Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:1–3

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الأعراف

Al-A'raf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

7:1Page 151

الٓمٓصٓ ١

Alif, Lām, Meem, Ṣād.1

﴿المص﴾ هَذِهِ الحُرُوفُ الأرْبَعَةُ المُقَطَّعَةُ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها هاتِهِ السُّورَةُ، يُنْطَقُ بِأسْمائِها ”ألِفْ، لامْ، مِيمْ، صادْ“، كَما يَنْطِقُ بِالحُرُوفِ مُلَقِّنُ المُتَعَلِّمِينَ لِلْهِجاءِ في المَكْتَبِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِها أسْماءُ الحُرُوفِ لا مُسَمَّياتُها وأشْكالُها، كَما أنَّكَ إذا أخْبَرْتَ عَنْ أحَدٍ بِخَبَرٍ تَذْكُرُ اسْمَ المُخْبَرِ عَنْهُ دُونَ أنْ تَعْرِضَ صُورَتَهُ أوْ ذاتَهُ، فَتَقُولُ مَثَلًا: لَقِيتُ زَيْدًا، ولا تَقُولُ: لَقِيتُ هَذِهِ الصُّورَةَ، ولا لَقِيتُ هَذِهِ الذّاتَ.

فالنُّطْقُ بِأسْماءِ الحُرُوفِ هو مُقْتَضى وُقُوعِها في أوائِلِ السُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها، لِقَصْدِ التَّعْرِيضِ لِتَعْجِيزِ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُزُولَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أيْ تَعْجِيزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٠

وإنَّما رَسَمُوها في المَصاحِفِ بِصُوَرِ الحُرُوفِ دُونَ أسْمائِها، أيْ بِمُسَمَّياتِ الحُرُوفِ الَّتِي يُنْطَقُ بِأسْمائِها ولَمْ يَرْسُمُوها بِما تُقْرَأُ بِهِ أسْماؤُها، مُراعاةً لِحالَةِ التَّهَجِّي فِيما أحْسَبُ أنَّهم لَوْ رَسَمُوها بِالحُرُوفِ الَّتِي يُنْطَقُ بِها عِنْدَ ذِكْرِ أسْمائِها خَشُوا أنْ يَلْتَبِسَ مَجْمُوعُ حُرُوفِ الأسْماءِ بِكَلِماتٍ مِثْلَ ياسين، لَوْ رُسِمَتْ بِأسْماءِ حُرُوفِها أنْ تَلْتَبِسَ بِنِداءِ مَنِ اسْمُهُ سِينٌ.

فَعَدَلُوا إلى رَسْمِ الحُرُوفِ عِلْمًا بِأنَّ القارِئَ في المُصْحَفِ إذا وجَدَ صُورَةَ الحَرْفِ نَطَقَ بِاسْمِ تِلْكَ الصُّورَةِ. عَلى مُعْتادِهِمْ في التَّهَجِّي طَرْدًا لِلرَّسْمِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ.

عَلى أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ سَنَّها كُتّابُ المَصاحِفِ فَأُقِرَّتْ. وإنَّما العُمْدَةُ في النُّطْقِ بِالقُرْآنِ عَلى الرِّوايَةِ والتَّلَقِّي، وما جُعِلَتْ كِتابَةُ المُصْحَفِ إلّا تَذْكِرَةً وعَوْنًا لِلْمُتَلَقِّي.

وتَقَدَّمَ هَذا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفِيما هُنا زِيادَةٌ عَلَيْهِ.

7:2Page 151

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

ذَكَرْنا في طالِعَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ في أوائِلِ السُّوَرِ أُعْقِبَتْ بِذِكْرِ القُرْآنِ أوِ الوَحْيِ أوْ في مَعْنى ذَلِكَ، وذَلِكَ يُرَجِّحُ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ التَّهَجِّي، إبْلاغًا في التَّحَدِّي لِلْعَرَبِ بِالعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ وتَخْفِيفًا لِلْعِبْءِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، فَتِلْكَ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وهي هُنا مَعْدُودَةٌ آيَةً ولَمْ تُعَدَّ في بَعْضِ السُّوَرِ.

فَقَوْلُهُ: كِتابٌ مُبْتَدَأٌ ووَقَعَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ أمّا لِأنَّها أُرِيدَ

صفحة ١١

بِها النَّوْعُ لا الفَرْدُ فَلَمْ يَكُنْ في الحُكْمِ عَلَيْها إبْهامٌ وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ جاءَنِي، أيْ لا امْرَأةَ، وتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ، وفائِدَةُ إرادَةِ النَّوْعِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ إنْكارَهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، واسْتِبْعادَهم ذَلِكَ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ كِتابٌ مِن نَوْعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، فَكَما نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ وكِتابُ مُوسى كَذَلِكَ نَزَلَ هَذا القُرْآنُ، فَيَكُونُ تَنْكِيرُ النَّوْعِيَّةِ لِدَفْعِ الِاسْتِبْعادِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] فالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ.

وأمّا لِأنَّ التَّنْكِيرَ أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ كَقَوْلِهِمْ ”

شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ

“ أيْ شَرٌّ عَظِيمٌ. وقَوْلُ عُوَيْفِ القَوافِي:

خَبَرٌ أتانِي عَنْ عُيَيْنَةَ مُوجِعٌ ∗∗∗ كادَتْ عَلَيْهِ تَصَدَّعُ الأكْبادُ

أيْ هو كِتابٌ عَظِيمٌ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ فَصارَ التَّنْكِيرُ في مَعْنى التَّوْصِيفِ.

وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالتَّنْكِيرِ التَّعْجِيبُ مِن شَأْنِ هَذا الكِتابِ في جَمِيعِ ما حُفَّ بِهِ مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإعْجازِ والإرْشادِ، وكَوْنُهُ نازِلًا عَلى رَجُلٍ أُمِّيٍّ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ ”كِتابٍ“ فَيَكُونَ مُسَوِّغًا ثانِيًا لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الأخْبارِ تَذْكِيرُ المُنْكِرِينَ والمُكابِرِينَ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلا يَحْتاجُونَ إلى الإخْبارِ بِهِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِتَغْلِيطِ المُشْرِكِينَ والمُكابِرِينَ والقاصِدِينَ إغاظَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالإعْراضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ الِامْتِنانُ والتَّذْكِيرُ بِالنِّعْمَةِ، فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في الِامْتِنانِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ.

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الخَبَرُ هو قَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مَعَ ما انْضَمَّ إلَيْهِ مِنَ

صفحة ١٢

التَّفْرِيعِ والتَّعْلِيلِ، أيْ هو كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَكُنْ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بِهِ، فَإنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ الكافِرِينَ وتُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ: تَسْكِينُ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ، وإغاظَةُ الكافِرِينَ، وتَأْنِيسُ المُؤْمِنِينَ، أيْ: هو كِتابٌ أُنْزِلَ لِفائِدَةٍ، وقَدْ حَصَلَتِ الفائِدَةُ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ إنْ كَذَّبُوا. وبِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ وبِعَدَمِ مُنافاةِ بَعْضِها لِبَعْضٍ يُحْمَلُ الكَلامُ عَلى إرادَةِ جَمِيعِها وذَلِكَ مِن مَطالِعِ السُّوَرِ العَجِيبَةِ البَيانِ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قَدَّرُوا مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وجَعَلُوا ”كِتابٌ“ خَبْرًا عَنْهُ، أيْ هَذا كِتابٌ، أيْ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ القُرْآنُ الحاضِرُ في الذِّهْنِ، أوِ المُشارَ إلَيْهِ السُّورَةُ أُطْلِقَ عَلَيْها كِتابٌ، ومِنهم مَن جَعَلَ كِتابٌ خَبْرًا عَنْ كَلِمَةِ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَتانَةِ المَعْنى.

وصِيغَ فِعْلُ: ”أُنْزِلَ“ بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ اخْتِصارًا، لِلْعِلْمِ بِفاعِلِ الإنْزالِ، لِأنَّ الَّذِي يُنْزِلُ الكُتُبَ عَلى الرُّسُلِ هو اللَّهُ تَعالى، ولِما في مادَّةِ الإنْزالِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّهُ مِنَ الوَحْيِ لِمَلائِكَةِ العَوالِمِ السَّماوِيَّةِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ﴾ اعْتِراضِيَّةٌ إذِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ أُنْزِلَ ومُتَعَلِّقِهِ وهو لِتُنْذِرَ بِهِ، فَإنَّ الِاعْتِراضَ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِالفاءِ كَما يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِالواوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ [النساء: ١٣٥] . وقَوْلِ الشّاعِرِ وهو مِنَ الشَّواهِدِ: اعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِّراوَقَوْلِ بَشّارِ بْنِ بُرْدٍ:

كَقائِلَةٍ إنَّ الحِمارَ فَنَحِّهِ ∗∗∗ عَنِ القَتِّ أهْلُ السِّمْسِمِ المُتَهَذِّبِ

ولَيْسَتِ الفاءُ زائِدَةً لِلِاعْتِراضِ ولَكِنَّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى التَّسَبُّبِ، وإنَّما

صفحة ١٣

الِاعْتِراضُ حَصَلَ بِتَقْدِيمِ جُمْلَتِها بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مُبادَرَةً مِنَ المُتَكَلِّمِ بِإفادَتِهِ لِأهَمِّيَّتِهِ، وأصْلُ تَرْتِيبِ الكَلامِ هُنا: كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرَ في مُغْنِي اللَّبِيبِ دُخُولَ الفاءِ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ في مَعانِي الفاءِ فَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمُونَ أنَّ الفاءَ لا تَقَعُ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ إلَيْكَ لا لِيَكُونَ في صَدْرِكَ حَرَجٌ، بَلْ لِيَنْشَرِحَ صَدْرُكَ بِهِ. ولِذَلِكَ جاءَ في نَفْيِ الحَرَجِ بِصِيغَةِ نَهْيِ الحَرَجِ عَنْ أنْ يَحْصُلَ في صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ لِيَكُونَ النَّهْيُ نَهْيَ تَكْوِينٍ، بِمَعْنى تَكْوِينِ النَّفْيِ، عَكْسَ أمْرِ التَّكْوِينِ الَّذِي هو بِمَعْنى تَكْوِينِ الإثْباتِ. مُثِّلَ تَكْوِينُ نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ صَدْرِهِ بِحالَةِ نَهْيِ العاقِلِ المُدْرِكِ لِلْخِطابِ، عَنِ الحُصُولِ في المَكانِ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ النَّهْيَ مُتَوَجِّهًا في الحَقِيقَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ، أيْ نَهْيَهُ عَنِ المُبالاةِ بِالمُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ، والغَمِّ مِن صَنِيعِهِمْ، وجَعَلَ النَّهْيَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ مُتَوَجِّهًا إلى الحَرَجِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّكْلِيفِ، بِاقْتِلاعِهِ مِن أصْلِهِ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ العَرَبِ: ”لا أرَيَنَّكَ هاهُنا“ أيْ لا تَحَضُرْ فَأراكَ، وقَوْلِهِمْ ”لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا“ أيْ لا تَفْعَلْهُ فَأعْرِفْكَ بِهِ، نَهْيًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. وأيًّا ما كانَ فالتَّفْرِيعُ مُناسِبٌ لِمَعانِي التَّنْكِيرِ المَفْرُوضِ في قَوْلِهِ ”كِتابٌ“، أيْ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ مِن جِهَةِ ما جَرَّهُ نُزُولُهُ إلَيْكَ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِكَ وإنْكارِهِمْ نُزُولَهُ، فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ مِن عِظَمِ أمْرِهِ وجَلالَتِهِ، ولا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ مِن عِظَمِ أمْرِهِ وجَلالَتِهِ، ولا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ فَإنَّهُ سَبَبُ شَرْحِ صَدْرِكَ بِمَعانِيهِ وبَلاغَتِهِ.

ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ حَرَجٌ يَنْشَأُ ويَسْرِي مِن جَرّاءِ المَذْكُورِ، أيْ مِن تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِهِ، فَلَمّا كانَ التَّكْذِيبُ بِهِ مِن جُمْلَةِ شُئُونِهِ، وهو سَبَبُ الحَرَجِ، صَحَّ أنْ يُجْعَلَ الحَرَجُ مُسَبَّبًا عَنِ الكِتابِ بِواسِطَةٍ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ حَرَجٍ مِن إنْكارِهِ أيْ إنْكارِ إنْزالِهِ مِنَ اللَّهِ.

والحَرَجُ حَقِيقَتُهُ المَكانُ الضَّيِّقُ مِنَ الغاباتِ الكَثِيرَةِ الأشْجارِ، بِحَيْثُ

صفحة ١٤

يَعْسُرُ السُّلُوكُ فِيهِ، ويُسْتَعارُ لِحالَةِ النَّفْسِ عِنْدَ الحُزْنِ والغَضَبِ والأسَفِ، لِأنَّهم تَخَيَّلُوا لِلْغاضِبِ والآسِفِ ضِيقًا في صَدْرِهِ لَمّا وجَدُوهُ يَعْسُرُ مِنهُ التَّنَفُّسُ مِنَ انْقِباضِ أعْصابِ مَجارِي النَّفَسِ، وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ.

و”لِتُنْذِرَ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أُنْزِلَ“ عَلى مَعْنى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، واقْتِرانُهُ بِلامِ التَّعْلِيلِ دُونَ الإتْيانِ بِمَصْدَرٍ مَنصُوبٍ لِاخْتِلافِ فاعِلِ العامِلِ وفاعِلِ الإنْذارِ. وجُعِلَ الإنْذارُ بِهِ مُقَدَّمًا في التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ الغَرَضُ الأهَمُّ لِإبْطالِ ما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الباطِلِ وما يُخَلِّفُونَهُ في النّاسِ مِنَ العَوائِدِ الباطِلَةِ الَّتِي تُعانى إزالَتُها مِنَ النّاسِ بَعْدَ إسْلامِهِمْ.

”وذِكْرى“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى لِتُنْذِرَ بِهِ، بِاعْتِبارِ انْسِباكِهِ بِمَصْدَرٍ، فَيَكُونُ في مَحَلِّ جَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَطْفَ جُمْلَةٍ، ويَكُونَ ”ذِكْرى“ مَصْدَرًا بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: وذَكِّرْ ذِكْرى المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ فَيَكُونَ اعْتِراضًا.

وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ ”تُنْذِرَ“، وصَرَّحَ بِمُتَعَلِّقِ ذِكْرى لِظُهُورِ تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ مِن ذِكْرِ مُقابِلِهِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ بِهِ الكافِرِينَ، وصَرَّحَ بِمُتَعَلِّقِ الذِّكْرى دُونَ مُتَعَلِّقِ ”تُنْذِرَ“ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضًا بِتَحْقِيرِ الكافِرِينَ تُجاهَ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ.

7:3Page 151

ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾

بَيانٌ لِجُمْلَةِ: لِتُنْذِرَ بِهِ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِها بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ . فالخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُشْرِكِينَ ويَنْدَرِجُ فِيهِ المُسْلِمُونَ بِالأوْلى، فَبَعْدَ

صفحة ١٥

أنْ نَوَّهَ اللَّهُ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وبَيَّنَ أنَّ حِكْمَةَ إنْزالِهِ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، أمَرَ النّاسَ أنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ إلَيْهِمْ، كُلٌّ يَتَّبِعُ ما هو بِهِ أعْلَقُ، والمُشْرِكُونَ أنْزَلَ إلَيْهِمُ الزَّجْرَ عَنِ الشِّرْكِ والِاحْتِجاجَ عَلى ضَلالِهِمْ، والمُسْلِمُونَ أنْزَلَ إلَيْهِمُ الأمْرَ والنَّهْيَ والتَّكْلِيفَ. فَكُلٌّ مَأْمُورٌ بِاتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، والمَقْصُودُ الأجْدَرُ هُمُ المُشْرِكُونَ تَعْرِيضًا بِأنَّهم كَفَرُوا بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ، فَوَصْفُ الرَّبِّ هُنا دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ: لِلتَّذْكِيرِ بِوُجُوبِ اتِّباعِ أمْرِهِ، لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي الِامْتِثالَ لِأوامِرِهِ، ونَهاهم عَنِ اتِّباعِ أوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم آلِهَةً دُونَهُ، والمُوَجَّهُ إلَيْهِمُ النَّهْيُ هُمُ المُشْرِكُونَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ .

والِاتِّباعُ حَقِيقَتُهُ المَشْيُ وراءَ ماشٍ، فَمَعْناهُ يَقْتَضِي ذاتَيْنِ: تابِعًا ومَتْبُوعًا، يُقالُ: اتَّبَعَ وتَبِعَ، ويُسْتَعارُ لِلْعَمَلِ بِأمْرِ الآمِرِ نَحْوَ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢] ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ حالَتَيْنِ، ويُسْتَعارُ لِلِاقْتِداءِ بِسِيرَةٍ أوْ قَوْلٍ نَحْوَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] وهو اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَنْبَنِي عَلى تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمَعْقُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ .

والمُرادُ بِما أُنْزِلَ هو الكِتابُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] .

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما تَضَمَّنَهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ لِأنَّ فِيما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّهُ الوَلِيُّ، وأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ، أيْ مُجازِيهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ فِعْلُهم، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آيِ القُرْآنِ؛ والمَقْصُودُ مِن هَذا النَّهْيِ تَأْكِيدُ مُقْتَضى الأمْرِ بِاتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمِ اهْتِمامًا بِهَذا الجانِبِ مِمّا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، وتَسْجِيلًا عَلى المُشْرِكِينَ، وقَطْعًا لَمَعاذِيرِهِمْ أنْ يَقُولُوا إنَّنا اتَّبَعْنا ما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما نَرى أوْلِياءَنا إلّا شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ فَما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فَإنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ

صفحة ١٦

بِمِثْلِ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: ”لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ“ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مَوْقِعُ الفَصْلِ الجامِعِ مِنَ الحَدِّ، ومَوْقِعُ ”ولا تَتَّبِعُوا“ مَوْقِعُ الفَصْلِ المانِعِ في الحَدِّ.

والأوْلِياءُ جَمْعُ ولِيٍّ، وهو المُوالِي، أيِ المُلازِمُ والمُعاوِنُ، فَيُطْلَقُ عَلى النّاصِرِ، والحَلِيفِ، والصّاحِبِ الصّادِقِ المَوَدَّةِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْمَعْبُودِ ولِلْإلَهِ: لِأنَّ العِبادَةَ أقْوى أحْوالِ المُوالاةِ، قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا هو المُرادُ هُنا. والِاتِّباعُ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في المَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الِاتِّباعُ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ: ولا تَتَّبِعُوا ما يَأْتِيكم مِن أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَنْسُبُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّيانَةِ الضّالَّةِ إلى الآلِهَةِ الباطِلَةِ، أوْ إلى سَدَنَةِ الآلِهَةِ وكُهّانِها، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦] كَما في سُورَةِ الأنْعامِ، وعَلى تِلْكَ الِاعْتِباراتِ يَجْرِي التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: ”أوْلِياءَ“ أيْ لا تَمْتَثِلُوا لِلْأوْلِياءِ أوْ أمْرِهِمْ أوْ لِدُعاةِ الأوْلِياءِ وسَدَنَتِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاتِّباعُ مُسْتَعارًا لِلطَّلَبِ والِاتِّخاذِ، أيْ لا تَتَّخِذُوا أوْلِياءَ غَيْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هو يَتَّبِعُ زَلَّةَ فُلانٍ. وفي الحَدِيثِ: «يَتَّبِعُ بِها شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ» أيْ يَتَطَلَّبُها.

ومِن في قَوْلِهِ: ”مِن دُونِهِ“ ابْتِدائِيَّةٌ، ودُونَ ظَرْفٌ لِلْمَكانِ المُجاوِزِ المُنْفَصِلِ، وقَدْ جُرَّ بِمِنِ الجارَّةِ لِلظُّرُوفِ، وهو اسْتِعارَةٌ لِلتَّرْكِ والإعْراضِ.

صفحة ١٧

والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ تَتَّخِذُوا، أيْ لا تَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مُتَّخِذِينَها دُونَهُ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ وإنْ كانُوا قَدِ اعْتَرَفُوا لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، واتَّبَعُوا أمْرَهُ بِزَعْمِهِمْ في كَثِيرٍ مِن أعْمالِهِمْ: كالحَجِّ ومَناسِكِهِ، والحَلِفِ بِاسْمِهِ، فَهم أيْضًا اتَّبَعُوا الأصْنامَ بِعِبادَتِها أوْ نِسْبَةِ الدِّينِ إلَيْها. فَكُلُّ عَمَلٍ تَقَرَّبُوا بِهِ إلى الأصْنامِ، وكُلُّ عَمَلٍ عَمِلُوهُ امْتِثالًا لِأمْرٍ يُنْسَبُ إلى الأصْنامِ، فَهم عِنْدَ عَمَلِهِ يَكُونُونَ مُتَّبِعِينَ اتِّباعًا فِيهِ إعْراضٌ عَنِ اللَّهِ وتَرْكٌ لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ اتِّباعًا مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في النَّهْيِ، وبِهَذا النَّهْيِ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الشِّرْكِ وتَأْوِيلاتُهُ كَقَوْلِهِمْ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى فَقَدْ جاءَ قَوْلُهُ: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ في أعْلى دَرَجَةٍ مِنَ الإيجازِ واسْتِيعابِ المَقْصُودِ.

وأفادَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ مَفادُ صِيغَةِ قَصْرٍ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَتَّبِعُوا إلّا ما أمَرَ بِهِ رَبُّكم، أيْ دُونَ ما يَأْمُرُكم بِهِ أوْلِياؤُكم، فَعَدَلَ عَنْ طَرِيقِ القَصْرِ لِتَكُونَ جُمْلَةُ: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ مُسْتَقِلَّةً صَرِيحَةَ الدَّلالَةِ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها عَلى نَحْوِ قَوْلِ السَّمَوْءَلِ أوِ الحارِثِيِّ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

وجُمْلَةُ: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”لا تَتَّبِعُوا“ . وهي حالٌ سَبَبِيَّةٌ كاشِفَةٌ لِصاحِبِها، ولَيْسَتْ مُقَيِّدَةٌ لِلنَّهْيِ: لِظُهُورِ أنَّ المُتَّبِعِينَ أوْلِياءُ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسُوا إلّا قَلِيلِي التَّذَكُّرِ. ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ اعْتِراضًا تَذْيِيلِيًّا. ولَفْظُ ”قَلِيلًا“ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهم قَدْ يَتَذَكَّرُونَ ثُمَّ يُعْرِضُونَ عَنِ التَّذَكُّرِ في أكْثَرِ أحْوالِهِمْ فَهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قَلِيلًا“ مُسْتَعارًا لِمَعْنى النَّفْيِ والعَدَمِ عَلى وجْهِ التَّلْمِيحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] فَإنَّ الإيمانَ لا يُوصَفُ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ.

والتَّذَكُّرُ مَصْدَرُ الذُّكْرِ - بِضَمِّ الذّالِ - وهو حُضُورُ الصُّورَةِ في الذِّهْنِ.

صفحة ١٨

وقَلِيلٌ مُسْتَعْمَلٌ في العَدَمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِالمُضَيِّعِ لِلْأمْرِ النّافِعِ يُقالُ لَهُ: إنَّكَ قَلِيلُ الإتْيانِ بِالأمْرِ النّافِعِ، تَنْبِيهًا لَهُ عَلى خَطَئِهِ، وإنَّهُ إنْ كانَ في ذَلِكَ تَفْرِيطٌ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَجاوَزَ حَدَّ التَّقْلِيلِ دُونَ التَّضْيِيعِ لَهُ كُلِّهِ.

وما مَصْدَرِيَّةٌ والتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا تَذَكُّرُكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قَلِيلًا“ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ تَذَكَّرُونَ و”ما“ مَزِيدَةً لِتَوْكِيدِ القِلَّةِ، أيْ نَوْعِ قِلَّةٍ ضَعِيفٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: لَوْ تَذَكَّرْتُمْ لَما اتَّبَعْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ولَما احْتَجْتُمْ إلى النَّهْيِ عَنْ أنْ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، وهَذا نِداءٌ عَلى إضاعَتِهِمُ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ في صِفاتِ اللَّهِ وفي نَقائِصِ أوْلِيائِهِمُ المَزْعُومِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما تَذَّكِّرُونَ بِفَوْقِيَّةٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَذَكَّرُونَ بِتاءَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ قُلِبَتْ ثانِيَتُهُما ذالًا لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَتَأتّى تَخْفِيفُهُ بِالإدْغامِ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ اخْتِصارًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: يَتَذَكَّرُونَ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ ثُمَّ فَوْقِيَّةٍ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، أعْرَضَ عَنْهم ووَجَّهَ الكَلامَ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ السّامِعِينَ: إلى النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском