنَّهُ يَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ مِثْلَ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُونِ واسِطَةِ المَلائِكَةِ، ومِثْلَ ما أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أقْوالِ اللَّهِ تَعالى المُعَبَّرِ عَنْهُ في اصْطِلاحِ عُلَمائِنا بِالحَدِيثِ القُدُسِيِّ، فَإنَّ القُرْآنَ يَفُوقُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وجَعَلَهُ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ.
ويَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِوَفْرَةِ مَعانِيهِ وعَدَمِ انْحِصارِها، وأيْضًا بِأنَّهُ تَمَيَّزَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ بِأنَّهُ لا يَنْسَخُهُ كِتابٌ يَجِيءُ بَعْدَهُ وما يُنْسَخُ مِنهُ إلّا شَيْءٌ قَلِيلٌ يَنْسَخُهُ بَعْضُهُ.
وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ في المَقامِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ ابْتِداءُ السُّورَةِ بِحَرْفِ ق المُشْعِرِ بِالنِّداءِ عَلى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الإضْرابُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ .
والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنُ المَجِيدُ إنَّكَ لِرَسُولُ اللَّهِ بِالحَقِّ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] . أوْ يُقَدَّرُ الجَوابُ: إنَّهُ لَتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَحْوِ ﴿حم﴾ [الزخرف: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ يَقْتَضِي كَلامًا مُنْتَقَلًا مِنهُ والقَسَمُ بِدُونِ جَوابٍ لا يُعْتَبَرُ كَلامًا تامًّا فَتَعَيَّنَ أنْ يُقَدِّرَ السّامِعُ جَوابًا تَتِمُّ بِهِ الفائِدَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ.
صفحة ٢٧٨
وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ وحَسَّنَهُ أنَّ الِانْتِقالَ مُشْعِرٌ بِأهَمِّيَّةِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، أيْ عُدْ عَمّا تُرِيدُ تَقْدِيرَهُ مِن جَوابٍ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سَبَبِ إنْكارِهِمُ الَّذِي حَدا بِنا إلى القَسَمِ كَقَوْلِ القائِلِ: دَعْ ذا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَدَعْ ذا وسَلِ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذُمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا
وقَوْلِ الأعْشى:
فَدَعْ ذا ولَكِنْ رُبَّ أرْضٍ مُتَيَّهَةٍ ∗∗∗ قَطَعْتُ بِحُرْجُوجٍ إذا اللَّيْلُ أظْلَما
وتَقَدَّمَ بَيانُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] في سُورَةِ ص.
وقَوْلِهِ: ”عَجِبُوا“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ إنْكارًا لِعَجَبِهِمُ البالِغِ حَدَّ الإحالَةِ.
و”عَجِبُوا“ حَصَلَ لَهُمُ العَجَبُ بِفَتْحِ الجِيمِ وهو الأمْرُ غَيْرُ المَأْلُوفِ لِلشَّخْصِ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ في أتَعْجَبِينَ إنْكارٌ وإنَّما تُنْكَرُ إحالَةُ ذَلِكَ لا كَوْنُهُ مُوجِبَ تَعَجُّبٍ. فالمَعْنى هُنا: أنَّهم نَفَوْا جَوازَ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهم، قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
وضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، فَمَعادُهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أعْنِي افْتِتاحَ السُّورَةِ بِحَرْفِ التَّهَجِّي الَّذِي قُصِدَ مِنهُ تَعْجِيزُهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ لِأنَّ عَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ في حالِ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن حُرُوفِ لُغَتِهِمْ يَدُلُّهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ بَشَرٍ بَلْ هو كَلامٌ أبْدَعَتْهُ قُدْرَةُ اللَّهِ وأبْلَغَهُ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ عَلى لِسانِ المَلَكِ فَإنَّ المُتَّحَدِّينَ بِالإعْجازِ مَشْهُورُونَ يَعْلَمُهُمُ المُسْلِمُونَ وهم أيْضًا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالتَّحَدِّي بِالإعْجازِ. عَلى أنَّهُ سَيَأْتِي ما يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: ”فَقالَ الكافِرُونَ“ .
وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ . والمُرادُ: أنَّهُ مِن نَوْعِهِمْ أيْ مِن بَنِي الإنْسانِ.
صفحة ٢٧٩
و”أنْ جاءَهم“ مَجْرُورٌ بِـ (مِن) المَحْذُوفَةِ مَعَ (أنْ)، أيْ عَجِبُوا مِن مَجِيءِ مُنْذِرٍ مِنهم، أوْ عَجِبُوا مِنِ ادِّعاءِ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم.
وعَبَّرَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ مُنْذِرٍ وهو المُخْبِرُ بِشَرٍّ سَيَكُونُ، لِلْإيماءِ إلى أنَّ عَجَبَهم كانَ ناشِئًا عَنْ صِفَتَيْنِ في الرَّسُولِ ﷺ إحْداهُما أنَّهُ مُخْبِرٌ بِعَذابٍ يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ مُخْبِرٌ بِما لا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وإنَّما أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .
والثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِن نَوْعِ البَشَرِ.
وفَرَّعَ عَلى التَّكْذِيبِ الحاصِلِ في نُفُوسِهِمْ ذِكْرَ مَقالَتِهِمُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْهُ وعَنْ شُبْهَتِهِمُ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ الآيَةَ.
وخَصَّ هَذا بِالعِنايَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أدْخَلُ عِنْدَهم في الِاسْتِبْعادِ وأحَقُّ بِالإنْكارِ فَهو الَّذِي غَرَّهم فَأحالُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أحَدًا مِن نَوْعِهِمْ ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّسُولَ ﷺ ابْتِداءً بِصِفَةِ مُنْذِرٍ قَبْلَ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما أنْذَرَهم بِهِ هو الباعِثُ الأصْلِيُّ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأنَّ كَوْنَهُ مِنهم إنَّما قَوّى الِاسْتِبْعادَ والتَّعَجُّبَ.
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنهُ إلى إبْطالِ حُجَّتِهِمْ وإثْباتِ البَعْثِ وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] إلى قَوْلِهِ كَذَلِكَ الخُرُوجُ.
فَقَدْ حَصَلَ في ضِمْنِ هاتَيْنِ الفاصِلَتَيْنِ خُصُوصِيّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ البَلاغَةِ: مِنها إيجازُ الحَذْفِ، ومِنها ما أفادَهُ الإضْرابُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ البَعْثِ، ومِنها الإيجازُ البَدِيعُ الحاصِلُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِـ ”مُنْذِرٌ“، ومِنها إقْحامُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِأنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا في تَعَجُّبِهِمْ، ومِنها الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، ومِنها الإجْمالُ المُعَقَّبُ بِالتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ.
وعَبَّرَ عَنْهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ في ”﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾“ دُونَ: فَقالُوا، لِتَوْسِيمِهِمْ فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن آثارِ الكُفْرِ، ولِيَكُونَ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ.
صفحة ٢٨٠
والإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ ”هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ“ إلى ما هو جارٍ في مَقامِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ مِن دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم لِلْإيمانِ بِالرَّجْعِ، أيِ البَعْثِ وهو الَّذِي بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ إلَخْ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإبْطالِ، يُرِيدُونَ تَعْجِيبَ السّامِعِينَ مِن ذَلِكَ تَعْجِيبَ إحالَةٍ لِئَلّا يُؤْمِنُوا بِهِ.
وجَعَلُوا مَناطَ التَّعْجِيبِ الزَّمانَ الَّذِي أفادَتْهُ (إذا) وما أُضِيفَ إلَيْهِ، أيْ زَمَنَ مَوْتِنا وكَوْنِنا تُرابًا.
والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ظَرْفُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ والتَّقْدِيرُ: أنَرْجِعُ إلى الحَياةِ في حِينِ انْعِدامِ الحَياةِ مِنّا بِالمَوْتِ وحِينِ تَفَتُّتِ الجَسَدِ وصَيْرُورَتِهِ تُرابًا، وذَلِكَ عِنْدَهم أقْصى الِاسْتِبْعادِ.
ومُتَعَلِّقُ (إذا) هو المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ المَحْذُوفُ المُقَدَّرُ، أيْ نَرْجِعُ أوْ نَعُودُ إلى الحَياةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها.
وجُمْلَةُ ”ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ والذِّكْرِ، بَعْدَ أنْ أُفِيدَ بِطَرِيقِ المَجازِ والحَذْفِ، لِأنَّ شَأْنَ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ أجْلى دَلالَةً.
والرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَ، أيِ الرُّجُوعُ إلى الحَياةِ.
ومَعْنى ”بَعِيدٌ“ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ تَصَوُّرِ العَقْلِ، أيْ هو أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ.
50:4Page 518
قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤
We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.
﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾
رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ”ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ“ فَإنَّ إحالَتَهُمُ البَعْثَ ناشِئَةٌ عَنْ عِدَّةِ شُبَهٍ: مِنها: أنَّ تَفَرُّقَ أجْزاءِ الأجْسادِ في مَناحِي الأرْضِ ومَهابِّ الرِّياحِ لا تُبْقِي أمَلًا في إمْكانِ جَمْعِها إذْ لا يُحِيطُ بِها مُحِيطٌ وأنَّها لَوْ عُلِمَتْ مَواقِعُها لَتَعَذَّرَ التِقاطُها وجَمْعُها، ولَوْ جُمِعَتْ كَيْفَ تَعُودُ إلى صُوَرِها الَّتِي كانَتْ مُشْكِلَةً بِها، وأنَّها لَوْ عادَتْ كَيْفَ تَعُودُ إلَيْها، فاقْتَصَرَ في إقْلاعِ شُبَهِهِمْ عَلى إقْلاعِ أصْلِها وهو عَدَمُ العِلْمِ بِمَواقِعِ تِلْكَ الأجْزاءِ وذَرّاتِها.
صفحة ٢٨١
وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ بِدُونِ عَطْفٍ لِأنَّها ابْتِداءُ كَلامٍ لِرَدِّ كَلامِهِمْ، وهَذا هو الألْيَقُ بِنَظْمِ الكَلامِ.
وقِيلَ هي جَوابُ القَسَمِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا وأيًّا ما كانَ فَهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ”﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]“ .
والمَعْنى: أنَّ جَمْعَ أجْزاءِ الأجْسامِ مُمْكِنٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، وإذا كانَ عالِمًا بِتِلْكَ الأجْزاءِ كَما هو مُقْتَضى عُمُومِ العِلْمِ الإلَهِيِّ وكانَ قَدْ أرادَ إحْياءَ أصْحابِها كَما أخْبَرَ بِهِ، فَلا يَعْظُمُ عَلى قُدْرَتِهِ جَمْعُها وتَرْكِيبُها أجْسامًا كَأجْسامِ أصْحابِها حِينَ فارَقُوا الحَياةَ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ إيماءٌ إلى دَلِيلِ الإمْكانِ لِأنَّ مَرْجِعَهُ إلى عُمُومِ العِلْمِ كَما قُلْنا.
فَأساسُ مَبْنى الرَّدِّ هو عُمُومُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَجْمَعُ إبْطالَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ فَلَوْ قالَ: نَحْنُ قادِرُونَ عَلى إرْجاعِ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم، لَخَطَرَ في وساوِسِ نُفُوسِهِمْ شُبْهَةُ أنَّ اللَّهَ وإنْ سَلَّمَنا أنَّهُ قادِرٌ فَإنَّ أجْزاءَ الأجْسادِ إذا تَفَرَّقَتْ لا يَعْلَمُها اللَّهُ حَتّى تَتَسَلَّطَ عَلى جَمْعِها قُدْرَتُهُ فَكانَ البِناءُ عَلى عُمُومِ العِلْمِ أقْطَعَ لِاحْتِمالاتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ بَيانٌ لِلْإمْكانِ رَعْيًا لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم مِنَ الإحالَةِ لِأنَّ ثُبُوتَ الإمْكانِ يَقْلَعُ اعْتِقادَ الِاسْتِحالَةِ مِن نُفُوسِهِمْ وهو كافٍ لِإبْطالِ تَكْذِيبِهِمْ ولِاسْتِدْعائِهِمْ لِلنَّظَرِ في الدَّعْوَةِ، ثُمَّ يَبْقى النَّظَرُ في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ، وهي أمْرٌ لَمْ نُكَلَّفْ بِالبَحْثِ عَنْهُ وقَدِ اخْتَلَفَ فِيها أئِمَّةُ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ: تُعادُ الأجْسامُ بَعْدَ عَدَمِها. ومَعْنى إعادَتِها، إعادَةُ أمْثالِها بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أجْسادًا مِثْلَ الأُولى تُودَعُ فِيها الأرْواحُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا حالَّةً في الأجْسادِ المَعْدُومَةِ الآنَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الجِسْمُ لِصاحِبِ الرُّوحِ في الدُّنْيا وبِذَلِكَ يَحِقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا هو فُلانٌ الَّذِي عَرَفْناهُ في الدُّنْيا إذِ الإنْسانُ كانَ إنْسانًا بِالعَقْلِ والنُّطْقِ، وهُما مَظْهَرُ الرُّوحِ. وأمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّراتٍ كَثِيرَةٍ ابْتِداءً مِن وقْتِ كَوْنِهِ جَنِينًا، ثُمَّ مِن وقْتِ الطُّفُولَةِ ثُمَّ ما بَعْدَها مِنَ الأطْوارِ فَتَخْلُفُ أجْزاؤُهُ المُتَجَدِّدَةُ أجْزاءَهُ المُتَقَضِّيَةَ، وبُرْهانُ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ في عِلْمِ الطَّبِيعِيّاتِ، لَكِنَّ ذَلِكَ التَّغَيُّرَ لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اعْتِبارِ الذّاتِ ذاتًا واحِدَةً لِأنَّ هُوِيَّةَ الذّاتِ حاصِلَةٌ مِنَ الحَقِيقَةِ
صفحة ٢٨٢
النَّوْعِيَّةِ والمُشَخِّصاتِ المُشاهَدَةِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ بِدُونِ شُعُورِ مَن يُشاهِدُها.
فَلِذا كانَتْ حَقِيقَةُ الشَّخْصِ هي الرُّوحُ وهي الَّتِي تُكْتَسى عِنْدَ البَعْثِ جَسَدَ صاحِبِها في الدُّنْيا، فَإنَّ النّاسَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ لا تَبْلى في مِثْلِهِ أجْسامُهم تَرْجِعُ أرْواحُهم إلى أجْسادِهِمُ الباقِيَةِ دُونَ تَجْدِيدِ خَلْقِها، ولِذَلِكَ فَتَسْمِيَةُ هَذا الإيجادِ مَعادًا أوْ رَجْعًا أوْ بَعْثًا إنَّما هي تَسْمِيَةٌ بِاعْتِبارِ حالِ الأرْواحِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أيْضًا تَشْهَدُ عَلى الكُفّارِ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لِأنَّ الشّاهِدَ في الحَقِيقَةِ هو ما بِهِ إدْراكُ الأعْمالِ مِنَ الرُّوحِ المَبْثُوثَةِ في الأعْضاءِ.
وأدِلَّةُ الكِتابِ أكْثَرُها ظاهِرٌ في تَأْيِيدِ هَذا الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] .
وقالَ شُذُوذٌ: تُعادُ الأجْسامُ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ يَجْمَعُها اللَّهُ العَلِيمُ بِها ويُرَكِّبُها كَما كانَتْ يَوْمَ الوَفاةِ. وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ أجْزاءَ الجِسْمِ الإنْسانِيِّ إذا تَفَرَّقَتْ دَخَلَتْ في أجْزاءٍ مِن أجْسامٍ أُخْرى مِن مُخْتَلِفِ المَوْجُوداتِ ومِنها أجْسامُ أُناسٍ آخَرِينَ.
ووَرَدَ في الآثارِ: ”«أنَّ كُلَّ ابْنِ آدَمَ يَفْنى إلّا عَجَبُ الذَّنْبِ مِنهُ خُلِقَ ومِنهُ يُرَكَّبُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ. وعَلى هَذا تَكُونُ نِسْبَةُ الأجْسادِ المُعادَةِ كَنِسْبَةِ النَّخْلَةِ مِنَ النَّواةِ. وهَذا واسِطَةٌ بَيْنَ القَوْلِ بِأنَّ الإعادَةَ عَنْ عَدَمٍ والقَوْلِ بِأنَّها عَنْ تَفَرُّقٍ.
ولا قائِلَ مِنَ العُقَلاءِ بِأنَّ المَعْدُومَ يُعادُ بِعَيْنِهِ وإنَّما المُرادُ ما ذَكَرْناهُ وما عَداهُ مُجازَفَةٌ في التَّعْبِيرِ.
وذَكَرَ الجَلالُ الدَّوانِيُّ في شَرْحِ العَقِيدَةِ العَضُدِيَّةِ أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ لَمّا سَمِعَ ما في القُرْآنِ مِنَ الإعادَةِ جاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ وبِيَدِهِ عَظْمٌ قَدْ رُمَّ فَفَتَّتَهُ بِيَدِهِ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتُرى يُحْيِينِي بَعْدَ أنْ أصِيرَ كَهَذا العَظْمِ ؟ فَقال لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «نَعَمْ ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُكَ النّارَ» . وفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .
وعَبَّرَ بِـ ”تَنْقُصُ الأرْضُ“ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالإعْدامِ لِأنَّ لِلْأجْسادِ دَرَجاتٍ مِنَ
صفحة ٢٨٣
الِاضْمِحْلالِ تَدْخُلُ تَحْتَ حَقِيقَةِ النَّقْصِ فَقَدْ يَفْنى بَعْضُ أجْزاءِ الجَسَدِ ويَبْقى بَعْضُهُ، وقَدْ يَأْتِي الفَناءُ عَلى جَمِيعِ أجْزائِهِ، عَلى أنَّهُ إذا صَحَّ أنَّ عَجَبَ الذَّنْبِ لا يَفْنى كانَ فَناءُ الأجْسادِ نَقْصًا لا انْعِدامًا.
وعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ قَوْلُهُ: ”وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ“ عَطْفَ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ، وهو بِمَعْنى تَذْيِيلٍ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ أيْ وعِنْدَنا عِلْمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ثابِتًا فَتَنْكِيرُ ”كِتابٌ“ لِلتَّعْظِيمِ، وهو تَعْظِيمُ التَّعْمِيمِ، أيْ عِنْدِنا كِتابُ كُلِّ شَيْءٍ.
و”حَفِيظٌ“ فَعِيلٌ: إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ حافِظٍ لِما جُعِلَ لِإحْصائِهِ مِن أسْماءِ الذَّواتِ ومَصائِرِها. وتَعْيِينِ جَمِيعِ الأرْواحِ لِذَواتِها الَّتِي كانَتْ مُودَعَةً فِيها بِحَيْثُ لا يَفُوتُ واحِدٌ مِنها عَنِ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالبَعْثِ وإعادَةِ الأجْسادِ وبَثِّ الأرْواحِ فِيها.
وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْفُوظٍ ما فِيهِ مِمّا قَدْ يَعْتَرِي الكُتُبَ المَأْلُوفَةَ مِنَ المَحْوِ والتَّغْيِيرِ والزِّيادَةِ والتَّشْطِيبِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
والكِتابُ: المَكْتُوبُ، ويُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِ الصَّحائِفِ.
ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ حَقِيقَةً بِأنْ جَعَلَ اللَّهُ كُتُبًا وأوْدَعَها إلى مَلائِكَةٍ يُسَجِّلُونَ فِيها النّاسَ حِينَ وفَياتِهِمْ ومَواضِعِ أجْسادِهِمْ ومَقارِّ أرْواحِهِمْ وانْتِسابِ كُلِّ رُوحٍ إلى جَسَدِها المُعَيَّنِ الَّذِي كانَتْ حالَّةً فِيهِ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا صادِقًا بِكُتُبٍ عَدِيدَةٍ لِكُلِّ إنْسانٍ كِتابُهُ، وتَكُونُ مِثْلَ صَحائِفِ الأعْمالِ الَّذِي جاءَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وقَوْلُهُ ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ”﴿وعِنْدَنا كِتابٌ﴾“ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِحالِ عِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ حَفِيظٌ يَعْلَمُ بِهِ جَمِيعَ أعْمالِ النّاسِ.
والعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ: ”وعِنْدَنا كِتابٌ“ مُسْتَعارَةٌ لِلْحِياطَةِ والحِفْظِ مِن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ ما يُغَيِّرُ ما فِيهِ أوْ مَن يُبْطِلُ ما عُيِّنَ لَهُ.
50:5Page 518
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥
But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.
صفحة ٢٨٤
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾
إضْرابٌ ثانٍ تابِعٌ لِلْإضْرابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] عَلى طَرِيقَةِ تَكْرِيرِ الجُمْلَةِ في مَقامِ التَّنْدِيدِ والإبْطالِ، أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ [ق: ٢] لِأنَّ ذَلِكَ العَجَبَ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّكْذِيبِ، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ يَقْتَضِيانِ فَصْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِدُونِ عاطِفٍ.
والمَقْصِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ: أنَّهم أتَوْا بِأفْظَعَ مِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ وذَلِكَ هو التَّكْذِيبُ بِالحَقِّ.
والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ لِأنَّ فِعْلَ التَّكْذِيبِ إذا عُدِّيَ بِالباءِ عُدِّيَ إلى الخَبَرِ وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ كانَ لِتَكْذِيبِ المُخْبِرِ.
و(لَمّا) حَرْفُ تَوْقِيتٍ فَهي دالَّةٌ عَلى رَبْطِ حُصُولِ جَوابِها بِوَقْتِ حُصُولِ شَرْطِها فَهي مُؤْذِنَةٌ بِمُبادَرَةِ حُصُولِ الجَوابِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَدْ مَضَيا في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ”جاءَهم“ بَلَغَهم وأُعْلِمُوا بِهِ.
والمَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالتَّكْذِيبِ دُونَ تَأمُّلٍ ولا نَظَرٍ فِيما حَواهُ مِنَ الحَقِّ بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ فَكَذَّبُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وهو أوَّلُ حَقٍّ جاءَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] .
فالتَّكْذِيبُ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ يَعُمُّ التَّكْذِيبَ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ.
وفُرِّعَ عَلى الخَبَرِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ بِالإضْرابِ وصَفُ حالِهِمُ النّاشِئَةِ عَنِ المُبادَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ قَبْلَ التَّأمُّلِ بِأنَّها ”أمْرٌ مَرِيجٌ“ أحاطَ بِهِمْ وتَجَلْجَلُوا فِيهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ.
و”أمْرٍ“ اسْمٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ شَيْءٍ، ولَمّا وقَعَ هُنا بَعْدَ حَرْفِ (في) المُسْتَعْمَلِ في الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأمْرِ الحالَ المُتَلَبِّسُونَ هم بِهِ تَلَبُّسَ المَظْرُوفِ بِظَرْفِهِ وهو تَلَبُّسُ المَحُوطِ بِما أحاطَ بِهِ فاسْتِعْمالُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
صفحة ٢٨٥
والمَرِيجُ: المُضْطَرِبُ المُخْتَلِطُ، أيْ لا قَرارَ في أنْفُسِهِمْ في هَذا التَّكْذِيبِ، اضْطَرَبَتْ فِيهِ أحْوالُهم كُلُّها مِن أقْوالِهِمْ في وصْفِ القُرْآنِ فَإنَّهُمُ ابْتَدَرُوا فَنَفَوْا عَنْهُ الصِّدْقَ فَلَمْ يَتَبَيَّنُوا بِأيِّ أنْواعِ الكَلامِ الباطِلِ يُلْحِقُونَهُ فَقالُوا: ”سِحْرٌ مَبِينٌ“ وقالُوا: ”أساطِيرُ الأوَّلِينَ“ وقالُوا: ”قَوْلُ شاعِرٍ“، وقالُوا: ”قَوْلُ كاهِنٍ“ وقالُوا: هَذَيانُ مَجْنُونٍ. وفي سُلُوكِهِمْ في طُرُقِ مُقاوَمَةِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ وما يَصِفُونَهُ بِهِ إذا سَألَهُمُ الوارِدُونَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ. ومَن بَهَتَهم في إعْجازِ القُرْآنِ ودَلالَةِ غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وما دَمَغَهم بِهِ مِنَ الحُجَجِ عَلى إبْطالِ الإشْراكِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ. وهَذا تَحْمِيقٌ لَهم بِأنَّهم طاشَتْ عُقُولُهم فَلَمْ يُتْقِنُوا التَّكْذِيبَ ولَمْ يَرْسُوا عَلى وصْفِ الكَلامِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences