Ibn 'AshurAl‑Inshiqaq · 84:1–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الإنشقاق

Al-Inshiqaq

The Sundering · Meccan · 25 ayahs

84:1–6Page 589

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ ١

When the sky has split [open]

وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٢

And has listened [i.e., responded]1 to its Lord and was obligated [to do so]

وَإِذَا ٱلۡأَرۡضُ مُدَّتۡ ٣

And when the earth has been extended1

وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ ٤

And has cast out that within it1 and relinquished [it]

وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٥

And has listened [i.e., responded] to its Lord and was obligated [to do so] –

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ ٦

O mankind, indeed you are laboring toward your Lord with [great] exertion1 and will meet it.2

صفحة ٢١٨

﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ .

قُدِّمَ الظَّرْفُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ عَلى عامِلِهِ وهو كادِحٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ وأوَّلُ الكَلامِ في الِاعْتِبارِ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلَخْ.

ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ إذا بِجُزْءٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ وكانَتْ إذا ظَرْفًا مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ صارَ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ جَوابًا لِشَرْطِ إذا ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إذا ظَرْفٌ خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، أيْ: خافِضٌ لِجُمْلَةِ شَرْطِهِ بِإضافَتِهِ إلَيْها مَنصُوبًا بِجَوابِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَكِلاهُما عامِلٌ ومَعْمُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.

و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ إذا مُؤَوَّلٌ بِالمُسْتَقْبَلِ وصِيَغَ بِالمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ إذا القَطْعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ.

وانْشَقَّتْ مُطاوِعُ شَقَّها، أيْ: حِينَ يَشُقُّ السَّماءَ شاقٌّ فَتَنْشَقُّ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ شَقَّها فانْشَقَّتْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وأذِنَتْ لِرَبِّها.

والِانْشِقاقُ: هَذا هو الِانْفِطارُ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] وهو انْشِقاقٌ يَلُوحُ لِلنّاسِ في جَوِّ السَّماءِ مِن جَرّاءِ اخْتِلالِ تَرْكِيبِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ أوْ مِن ظُهُورِ أجْرامٍ كَوْكَبِيَّةٍ تَخْرُجُ عَنْ دَوائِرِها المُعْتادَةِ في الجَوِّ الأعْلى فَتَنْشَقُّ القُبَّةُ الهَوائِيَّةُ فَهو انْشِقاقٌ يَقَعُ عِنْدَ اخْتِلالِ نِظامِ هَذا العالَمِ.

وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو التَّعْلِيقُ الشَّرْطِيُّ، أيْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ إذا في الشَّرْطِيَّةِ مِن قَصْدِ الجَزْمِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ بِخِلافِ إنَّ.

وأذِنَتْ أيِ: اسْتَمَعَتْ، وفِعْلُ أذِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ

صفحة ٢١٩

الأُذُنِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ آلَةُ السَّمْعِ في الإنْسانِ يُقالُ أُذُنٌ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَمِعْ لَهُ، أيْ: أصْغى إلَيْهِ أُذُنَهُ.

وهُوَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّأثُّرِ لِأمْرِ اللَّهِ التَّكْوِينِيِّ بِأنْ تَنْشَقَّ. ولَيْسَ هو بِاسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ ولا تَمْثِيلِيَّةٍ.

والتَّعْبِيرُ بِـ رَبِّها دُونَ ذَلِكَ مِن أسْماءِ اللَّهِ وطُرُقِ تَعْرِيفِهِ، لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والتَّدْبِيرِ.

وجُمْلَةُ وحُقَّتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها.

والمَعْنى: وهي مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَأْذَنَ لِرَبِّها لِأنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِ قُدْرَتِهِ وإنْ عَظُمَ سُمْكُها واشْتَدَّ خَلْقُها وطالَ زَمانُ رَتْقِها فَما ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَها، فَهو الَّذِي إذا شاءَ أزالَها.

فَمُتَعَلِّقُ حُقَّتْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ وأذِنَتْ لِرَبِّها أيْ: وحُقَّتْ بِذَلِكَ الِانْقِيادِ والتَّأثُّرِ يُقالُ: حُقَّ فُلانٌ بِكَذا، أيْ: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولَمّا كانَ فاعِلُ تَوْجِيهِ الحَقِّ غَيْرَ واضِحٍ تَعْيِينُهُ غالِبًا، كانَ فِعْلُ حُقَّ بِكَذا، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في الِاسْتِعْمالِ، ومَرْفُوعُهُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، فَيُقالُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، قالَ الأعْشى:

لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ مُوَفَّقُ

والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ.

ومَدُّ الأرْضِ: بَسْطُها، وظاهِرُ هَذا أنَّها يُزالُ ما عَلَيْها مِن جِبالٍ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ فَتَزُولُ انْثِناءاتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] .

صفحة ٢٢٠

ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنِ اتِّساعِ مِساحَةِ ظاهِرِها بِتَشَقُّقِها بِالزِّلْزالِ وبُرُوزِ أجْزاءٍ مِن باطِنِها إلى سَطْحِها.

ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يُزالَ تَكْوِيرُها بِتَمَدُّدِ جِسْمِها حَتّى تَصِيرَ إلى الِاسْتِطالَةِ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِاخْتِلالِ نِظامِ سَيْرِ الأرْضِ وتَغَيُّرِ أحْوالِ الجاذِبِيَّةِ وما بِالأرْضِ مِن كُرَةِ الهَواءِ فَيَعْقُبُ ذَلِكَ زَوالُ هَذا العالَمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى ما يُناسِبُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ في مَدِّ الأرْضِ ومُحْتَمِلٌ لِأنْ تَنْقَذِفَ مِن باطِنِ الأرْضِ أجْزاءٌ أُخْرى يَكُونُ لِانْقِذافِها أثَرٌ في إتْلافِ المَوْجُوداتِ مِثْلَ البَراكِينِ وانْدِفاعِ الصُّخُورِ العَظِيمَةِ وانْفِجارِ العُيُونِ إلى ظاهِرِ الأرْضِ فَيَكُونُ طُوفانٌ.

وتَخَلَّتْ أيْ: أخْرَجَتْ ما في باطِنِها فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ تَخَلّى يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الخُلُوِّ عَنْ شَيْءٍ لِما في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ كَما يُقالُ تَكَرَّمَ فُلانٌ إذا بالَغَ في الإكْرامِ.

والمَعْنى: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِمّا في باطِنِ الأرْضِ شَيْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ آنِفًا.

وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ إلى آخِرِهِ جَوابُ إذا بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: فَمُلاقِيهِ ونُسِبَ هَذا إلى المُبَرِّدِ، أيْ: لِأنَّ المَعْطُوفَ الأخِيرَ بِالفاءِ في الأخْبارِ هو المَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ مَعَهُ.

فالمَعْنى: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ لاقَيْتَ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ كَدْحِكَ لِمُلاقاتِهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ إدْماجًا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ أمامَ المَقْصُودِ.

وجَوَّزَ المُبَرِّدُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمُلاقِيهِ والتَّقْدِيرُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى آخِرِهِ لاقَيْتَ أيُّها الإنْسانُ رَبَّكَ.

وجَوَّزُ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وإنَّ الواوَ زائِدَةٌ في

صفحة ٢٢١

الجَوابِ. ورَدَّهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ العَرَبَ لا تُقْحِمُ الواوَ إلّا إذا كانَتْ إذا بَعْدَ حَتّى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أوْ بَعْدَ لَمّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣] الآيَةَ.

وقِيلَ: الجَوابُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ونُسِبَ إلى الكِسائِيِّ واسْتَحْسَنَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ.

والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فاللّامُ في قَوْلِهِ: الإنْسانُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وهو لِلِاسْتِغْراقِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] .

والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا وعِيدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، فالخِطابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ زِيادَةٌ لِلْإنْذارِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرٌ وتَبْشِيرٌ. وقِيلَ: أُرِيدَ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في الِاسْتِيعابِ والإصابَةِ ووَقَعَ في الكَشّافِ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ كَما ضَبَطَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ هو في جامِعِ الأُصُولِ بِالمُهْمَلَةِ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما سَبَبَ النُّزُولِ أوْ هو مَلْحُوظٌ ابْتِداءً.

والكَدْحُ: يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ لا نَتَحَقَّقُ أيُّها الحَقِيقَةُ، وقَدْ أهْمَلَ هَذِهِ المادَّةَ في الأساسِ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ. وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ حَقِيقَتَهُ: إتْعابُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدِّ. وتَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ إلى تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ عَمَلٌ يَنْتَهِي إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ساعٍ؛ لِأنَّ كَدْحَ النّاسِ في الحَياةِ يَتَطَلَّبُونَ بِعَمَلِ اليَوْمِ عَمَلًا لِغَدٍ وهَكَذا، وكَذَلِكَ يَتَقَضّى بِهِ زَمَنُ العُمُرِ الَّذِي هو أجَلُ حَياةِ كُلِّ إنْسانٍ ويَعْقُبُهُ المَوْتُ الَّذِي هو رُجُوعُ نَفْسِ الإنْسانِ إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَلَمّا آلَ سَعْيُهُ وكَدْحُهُ إلى المَوْتِ جُعِلَ كَدْحُهُ إلى رَبِّهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ كادِحٌ تَسْعى إلى المَوْتِ وهو لِقاءُ رَبِّكَ، وعَلَيْهِ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ حَرْفِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ماشٍ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا.

وكَدْحًا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ لِتَأْكِيدِ (كادِحٌ) المُضَمَّنِ مَعْنى ساعٍ إلى رَبِّكَ، أيْ: ساعٍ إلَيْهِ لا مَحالَةَ ولا مَفَرَّ.

صفحة ٢٢٢

وضَمِيرُ النَّصْبِ في مُلاقِيهِ عائِدٌ إلى الرَّبِّ، أيْ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، أيْ: لا مَفَرَّ لَكَ مِن لِقاءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ.

84:7–15Page 589

فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧

Then as for he who is given his record in his right hand,

فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨

He will be judged with an easy account

وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا ٩

And return to his people in happiness.

وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠

But as for he who is given his record behind his back,

فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١

He will cry out for destruction

وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا ١٢

And [enter to] burn in a Blaze.

إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا ١٣

Indeed, he had [once] been among his people in happiness;

إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ١٤

Indeed, he had thought he would never return [to Allāh].

بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا ١٥

But yes! Indeed, his Lord was ever, of him, Seeing.

﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .

هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.

والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.

والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.

وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ

صفحة ٢٢٣

المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.

والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.

و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.

وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.

﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.

والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.

وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.

ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.

صفحة ٢٢٤

والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.

والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.

والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.

ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .

وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.

وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ

صفحة ٢٢٥

يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.

وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.

وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .

ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.

والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.

وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.

صفحة ٢٢٦

وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском