Ibn 'AshurAl‑Masad · 111:1–5

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

المسد

Al-Masad

The Palm Fiber · Meccan · 5 ayahs

111:1Page 603

تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ ١

May the hands of Abū Lahab be ruined, and ruined is he.1

﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾

افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالتَّباتِ مُشْعِرٌ بِأنَّها نَزَلَتْ لِتَوْبِيخٍ ووَعِيدٍ، فَذَلِكَ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ مِثْلَ ما تُفْتَتَحُ أشْعارُ الهِجاءِ بِما يُؤْذِنُ بِالذَّمِّ والشَّتْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، إذِ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى وعِيدِ المُطَفِّفِينَ لِلَفْظِ الوَيْلِ ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:

لَحا اللَّهُ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلانِ إنَّها أضاعَتْ ثُغُورَ المُسْلِمِينَ ووَلَّتِ

وقَوْلُ أبِي تَمّامٍ في طالِعَةِ هِجاءٍ:

النّارُ والعارُ والمَكْرُوهُ والعَطَبُ

ومِنهُ أخَذَ أبُو بَكْرِ بْنُ الخازِنِ قَوْلَهُ في طالِعِ قَصِيدَةِ هَناءٍ بِمَوْلِدٍ:

مجشري فَقَدْ أنْجَزَ الإقْبالُ ما وعَدَ

صفحة ٦٠١

والتَّبُّ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، والكَلامُ دُعاءٌ وتَقْرِيعٌ لِأبِي لَهَبٍ دافَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَبِيئِهِ بِمِثالِ اللَّفْظِ الَّذِي شَتَمَ بِهِ أبُو لَهَبٍ مُحَمَّدًا ﷺ جَزاءً وِفاقًا.

وإسْنادُ التَّبِّ إلى اليَدَيْنِ لِما رُوِيَ مِن أنَّ أبا لَهَبٍ لَمّا قالَ لِلنَّبِيءِ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ أخَذَ بِيَدِهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَهُ بِهِ. ورُوِيَ عَنْ طارِقٍ المُحارِبِيِّ قالَ: بَيْنا أنا بِسُوقِ ذِي المَجازِ، إذا أنا بَرْجَلٍ حَدِيثِ السِّنِّ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وإذا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَرْمِيهِ قَدْ أدْمى ساقَيْهِ وعُرْقُوبَيْهِ، يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تُصَدِّقُوهُ. فَقُلْتُ: مَن هَذا ؟ فَقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيءٌ، وهَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ، فَوَقَعَ الدُّعاءُ عَلى يَدَيْهِ لِأنَّهُما سَبَبُ أذى النَّبِيءِ ﷺ كَما يُقالُ لِلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِمَكْرُوهٍ: (بِفِيكَ الحِجارَةُ أوْ بِفِيكَ الكَثْكَثُ)، وقَوْلِ النّابِغَةِ:

قُعُودًا لَدى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَها ∗∗∗ رَمى اللَّهُ في تِلْكَ الأكُفِّ الكَوانِعِ

ويُقالُ بِضِدِّ ذَلِكَ لِلَّذِي يَقُولُ كَلامًا حَسَنًا: لا فُضَّ فُوكَ، وقالَ أعْرابِيٌّ مِن بَنِي أسَدٍ:

دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ∗∗∗ فَلَبِّى فَلَبِّي يَدَيْ مِسْوَرِ

لِأنَّهُ دَعاهُ لِما نابَهُ مِنَ العَدُوِّ لِلنَّصْرِ، والنَّصْرُ يَكُونُ بِعَمَلِ اليَدِ بِالضَّرْبِ أوِ الطَّعْنِ.

وأبُو لَهَبٍ: هو عَبْدُ العُزّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو عَمُّ النَّبِيءِ ﷺ، وكُنْيَتُهُ أبُو عُتْبَةَ تَكْنِيَةً بِاسْمِ ابْنِهِ، وأمّا كُنْيَتُهُ بِأبِي لَهَبٍ في الآيَةِ، فَقِيلَ كانَ يُكَنّى بِذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ (لِحُسْنِهِ وإشْراقِ وجْهِهِ) وأنَّهُ اشْتُهِرَ بِتِلْكَ الكُنْيَةِ كَما اقْتَضاهُ حَدِيثُ طارِقٍ المُحارِبِيِّ، ومِثْلُهُ حَدِيثٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدَّيْلِيِّ في مُسْنَدِ أحْمَدَ، فَسَمّاهُ القُرْآنُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ؛ لِأنَّ في اسْمِهِ عِبادَةَ العُزّى، وذَلِكَ لا يُقِرُّهُ القُرْآنُ، أوْ لِأنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ العَلَمِ، أوْ لِأنَّ في كُنْيَتِهِ ما يَتَأتّى بِهِ التَّوْجِيهُ بِكَوْنِهِ صائِرًا إلى النّارِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا؛ لِأنَّ اللَّهَبَ ألْسِنَةُ النّارِ إذا اشْتَعَلَتْ وزالَ عَنْها الدُّخانُ. والأبُ: يُطْلَقُ عَلى مُلازِمِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ (أبُوها وكَيّالُها)، وكَما كُنِّيَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبا الضِّيفانِ، وكَنّى النَّبِيءُ ﷺ عَبْدَ

صفحة ٦٠٢

الرَّحْمَنِ بْنَ صَخْرٍ الدُّوسِيَّ أبا هُرَيْرَةَ؛ لِأنَّهُ حَمَلَ هِرَّةً في كُمِّ قَمِيصِهِ، وكُنِّيَ شَهْرُ رَمَضانَ: أبا البَرَكاتِ، وكُنِّيَ الذِّئْبُ: أبا جَعْدَةَ، والجَعْدَةُ سَخْلَةُ المَعِزِ؛ لِأنَّهُ يُلازِمُ طَلَبَها لِافْتِراسِها، فَكانَتْ كُنْيَةُ أبِي لَهَبٍ صالِحَةً مُوافِقَةً لِحالِهِ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ لَهَبَ جَهَنَّمَ، فَصارَ هَذا التَّوْجِيهُ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا لِيَنْتَقِلَ مِن جَعْلِ أبِي لَهَبٍ بِمَعْنى مُلازِمِ اللَّهَبِ إلى لازِمِ تِلْكَ المُلازَمَةِ في العُرْفِ، وهو مِن أهْلِ جَهَنَّمَ وهو لُزُومٌ ادِّعائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى التَّفاؤُلِ بِالأسْماءِ ونَحْوِها كَما أشارَ إلَيْهِ التِّفْتَزانِيُّ في مَبْحَثِ العَلَمِيَّةِ مِن شَرْحِ المِفْتاحِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

قَصَدْتُ أبا المَحاسِنِ كَيْ أراهُ ∗∗∗ لِشَوْقٍ كانَ يَجْذِبُنِي إلِيهِ

فَلَمّا أنْ رَأيْتُ رَأيْتُ فَرْدًا ∗∗∗ ولَمْ أرَ مِن بَنِيهِ ابْنًا لَدَيْهِ

وقَدْ يَكُونُ أبُو لَهَبٍ كُنْيَتُهُ الحَطَبُ كَما أنْبَأ عَنْهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ («أنَّ ابْنَةَ أبِي لَهَبٍ قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ: إنَّ النّاسَ يَصِيحُونَ بِي ويَقُولُونَ: إنِّي ابْنَةُ حَطَبِ النّارِ» ) . الحَدِيثَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ لَفَظَ (لَهَبٍ) بِفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الهاءِ، وهو لُغَةٌ لِأنَّهم كَثِيرًا ما يُسَكِّنُونَ عَيْنَ الكَلِمَةِ المُتَحَرِّكَةِ مَعَ الفاءِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ (لَهَبَ) صارَ جُزْءَ عَلَمٍ، والعَرَبُ قَدْ يُغَيِّرُونَ بَعْضَ حَرَكاتِ الِاسْمِ إذا نَقَلُوهُ إلى العَلَمِيَّةِ كَما قالُوا: شُمْسٌ بِضَمِّ الشِّينِ. ولِشَمْسِ بْنِ مالِكٍ الشّاعِرِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَأبَّطَ شَرًّا في قَوْلِهِ:

إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ ∗∗∗ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكِ

قالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي في كِتابِ إعْرابِ الحَماسَةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمُّ الشِّينِ عَلى وجْهِ تَغْيِيرِ الأعْلامِ نَحْوَ مَعْدِ يَكْرِبَ، وتَهْلُكَ ومَوْهَبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا غُيِّرَ عَلى حالِ نَظائِرِهِ لِأجْلِ العَلَمِيَّةِ الحادِثَةِ فِيهِ اهـ.

وكَما قالُوا: أبُو سُلْمى بِضَمِّ السِّينِ كُنْيَةُ والِدِ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى؛ لِأنَّهم نَقَلُوا اسْمَ سَلْمى بِفَتْحِ السِّينِ مِن أسْماءِ النِّساءِ إلى جَعْلِهِ اسْمَ رَجُلٍ يُكَنّى بِهِ؛ لِأنَّهم لا يُكَنُّونَ بِأسْماءِ النِّساءِ غالِبًا.

صفحة ٦٠٣

ولِذَلِكَ لَمْ يُسَكِّنِ ابْنُ كَثِيرٍ الهاءَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ فَلَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ اشْتُهِرَتْ بَيْنَهم كُنْيَةُ أبِي لَهْبٍ بِسُكُونِ الهاءِ تَحْقِيقًا لِكَثْرَةِ دَوَرانِها عَلى الألْسِنَةِ في زَمانِهِ.

وجُمْلَةُ (وتَبَّ) إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ عَطْفَ الدُّعاءِ عَلى الدُّعاءِ إذا كانَ إسْنادُ التَّباتِ إلى اليَدَيْنِ لِأنَّهُما آلَةُ الأذى بِالرَّمْيِ بِالحِجارَةِ كَما في خَبَرِ طارِقٍ المُحارِبِيِّ، فَأُعِيدَ الدُّعاءُ عَلى جَمِيعِهِ إغْلاظًا لَهُ في الشَّتْمِ والتَّفْرِيعِ، وتُفِيدُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ لِأنَّها بِمَعْناها، وإنَّما اخْتَلَفَتا في الكُلِّيَةِ والجُزْئِيَّةِ، وذَلِكَ الِاخْتِلافُ هو مُقْتَضِي عَطْفِها، وإلّا لَكانَ التَّوْكِيدُ غَيْرَ مَعْطُوفٍ؛ لِأنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ لا يُعْطَفُ بِالواوِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الكافِرُونَ.

وإمّا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ ولا تَكُونُ دُعاءً إنَّما هي تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ ما دُعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

جَزى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ

وقَدْ فَعَلْ فَيَكُونُ الكَلامُ قَبْلَهُ مُسْتَعْمَلًا في الذَّمِّ والشَّماتَةِ بِهِ أوْ لِطَلَبِ الإزْدِيادِ، ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وقَدْ تَبَّ فَيَتَمَحَّضُ الكَلامُ قَبْلَهُ لِمَعْنى الذَّمِّ والتَّحْقِيرِ دُونَ مَعْنى طَلَبِ حُصُولِ التَّباتِ لَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ حِينَ خُرُوجِهِ إلى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ الَّتِي اسْتُشْهِدَ فِيها:

حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشِدا

يَعْنِي: ويَقُولُوا: وقَدْ رَشِدا، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ، لِمُجَرَّدِ الثَّناءِ والغِبْطَةِ بِما حَصَّلَهُ مِنَ الشَّهادَةِ.

111:2Page 603

مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ٢

His wealth will not avail him or that which he gained.

﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن إنْشاءِ الشَّتْمِ والتَّوْبِيخِ إلى الإعْلامِ بِأنَّهُ آيِسٌ مِنَ النَّجاةِ مِن هَذا التَّباتِ، ولا يُغْنِيهِ مالُهُ، ولا كَسْبُهُ، أيْ: لا يُغْنِي عَنْهُ ذَلِكَ في دَفْعِ شَيْءٍ عَنْهُ في الآخِرَةِ.

صفحة ٦٠٤

والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: ما أغْنى لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ عَدَمِ الإغْناءِ.

و(ما) نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ.

والمالُ: المُمْتَلَكاتُ المُتَمَوِّلَةُ، وغَلَبَ عَلى العَرَبِ إطْلاقُهُ عَلى الإبِلِ، ومِن كَلامِ عُمَرَ (لَوْلا المالُ الَّذِي أحْمِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ) إلَخْ. في اتِّقاءِ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، مِنَ المُوَطَّأِ، وقالَ زُهَيْرٌ:

صَحِيحاتِ مالٍ طالِعاتِ بِمَخْرَمِ

وأهْلُ المَدِينَةِ وخَيْبَرَ والبَحْرَيْنِ يَغْلِبُ عِنْدَهم عَلى النَّخِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ.

﴿وما كَسَبَ﴾ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ جَوازًا؛ لِأنَّهُ ضَمِيرُ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: وما كَسَبَهُ، أيْ: ما جَمَعَهُ. والمُرادُ بِهِ: ما يَمْلِكُهُ مِن غَيْرِ النَّعَمِ مِن نُقُودٍ وسِلاحٍ ورَبْعٍ وعُرُوضٍ وطَعامٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِمالِهِ: جَمِيعُ مالِهِ، ويَكُونَ عَطْفُ ﴿وما كَسَبَ﴾ مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ التّالِدُ وهو ما ورِثَهُ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وما كَسَبَهُ هو بِنَفْسِهِ وهو طَرِيفُهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ أبا لَهَبٍ قالَ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا فَأنا أفْتَدِي نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ بِمالِي ووَلَدِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما كَسَبَ هو ولَدُهُ فَإنَّ الوَلَدَ مِن كَسْبِ أخِيهِ.

111:3Page 603

سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ ٣

He will [enter to] burn in a Fire of [blazing] flame

﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾

بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أيْ: لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. ونَزَلَ هَذا القُرْآنُ في حَياةِ أبِي لَهَبٍ وقَدْ ماتَ بَعْدَ ذَلِكَ كافِرًا، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يُسْلِمُ، وكانَتْ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ.

والسِّينُ لِلتَّحْقِيقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] .

ويَصْلى نارًا يُشْوى بِها ويَحِسُّ بِإحْراقِها. وأصَّلُ الفِعْلِ: صَلاهُ بِالنّارِ، إذا

صفحة ٦٠٥

شَواهُ ثُمَّ جاءَ مِنهُ صَلِيَ كَأفْعالِ الإحْساسِ مِثْلَ فَرِحَ ومَرِضَ. ونُصِبَ (نارًا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ.

ووَصْفُ النّارِ بِـ ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المُناسَبَةِ بَيْنَ اسْمِهِ وبَيْنَ كُفْرِهِ، إذْ هو أبُو لَهَبٍ والنّارُ ذاتُ لَهَبٍ.

وهُوَ ما تَقَدَّمَ الإيماءُ إلَيْهِ بِذِكْرِ كُنْيَتِهِ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، وفي وصْفِ النّارِ بِذَلِكَ زِيادَةُ كَشْفٍ بِحَقِيقَةِ النّارِ وهو مِثْلَ التَّأْكِيدِ.

وبَيْنَ لَفْظَيْ (لَهَبٍ) الأوَّلِ (ولَهَبٍ) الثّانِي الجِناسُ التّامُّ.

111:4–5Page 603

وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ ٤

And his wife [as well] - the carrier of firewood.1

فِي جِيدِهَا حَبۡلٞ مِّن مَّسَدِۭ ٥

Around her neck is a rope of [twisted] fiber.

﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةُ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾

أعْقَبَ ذَمَّ أبِي لَهَبٍ ووَعِيدَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ لِأنَّها كانَتْ تُشارِكُهُ في أذى النَّبِيءِ ﷺ وتُعِينُهُ عَلَيْهِ.

وامْرَأتُهُ: أيْ: زَوْجُهُ. قالَ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ [هود: ٧١] وفي قِصَّةِ لُوطٍ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ وفي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] .

وامْرَأةُ أبِي لَهَبٍ هي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقِيلَ: اسْمُها العَوْراءُ، فَقِيلَ: هو وصْفٌ وأنَّها كانَتْ عَوْراءَ، وقِيلَ: اسْمُها، وذَكَرَ بَعْضُهِمْ: أنَّ اسْمَها العَوّاءُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الواوِ.

وكانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ تَحْمِلُ حَطَبَ العِضاهِ والشَّوْكَ فَتَضَعُهُ في اللَّيْلِ في طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي يَسْلُكُ مِنهُ إلى بَيْتِهِ لِيَعْقِرَ قَدَمَيْهِ.

فَلَمّا حَصَلَ لِأبِي لَهَبٍ وعِيدٌ مُقْتَبَسٌ مِن كُنْيَتِهِ جُعِلَ لِامْرَأتِهِ وعِيدٌ مُقْتَبَسٌ لَفْظُهُ مِن فِعْلِها وهو حَمْلُ الحَطَبِ في الدُّنْيا، فَأُنْذِرَتْ بِأنَّها تَحْمِلُ الحَطَبَ في جَهَنَّمَ لِيُوقَدَ بِهِ عَلى زَوْجِها، وذَلِكَ خِزْيٌ لَها ولِزَوْجِها، إذْ جَعَلَ شِدَّةَ عَذابِهِ عَلى يَدِ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ، وجَعَلَها سَبَبًا لِعَذابِ أعَزِّ النّاسِ عَلَيْها.

صفحة ٦٠٦

فَقَوْلُهُ (وامْرَأتُهُ) عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (سَيَصْلى) أيْ: وتَصْلى امْرَأتُهُ نارًا.

وقَوْلُهُ: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (حَمّالَةَ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِامْرَأتِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها صِفَتُها في جَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنَّها صِفَتُها الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِجَلْبِ حَطَبِ العِضاهِ لِتَضَعَهُ في طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ والإيماءِ إلى تَعْلِيلِ تَعْذِيبِها بِذَلِكَ.

وقَرَأهُ عاصِمٌ بِنَصْبِ (حَمّالَةَ) عَلى الحالِ مِنَ امْرَأتِهِ. وفِيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ والإيماءِ ما في قِراءَةِ الرَّفْعِ.

وجُمْلَةُ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ وذَلِكَ إخْبارٌ بِما تُعامَلُ بِهِ في الآخِرَةِ، أيْ: يُجْعَلُ لَها حَبْلٌ في عُنُقِها تَحْمِلُ فِيهِ الحَطَبَ في جَهَنَّمَ لِإسْعارِ النّارِ عَلى زَوْجِها جَزاءً مُماثِلًا لِعَمَلِها في الدُّنْيا الَّذِي أغْضَبَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْها.

والجِيدُ: العُنُقُ، وغَلَبَ في الِاسْتِعْمالِ عَلى عُنُقِ المَرْأةِ وعَلى مَحَلِّ القِلادَةِ مِنهُ، فَقَلَّ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ في وصْفِ النِّساءِ في الشِّعْرِ العَرَبِيِّ إلّا إذا كانَ عُنُقًا مَوْصُوفًا بِالحُسْنِ، وقَدْ جَمَعَهُما امْرُؤُ القَيْسِ في قَوْلِهِ:

وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ

قالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: ”والمَعْرُوفُ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ إذا ذُكِرَ الحُلِيُّ أوِ الحُسْنُ، فَإنَّما حَسُنَ هُنا ذِكْرُ الجِيدِ في حُكْمِ البَلاغَةِ؛ لِأنَّها امْرَأةٌ والنِّساءُ تَحُلِّي أجْيادَهُنَّ، وأُمُّ جَمِيلٍ لا حُلِيَّ لَها في الآخِرَةِ إلّا الحَبْلَ المَجْعُولَ في عُنُقِها، فَلَمّا أُقِيمَ لَها ذَلِكَ مَقامَ الحُلِيِّ ذُكِرَ الجِيدُ مَعَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الأعْشى:

يَوْمَ تُبْدِي لَنا قَتِيلَةُ عَنْ جِيـ ∗∗∗ دٍ أسِيلٍ تَزِينُهُ الأطْواقُ

ولَمْ يَقُلْ عَنْ عُنُقٍ، وقَوْلُ الآخَرِ:

وأحْسَنُ مِن عِقْدِ المَلِيحَةِ جِيدُها

ولَمْ يَقُلْ عُنُقُها ولَوْ قالَ لَكانَ غَثًّا مِنَ الكَلامِ“ . اهـ.

صفحة ٦٠٧

قُلْتُ: وأمّا قَوْلُ المَعَرِّيِّ:

الحَجْلُ لِلرِّجْلِ والتّاجُ المُنِيفُ لِما ∗∗∗ فَوْقَ الحِجاجِ وعِقْدُ الدُّرِّ لِلْعُنُقِ

فَإنَّما حَسَّنَهُ ما بَيْنَ العِقْدِ والعُنُقِ مِنِ الجِناسِ إتْمامًا لِلْمُجانَسَةِ الَّتِي بَيْنَ الحَجْلِ والرِّجْلِ، والتّاجِ والحِجاجِ، وهو مَقْصُودُ الشّاعِرِ.

والحَبْلُ: ما يُرْبَطُ بِهِ الأشْياءُ الَّتِي يُرادُ اتِّصالُ بَعْضِها بِبَعْضٍ وتُقَيَّدُ بِهِ الدّابَّةُ والمَسْجُونُ كَيْ لا يَبْرَحَ مِنَ المَكانِ، وهو ضَفِيرٌ مِنَ اللِّيفِ أوْ مِن سُيُورِ جِلْدٍ في طُولٍ مُتَفاوِتٍ عَلى حَسَبِ قُوَّةِ ما يُشَدُّ بِهِ أوْ يُرْبَطُ في وتْدٍ أوْ حَلْقَةٍ أوْ شَجَرَةٍ بِحَيْثُ يُمْنَعُ المَرْبُوطُ بِهِ مِن مُغادَرَةِ مَوْضِعِهِ إلى غَيْرِهِ إلى بُعْدٍ يُرادُ، وتُرْبَطُ بِهِ قُلُوعُ السُّفُنِ في الأرْضِ في الشَّواطِئِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] كِلاها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ويُقالُ: حَبَلَهُ إذا رَبَطَهُ.

والمَسَدُ: لِيفٌ مِن لِيفِ اليَمَنِ شَدِيدٌ، والحِبالُ الَّتِي تُفْتَلُ مِنهُ تَكُونُ قَوِيَّةً وصُلْبَةً.

وقُدِّمَ الخَبَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي جِيدِها﴾ لِلِاهْتِمامِ بِوَصْفِ تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ الَّتِي عُوِّضَتْ فِيها بِحَبْلٍ في جِيدِها عَنِ العِقْدِ الَّذِي كانَتْ تُحَلِّي بِهِ جِيدَها في الدُّنْيا فَتُرْبَطُ بِهِ إذا كانَتْ هي وزَوْجُها مِن أهْلِ الثَّراءِ وسادَةِ أهْلِ البَطْحاءِ، وقَدْ ماتَتْ أُمُّ جَمِيلٍ عَلى الشِّرْكِ.

* * *

صفحة ٦٠٨

صفحة ٦٠٩

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الإخْلاصِ

المَشْهُورُ في تَسْمِيَتِها في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وفِيما جَرى مِن لَفْظِهِ وفي أكْثَرِ ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ تَسْمِيَتُها (سُورَةَ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ) .

رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ورَوى أحْمَدُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ وعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: («قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» ) وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ أرادَ تَسْمِيَتَها بِتِلْكَ الجُمْلَةِ لِأجْلِ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ (تَعْدِلُ) فَإنَّهُ عَلى تَأْوِيلِها بِمَعْنى السُّورَةِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما فِيهِ تَسْمِيَتُها بِذَلِكَ، فَذَلِكَ هو الِاسْمُ الوارِدُ في السُّنَّةِ.

ويُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: («اللَّهُ الواحِدُ الصَّمَدُ) ثُلُثُ القُرْآنِ» فَذَكَرَ ألْفاظًا تُخالِفُ ما تُقْرَأُ بِهِ، ومَحْمَلُهُ عَلى إرادَةِ التَّسْمِيَةِ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ رَجُلًا لَمْ يُسَمِّهِ قَرَأ كَذَلِكَ والنّاسُ يَسْتَمِعُونَ وادَّعى أنَّ ما قَرَأ بِهِ هو الصَّوابُ وقَدْ ذَمَّهُ القُرْطُبِيُّ وسَبَّهُ.

وسُمِّيَتْ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الإخْلاصِ) واشْتُهِرَ هَذا الِاسْمُ لِاخْتِصارِهِ وجَمْعِهِ مَعانِي هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ فِيها تَعْلِيمَ النّاسِ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: سَلامَةَ الِاعْتِقادِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ.

وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ التُّونِسِيَّةِ سُورَةَ التَّوْحِيدِ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى إثْباتِ أنَّهُ تَعالى واحِدٌ.

وفِي الإتْقانِ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ الأساسِ لِاشْتِمالِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وهو

صفحة ٦١٠

أساسُ الإسْلامِ. وفي الكَشّافِ (رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وأنَسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أُسَّتِ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ عَلى ( قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ») . يَعْنِي: ما خُلِقَتْ إلّا لِتَكَوُنَ دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ.

وذَكَرَ في الكَشّافِ: أنَّها وسُورَةَ الكافِرُونَ تُسَمَّيانِ المُقَشْقِشَتَيْنِ، أيِ: المُبْرِئَتَيْنِ مِنَ الشِّرْكِ ومِنَ النِّفاقِ.

وسَمّاها البِقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ سُورَةَ الصَّمَدِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي جَمَعَها الفَخْرُ. وقَدْ عَقَدَ الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَصْلًا لِأسْماءِ هَذِهِ السُّورَةِ فَذَكَرَ لَها عِشْرِينَ اسْمًا بِإضافَةِ عُنْوانِ سُورَةُ إلى كُلِّ اسْمٍ مِنها ولَمْ يَذْكُرْ أسانِيدَها، فَعَلَيْكَ بِتَتَبُّعِها عَلى تَفاوُتٍ فِيها وهي: التَّفْرِيدُ، والتَّجْرِيدُ؛ (لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيها سِوى صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي هي صِفاتُ الجَلالِ)، والتَّوْحِيدُ (كَذَلِكَ)، والإخْلاصُ (لِما ذَكَرْناهُ آنِفًا)، والنَّجاةُ (لِأنَّها تُنْجِي مِنَ الكُفْرِ في الدُّنْيا ومِنَ النّارِ في الآخِرَةِ)، والوِلايَةُ؛ (لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ بِوَحْدانِيَّتِهِ فَهو مِن أوْلِيائِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَتَوَلَّوْنَ غَيْرَ اللَّهِ)، والنِّسْبَةُ (لِما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، كَما سَيَأْتِي)، والمَعْرِفَةُ (لِأنَّها أحاطَتْ بِالصِّفاتِ الَّتِي لا تَتِمُّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ إلّا بِمَعْرِفَتِها)، والجَمالُ (لِأنَّها جَمَعَتْ أُصُولَ صِفاتِ اللَّهِ وهي أجْمَلُ الصِّفاتِ وأكْمَلُها، ولِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ» ) . والمُقَشْقِشَةُ (يُقالُ: قَشْقَشَ الدَّواءُ الجَرَبَ إذا أبْرَأهُ لِأنَّها تُقَشْقِشُ مِنَ الشِّرْكِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ اسْمٌ لِسُورَةِ الكافِرُونَ أيْضًا)، والمُعَوِّذَةُ (لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وهو مَرِيضٌ فَعَوَّذَهُ بِها وبِالسُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَها وقالَ لَهُ: تَعَوَّذْ بِها) . والصَّمَدُ (لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ خُصَّ بِها)، والأساسُ (لِأنَّها أساسُ العَقِيدَةِ الإسْلامَيَّةِ)، والمانِعَةُ (لِما رُوِيَ أنَّها تَمْنَعُ عَذابَ القَبْرِ ولَفَحاتِ النّارِ) والمَحْضَرُ؛ (لِأنَّ المَلائِكَةَ تَحْضُرُ لِاسْتِماعِها إذا قُرِئَتْ)، والمُنَفِّرَةُ (لِأنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِراءَتِها)، والبَرّاءَةُ (لِأنَّها تُبْرِئُ مِنَ الشِّرْكِ)، والمُذَكِّرَةُ (لِأنَّها تَذْكُرُ خالِصَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُودَعٌ في الفِطْرَةِ)، والنُّورُ (لِما رُوِيَ أنَّ نُورَ القُرْآنِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ)، والأمانُ ( لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ما فِيها أمِنَ مِنَ العَذابِ.

صفحة ٦١١

وبِضَمِيمَةِ اسْمِها المَشْهُورِ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) تَبْلُغُ أسْماؤُها اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وقالَ الفَيْرُوزَ آبادِيُّ في بَصائِرِ التَّمْيِيزِ: إنَّها تُسَمّى الشّافِيَةَ فَتَبْلُغُ واحِدًا وعِشْرِينَ اسْمًا.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ والسَّدِّيُّ وأبُو العالِيَةِ والقُرَظِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ ونُسِبَ كِلا القَوْلَيْنِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.

ومَنشَأُ هَذا الخِلافِ الِاخْتِلافُ في سَبَبِ نُزُولِها، فَرَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ورَوى عُبَيْدٌ العَطّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبُو يَعْلى عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ. فَنَزَلَتْ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ إلى آخِرِها»، فَتَكُونُ مَكِّيَّةً.

ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أخا لَبِيَدٍ أتَيا النَّبِيءَ ﷺ فَقالَ عامِرٌ: إلامَ تَدْعُونا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ، قالَ: صِفْهُ لَنا أمِن ذَهَبٍ هو أمْ مِن فِضَّةٍ أمْ مِن حَدِيدٍ أمْ مِن خَشَبٍ ؟ (يَحْسَبُ لِجَهْلِهِ أنَّ الإلَهَ صَنَمٌ كَأصْنامِهِمْ مِن مَعْدِنٍ أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ»، فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً لِأنَّهُما ما أتَياهُ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ أحْبارَ اليَهُودِ ( مِنهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: صِفْ لَنا رَبَّكَ لَعَلَّنا نُؤْمِنُ بِكَ، فَنَزَلَتْ.

والصَّحِيحُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، فَإنَّها جَمَعَتْ أصْلَ التَّوْحِيدِ وهو الأكْثَرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ، ولَعَلَّ تَأْوِيلَ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ حِينَما سَألَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبَدُ، أوْ حِينَما سَألَ أحْبارُ اليَهُودِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السُّورَةَ، فَظَنَّها الرّاوِي مِنَ الأنْصارِ نَزَلَتْ ساعَتَئِذٍ، أوْ لَمْ يَضْبِطِ الرُّواةُ عَنْهم عِبارَتَهم تَمامَ الضَّبْطِ.

قالَ في الإتْقانِ: وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ بِتَكَرُّرِ نُزُولِها، ثُمَّ ظَهَرَ لِيَ تَرْجِيحُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ كَما بَيَّنْتُهُ في أسْبابِ النُّزُولِ اهـ.

وعَلى الأصَحِّ مِن أنَّها مَكِّيَّةٌ عُدَّتِ السُّورَةَ الثّانِيَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النّاسِ وقَبْلَ سُورَةِ النَّجْمِ.

صفحة ٦١٢

وآياتُها عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ أرْبَعٌ، وعِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ والشّامِ خَمْسٌ بِاعْتِبارِ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] آيَةً ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] آيَةً.

* * *

إثْباتُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.

وأنَّهُ لا يُقْصَدُ في الحَوائِجِ غَيْرُهُ وتَنْزِيهُهُ عَنْ سِماتِ المُحْدَثاتِ وإبْطالُ أنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ.

وإبْطالُ أنْ يَكُونَ المَوْلُودُ إلَهًا مِثْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والأحادِيثُ في فَضائِلِها كَثِيرَةٌ وقَدْ صَحَّ أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. وتَأْوِيلُ هَذا الحَدِيثِ مَذْكُورٌ في شَرْحِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском