Ibn 'AshurAl‑Qadr · 97:1–3

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

القدر

Al-Qadr

The Power · Meccan · 5 ayahs

97:1Page 598

إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ١

Indeed, We sent it [i.e., the Qur’ān] down during the Night of Decree.

﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾

اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَنْوِيهٍ عَظِيمٍ بِالقُرْآنِ فافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِالإخْبارِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ وكِلاهُما مِن طُرُقِ التَّأْكِيدِ والتَّقَوِّي.

ويُفِيدُ هَذا التَّقْدِيمُ قَصْرًا وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِي نَفَوْا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وفِي ضَمِيرِ العَظَمَةِ وإسْنادِ الإنْزالِ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِلْقُرْآنِ.

وفِي الإتْيانِ بِضَمِيرِ القُرْآنِ دُونَ الِاسْمِ الظّاهِرِ إيماءٌ إلى أنَّهُ حاضِرٌ في أذْهانِ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ إقْبالِهِمْ عَلَيْهِ؛ فَكَوْنُ الضَّمِيرِ دُونَ سَبْقِ مَعادٍ إيماءً إلى شُهْرَتِهِ بَيْنَهم فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ كُلُّهُ فَيَكُونُ فِعْلُ (أنْزَلْنا) مُسْتَعْمَلًا في ابْتِداءِ الإنْزالِ؛ لِأنَّ الَّذِي أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَمْسُ الآياتِ الأُوَلِ مِن سُورَةِ العَلَقِ، ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ ثُمَّ عادَ إنْزالُهُ مُنَجَّمًا ولَمْ يُكْمِلْ إنْزالَ القُرْآنِ إلّا بَعْدَ نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ولَكِنْ لَمّا كانَ جَمِيعُ القُرْآنِ مُقَرَّرًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِقْدارُهُ وأنَّهُ يُنَزَّلُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مُنَجَّمًا حَتّى يَتِمَّ؛ كانَ إنْزالُهُ بِإنْزالِ الآياتِ الأُوَلِ مِنهُ؛ لِأنَّ ما أُلْحِقَ بِالشَّيْءِ يُعَدُّ بِمَنزِلَةِ أوَّلِهِ، فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ» الحَدِيثَ، فاتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الصُّرَّةَ فِيما أُلْحِقَ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لَها ذَلِكَ الفَضْلُ، وأنَّ الطَّوافَ في زِياداتِ المَسْجِدِ الحَرامِ يَصِحُّ كُلَّما اتَّسَعَ المَسْجِدُ.

ومِن تَسْدِيدِ تَرْتِيبِ المُصْحَفِ أنْ وُضِعَتْ سُورَةُ القَدْرِ عَقِبَ سُورَةِ العَلَقِ مَعَ أنَّها أقَلُّ عَدَدَ آياتٍ مِن سُورَةِ البَيِّنَةِ وسُورٍ بَعْدَها؛ كَأنَّهُ إماءٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في أنْزَلْناهُ يَعُودُ إلى القُرْآنِ الَّذِي ابْتُدِئَ نُزُولُهُ بِسُورَةِ العَلَقِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المِقْدارِ الَّذِي أُنْزِلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ وهو

صفحة ٤٥٧

الآياتُ الخَمْسُ مِن سُورَةِ العَلَقِ؛ فَإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ القُرْآنِ يُسَمّى قُرْآنًا، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالتَّعْبِيرُ بِالمُضِيِّ في فِعْلِ أنْزَلْناهُ لا مَجازَ فِيهِ. وقِيلَ: أُطْلِقَ ضَمِيرُ القُرْآنِ عَلى بَعْضِهِ مَجازًا بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ.

والآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الآياتِ الأُوَلَ مِنَ القُرْآنِ نَزَلَتْ لَيْلًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ بَدْءِ الوَحْيِ في الصَّحِيحَيْنِ لِقَوْلِ عائِشَةَ فِيهِ: ”«فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءٍ اللَّيالِيَ ذَواتِ العِدَدِ» “ فَكانَ تَعَبُّدُهُ لَيْلًا، ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ المَلَكُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ إثْرَ فَراغِهِ مِن تَعَبُّدِهِ. وأمّا قَوْلُ عائِشَةَ ”«فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ يَرْجُفُ فُؤادُهُ» “؛ فَمَعْناهُ أنَّهُ خَرَجَ مِن غارِ حِراءٍ إثْرَ الفَجْرَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَلْقِينِهِ الآياتِ الخَمْسِ، إذْ يَكُونُ نُزُولُها عَلَيْهِ في آخِرِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وذَلِكَ أفْضَلُ أوْقاتِ اللَّيْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] .

ولَيْلَةُ القَدْرِ: اسْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلَّيْلَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ. ويَظْهَرُ أنَّ أوَّلَ تَسْمِيَتِها بِهَذا الِاسْمِ كانَ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُسْلِمِينَ وبِذَلِكَ يَكُونُ ذِكْرُها بِهَذا الِاسْمِ تَشْوِيقًا لِمَعْرِفَتِها؛ ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] .

والقَدْرُ: الَّذِي عُرِّفَتِ اللَّيْلَةُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ هو بِمَعْنى الشَّرَفِ والفَضْلِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، أيْ: لَيْلَةِ القَدْرِ والشَّرَفِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِمّا أعْطاها مِنَ البَرَكَةِ؛ فَتِلْكَ لَيْلَةٌ جَعَلَ اللَّهُ لَها شَرَفًا فَجَعَلَها مَظْهَرًا لِما سَبَقَ بِهِ عِلْمَهُ فَجَعَلَها مَبْدَأ الوَحْيِ إلى النَّبِيءِ ﷺ .

والتَّعْرِيفُ في القَدْرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. ولَمْ يَقُلْ: في لَيْلَةِ قَدْرٍ بِالتَّنْكِيرِ لِأنَّهُ قَصَدَ جَعْلَ هَذا المُرَكَّبَ بِمَنزِلَةِ العَلَمِ لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ؛ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُضافِ إلَيْهِ بِاللّامِ مَعَ تَعْرِيفِ المُضافِ بِالإضافَةِ أوْغَلُ في جَعْلِ ذَلِكَ المُرَكَّبِ لَقَبًا لِاجْتِماعِ تَعْرِيفَيْنِ فِيهِ.

وقَدْ ثَبَتَ أنَّ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ في شَهْرِ رَمَضانَ قالَ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ولا شَكَّ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ إذْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ

صفحة ٤٥٨

البَقَرَةِ بِسِنِينَ إنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً أوْ بِمُدَّةٍ أقَلَّ مِن ذَلِكَ إنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً؛ فَلَيْلَةُ القَدْرِ المُرادَةُ هَنا كانَتْ في رَمَضانَ، وتَأيَّدَ ذَلِكَ بِالأخْبارِ الصَّحِيحَةِ مِن كَوْنِها مِن لَيالِي رَمَضانَ في كُلِّ سَنَةٍ.

وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ كانَتْ لَيْلَةَ سَبْعَةَ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ الآياتِ عَقِبَ هَذا الكَلامِ في هَلْ لَيْلَةٌ ذاتُ عَدَدٍ مُتَماثِلٍ في جَمِيعِ الأعْوامِ أوْ تَخْتَلِفُ في السِّنِينَ ؟ وفي هَلْ تَقَعُ في واحِدَةٍ مِن جَمِيعِ لَيالِي رَمَضانَ أوْ لا تَخْرُجُ عَنِ العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ ؟ وهَلْ هي مَخْصُوصَةٌ بِلَيْلَةِ وتْرٍ كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ أوْ لا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ ؟ والمَقْصُودُ مِن تَشْرِيفِ اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ ابْتِداءُ إنْزالِ القُرْآنِ فِيها تَشْرِيفٌ آخَرُ لِلْقُرْآنِ بِتَشْرِيفِ زَمانِ ظُهُورِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى اخْتارَ لِابْتِداءِ إنْزالِهِ وقْتًا شَرِيفًا مُبارَكًا؛ لِأنَّ عِظَمَ قَدْرِ الفِعْلِ يَقْتَضِي أنْ يَخْتارَ لِإيقاعِهِ فَضْلَ الأوْقاتِ والأمْكِنَةِ؛ فاخْتِيارُ فَضْلِ الأوْقاتِ لِابْتِداءِ إنْزالِهِ يُنْبِئُ عَنْ عُلُوِّ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] عَلى الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ المُطَهَّرِينَ.

97:2Page 598

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ ٢

And what can make you know what is the Night of Decree?

﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾

تَنْوِيهٌ بِطَرِيقِ الإبْهامِ المُرادِ بِهِ أنَّ إدْراكَ كُنْهِها لَيْسَ بِالسَّهْلِ لِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ الجَمَّةِ.

وكَلِمَةُ (ما أدْراكَ ما كَذا) كَلِمَةٌ تُقالُ في تَفْخِيمِ الشَّيْءِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُعَرِّفُكَ ما هي لَيْلَةُ القَدْرِ، أيْ: يَعْسُرُ عَلى شَيْءٍ أنْ يُعَرِّفَكَ مِقْدارَها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ قَرِيبًا. والواوُ واوُ الحالِ.

وأُعِيدَ اسْمُ (﴿لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٣]) الَّذِي سَبَقَ قَرِيبًا في قَوْلِهِ: ﴿فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ، فَقَصَدَ الِاهْتِمامَ بِتَعْيِينِها، فَحَصَلَ تَعْظِيمُ لَيْلَةِ القَدْرِ صَرِيحًا، وحَصَلَتْ كِتابَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ ما أُنْزِلَ فِيها وأنَّ اللَّهَ اخْتارَ إنْزالَهُ فِيها لِيَتَطابَقَ الشَّرَفانِ.

97:3Page 598

لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ ٣

The Night of Decree is better than a thousand months.

صفحة ٤٥٩

﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾

بَيانٌ أوَّلُ لِشَيْءٍ مِنَ الإبْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] مِثْلُ البَيانِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أوْ إطْعامٌ الآيَةَ. فَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أوْ لِأنَّها كَعَطْفِ البَيانِ.

وتَفْضِيلُها بِالخَيْرِ عَلى ألْفِ شَهْرٍ، إنَّما هو بِتَضْعِيفِ فَضْلِ ما يَحْصُلُ فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ واسْتِجابَةِ الدُّعاءِ ووَفْرَةِ ثَوابِ الصَّدَقاتِ والبَرَكَةِ لِلْأُمَّةِ فِيها؛ لِأنَّ تَفاضُلَ الأيّامِ لا يَكُونُ بِمَقادِيرِ أزْمِنَتِها ولا بِما يَحْدُثُ فِيها مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ، أوْ مَطَرٍ، ولا بِطُولِها أوْ بِقِصَرِها؛ فَإنَّ تِلْكَ الأحْوالَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يَعْبَأُ بِما يَحْصُلُ مِنَ الصَّلاحِ لِلنّاسِ أفْرادًا وجَماعاتٍ وما يُعِينُ عَلى الحَقِّ والخَيْرِ ونَشْرِ الدِّينِ. وقَدْ قالَ في فَضْلِ النّاسِ: إنْ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم فَكَذَلِكَ فَضْلُ الأزْمانِ إنَّما يُقاسُ بِما يَحْصُلُ فِيها؛ لِأنَّها ظُرُوفٌ لِلْأعْمالِ ولَيْسَتْ لَها صِفاتٌ ذاتِيَّةٌ يُمْكِنُ أنْ تَتَفاضَلَ بِها كَتَفاضُلِ النّاسِ، فَفَضْلُها بِما أعَدَّهُ اللَّهُ لَها مِنَ التَّفْضِيلِ كَتَفْضِيلِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ لِلْقُرُباتِ، وعَدَدُ الألْفِ يَظْهَرُ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في وفْرَةِ التَّكْثِيرِ كَقَوْلِهِ: (واجِدٌ كَألْفٍ) وعَلَيْهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وإنَّما جُعِلَ تَمْيِيزُ عَدَدِ الكَثْرَةِ هُنا بِالشَّهْرِ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ الَّتِي هي بِحَرْفِ الرّاءِ. وفي المُوَطَّأِ: ”قالَ مالِكٌ إنَّهُ سَمِعَ مَن يَثِقُ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أعْمارَ النّاسَ قَبْلَهُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَقاصَرَ أعْمارُ أُمَّتِهِ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمْرِ فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ» “ اهـ.

وإظْهارُ لَفْظِ (﴿لَيْلَةُ القَدْرِ﴾) في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاهْتِمامِ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذِهِ اللَّفْظُ ثَلاثَ مَرّاتٍ والمَرّاتُ الثَّلاثُ يَنْتَهِي عِنْدَها التَّكْرِيرُ غالِبًا كَقَوْلِهِ تَعالى: وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ.

وقَوْلُ عَدِيٍّ:

لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا

ومِمّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ ما وقَعَ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدِهِ إلى القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ

صفحة ٤٦٠

الحُدّانِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: («قامَ رَجُلٌ إلى الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَما بايَعَ مُعاوِيَةَ فَقالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يا مُسَوِّدَ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: لا تُؤَنِّبْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ؛ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ”﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]“ يا مُحَمَّدُ يَعْنِي: نَهْرًا مِنَ الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ”﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾“ يَمْلِكُها بَنُو أُمَيَّةَ يا مُحَمَّدُ، قالَ القاسِمُ: فَعَدَدْناها فَإذا هي ألْفُ شَهْرٍ لا يَزِيدُ يَوْمًا ولا يَنْقُصُ» ) . قالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. وقَدْ قِيلَ عَنِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مازِنٍ نَعْرِفُهُ والقاسِمُ بْنُ الفَضْلِ ثِقَةٌ ويُوسُفُ بْنُ سَعْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ اهـ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ في الفَضْلِ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ كَذا قالَ، وعِيسى بْنُ مازِنٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وهَذا يَقْتَضِي اضْطِرابًا في هَذا الحَدِيثِ، أيْ: لِاضْطِرابِهِمْ في الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ؛ وعَلى كُلِّ احْتِمالٍ فَهو مَجْهُولٌ.

وأقُولُ: وأيْضًا لَيْسَ في سَنَدِهِ ما يُفِيدُ أنَّ يُوسُفَ بْنَ سَعْدٍ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ عَنْ عِيسى بْنِ مازِنٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يا مُسَوِّدَ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ إلى آخِرِ الحَدِيثِ. وعِيسى بْنُ مازِنٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أصْلًا؛ فَإذا فَرَضْنا تَوْثِيقَ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ فَلَيْسَ في رِوايَتِهِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ سَمِعَهُ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ ذِكْرَ قِصَّةٍ تُرْوى عَنِ الحَسَنِ.

واتَّفَقَ حُذّاقُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ وذَكَرَهُ عَنْ شَيْخِهِ المِزِّيِّ، وأقُولُ: هو مُخْتَلُّ المَعْنى وسِماتُ الوَضْعِ لائِحَةٌ عَلَيْهِ، وهو مِن وضْعِ أهْلِ النِّحَلِ المُخالِفَةِ لِلْجَماعَةِ؛ فالِاحْتِجاجُ بِهِ لا يَلِيقُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ مَعَ فَرْطِ عِلْمِهِ وفِطْنَتِهِ، وأيَّةُ مُلازَمَةٍ بَيْنَ ما زَعَمُوهُ مِن رُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ دَفْعِ الحَسَنِ التَّأْنِيبَ عَنْ نَفْسِهِ. ولا شَكَّ أنَّ هَذا الخَبَرَ مِن وضْعِ دُعاةِ العَبّاسِيِّينَ عَلى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ المُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ تَسْلِيمِ الحَسَنِ الخِلافَةَ إلى مُعاوِيَةَ وبَيْنَ بَيْعَةِ السَّفّاحِ وهو أوَّلُ خُلَفاءِ العَبّاسِيَّةِ ألْفُ شَهْرٍ واثْنانِ وتِسْعُونَ شَهْرًا أوْ أكْثَرُ بِشَهْرٍ أوْ بِشَهْرَيْنِ، فَما نُسِبَ إلى القاسِمِ الحُدّانِيِّ مِن قَوْلِهِ: فَعَدَدْناها فَوَجَدْناها إلَخْ كَذِبٌ

صفحة ٤٦١

لا مَحالَةَ. والحاصِلُ أنَّ هَذا الخَبَرَ الَّذِي أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُنْكَرٌ كَما قالَهُ المِزِّيُّ.

قالَ ابْنُ عَرَفَةَ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ المُحَسِّنُ المُسَمّى تَشابُهُ الأطْرافِ وهو إعادَةُ لِفْظِ القافِيَةِ في الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] اهـ. يُرِيدُ بِالقافِيَةِ ما يَشْمَلُ القَرِينَةَ في الأسْجاعِ والفَواصِلَ في الآيِ. ومِثالُهُ في الشِّعْرِ قَوْلُ لَيْلى الأخْيِلِيَّةِ:

إذا نَزَلَ الحَجّاجُ أرْضًا مَرِيضَةً ∗∗∗ تَتَبَّعَ أقْصى دائِها فَشَفاها

شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها

إلَخْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском